|
فتاوى وأحكام
الذي تعارف عليه الناس
في هذه العصور أن العامل قد يأتي إلى بلد آخر على كفالة شخص معين لكن
يحدث أن يأخذ هذا الكفيل أجره على هذه الكفالة نظير أنه كفله ، فهل
يجوز ذلك ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن دين الله تعالى الحق يدعو الناس إلى أن يتعاونوا على الخير ، وأن
يتآزروا من أجله ، وأن تكون حياتهم حياة تكافل فلذلك ليس كل أمر يعمله
الإنسان يأخذ في مقابله أجرا ، هناك أشياء شرعت من أجل أن يكون بين
البشر تعاون ومن بين هذه الأمور المشروعة الكفالة ، فالكفالة إنما
هي تعاون ، وهي ضريبة اجتماعية يقدمها الكفيل من أجل أن يحقق مصلحة
في مجتمعه ، إذ المجتمعات لو كانت قائمة على الأطماع في كل شيء بحيث
لا يقوم أي أحد بأي عمل لتجمدت الحياة لأن الأمور ليس الإنسان يدرك
طمعاً في كل شيء منها ، قد يتحقق له مطمعه في أمر وقد لا يتحقق ، وإنما
يجب أن يكون هنالك باعث إنساني ، فلذلك كانت الكفالة لا يجوز أن يأخذ
الإنسان في مقابلها أجره وهذا مما نص عليه أهل العلم .
السؤال 2)
ولكن البعض يقول : أنا لا آخذ أجرة على الكفالة وإنما أقوم بتأجيره
لائحة تجارية يفتح تحتها دكاناً أو يقيم بسببها تجارة فأنا آخذ أجرة
على تلك اللائحة التجارية.
الجواب :
اللائحة التجارية هي في الحقيقة ليست شيئاً مادياً ينتفع من ورائه
الإنسان وإنما هي أمر معنوي ، ولذلك كان أخذ الأجرة أيضاً في مقابل
هذا الأمر المعنوي أمراً فيه حرج ، فينبغي التوقف في ذلك ، وإن كانت
بعض الأمور مصالح معنوية قد اختلف الناس في جواز الاستفادة من ورائها
هل يجوز للإنسان أن يأخذ أجرة في مقابل أمر معنوي يقوم به أو لا يجوز
ذلك ، هذه أمور فيها خلاف ، لكن مهما يكن فإن تقوية الجانب الإنساني
في هذا مطلب شرعي فلذلك يجب علينا أن نحرص عليه .
السؤال3)
الآن من علم أن أخذ الأجرة على الكفالة لا يجوز ، فهل على من علم ذلك
أن يرد تلك المبالغ التي أخذها إلى العامل .
الجواب :
نعم عليه أن يردها إلا أن يتحاللا ، إذا كانت هناك محاللة فالمحاللة
مشروعة جائزة .
السؤال 4)
قد يهرب عامل معين عن شخص أتى به ليعمل معه وقد دفع مبلغاً مالياً
في فترة استقدامه والإتيان به لكن هذا العامل يلجأ إلى شخص آخر فيستخدمه
لنفسه ، فهل يصح ذلك ؟
الجواب :
لا لأن ذلك مما يدعو إلى المضرة ، ومن القواعد الشرعية أنه لا ضرر
ولا ضرار في الإسلام ، فلما كان الضرر مرفوعاً وهذا ما يدل عليه القرآن
الكريم فإن الله تعالى يقول يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر)البقرة: من الآية185) ، والمضرة إنما هي عسر
لذلك كان دفع الضرر لازماً ، ولا يجوز لأحد أن يتعمد الإضرار بأخيه
، ثم مع هذا كله أيضاً على الإنسان أن يفي بعقده ، الوفاء بالعقد مطلب
شرعي الله تبارك وتعالى يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ )المائدة: من الآية1) ، وهذا العامل الذي قطع المسافة
من بلده إلى هنا في مقابل أن يقوم بعمل عند أحد وتكفل له هذا الكفيل
الذي جاء به بنفقة سفره وأتى به على حسابه كيف مع ذلك لا يفي بما وعده
إياه ولا ينجز العقد الذي كان بينه وبينه ! هذا أمر غير جائز ، ولما
كان غير جائز فإن فتح المجال لأن يعمل عند أحد من الناس إنما يعد من
باب التعاون على الفساد ، والله تعالى يقول وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)المائدة:
من الآية2) ، وهذا تعاون على الإثم وتعاون على العدوان لأنه يفضي إلى
عدم الوفاء بالوعد وعدم إتمام العقد من ناحية ومن ناحية أخرى يفضي
إلى الإضرار بالغير فلذلك كان غير جائز شرعا .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالات تربوية لنماذج
قرآنية حذرة 6
حوار أخت موسى مع آل فرعون
ـ الله سبحانه وتعالى يلهم عباده الصالحين بأن
لهم شأنا عظيما ، رغم ذلك يجب الأخذ بالأسباب.
ـ عدم الثقة في وعد الله سبحانه وتعالى يولد الاضطراب النفسي والقلق؛
فالوعد الإلهي حقا.
الشيخ الدكتور/ مبارك بن مسلم بن مسعود الشعبني
قال الله سبحانه في محكم التنزيل: ?وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ
بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ
بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ 12) فَرَدَدْنَاهُ
إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
13)? القصص .
الأخذ بالأسباب
من بعد أن ألهم الله سبحانه أم موسى وطمأنها أن للوليد شأنا، وأن عليها
ألا تخاف ولا تحزن، وأنه سبحانه سيرده إليها، قامت بأخذ الأسباب؛ منها
أمر أخته بأن تتابع سير التابوت الملقى في اليم الذي وضعته فيه ولفظه
?قُصِّيهِ? التي قالتها لأخته؛ أي "تتبعي أثره، واعرفي خبره،
وانظري أين وقع، وإلى من صار" فرأته وصل إلى قصر فرعون، وعلمت
أنهم قد التقطوه، وظلت تتابع أمره حتى عرفت أنهم يبحثون له عن مرضعة،
فقد حرم الله عليه المراضع فلما رأت أخته ذلك، قالت: هل أدلكم على
أهل بيت يكفلونه لكم؟ فوافقوها فدلتهم على أم موسى، فانطلقت إليها
بأمرهم فتسلمته منهم وقيل إنها لما قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه
لكم ؟ وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثدييها، قالوا: من هي ؟ فقالت:
أمي فقيل لها لبن ؟ قالت: نعم، لبن هارون وكان قد ولد في سنة لا يقتل
فيها الصبيان، فقالوا: صدقت والله وقوله: ?وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ?،
أي فيهم شفقة ونصح. وروي أنه قيل لأم موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع
منك ولم يرتضع من غيرك ؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن،
لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني فعاد الطفل إلى أمه كما وعدها الله
سبحانه، فقامت نحوه خير قيام. وقد "مكث عندها إلى أن فطمته وقد
أجرى فرعون لها أجرتها لكل يوم دينار؛ وأخذتها لجواز ذلك في شريعة
بني إسرائيل، ولأنه مال حربي، ففرعون قد نقض الأمان بقتله أولادهم
واستخدامهم".
- دواعي الحذر في هذا الحوار أي الضرر المتوقع)
إن مكمن الضرر المتوقع في هذا الحوار هو حجز الوليد-موسى ( - الذي
التقطوه من اليم، وتبنيه وإخفاء حقيقة أمره عن ذويه فلا يعلم أهلوه
عنه شيئا إذ أن أم موسى مطمئنة إلى أنهم لن يقتلوه، لذلك فهي غير خائفة
من ذلك لوعد الله لها بإرجاعه إليها، وذلك في قوله سبحانه: ?إِنَّا
رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ7)? ، ولكنها
راغبة في العمل على إرجاعه إلى أمه حتى تقر عينها ولا تحزن، فكان لا
بد من أسلوب أمثل تنتهجه حتى يتم المراد وينجز المقصود.
أسلوب توقي الضررأي كيفية توقي ما يحذر وقوعه)
إن اتباع أخت موسى لكافة أسباب السلامة والنجاة، هو الأسلوب الأمثل
الذي اتبع في هذا الأمر للحفاظ على نفس الوليد الذي التقطه فرعون في
قصره ورده إلى أمه، ومن الأعمال التي قامت بها في سبيل ذلك؛ الآتي:
* راقبت الوليد-والتابوت يجري به في اليم- بحذر شديد، خشية أن يراها
أحد فيشك في أمرها؛ ?فبصرت به عن جنب? أي "مجانبة، خائفة-حذرة-
متقية الضرر"، فقد كانت"مستخفية، كائنة عن جنب. وهم لا يشعرون
أنها تقصه وتتبع خبره وأنها أخته"؛يقول القرطبي "إن الأخت
جعلت تنظر إليه بناحية كأنها لا تريده، وهم لا يشعرون أنها أخته، فقد
كانت تمشي على ساحل البحر، حتى رأتهم قد أخذوه". وحتى عندما لمحته
عيانا "لم تظهر اهتمامها بالموضوع بحيث يلوح ذلك في حركاتها،
بل نظرت إليه في أيدي الخدم نظرة عابرة، كأي شيء ينظر إلى الأشياء
التي حوله بشكل طبيعي".
* لم تندفع فور رؤيتها رسو التابوت في قصر فرعون، بل جعلت تتابع خبره
فقط دون تدخل؛ ولعل هذا من قبيل اطمئنانها على ما سيكون له من شأن،
فرب العزة والجلال ذكر في كتابه العزيز بشارته لأمه من أنه سيرجع إليها،
وسيكون ذا شأن: ?وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ
فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا
تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ
7)? ؛ والفترة التي تتابع فيها أمر الوليد بعد التقاطه-أحسبها- ليست
بالقصيرة، كما أنها ليست بالطويلة، ولكنها فترة يحس أنها قد ضبطت فيها
نفسها عن الإفصاح، تاركة الأمر يأخذ مجراه؛ يلحظ ذلك من خلال عرض النسوة
عليه لإرضاعه، فهذا العرض عادة ما يأخذ وقتا، بما لا يقل عن يوم على
الأقل.
* تدخلها كان بأسلوب من يريد تقديم الخدمة، وحل مشكلة معضلة فبعد أن
رأتهم مصممين على الحفاظ عليه والإبقاء على حياته، بعرضه على المرضعات
واحدة تلو الأخرى، تدخلت قائلة: ?هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ?؛ فقد كان لطرحها خدمتها،
وعلى صيغة سؤال موضح فيه المنهج الذي سوف يتبع مع هذا الوليد من قبل
المرضعة الجديدة - أمه - فهي لن ترضعه فحسب - أي أمه - بل ستكفله وتربيه،
كان له أبلغ الأثر على أنفسهم، مما حدا بهم الموافقة دون تردد .
* عدم إتيانها بأمها لتشهد مشهد عرض المرضعات للوليد، يعد أكثر احترازا
وبعدا عن الشك، مقارنة أن لو أتت بها لعرض خدمتها، فهذا التصرف يعد
وجيها جدا؛ ووجاهة هذا التصرف يكمن في أمور منها :
1. لو أتت الأم لرؤية حدث عرض الابن على المرضعات قد تندفع بمجرد رؤيتها
له، وقد أخبرنا سبحانه أنها كادت تندفع بالبوح بحقيقته-من قبل- لولا
تثبيت الله لها:?وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ
لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ 10)?. فابتعاد الأم عن مكان العرض يبعد شبهة أنها أمه.
2. البنت أكثر قدرة على إقناعهم، من خلال وصفها لأمها، وهو أمر لا
تتمكن الأم من فعله؛ فقد يشك في أمرها لو قالت ما قالته البنت في وصف
أمها بأنها ستكون نعم المربية والناصحة فوصف الآخرين عادة أقرب تصديقا
من عرض المرء نفسه، وامتداحها بما فيها من خصال.
3. أرادت البنت أن تُعرَض على الأم الخدمة، والطلب في ذلك، لا أن تعرِض
هي نفسها ذلك، ولذلك قالت لهم: ?هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ?.
الدلالات التربوية لهذا الحوار
إن من الدلالات التربوية التي يلمس فيها الحذر من ضرر متوقع والتي
يمكن استخلاصها من حوار أخت موسى لفرعون ؛ الآتي :
1. عدم الثقة في وعد الله سبحانه يولد الاضطراب النفسي والقلق؛ فالوعد
الإلهي حق، وقوله فصل؛ وعلى المؤمن أن يقوي يقينه بالله سبحانه حتى
يحس بالهدوء النفسي. وفي هذا الحوار يلحظ أن الله سبحانه قد وعد أم
موسى بحفظ ابنها، وإرجاعه إليها ثانية، وأن عليها ألا تخاف ولا تحزن،
فتحقق الوعد وأنجز المراد ورب العزة والجلال قد وعد عباده في الحياة
بأن عليهم ألا يخافوا ولا يحزنون ما داموا سائرين على الطريقة السوية،
فهلا تيقنوا من قدرة الله على إنفاذ وعده الحق فيهم ؛ بنصرهم، وتعليمهم،
وتوفيقهم، ورزقهم، وما شابه ذلك من وعود وعد الله به عباده إن هم التزموا
منهجه فقد وعدهم الله سبحانه بسعة الرزق، في قوله:?وَمَنْ يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً?، ووعدهم جل شأنه بالنصر
على الأعداء:?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ
يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ?، ووعدهم سبحانه بالفتح عليهم
بالعلم والمعرفة:?وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 282)?. والكثير من الوعود الصادقة التي ينبغي
للمرء أن يتيقن صدقها، ويسعى في أخذ الأسباب الموصلة لها، والتي تكمن
في طاعة الله سبحانه المطلقة وتيقنه بذلك نعمة كبيرة من الله عليه،
يجب الشكر عليها، إذ كثير من الناس غافلون عن ذلك أو ساهون، ومثل تلك
القصص الربانية ينبغي أن يدرسها بقلبه وعقله حتى تؤتي ثمارها في الحياة.
2. للمرأة وظيفة لا يستهان بها، أيا كان موقعها، ومخطئ من يهمش دورها
في الحياة؛ وفي هذا الحوار نجد أن أخت موسى-كما وجدنا أم موسى في المبحث
السابق- كان لها الدور الكبير في الحفاظ على موسى( . وبطبيعة الحال
أن وظيفة المرأة في البيت بل والمجتمع كبير، خاصة في التنشئة والتربية
وما شابههما من خدمات في ما يخص المرأة، ذلك مما يرد به على من يستهجنون
رزق الله لهم الأنثى، كما حكى الله عن أهل الجاهلية فعلهم بها:?وَإِذَا
بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ
58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ
عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
59)?.
3. العفوية في التعامل مع الأمور وعدم التخطيط الدقيق لها يؤدي إلى
الضرر والإضرار. لذا نرى في هذه القصة أن أخت موسى( قد خططت بكل ما
من شأنه حماية أخيها ووقايته من أي مكروه قد يقع له وهذا ما يدفع إلى
التأني في التخطيط، والنظر بروية، وتغليب المصلحة العامة، ولو على
حساب المصلحة الشخصية من تعب وإنهاك وقلق نفسي، قد يزول بمجرد تحقيق
المراد، وإنجاز المأمول.
4. تربية الأولاد منذ الصغر على الطاعة والاحترام أمر هام في تلافي
الأضرار من عقوق وغيره. وفي هذا الحوار نجد أخت موسى تنفذ ما رسمته
لها أمها محترمة طائعة. فطاعة الوالدين من الإيمان، والإسلام قد حث
على ذلك في العديد من النصوص الشرعية، منها قوله سبحانه:?وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً 36)? ، وأمر بذلك صراحة في
قوله:?وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا
قَوْلاً كَرِيماً 23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً 24)?.
5. انتقاء الكفيل بعناية يجنب الوقوع في الضرر والمخاطر؛ وأخت موسى
في هذا الحوار بينت لفرعون أن التي ستكفل موسى ( ذو صفات طيبة وناصحة.
ففي الحوار عملان تربويان هامان لا ينفكان من بعضهما لمن يريد أن يكفل
شخصا ما، وليكن كفالة اليتيم مثلا، وهما: تربيته جسديا، وتربيته روحيا.
إذ الكفيل يقوم مقام الأب والأم في آن واحد، أو أحدهما. فحري بالكفيل
أن يحل محلهما في إعطاء المكفول كل ما يمكن أن يعطيه إياه والداه إن
وجدا. ومن هنا نجد حث الرسول على هذا العمل الخير حين قال مشجعا على
كفالة اليتيم:"أنا وكافل اليتيم كهاتين؛ وأشار إلى إصبعيه السبابة
والوسطى" . وهو عمل تقوم به دور الأيتام، وملاجئ المشردين وغيرها
مما تتبناه المنظمات العالمية أيضا.
6. الأم والأب مفطوران على حب وليدهما، مهما كان عندهما من أولاد من
قبل، فالطفل له شأنه الخاص في النفس، ولذلك يلحظ أن أمه قد حزنت أيما
حزن لذهابه عنها، لولا طمأنة الله لها برده إليها، كما حزن يعقوب على
ابنه يوسف، وقد صرح بذلك الحزن قبل أخذه عنه حين قال الله على لسانه:?قَالَ
إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ
الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ 13)? ، وأخبر الله بحزنه حال
فراقه وفراق ابنه الثاني عنه:?وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى
عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً
أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ 85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي
وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ
86)?.
7. يحسن الإنابة عن الغير في بعض الأمور، فهي أجدى من قيام صاحب الشأن
نفسه بها، خاصة في ما يقتضي وصف المقصود بالأمر ومدحه وتزكيته وإبراز
مناقبه، وجودة ما يملك. وفي هذا الحوار نجد أن لكلام الأخت أبلغ الأثر
في وصفها أم موسى، مما استدعاهم الموافقة دون تردد.
8. الحيطة والحذر من شر الظلمة أمر واجب اتباعه، لتجنيب النفس المهالك
والمضار؛ وفي هذا الحوار نجد أن أخت موسى ذهبت مستخفية، خوفا من أن
يشك في أمرها، ومن ثم يقتل الوليد.
9. رب العالمين حفظ كل فرد منا في هذه الحياة منذ صغرنا-ونحن ضعفاء-
من الضرر؛ فعدو الإنسان محدق به من كل حدب وصوب؛ والمتمثل في نزغات
الشيطان ومسه، والمتمثل في الأمراض ومسبباتها والمنتشرة في كل مكان،
حتى في الجسم نفسه، فضلا عن ضرر ضعيفي الإيمان من الحساد والحاقدين
وتذكر ذلك له أثره في إذكاء جذوة الخشية من الله والخوف منه، والتذكير
بشكره سبحانه على تلك النعم، كما ذكر الله موسى ( بنعمته عليه وهو
صغير وحفظه له، حتى يندفع قدما في الدعوة إلى الله، وعدم الخوف من
المخلوق، يقول سبحانه: ? إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى
38) أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ
الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي 39) إِذْ تَمْشِي
أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ
إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً
فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ
فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى 40)?.
10. قرار العين حقيقة لا ينبغي أن يكون لزيادة الولد ذاته، بل لما
يؤمل أن يكون عليه الولد من صلاح واستقامة؛ وسيدنا موسى كان قرة عين
لوالدته كما ذكر القرآن، لما ستقوم به نحوه من تربية وحسن تنشئة؛ فتربيته
على يديها يجعلها قريرة العين، بخلاف ما لو ربي على يد غيرها، ففي
عرفها أن قرار العين بصلاحه وحسن تنشئته المنبنية على طاعة الله سبحانه
في حين أنه كان أيضا قرة عين لفرعون، عندما قالت له زوجته:?قرت عين
لي ولك?، ولكن حسب عرفه الدنيوي، وصلاحه الذي ينشده من حيث الجبر والمكر
والاستكبار والإفساد والاستعباد للآخرين وقرة عين لزوجة فرعون لما
سيكون له من شأن، بناء على ما لمحته عليه من ملامح خير، ترى فيه خلاصها
على يديه من فرعون وعمله فالمرء ينبغي أن تقر عينه ويسعد-عند زيادة
مولود لديه، ذكرا كان أم أنثى- لما يرجوه من خير، ويأمله من صلاح وإصلاح
سيقوم به عند كبره. وهذا ما ينبغي أن تكون عليه نظرة المجتمع أيضا،
وهم يحتفلون بولادة شخص ما. ما يعني أن عليهم التكاتف في سبيل تربيته
كونه للجميع، حتى لا يكون وبالا على الجميع في مستقبل حياته، ونقمة
عليهم ودمارا.
على المرء المؤمن أن يسأل الله الثبات على المواقف الحسنة، والصبر
عليها، وما يتعلق بها من أسرار وتخطيط؛ إذ النفس البشرية بطبيعتها
التقلب، خاصة فيما يلحظ خارجيا أنه غير متوافق مع المراد وفي هذا الحوار
يلحظ في آية سابقة له، أن أم موسى "كادت تبوح بالسر، والخطة المرسومة
في إنقاذ الوليد لولا ربط الله على قلبها وتثبيتها": ?وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا
أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ 10)?.
مكر الله بالكافرين
11ـ تحقق في هذا الحوار مكر الله بالكافرين، وهو ما ينبغي أن يتيقن
به المؤمن حتى لا يسأم وييأس؛ فالله سبحانه قد وصف نفسه: ?قُلْ اللَّهُ
أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ 21)?
؛ ففرعون وقومه عمدوا على قتل الأطفال في دارهم، في حين وبتخطيط من
الله لم يتمكنوا من قتل وليد بين أيديهم، فالجبابرة وإن وصفوا بأنهم
أهل مكر وخداع، كما في قوله في قوم نوح (: ?وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
22)? ، وقوله في وصف الكافرين قاطبة عبر أزمانهم: ?وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ
كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ 42)?
؛ فإن الله أعظم من مكرهم. "وتيقن المرء في صفات الله سبحانه
أو صفات أفعاله ينبغي أن يكون كبيرا، بحيث يكون لها أثرها على السلوك
في هذه الحياة، من الثقة الكاملة في الله، وأما مكر الكافرين الطغاة
مهما بلغ فهو نسبي، مقارنة مع مكر الله سبحانه المطلق، والذي معناه
تحريه سبحانه بذلك المكر فعلا جميلا، بخلاف مكر الكافرين المذموم والمقصود
به الحيلة والخداع للوصول إلى أمر مذموم وسيئ؛ ومكر الكافرين بالمسلمين
ودينهم مستمر، وهو سنة من سننه سبحانه في البشر، ولكن الله يبشر عباده
بمكره بهم -أي بالكافرين-، يقول سبحانه: ?وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ
كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ 30)? ، وما على
المؤمن إلا أن يأخذ الأسباب في الحذر، ويوكل الله فيهم، فهو القادر
عليهم وحده".
أعلى
سلوكيات المبلغ النفسية
غير خاف على كل انسان انه ان اراد النجاح في
مهمة ما فلابد من تخطيط سليم وتنفيذ أمين حتى تنجح مهمته، فاذا اراد
التاجر ان ينجح في تجارته فلابد ان يخطط لها ويعد لها كل ما من شأنه
ان يجعل تجارته رابحة ثم ينفذها بأمانة فإن فعل نجح في تجارته، وكذا
الحال بالنسبة للمعلم والطبيب والداعية.
في هذه السطور اريد ان اتحدث عن خصال تعلي من شأن من حمل امانة الدعوة
الى الله اذا اتصف بها، وتجعله يقهر الصعاب التي تواجهه بكل ثقة لانه
لا يسعى من وراء دعوته لكسب مادي، وانما لينشر النور، ويبدد الضلالات
التي تقف سدا امام الزحف الاسلامي والهدي القرآني.
السلوك الاول
الاخلاص:
ان هذه الخصلة هي من اعظم الخصال التي لابد وان تصحب الانسان في جميع
ما يأتي من عمل الخير، فقد امر الله به في كتابه الكريم، وحثنا عليه
النبي صلى الله عليه وسلم فكان جديرا بالذي يحمل امانة الدعوة الحقة
ان يتحلى بهذه الصفة الخيرة الحميدة حتى يرضى الله تعالى عنه وعن اعماله
فيقبلها. وغيرها آية في القرآن الكريم حثت على الاخلاص، وبينت انه
من الاسباب الموصلة الى مرضاة الله تعالى كقول المولى جلت قدرته (فمن
كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا) الكهف
110.
فإذا لم يقترن عمل الانسان الخير بصلاح النية والاخلاص فانه سيذهب
هباء ان اقترن بضد الاخلاص وهو الرياء، وقد بين لنا ذلك حديث المصطفى
عليه الصلاة والسلام عندما قال: (الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك)
وعمل الانسان يكون مردودا ان لم يكن لوجه الله ففي الحديث (من عمل
عملا اشرك فيه غيري فهو له كله وانا اغنى الشركاء عن الشرك) وقد صور
ابو الحسن التهامي الرياء بصورة رائعة تدل على خبث الرياء فقال:
(ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك
عار)
فمن خوارم المرؤة ومن خبث النفس ان يظهر الانسان
عاريا امام انسان فحال المرائي هو نفسه حال العاري لأنه ثوب غير ساتر
يشف جسم الانسان.
وقد نفهم من كلام ابي مسلم صورة الرياء عندما قال في تخميسه لقصيدة
الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي:
طريقان فاختر ما ترى لك احسنا
اذا كنت تبغي الحق فاهجر له أنا
فإن انا حظ عواقبه العنا
وان كنت تبغي العز والجاه في الدنا
فدع عنك داعي العلم وارحل مسلما
فصلاح النية واخلاص الفؤاد لرب العالمين، يرتفعان
بمنزلة العمل الدنيوي البحت فيجعلانه عبادة متقبلة وان خبث الطوية،
يهبط بالطاعات المحضة، فيقلبها معاصي شائنة فلا ينال المرء منها بعد
التعب في أدائها الا الفشل والخسارة هكذا بين الغزالي حقيقة الاخلاص
واجره، وحقيقة الرياء وعواقبه.
وحرارة الاخلاص ـ كما قال الغزالي ـ تنطفي رويدا رويدا، كلما هاجت
في النفس نوازع الإثرة وحب الثناء، والتطلع الى الجاه وحب الصيت والرغبة
في العلو والافتخار..وذلك لان الله يحب العمل النقي من الشوائب المكدرة.
فالله تعالى قال في كتابه (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)
البينة ـ 5. وقال (ألا لله الدين الخالص) الزمر ـ 3 ، فضعف الاخلاص
عند كثير من ذوي المواهب، جعل البلاد تشقى بمواهبهم وترجع القهقرى.
والاخلاص العميق، ألزم ما يكون لميادين العلم والثقافة فان العلم اشرف
ما ميز الله به الأكرمين من خلقه،ن فمن الزراية الشنيعة به ان يسخر
لعوامل الشر، وان تختلط به الأهواء والفتن والعالم لم تصبه الجراحات
القاتلة الا على ايدي علماء فقدوا الخلق الفاضل والنزاهة المحمودة.
فليتق الله كل من حمل أمانة الدعوة وليعلم ان الاخلاص هو اعظم زاد
يحمله، وهو الزاد الذي يثبته في زمن تقهقر فيه كثيرا ممن حمل هذه الأمانة
العظيمة.
سليمان بن حمد الطوقي
أعلى
قل إن هدى الله هو الهدى
الاستقامة على دين الله هي السعادة الحقيقية
إن الاستقامة في الدين مطلب ضروري في الحياة،
معقود عليها الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأن الدين الإسلامي
نفسه هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة ـ3)، ولأن الدين الإسلامي هو سبيل السلامة
في الدنيا والفوز في العقبى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل
عمران ـ85)، فإذا كان دين الإسلام هو دين السلامة والسعادة والفلاح
والنجاح فإن الالتزام به موصّل بلا شك إلى السلامة والسعادة، فإذا
ما قال الإسلام افعل فلتكن أول الممتثلين لأن الله لم يأمرك بشيء إلا
وفيه مصلحة لك، وإذا ما قال الإسلام لا تفعل فلا تفعل لأنه لم ينهك
عن شيء إلا وفيه ضرر يجب عليك أن تجتنبه، وقد ورد عن ابن مسعود قوله
: إذا ورد في القرآن الكريم يا أيها الذين آمنوا فاصغِ سمعك فإنما
هو أمر عليك أن تلتزم به أو نهي عليك أن تجتنبه، ومن هنا نعلم أن الله
تعالى غنيّ عن عباده، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)
(سورة فاطر 15 ـ 17) (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ
وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ
الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ
بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) (سورة آل عمران 181 ـ 182).
إن الاستقامة على دين الله نعمة عظيمة جليلة، لا يشعر بها إلا من عاش
مستقيما على منهج الله، وأما من كان بعيدا عن الدين، بعيدا عن الالتزام
بتعاليمه فإنه أبعد ما يكون عن استشعار هذه النعمة، وقد ورد عن أحد
السلف الصالح: نحن في نعمة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف،
ولمَ لا يجالدونهم عليها بالسيوف؟! إذ الاستقامة على دين الله تعطي
الحياة طعما آخر، وسعادة حقيقة يشعر بها في حياته، يرى تأييد الله
له، وتنزل بركاته عليه، وتوفيقه إياه في كل أمور حياته، فهو يعلم أن
الله معه، ومن كان الله معه فإنه لا يخشى من أي شيء آخر، فأين أولئك
الذين يبحثون عن السعادة في المال؟ وأين أولئك الذين يتصورون أن السعادة
في الجمال؟ وأين أولئك الذين يحسبون أن السعادة في جمع الحطام؟ فليعلم
كل هؤلاء أن السعادة الحقيقة في الاستقامة على منهج الله، وبالالتزام
بكل ما أمر به في هذه الحياة، وباجتناب كل ما نهي عنه عز وجل.
إن الاستقامة على دين الله شارة فخر، ورمز عزّ حقّ للمستقيم أن يفخر
بها، وأما أولئك الذين ارتضوا منهجا غير منهج الله فمن أين يكون لهم
الفخر؟ أمن شرب الخمر أم من ترك الصلاة؟ أمن ملء القلوب بالأحقاد والأضغان
أم من ملء اللسان بالسب والشتم واللعن؟ فإن كان هذا هو العزّ فلا عز
لهم ولا فخر، وليعلم هؤلاء أنهم يحاربون الله سبحانه وتعالى بابتعادهم
عن منهجه، وارتضائهم سبيلا غير سبيل المستقيمين، الله تعالى يقول لهم
لا تأكلوا الربا وهم يقولون: اه اه وما المانع من ذلك؟ (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ
مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ
لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)، وإذا قال لهم الله: لا تستمعوا
إلى الأغاني قالوا: هي حرام على المستقيمين فقط وأما نحن فليست علينا
حرام (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا
حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ
قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وإذا قال لهم الله: لا تنظروا إلى
العورات، لا تنظروا إلى النساء المتبرجات قالوا: يا ربنا ولمَ؟ هذا
فعل المتشددين المتخلفين، وأما نحن فمتطورون نسلك مسلك المتحضرين،
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا
فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ
فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ).
فهد بن علي السعدي
أعلى
أسرار الترابط بين الرياح والأعاصير والسحب
يقول الله تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن
قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) (يونس ـ 101) إن آيات الله في الكون لا تتجلى
على حقيقتها ولا تؤدي مفعولها إلا للقلوب الذاكرة، القلوب المؤمنة
تلك التي تنظر في الكون بعين التأمل والتدبر، تلك التي تعمل بصائرها
وأبصارها وأسماعها وعقولها، ولا تقف عند حدود المنظر المشهود البادي
للعيان، لتنتفع بآيات الله في الكون، وكم في الكون من أسرار منها ما
هو ظاهر جليٌ ومنها ما خفاه الله عن عقولنا من أسرار خلقه وصنع إبداعه
وسوف نعيش معك أخي القارئ حول أسرار الترابط بين الرياح والأعاصير
والسحب ودلائل قدرة الله في إبداعه، يقول تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح
بشراً بين يدي رحمته حتى إذا الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً
سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ) (سورة الأعراف ـ57) ويقول الله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ
ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ
بِهِ مَن يَشَاء
وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)
(النور ـ 43) صور لمشاهد السحاب الثلاث: يولد أولا بخاراً رقيقا، ثم
يدفعه الريح، ثم يجتمع هذا السحاب بعضه إلى بعض، فإذا هو ركام أشبه
بالآكام والجبال، ثم يولد المطر في هذا السحاب، وينزل البرد من جبال
السحاب، فسبحان الله أعظم الخالقين الذي يقول: (وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى
ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (سورة المؤمنون ـ18). أي أنزلناه من السماء
ماء بحكمة وتدبير، فلا ننزله كثيرا فيغرق ويفسد ولا ضئيلا فيكون الجدب
والفناء، ولا في غير أوانه فيذهب بددا بلا فائدة بل ننزله بقدر وحكمة،
فينتفع الناس ببعضه ويسكن الله بعضه الآخر بقدرته في الأرض عذبا وملحا،
ملحا في البحار وعذبا في باطن الأرض من آيات وفي مجرى الأنهار. انظر
إلى البحر الذي تتلاطم فيه الأمواج، وتسبح في جوفه عوالم من الكائنات،
تأمل سعته، وعمقه وترامي أطرافه، وما فيه من آيات، ليتعرى أمام غرور
القوة العلم، إن تكوين الرياح وتوجيهها يتمان بعملية كونية إلهية لا
يستطيع الإنسان أن يتحكم في عواملها، والسبب في هبوب الرياح هو فروق
الضغط الجوي التي تدفع الهواء في الغلاف الجوي إلى الحركة من مناطق
الضغط العالي متجها نحو مناطق الضغط المنخفض، ويعمل دوران الأرض حول
محورها على دوران الغلاف الجوي معها بنفس الطريقة، ومن ثم تلف الرياح
أيضا وتدور أثناء حركتها، حيث تحيد جهة اليمين في نصف الكرة الشمالي
وتحيد إلى اليسار في النصف الجنوبي. آيات حاضرة جلية في كتاب الكون
المفتوح، يقرأها كل إنسان (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
القارئ الكريم: تنشأ فروق الضغط الجوي بسبب تفاوت التوزيع الحراري
واختلاف معدلات التسخين، حيث تتعرض المناطق المختلفة من الأرض لأشعة
الشمس بدرجات متفاوتة نتيجة اختلاف ميل أشعة الشمس على سطح الكرة الأرضية.
فكلما تعامدت الأشعة على السطح زاد التسخين كما هو الحال في المناطق
الاستوائية، وكلما زاد الميل قل التسخين كما هو الحال في المناطق القطبية
الباردة، وهناك الرياح الشديدة والعواصف والأعاصير التي تثير الرمال
والحصى وتقصف أو تكسر ما يعترضها عندما تزيد سرعتها عن حوالي أربعين
ميلا في الساعة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأنواع في آيات كثيرة
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ
فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا
جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ) (يونس 22) وقوله سبحانه: (أَفَأَمِنتُمْ
أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا)
(الإسراء 68). وقوله جل جلاله: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) (الحاقة 6)، وقوله عز من قائل: (......فَأَصَابَهَا
إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ.....) (البقرة 266). وهكذا نجد أ ن دورة الرياح
تتحكم فيها عوامل عديدة يدبرها الله وحده بقدرته ويوجهها وفق حكمته
إلى حيث شاء وأراد. وإن شئنا بعض التفصيل في تعليل ظاهرة الأعاصير
نتوقف عند قوله تعالى في القرآن الكريم: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن
تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)
البقرة (266). وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أنها ضربت مثلا
برجل غني أحسن العمل أولا بطاعة الله، ثم استسلم بعد ذلك للشيطان وعمل
بالمعاصي، فبدل الحسنات بالسيئات، وأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما
تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من رصيده الأول فلم يحصل منه شيء؛
ذلك أن من يكفر بنعمة الله لا يكون له خير فيستعتب، مثله مثل ذلك الغني
الذي أصاب بستانه إعصار فيه نار فاحترق ولم يكن عنده قوة ولا بقية
من عمر لكي يغرس مثله من جديد. نعوذ بالله من ذلك. واللطيفة التي نريد
التوقف عندها في هذه الآية الكريمة تتعلق بذلك الوصف الدقيق لنوع من
الأعاصير المحرقة التي لم تكن معروفة لأهل الجزيرة العربية وقت نزول
القرآن الكريم، وهي الأعاصير الدوامية التي تشتهر بقدرتها الفائقة
على التدمير لشدة هبوط الضغط الجوي فيها، ولسرعة دوران الرياح حولها
بحيث تصل في بعض الأحيان إلى حوالي 500 كيلو متر في الساعة. وعادة
ما تكون هذه الأعاصير الشديدة صغيرة الحجم لا يزيد قطرها عن نصف كيلو
متر، وكثيرا ما يصاحبها حدوث عواصف رعدية إلى غير ذلك من وصف القرآن
الكريم لظاهرة الأعاصير المحرقة بنارها الدالة على أن الرسول صلى الله
عليه وسلم لم ير في حياته مثل هذه الظاهرة حتى يصفها هذا الوصف الدقيق،
وإنما يصفها هذا الوصف الدقيق، وأنما بلغه عن ربه (إِنْ هُوَ إِلا
وَحْيٌ يُوحَى) (النجم 4) وفي تصريف الرياح والسحب يقول جل وعلا: (وَاللَّهُ
الَّذِي أَرْسَلَ
الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ
فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ)
(فاطر 9) تقرر هذه الآية، مع آيات أخرى، لأول مرة في تاريخ المعرفة
البشرية حقيقة أن السحاب الممطر إنما تثيره الرياح التي يدير الله
أمر إرسالها وتصريفها، وقد توصل العلم الحديث إلى هذه الحقيقة بعد
أن درس العلماء تصريف الرياح وإثارة السحب بآلات رصد مُختلفة وقاموا
بتصوير عملية الإثارة، وتجمع وحدات السحب على اتساع الأفق بمعدل صورة
كل ثانية فسبحان القادر.
عبدالرحيم محمد جاد الرب
أعلى
|