الشاعر اليمني عبد الرحمن غيلان لـ(أشرعة) :
المفردة الجميلة تفرض نفسها إذا كنت صادقا في مشاعرك
ألامس قلوب الآخرين دون أن أستدعي ما حولي أو أخالف المألوف
لأكون مرغوبا
حاوره ـ إيهاب مباشر:عبد الرحمن
غيلان .. مدير علاقات صحيفة آدم وحواء .. درس القانون في
جامعة الحديدة .. صدر له ضمن إصدارات صنعاء عاصمة الثقافة
العربية 2004م أول ديوان وهو (مرافئ الحنين) .. والديوان
الثاني عام 2006 ويحمل عنوان (سيرة امرأة لن تكتمل) .. ولديه
ثلاث مجموعات شعرية تحت الطبع .. الأولى بعنوان العبير والثانية
بعنوان أحلام مؤجلة والثالثة بعنوان رجل اكتمل قبل أوانه
.. وأصدر بالاشتراك مع الشاعرة اليمنية خالدة النصيري أول
دويتو صوتي يمني بعنوان (همس العبير) .. التقته (أشرعة)
فكان الحوار التالي ..
* متى اكتشفت في نفسك الموهبة الشعرية ؟
** الغريب أنني كتبت الشعر بعد زواجي بستة أشهر ، حيث إنني
تزوجت مبكرا في الخامسة عشرة ، وجاء الشعر نتيجة انفعال
مؤقت ، أما مسألة النشر فجاءت بعد مرحلة الشهادة العامة
.
* متى جاءت مسألة نشر إبداعاتك الشعرية ؟
** كتبت كثيرا دون أن أنشر ما أكتب ، إلى أن انتقلت من قريتي
إلى مدينة الحديدة ومنها بدأت أنشر محاولاتي الشعرية الأولى
إلى أن جاء عام 2004 والذي كان فاتحة خير على المبدعين اليمنيين
عموما ، وانتقلت إلى صنعاء وشاركت في الملتقى الأول الشعري
للشعراء الشباب العرب ، بعد ذلك كانت الحملة الثقافية الجادة
من وزارة الثقافة والسياحة باليمن ، فكل الشباب خرجت كتاباتهم
الشعرية للنور في شكل دواوين وكان وقتها (مرافئ الحنين)
وتمت طباعته احتفاء بصنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004م
.
* لمن قرأت الشعر وكيف تأثرت بمن قرأت ؟
** أولا أنا من بيئة منغلقة نوعا ما ، وهي لا تؤمن بالشعر
، ولذا كنت نشاذا بينهم ، وجوبهت بكثير من المصاعب والمتاعب
بسبب هذا الاتجاه لأن الشعر وقتها ولا يزال من يكتبه متهما
في المنطقة التي نشأت فيها ، لكنني تجاوزت هذا الأمر بعد
إصداري الديوان الأول ، كنت دائما ما أقرأ الشعر القديم
وأول من تأثرت به هو الشاعر اليمني حسن الشرفي ثم بعد ذلك
بالكثير من الشعراء العرب وتأثرت بالشاعر محمود درويش ،
والدكتور عبد العزيز المقالح ، وهي مجموعة متنوعة ما بين
شعر عمودي وحداثة .
* وبأي شكل كتبت شعرك ؟
** شعر العمود ، فهو المدخل لكل ما هو جميل من الناحية الشعرية
، فإيماني بالشاعر وشعره يبدأ من بوابة الشعر العمودي ،
ثم ينتقل إلى ما يشاء ، لأنه إذا لم تكن في القصيدة موسيقى
وخيال وغناء ورقص داخلي في النص ، فأين الشعر إذن.
* كيف ترى المشهد الثقافي اليمني ؟
** المشهد الثقافي في اليمن في حراك غير عادي ، بل وأصبح
حراكا استثنائيا في عام 2004م وربما وصل مداه لأكثر من موطن
وقطر عربي ، وفي الحقيقة أنا وغيري من الشباب دائما ما نردد
هذا الكلام وندين لما وصلنا إليه وحظينا به إلى وزارة الثقافة
والسياحة اليمنية ، فهي انتشلتنا من واقع مؤلم وسطرت مستقبلنا
الثقافي والأدبي وهو ما وضح من الجهد الواضح للقائمين عليها
ومتابعة الشباب من مختلف المحافظات اليمنية وإشراكهم في
الملتقى الشعري الأول مع الشباب العرب من كل الأقطار العربية
، لنا أن نذكر رموز الأدب في اليمن ومبدعيه قبل هذا الوقت
لكن الإبداع من عام 2004 كما أكرر ويكرر غيري ، أنه أخذ
شكلا آخر فأصبح الإبداع للجميع ، وبمقدور أي شاعر شاب أن
ينشر إبداعاته ويحيي أمسياته وهذا هو المسار الجديد الذي
أحببت أن أؤكده بالنسبة للمشهد الثقافي اليمني .
* .. والمشهد الثقافي العربي ؟
** أتابع المشهد الثقافي العربي من خلال المواقع الثقافية
لشبكة الإنترنت ، وأرى ما يبشر بشيء جميل من خلال الشعرء
الشباب على مختلف أجناسهم ، وبالرغم من أن هناك من الأقطار
العربية ما كانت قراءتي لمشهدها حديثا ، وكانت رؤيتي لها
حداثية بحتة ، لكنني فوجئت من خلال متابعة شبكة الإنترنت
بشعراء عموديين شباب في عمق موقع الحداثة ، سواء كان ذلك
في مصر أو المغرب وتونس وباقي الدول العربية .
* وهل تواصلت معهم ؟
** نعم تواصلنا وكانت هناك في السابق بعض الحواجز التي كانت
تواجه المبتدئ لكن وبمجرد ما انكسرت هذه الحواجز بحكم وجود
شعراء كبار ولهم وزنهم على الساحة الشعرية ، وهؤلاء كانوا
من ضمن من أزالوا هذه الحواجز من أمامنا ، فهم كانوا وأبدا
رائعين وأمدونا بخبراتهم وعصارة تجاربهم .
* كيف تأثرت بتواصلك مع الشعراء الآخرين ؟
** بداية كنت لا أؤمن بالتواصل عبر شبكة الإنترنت .. لكن
ما أذهلني أن الصداقة التي نشأت جراء التواصل شبه اليومي
مع الآخرين عبر هذه الشبكة ومن كنا لا نعرفهم قبل ذلك وتم
التواصل بيننا ، وجدناهم في شوارع وأزقة صنعاء حقيقة واقعة
وشيء جميل ورائع جدا ، بل أصبح التواصل والاهتمام لدى البعض
أكثر من التواصل مع المقربين في حياتنا اليومية ، وهذا التوصل
ممتد إلى كافة الأقطار ، وبسبب هذا التواصل زالت حواجز كبيرة
وأضفت على الألوان الشعرية طابع القرب والألفة . وقد تأثرت
في الشعر العمودي بالشاعر علوان الجيلاني والشاعر جميل مفرح.
* كيف ترى الشعر الآن بين الأجناس
الأدبية الأخرى ؟
** الشعر يظل شعرا في أي زمان ومكان ، لا يحل محله شيء ،
لكن في اعتقادي أن الشاعر دائما ما يحلم بأن يكون روائيا
، باعتبار أن الرواية يستطيع من خلالها أن يقول كل شيء ،
ويظل الشعر له مكانته الخاصة ، فهو ديوان العرب ، أيضا الرواية
ربما تستطيع من خلالها أن تقول كل ما تريد دون أي حدود ،
والشعر على مرمى حجر الآخرين وهو دائما مستهدف ، وأنا مع
الجمال أينما وجد في أي شكل من أشكاله الشعرية .
* كيف أثرت فيك وفي شعرك مفردات البيئة التي نشأت بها ؟
** تأثرت بالحنين .. بالشجن ، تأثرت بالغربة ، عشت ومازلت
أعيش هذه الغربة وأنا حولي الأهل والأصدقاء ، لا أدري لماذا
ولكن هكذا جاءت ، تأثرت بالقرية كثيرا ، وقد احتضنت أيام
طفولتي وصبايا ، تأثرت أيضا بالمرأة والطفل والطبيعة بشكل
كبير ، ربما انغلاق القرية على نفسها هو ما جعلني أكتب أكثر
.
* ما أحب قصيدة إلى قلبك ؟
** القبيلة والتي أقول فيها .. طاردتني القبيلة حين أودعت
قبلة هذا الصباح .. على خدها المخملي .. وغطت عيون الأفاعي
عن امرأة سافحت شيخها .. وامرأة بللت صدره وامرأة راقصت
شيبه .. ذات ليل أوت فيه من بعلها الحارس المستنير .. خاصمتني
القبيلة وما زلت أهفو .. وما فتئت تنهش العرض كل نهار ..
ومازلت أبصق صبحا بوجه البقية .. وليلا أغادرهم .. صدرها
المستجير .
* متى تكتب شعرك ؟
** أحب أن أكتب قريب الفجر ، وأحببت دائما أن أكتب في أجواء
هادئة والآن أحيانا أستطيع أن أنفصل حتى ولو كان كل ما حولي
ضوضاء ، أنفصل عنهم حتى ولو كنت بينهم ، وأعتقد أن حالة
الشجن مطلوبة في الطقوس وأحيانا تتلبسني مسألة الحنين والشوق
والغربة الداخلية فلا تدعني أكتب .
* ماذا يمثل لك تواصلك الثقافي
مع من حولك ؟
** التواصل والتلاقح الثقافي مع الآخرين شيء لا يمكن تعويضه
بآلاف الكتب وآلاف القراءات ، والتواصل مع الآخر من خلال
الملتقيات الثقافية شيء جميل وربما ندرك إيجابية هذا الشيء
فيما بعد وإن لم يكن المردود آنيا .
* في أي أغراض الشعر يكتب عبد الرحمن غيلان ؟
** أكتب في العاطفة باستمرار وما يعيش بمخيلتي ويراودني
دائما هو شعر الغزل ، ورغم أن الكثير من الشعراء يحصرون
الكتابة عن المرأة في الغزل إلا أنني أختلف معهم في ذلك
، فالمرأة وطن ، المرأة ليست جسدا فقط ، فهي في كثير من
الأحيان أعتبرها كائنا خرافيا وحتى أنني أكتب حول هذا المفهوم
، وحتى القضايا السياسية أنفذ إليها من خلال نافذة عاطفية
وهذا هو إيماني المطلق بالعاطفة ، لا أكتب شعر المديح ،
وكل ما كتبته عن العاطفة بداخلي .
* ذكرت أن بيئتك المحيطة لا تقبل الكتابة عن المرأة ؟
** المجال مفتوح أمامنا رغم وجود العادات والتقاليد التي
تجرم وتحرم أشياء كثيرة ، لكن كل ما هو ممنوع مرغوب ، وكل
شاعر له طريقته الخاصة في التعامل مع هذه الإشكالية ، وأنا
أزعم أنني كتبت ليس كما أريد بالضبط ، لكن يبقى أن أقول
إنه يهمني أن يصل معنى ما أريد لمن أريد ، وربما قد وصل
.
* هل التصفح الإلكتروني يغني عن تصفح الكتاب الورقي ؟
** الكتاب لا غنى عنه ، ومتعة القراءة لا غنى عنها مطلقا
، لكن التكنولوجيا الهائلة عبر شبكة الإنترنت تجبرنا على
التواصل الحميمي مع الآخر ، اختصارا للزمن والأماكن ، ونظل
مدينين لهذه الشبكة ، أما الكتاب الورقي فلا غنى عنه فله
متعته الخاصة .
* هل يحتاج الشاعر إلى الاطلاع الدائم على تجارب الآخرين
؟.
** الشعر موهبة تحتاج إلى الصقل ، وقد سبق أن وقفت مع نفسي
محاولا الخروج من بين الركام الذي كان يتساقط ، والشاعر
لابد وأن يبني نفسه من خلال اطلاعه وقراءاته المتواصلة ويتحرك
في كل الاتجاهات بما يخدم فكرته وطموحه وأحلامه .
* وأهمية اللغة في صقل التجربة الشعرية ؟
** أذكر أننا كنا خلال مرحلة الشهادة العامة ، فكان معلمو
العربية يركزون على مادة النحو والصرف أكثر من أي فرع آخر
من فروع العربية ، ليس بشكل مبسط ولكن التناول كان بطريقة
معقدة ، وأنا في اعتقادي أن الشاعر لا يتوقف كثيرا عند هذه
المسألة ، فهناك طرق أخرى لصقل الموهبة الشعرية لدى الشاعر.
* هل تلبسك أحد الشعراء الكبار .. وماذا فعلت ؟
** نعم .. الشاعر نزار قباني ، وقد حاولت أن أمسح كل القصائد
التي تحمل طابعه من ذاكرتي ، وباعتقادي هو الشاعر الذي لم
يترك شيئا لمن بعده .
* ماذا تتمنى للشعراء من جيل الشباب ؟
** أتمنى أن تزول كل الحواجز بين الشعراء الشباب في الوطن
العربي ، وألا يؤخذ الشاعر بجريرة كلمة قالها دون قصد ،
الشعر من المفترض ألا يكون إلا عاطفة بكل أشكالها ، بعيدا
عن الكتابة التقليدية .
* كيف ترى معايشة الأشكال الشعرية لبعضها البعض ؟
** أولا .. أنا أؤمن بالمفردة الجميلة أينما كانت ، مع تمسكي
عن تجربة بالشعر العمودي والتفعيلة ، أو الموسيقى الشعرية
بشكل عام ، وهي اعتقادات أولى صاحبتني ، لكن ليس هناك مانع
من أن يكون هذا شاعرا جميلا وهذا ناثرا جميلا أيضا ، فالرافعي
والمنفلوطي لو كانا متعايشين إلى وقتنا الحالي لكانا من
الشعراء ، لقد كتبا أروع ما يقوله الآن كتاب وشعراء الحداثة
، ولكنهما لم يسميا نفسيهما شاعرين ، وتظل هذه الإشكالية
المفترضة قائمة ولكن لا ينبغي أن نتوقف لديها كثيرا ، على
اعتبار أن الشعر يظل شعرا ويفرض نفسه في كل الأوقات والأزمنة
، والحداثة حتى على المستوى الشخصي لا تعني التفسخ والعري
وتقليد الآخر تقليدا أعمى ، مثلا شاعرنا الكبير عبدالله
البردوني كان حداثيا بالدرجة الأولى مع أنه لم يكتب نصا
حداثيا ، وكانت كتابته الشعرية عمودية ، فحداثته في مضمون
ما يكتب وليس في الشكل .
* هل لديك تعريف محدد للبلاغة ؟
** البلاغة هي أن تلامس قلوب الآخرين ببساطة ، وبدون أن
تستدعي كل ما حولك لكي تصل إلى مفهوم بسيط أو تخالف المألوف
لتكون مرغوبا ، البساطة في كل شيء والمفردة الجميلة تفرض
نفسها إذا كنت صادقا في مشاعرك وأحاسيسك ، وستصل حتما .
* .. وماذا عن الحركة النقدية باليمن ؟
** ربما لم تصل إلى الشيء المطلوب ، لكن تظل هناك موجة عارمة
من الشعراء الشباب والنقاد الشباب في اليمن بشكل جميل ورائع
جدا .
أعلى
عن جمعة الفيروز الذي ذهب للنوم باكراً
الثلاثاء 20 فبراير 2007، صادف الذكرى السابعة لرحيله
"تخاطبني مرايا النوم
توقظ أعين القصائد الناعسة"
ـ جمعة الفيروز ـ
في يوم الإثنين 20 فبراير 2000
توفي جمعة الفيروز بمسقط رأسه في رأس الخيمة. ما حدث بالأحرى
هو انه ذهب للنوم مثلما يفعل معظم البشر في كل ليلة. ولاحقاً
قال الطبيب انه توفي منذ إحدى عشرة ساعة.
أظن أنني لو لم ألتق بجمعة الفيروز ذات ليلة بعيدة برفقة
صديقٍ يمنيٍّ مشترَك في صيف 1977 أو 1978 لما أصبحتُ شاعراً
(يروق لي أحياناً، بالمناسبة، أن اعتبر نفسي شاعراً)؛ فقد
كان لقاء ذلك الفيروز الجلفاريِّ أروع ما حدث لي في السنة
الأولى من استقراري في مدينة أبوظبي. لم يكن في محيطي الوظيفي
والسكني في الجيش شعر ولا شعراء، بل كل ما لأجله الشعر والشعراء
يحزنون. أما جمعة الفيروز فقد كان يعمل، في ذلك الوقت، في
أقصى نقطة يمكن تخيُّل بُعدها عن الشِّعر أيضاً، فقد كان
ضابطاً في الشرطة.
في حضرة ذلك الفيروز الجلفاريِّ الأصيل، في تلك الليلة،
رأيت وسمعت للمرة الأولى في حياتي عنصرين كونيين هائلين:
شاعراً يضع أوراقه على المنضدة ويقرأ شعره غير الفقهيِّ
أو غير الدِّينيِّ أو غير الوعظي (الذي كنتُ معتاداً عليه
بعض الشئ) بلسانه ويسرد بلوعة موت حبيبته الفاجع على إثر
حادث سيارة، وعوداً يعزف عليه الشاعر ويغنِّي بألم في تنويع
على وجعه (كان الراحل قد أخذ دروساً في الموسيقى بالمعهد
العالي للموسيقى في القاهرة، وكان الملحِّن والمطرب الإماراتي
المعروف عيد الفَرَج أحد أصدقائه المقرَّبين).
كنت، إذاً، متحفزاً، مستنفراً جسدي وحواسي كلها، وروحي ترتعش
في المشهد الآسر والمخيف معاً إلى درجة اني لم أستطع التلفُّظ
سوى بجمل قليلة ومرتبكة طوال الجلسة، على الرغم من ان الراحل
كان يفعل ما في وسعه من أجل فكِّ خرسي وإنطاق لساني، خاصة
وإن ما تمكنت بقدرة قادر من ارتجاله عن الشِّعر، أو عن الحب،
أو عن عُمان، أو عن الثلاثة جميعاً (لم أعد أتذكر بالضبط)
يبدو انه قد أعجَبَهُ ومسَّ موقعاً منه. وكنت أختلس النظر-
كمن لا يحقُّ له أن يفعل ذلك في أعراف الضيافة وتقاليدها-
إلى رفوف المكتبة الكبيرة المحاذية لغرفة الجلوس من دون
فاصل لأرى عليها، ضمن كتب أخرى، "الشوقيَّات"
و"العقَّاديات" وأعمال طه حسين كاملة، فأقول لنفسي،
أنا الذي كان بالكاد يمتلك عدداً قليلاً من الكتب موضوعة
بما يشبه الخلسة ضمن حاجياتي القليلة الأخرى في صندوق حديدي
تحت السرير في الثكنة (في ذلك الزمن على الأقل، حين يراك
الجنود وأنت ممسك بكتاب وتقرأ فإنهم يضحكون هازئين مستغربين
من الخلل الكبير الذي ألمَّ بعقلك).. أقول لنفسي، إذاً:
يا إلهي!. فكَّرتُ أكثر من مرة في استئذانه لتصفح رفوف المكتبة
لكني كنت أتراجع في كل مرة. يا للجمال الملائكي المرعب الذي
أسرني في تلك الليلة التي كنت أطلُّ فيها على تجربة جديدة.
وقبل الإنصراف أعطاني جمعة الفيروز مشكوراً كثيراً من صور
زنكوغرافيَّة أو نسخ من بعض قصائده.
سيكون من نافل القول اني حفظت تلك النصوص جميعاً عن ظهر
قلب خلال يومين أو ثلاثة، وكنت أرددها في الصباح وفي المساء،
في النوم وفي اليقظة؛ بل أن بعض تلك الأبيات الفيروزيَّة
أو أجزاء منها لا يزال يقفز إلى ذاكرتي لغاية الآن وغالباً
بلا مناسبة. فلأتذكر، مثلاً، انه شَبَّه امرأة واثقة من
نفسها بأنها "كالربيع أثقَلَتْهُ ثمارا"، وبالنسبة
إلى المراهق ذي الثالثة عشر أو الرابعة عشر الذي كُنتُ في
ذلك الوقت كانت هذه الصورة باسقة وشهيَّة بما فيه الكفاية.
وأتذكر جيداً أن كل نصٍّ من نصوص جمعة الفيروز تلك كان يبدأ
بالعنوان، طبعاً، ثم بـ"شرح" نثريٍّ لمحتواه بالقلم
الرصاص مكتوب بخط في غاية الأناقة، ثم تأتي القصيدة الموزونة
المقفَّاة بعد ذلك مكتوبة بقلم الحبر السائل بنفس درجة أناقة
الخط على ورقة بيضاء مُسَطَّرة، ثم ثمَّة على النص الشعري
خط مستقيم بقلم الرصاص على الصدر وآخر على العجز. ما الذي
يعنيه ذلك؟. لا أدري، لكني حين أستعيد اليوم صورة تلك النصوص
وقد تمدد عليها خطَّان بقلم الرصاص لا أستطيع أن أفكِّر
بغير التبرؤ، أو الإمِّحاء، أو الزوال .
وفي وسعكم تصور اني في اليوم التالي لتسلمي تلك النصوص ابتعت
عدداً لا بأس به من المباري والمسَّاحات وأقلام الرصاص،
إضافة إلى قلم حبر من نوع "باركر" مع محبرة من
نفس الماركة المعروفة حتى لا تتأثر الجودة والنوعية الشِّعريَّتين
لو ابتعت محبرة من ماركة أخرى أقل شأناً، ورزمة أوراق بيضاء
مُسطَّرة كبيرة؛ فقد قلت لنفسي اني أريد أن أكون شاعراً
ايضاً، وأن هكذا سيبدأ الشِّعر ويكون!.
هكذا، إذاً، بدأت بـ"النسج على منواله" في ثكنة
الجيش المُكَيَّفة التي كانت أنوارها تطفأ إلزامياً في الحادية
عشرة مساء. وفي هذه الحالة كنت أخرج بزوَّادتي القلميَّة
والورقيَّة إلى مكان يقع خلف دورة المياه العموميَّة في
المعسكر. لم تكن الروائح هناك زكيَّة على وجه الدقَّة والتحديد
فقد كانت صهاريج الشفط تأتي لأخذ "الأشياء السيئة"
المتراكمة طوال اليوم والليل في الصباح الباكر من كل يوم،
وبالتالي فقد كانت تلك الروائح على أشدها في ذلك الوقت.
أما حرارة الصيف ورطوبته الدَّبقة فلم تعملا على أن تكون
الأشياء معقولة أكثر. ولكن كان يوجد هناك مصباح كهربائي
يظل مضاء طوال الليل، وقد كانت هذه نعمة كبيرة للشاعر الصغير.
وحين سمحت لي ظروفي باقتناء درَّاجة ناريَّة لاحقاً تخلَّصتُ
من الروائح اللاشِعريَّة تلك، وابتهجتُ بقدوم الشتاء الخجول،
فقد كنت آخذ زوَّادتي الثمينة إلى الدُّوَّار القريب من
المعسكر المقام على أحد أطراف المدينة، والذي توجد فيه أضواء
خضراء وبرتقالية وحمراء باهتة لتزيين أعشابه ومزروعاته وصخوره.
كانت الإضاءة الخافتة والصخور العالية توفر لي حماية تروق
لي، وكانت كافية للأوراق والأقلام والقلب الأخضر الصغير
جميعاً، فقد كانت تمنحني شعوراً بالسِّريَّة لا أدري لمَ
كنت بحاجة إليه إلى ذلك الحد.
لم تُتَح لي فرصة لقاء موسَّع بجمعة الفيروز بعد ذلك إطلاقاً
على الرغم من اني تمنيت الأمر في سِرِّي كثيراً. غير اني
لم أفعل شيئاً، من الناحية العمليَّة، سعياً للقاء ثانٍ
عبر صاحبنا اليمنيِّ المشترك الذي كنت أسأله عن أخبار الشاعر
كلما التقينا، أو عبر الاتصال الهاتفي مباشرة بجمعة الفيروز
الذي أعطاني مشكوراً رقمي هاتفيه في العمل وفي السكن، وذلك
لأنني توصلتُ إلى قناعة نهائية حاسمة وجادَّة تماماً مفادها
اني في مقامٍ لا يسمح لي بحظوة لقاء الشاعر مرة أخرى، فقد
حصلتُ على فرصتي وعليَّ ألاّ أكون طمَّاعاً.
لكن ما حدث هو اني صادفت جمعة الفيروز في شئ من الفعاليَّات
الثقافية التي بدأت أواظب على حضورها في أبوظبي مرة أخرى،
أو مرتين، في نهاية السبعينيات. كنت طبعاً بنفس درجة الفرحة
بلقاء جمعة الفيروز التي غمرتني على اثر اللقاء الأول به.
بَيْدَ اني خجلت في ذلك اللقاء السريع، أو اللقاءين السريعين،
أن أقول له انه صار لدي مَبَارٍ ومسَّاحات ورُزَم من الأوراق
البيضاء المسطَّرة وأقلام رصاص كثيرة، إضافة إلى قَلَمَي
حبر من نوع "باركر" ومحبرتين من نفس الماركة العتيدة
إحداهما تحتوي حبراً أزرق والأخرى تحتوي حبراً أسود، وإنني
أكتبُ الشعر أيضاً!.
وفي الثمانينيات كان جمعة الفيروز يستبدل الوظائف والمدن
والحانات والأصدقاء. كان من الواضح عبر ما وصل إلى المرء
من أخباره انه يمارس النشاط الشعري الأنبل: الانتحار بوصفه
طريقةً للحياة ولغةً للشِّعر. وبشتى الطرق حاول بعض أصدقائه
المقربين إعانته على حياة يرفضها وترفضه بكل الطرق، لكنه
كان يستعصي على المساعدة إلا مؤقَّتاً فحسب. يبدو انه كان
قد اتخذ قراره الذي لن يثنيه عنه شئ (أو ان قراره كان قد
أخذه ولن يعيده إلى أحد). وأظن أننا لو التقينا لتشاكسنا
حول ما قد يكون أقل أهمية بكثير بالنسبة إليه من الانتحار
بوصفه طريقةً للحياة ولغةً للشِّعر: أشياء من قبيل "الحداثة"
و"قصيدة النثر" و"توحيد الوطن من الجبل إلى
البحر" و"دور الفن والأدب في النضال السياسي ومعركة
التحرر الاجتماعي"، إلخ، حيث كنت قد بدأت في الوقوف
على طرف نقيض من بعض تصريحاته. ولم يكن تأجُّجُ مراهقتي
العُمْريَّة والفكريَّة والسياسيَّة ونزقها المتطرف ليسهما
في جعل أي حوار ممكن هادئاً ورزيناً وعقلانيَّاً، إذ لم
تكن الشعارات التي اعتنقتها بعناد وإصرار شديدين عهد ذاك
لتسمح بأي حلول وسط. أظن الآن انه حسنٌ جداً اننا لم نلتق.
وفي بداية التسعينيات صادفته للمرة الأخيرة في أحد معارض
الشارقة للكتاب، وكان يبدو بقليل من التمعُّن في الضوء الجريح
والحَرِجِ لوجهه وألفاظه وتعليقاته المُشَتَّتة وأفكاره
المضطربة وحتى حركات جسده أن جمعة الفيروز قد وصل إلى نقطة
متقدمة في صعوده القاسي نحو الموت. أتذكر- وأنا أُفْرِجُ
عن هذا بخجل شديد- اني لم أُرد الحديث إلى "ذلك الشخص"
الذي رأيت، خاصة وانه كان من الواضح انه لا يعرفني، أو لا
يتذكرني، أو لا يريد ذلك، وكم هو معذور في أيٍّ من هذه الاحتمالات.
ليس في هذا نعرة تقييم "أخلاقي" للمشهد؛ فالمرء
دوماً ليس بمنجاة من غصَّته الدَّفينة الخاصَّة التي قد
يتمكن من أن يهزمها حيناً لكنها تهزمه أحياناً وأحياناً
فتُتزِل به الويل والنكال والانتقام، بل هو الشعور بالإنسحاق
الغامر إزاء الحالة الإنسانيَّة المحدَّدة التي تنعكس في
الدهاليز الأكثر غورَاً من مراياك الداخلية. بيدَ اني، وعلى
الرغم من ضيق وقت العائد إلى مسقط بالسيارة في نفس اليوم،
حرصت على عدم مغادرة الزُّمرة المتحلِّقة التي فيها أصدقاء
وزملاء لي عند مدخل إحدى دور النشر المشارِكة في المعرض
والتي وجدت جمعة الفيروز فيها، حتى انفضاضها، وذلك رغبة
في الإستماع لكل كلمة يمكن أن يقولها "ذلك الشخص"
الذي يعني لي الكثير من دون أن يدري. لو كنت أعلم أن ذلك
سيكون لقائي الأخير به لأنتحيته جانباً ولتوسَّلت له لدرجة
البكاء بثلاث كلمات فقط: "لا تَمُتْ، أرجوك!".
أتذكر جيداً، أيضاً، انه رداً عن سؤال وجهه له أحدهم في
ذلك اللقاء عن أخبار كتاباته، قال بطريقةٍ نَزقَة بعض الشئ
وما يشبه ابتسامة الفخر انه "ممنوع من الكتابة بقرار
من [...]".
ولا بد لي من الإعتراف الفظِّ هنا بأنه انتابني شعورٌ خسيسٌ
أنه كان يختلق الأمر برمتَّه أو يبالغ فيه على الأقل. "لا
أحد يستطيع منع أحد من الكتابة إلا بتقييد يديه حرفيَّاً،
وحتى هذا قد لا يجدي نفعاً أحياناً. ربما استطاع أحدهم أو
بعضهم منعك من النشر فحسب، فلا تخلط بين الكتابة والنشر"،
هكذا عقَّبتُ على ما قال، لكن في سرِّي فقط، ومن الواضح
ان ذلك لم يتَّصف بالشجاعة الشديدة من ناحيتي. لقد كنت في
مزاج سيئ في ذلك اليوم في أية حال، ولم يكن مشهد جمعة الفيروز
ذاك ليساعد في إثارة أي تفاؤل أيضاً. زِد إلى ذلك ان هناك
في المعرض عدة دور نشر مهمة لم يطَّلع المرء على مطبوعاتها
المعروضة بعد. ثم أضِف حقيقة ان العودة من الشارقة إلى مسقط
بسيارة تعاني من مزاج ميكانيكي متقلب تأخذ بعض الوقت والمخاطرة
خاصة بالنسبة إلى شخص عليه أن يكون على رأس وظيفته في السابعة
والنصف صباحاً في اليوم التالي. هكذا، إذاً، وللأسف الشديد،
كان لقائي الأخير بجمعة الفيروز- وهو الثالث أو الرابع فقط-
مرتبكاً ومُشَوَّشاً ومشَتَّتَاً من الطرفين. وعليَّ الآن
أن أعتذر عن الجانب الذي يخصني، وأنا أطمح من جمعة الفيروز
قبول اعتذاري المتأخر هذا.
وفي التسعينيات أيضاً أثيرت قضية سرقة أدبيَّة ضد جمعة الفيروز،
لكن من يعرفونه عن قُرب ويعرفون ما دار في الكواليس "الثقافيَّة"
(السَّخافيَّة) النَّتنة كعادتها يقولون إنه منها براء،
وأن الأمر قد رُتِّبَ بِلَيْل للنيل منه، حيث لم يكن الراحل
يفتقر إلى الأعداء أبداً. والحقيقة أن جمعة لم يجشِّم نفسه
عناء الرد على تلك التهمة.
وفي بدايات عام 2000 حين التقيت، قبيل وفاة جمعة الفيروز،
بالشاعر الجلفاريِّ الآخر أحمد منصور العبد (الذي ستشاء
الأشياء أن أكون لاحقاً أول من يبلغه هاتفيَّاً بخبر وفاة
الشاعر حين اطلعتُ عليه في الصحافة الإليكترونية بعد ساعة
أو بعض ساعة من نشره).. حين التقيت بالشاعر أحمد منصور العبد،
إذاً، للمرة الأولى في فندق في مدينة لوس أنجيليس البعيدة
كثيراً عن أبوظبي، ورأس الخيمة، والشارقة، ومسقط، وذلك بعد
طول معرفة هاتفيَّة وإليكترونيَّة بيننا، أراني أحمل صورة
فوتوغرافية ملوَّنة حديثة لجمعة الفيروز بعد أن تحدث عنه
وعن مآسيه وفواجعه طويلاً بمعرفة الصديق إلى الصديق. كان
من المذهل حقاً أن يفرض الفيروز الجلفاريُّ نفسه بصورة تلقائيَّة
في اللقاء المباشر الأول لشخصين تصادقا طويلاً عبر الهاتف
والرسائل الورقيَّة والإليكترونيَّة فحسب. ليس هذا فقط،
بل ان الفيروز لم يحضر لفظيَّاً فحسب، لكن فوتوغرافيَّاً
كذلك. ولا أستطيع إلى الآن أن أفسِّر سبب وجود صورة فوتوغرافية
لجمعة الفيروز تحديداً في حقيبة ثياب أحمد منصور الصغيرة
في تلك الليلة بالذات خلال زيارته السريعة للمدينة لأسبابٍ
وظيفيَّة، ولا أدري لماذا أصرت الأشياء بهذه الصورة على
ما يشبه الزمن السينمائي الدائري .لكني أدري ان الأمر مسَّني
بصورة خاصة لجهة تمزُّقي وتَفَكُّري واضطرابي التقليدي بين
الكلمات والصور.
وفي الصورة الفوتوغرافيَّة تلك، إذاً، كان جمعة الفيروز
عاري الرأس جالساً القرفصاء بوجهه الكسير الزاوي على أرضية
مفروشة بسجادة رخيصة. وفي خلفيَّة الصورة يظهر جدار مطليٌّ
باللون الأخضر الفاقع على "صَلْحَة" (طبقة العجينة
الاسمنتية الخارجية التي تغطي الطابوق) مُرتَجَلَة من ذلك
النوع الذي نراه في بيوت الفلاحين، أو الصيادين، أو الجنود
العائدين من "البَرَكْسَات" (الثكنات) في المدن
والقِفار، أو صغار الموظفين في القرى الواقعة على أطراف
"الفورة النفطيَّة" و"مجتمعات الرَّخاء والرَّفاه"،
وشئ من سريرٍ حديديٍّ مفرد يبدو ثمة صدأ على بعض أجزائه
من نوع أسرَّة الثكنات تتكور أحشاء فِراشه الرَّث عليه،
وكان مرتدياً دشداشة عُمانيَّة بالطريقة الساحليَّة (حيث
تتدلى "الفرَّاخة" من المنتصف الأمامي لياقة العنق
وليس قريباً من جانبها)، قديمة وباهتة الصُّفرة.
لم يكن في الصورة شئ من جمعة الفيروز الذي رأيتهُ للمرة
الأولى في 1977 أو 1978: الدشداشة الكويتيَّة البيضاء اللامعة
والمكويَّة جيداً، والعقال الأنيق، والغترة البيضاء الناصعة،
ورائحة عطر العود، في الشقة الواسعة ممتازة التأثيث في منطقة
النادي السياحي الفاخرة. قلت لأحمد العبد فوراً أن صورة
جمعة الفيروز تلك هي الصورة التاريخيَّة القديمة للشاب العُماني
الأسمر المعذَّب- إما إنه بحَّار، وإما انه "بيدار"،
وإما انه أحد أفراد طاقم الخدمة في بيت أحدهم من الأثرياء،
وإما إنه عاشقٌ مُتَيَّمٌ "عَبْدٌ" (يا لبغض هذه
الكلمة المقيتة الحقيرة حتى حين يتبرأ المرء منها بوضعها
مُنَصَّصَة) ليس أمامه سبيل إلى حبيبته "الحُرَّة"
من كل شئ إلا من عشقه والرغبة في الابتهال في محرابه وعلى
جسده وفي روحه. بلى، فقد كانت تلك الصورة الفوتوغرافيَّة
لجمعة الفيروز تشي ببعض تفاصيل حياة عمانيَّة قديمة وصعبة.
إنها لحظة تسمَّرت في الزمن، وهي أشبه ما تكون بأحد "العكوس"
(الصور الفوتوغرافيَّة) التي كان يلتقطها العُمانيون لبعضهم
البعض في الغرف الخَرِبَة الآيلة للسقوط، أو في "الصَّنادق"
(الغرف الخشبيَّة البسيطة المُرتجَلة في الأحياء الفقيرة)
التي كانوا يقيمون فيها في أبوظبي وأماكن أخرى في خمسينيات
وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. بلى، هكذا كانت صورة جمعة
الفيروز الذي تحمل اسمه اليوم إحدى صالات فرع اتحاد كتَّاب
الإمارات في رأس الخيمة.
ذهب جمعه الفيروز للنوم، وعندما لم يفق وأخفقوا في إيقاظه
في اليوم التالي أخذوه إلى المستشفى لاستصدار شهادة وفاة
لم يكن بحاجة إليها في أية حال، هو الذي استعجل أصلاً العودة
إلى تراب جلفار القديم بكل تلك اللجاجة وكل ذلك التطرف.
وقال الطبيب أن الراحل قد توفي منذ إحدى عشر ساعة.
تمكَّن جمعة الفيروز، إذاً، لمدة إحدى عشرة ساعة كاملة من
تضليل الجميع والاحتفاظ بسرٍّ عبقريٍّ لم يطَّلع عليه أحد
سواه: لقد "أيقظته أعين القصائد الناعسة" ولم
يعد العالم موجوداً. نعم، هكذا بكل بساطة وكل صعوبة. كان
وحده، وطوال إحدى عشر ساعة كاملة، يعرف أن العالم لم يعد
موجوداً إلا في "مرايا النوم" التي ذهب فيها وحيداً
كما يفعل أي شاعر يحترم نفسه، ويحترم حياته وموته.
في ذكرى رحيلك السابعة وداعاً يا جمعة الفيروز الذي لو لم
ألتق به ذات ليلة بعيدة في صيف 1977 أو 1978 ربما ما أصبحت
شاعراً (يروق لي أحياناً، بالمناسبة، أن أعتبر نفسي شاعراً.
وأنت في مقدِّمة المسؤولين عن هذا الإدعاء).
عبدالله حبيب
أعلى
للأمل.. عزف آخر
عندما تولد التعاسة حبلى
تستعطفها الذات..
لتلملم بقايا مخاضها
الميئوس دوما
لتضعه بقسوة
معلنة ولادة تعاسة أخرى
ثم أخرى
هكذا هي
تصنع نفسها..
*****
تسترضيها الدواخل
وتجسدها
لترسمها رمزا..
واقع متراكم عشقته
تفرش للأحاسيس مخدعا
تنوء فيه وحدها
لتمارس لعبتها من جديد
هكذا هي
تصنع نفسها..
*****
تقتات من مقتل الفرح..
وهروب بهجته
لضمور عاطفته..
وتنسج فيه
بانسلالها المشئوم..
وخطواتها الخاطئة
مرعى لطقوسها..
لتسحقها المشاعر
وتجردها الروح
هكذا هي
تصنع نفسها..
*****
هي ماضية بتمردها
وانكسارات أنفس
تلتصق بها..
وتتغذى عليها
قسرا عنها..
توهان هامت فيه توجساتها..
سقيمة هي الأنفس
من جعلت التعاسة
شاطئها ومأملها..
هكذا هي
تصنع نفسها..
*****
لم تهجر القلوب هذه..
خيوط رفيعة تحررها
وتحييها عروق جفت..
فليست القلوب
تستنسخ نفسها..
منها من رضخ
وبقية أعلن عصيانه
على سطوتها..
وانغراس مخالبها..
*****
خيوط رفيعة
أشبه بسراب
تخاله كوامنها
هي القلوب دوما..
في بحث محموم
عن مرسى لطهارتها..
وبسمة تغمر مآقيها..
وعزف أمل يخلد الحياة..
هكذا هي
تصنع نفسها..
خالد العامري
أعلى
أمرك جرح ..
انا كلي امرك جرح ما القى سوى
بابك
تسده الريح في وجه الحياة ولا يواسيني
انا المسكين كنت اللي اموت بْك واحيا بك
صحيت ولا لقيت الا دمائك في شرائيني
تورط كل شي فيني بعشقك اهلك / اصحابك
نسيت ان المسافة بين وبينك بُـعد عيني ؟
ذبحني الخوف بين إني اشوفك جرح واغتابــك
وبين اني اشوفك حبل وتقطعه سكينـــــي
تعبت ولا لقيت الا اني ارحل دون اشقى بك
تعبت ولا لقيت الا انني انزعك من طيني
وانا راحل تواسيني الجروح بهمس اهدابك
متى مريتها يوم انها ما شافتك بيني
سنين .. سنين كني أمس مريت اطرق ابوابك
ولا حدٍ فتح هالباب .. ولا احدٍ يواسينـــي
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
صوت
الساعة الزرقاء
بمشهده المرسوم بالأزرق في منطقة
التماس من التقاء الليل بالنهار، يعد الفجر بحد ذاته بين
لحظات انجلاء الظلمة وانبثاق النور، لحظة استثنائية ممتعة
لا تتعوض، تعيد تكرار صيرورة الخليقة يومياُ وبلا كلل .
فالطبيعة في هذه اللحظة وكأنها تقدم عرضها الخاص بإخراج
فني وجمالي باهر والذي يتمثل بزخم من الإبداع والجمال، يتعدى
في مشاهده والصور الجمالية التي يصيغها حدود التصور والخيال،
معيداً التذكير بطفولة الطبيعة وصباها السحيق، يحدث ذلك
العرض خارج أقانيم الليل والنهار وكأنه يرمي إلى معنى ذي
دلالة فلسفية عميقة، مرتبطة بموضوعية الزمن وإشكاليته الفيزيائية
التي بدأت تتكشف لنا في بعض جوانبها في العصر الحديث.
لكن لكي لا نرهق القارئ العزيز فيما لا طائل من ورائه، يجب
التذكير، بأننا نقصد هنا في تناولنا ظاهرة طبيعية قد اندثرت
على الأقل في لحظات حياتنا المعاشة منذ زمن طويل ، فإننا
لم نعد شهودا عليها عندما تحدث هذه الظاهرة، بذلك القدر
من الالتصاق الوثيق الممارس في السابق، فلم نعد للأسف من
رواد حلقه الذكر الصوفية المتعبدة ، ولا من مريديها، التي
تقيمها الطبيعة كل يوم تفكراً في عبقرية الخلق واستلهاما
لروح الخلق العبقرية للكون ، والتي تلهج بالثناء والخضوع
والطاعة في معارج التسبيح للخالق، فيها كافة كائنات الطبيعية
ودوابها.
فالساعة (وهي المدة التي تستغرقها هذه الظاهرة الطبيعية)
الزرقاء للفجر التي تلقي بردائها اللازوردي الجميل على كل
شيء في الطبيعة، والاندهاش والانخطاف والخضوع والضراعة التي
تكون بدورها بعض تأثير سحر هذه الظاهرة الطبيعية فائقة الجمال
على الإنسان والحيوان ، حجبت ربما عنا إلى الأبد بفعل الكهرباء
كاختراع نتج عنه الضوء الصناعي والذي أجبر الليل على التمظهر
بهذا العري الفاحش تحت سلطة الإضاءة الكهربائية، الموجهة
إلى كل جزء من جسده، مغسول في بحر من الضوء الفاضح، لكل
المناطق الحميمة فيه، حتى لم يعد ليلاً بقدر ما هو نهار
كهربائي، يعيد استثمار الأرق وتنميته في داخلنا، وكأن هناك
اتفاقا ينص : خذوا الكهرباء وأعطونا الفجر الأزرق لكي نحز
عنقه في علب الليل وتحت أعمدة الإضاءة العامة.
أحمد الرحبي
a-alrahbi@hotmail.com
أعلى