باكستان..
بلد المفارقات والتناقضات والحكايا الجميلة (2 - 4)
لم انتبه في البدء لدهشة، أو لأكون
قريباً من المعنى لحسرة حسن المطروشي من المكان الذي اخترته
للجلوس في طاولة المطعم، كانت زاوية رؤيتي قاعة الأعراس والفرقة
الموسيقية، وكانت الصبايا الملاح يرحن ويأتين جهتي، فيما يقابل
حسن جهة المطبخ، ولا يشاهد غير الطباخين والندلاء وهم يحملون
الصحون الفارغة أو يأتون بطلبات الزبائن.. وفي ذلك شتان بين
الرؤيتين!.
ضحك عبدالحميد من الموقف، وراح يلطف الجو بحديث ظريف، ويهون
الأمر على حسن، الذي سيصادف الكثير من الملاح في رحلته هذه،
وإذا كان هذا اليوم هو يوم حظي، فالأيام القادمة هي أيام حسن.
كانت جلسة العشاء ممتعة جداً.. ممتعة بما ينساب إلينا من ألحان
باكستانية شجية، ومن مشاهدات بديعة، كان أكثرها تأثيراً في نفسي،
الحضور المكثف للعائلات الباكستانية، وحرص كل أفراد الأسرة على
الآلفة والتواجد في هكذا أماكن.. صغاراً كانوا أم كباراً، وسعي
الأب الى لمّ شمل عائلته وإعطائهم جزءاً من وقته، في لحظات قد
لا تُتاح للكثير من الأسر أن تلتئم وتجتمع على مائدة العشاء.
كانت المشاهد الثانية التي أثرت في ذاتي هي الرومانسية والعاطفة
الجياشة لدى الباكستانيين، لم تكن أي أعمال أو مشاغل تمنع المرء
عن الارتكان ساعة إلى قلبه، وتحسس مكامن العشق فيها ليبوحها
إلى حبيبته، ويسردها شعراً أو نثراً.. كانت طاولات المطعم من
حولنا تمتلئ بهذه النماذج، وودت في تلك اللحظة لو أسمع ما يقوله
قلبي.. وودت لو كانت حبيبتي بقربي تشاركني هذه الأمسية الجميلة،
لكنني تحسست مشاعر أخرى قريبة في القلب، تنبض جهة الاثنين اللذين
يشاركاني العشاء، وكانا بالفعل قريبين من القلب، جديرين بمشاعر
الحب والاحترام.
امتدت جلسة العشاء لما يقارب الساعة، ثم صعدنا أن نكمل السهرة
في غرفتي، ونجتر ما بقي من حديث لدينا.. دون أن ينتهي.. حتى
ساعة متأخرة من الليل.
صبيحة اليوم التالي، كنا نتبادل تحية الصباح، ونطمئن على ليلة
كل منا، كان عبدالحميد أكثرنا إرهاقا، رغم محاولاته الجاهدة
للنوم، قال لنا: إن الرقاد لم يزره طيلة الليل، وأنه بقي يتقلب
على فراشه طلباً للنُعاس دون جدوى.. وأضاف أنه في هذه اللحظة
أحوج ما يكون إلى فنجان قهوة ثقيلة، ولا شيء آخر.
في المطعم ذاته، وفي الطاولة ذاتها.. جلسنا نتناول فطورنا، كان
الإفطار بالنسبة لي الوجبة الأهم، على حسب ما اعتدت عليه، تناولت
أصنافا مختلفة من الأطعمة المتنوعة، والتشكيلات التي حفلت بها
قائمة الاختيار.. ثم أنهينا اجراءات المغادرة من الفندق، بعدما
حملنا امتعتنا إلى السيارات، حيث سنبيت الليلة في جبال مري،
وهي منطقة جبلية على ارتفاع ألفين متر تقريباً عن سطح الأرض،
هناك يمكننا مشاهدة الثلوج، ومساحات البرد على طول الطريق.
قبل هذا البرنامج قمنا بزيارة إلى متحف التراث، كان المتحف يقع
في منطقة مجاورة من مركز المدينة، لكنه منعزل عن المباني والسكان،
كانت الطريق إليه تمر عبر الأشجار والمساحات الخضراء، وثمة أسلاك
وأسياج من الجهتين، لم اتبين أهميتها.
وصلنا إلى المتحف، وكنا الزوار الوحيدين الذين يلجون إليه في
هذا الوقت الباكر من النهار، كان المنظر الخارجي للمتحف لا يشي
بكينونة متحف، أو مكان للآثار، غير بوابة حديدية كبيرة، تفضي
إلى موقف للسيارات، وأكشاك صغيرة لبيع الهدايا والمقتنيات الأثرية
وألعاب الأطفال والمأكولات السريعة.
أما البوابة الداخلية للمتحف فكانت من الخشب المحفور بالنقوش
والخطوط الإسلامية، كانت البوابة مقاربة للبوابات الخشبية المستخدمة
لدينا في القلاع والحصون الأثرية.
احضر ثاقب معه أربع تذاكر دخول، وبدأنا في استطلاع أرجاء المتحف،
الذي انتشر في مداخله ومخارجه رجال الأمن، لقيمة ما يحتويه من
آثار ومقتنيات وتاريخ لا يُقدر بثمن.. ولحماية المنشآت الوطنية
من العبث والإرهاب.
كانت طريقة زيارة المتحف والتجول في أنحائه مميزة إلى حد كبير،
فقد وضعت إشارات تدل الزائر على المسار الذي يجب أن يسلكه أولا
ليتمكن من تتبع حضارات وتاريخ باكستان العريق والعادات والتقاليد
السائدة والآثار التي تم العثور عليها إبان كل حقبة.
كان المتحف يحكي عن تاريخ وحضارة وسمة كل منطقة من مناطق باكستان
وما تأثرت به خلال احتكاكها بالحضارات والأمم القريبة منها،
والسمات والمميزات التي تغلف أهلها، واقتربنا أكثر من خصائص
ومكونات الشعب الباكستاني، الذي وإن كان ذا أعراق وطوائف مختلفة،
إلا أنه يتفق في وحدة بلاده، وقبل كل شيء وحدة الأمة الباكستانية،
واتفقاها على التلاقي لا الاختلاف..
تاريخ باكستان يعود إلى أربعة آلاف وخمسمائة سنة، وكانت تُعرف
باسم وادي نهر السند، وتاريخها القديم والوسط والحديث تاريخ
معقّد وحافل بالمشاكل، فقد كانت جزءاً من الهند، وبعد رحيل الاستعمار
البريطاني تحول هذا الإقليم بحكم أن غالبية سكانه من المسلمين
إلى ما يُسمى بباكستان بعد انفصاله عن الهند، ثم انفصل من باكستان
جزء منها يُعرف الآن ببنغلادش، وكان قد تعاقب على حكم هذا الإقليم
قبل أن يتحول إلى دولة باسم جمهورية باكستان الإسلامية كل من
العرب المسلمين واليونانيين والفرس والأتراك وغيرهم وذلك قبل
أن تستعمره بريطانيا ضمن استعمارها للهند باعتبار أنه كان جزءاً
منها في القرن التاسع عشر الميلادي.
وتدين الأغلبية العظمى للشعب الباكستاني بالدين الاسلامي، حيث
يشكل المسلمون في هذه البلد ما نسبته 97%، ولهذا أطلق عليها
اسم جمهورية باكستان الإسلامية، ودينها الرسمي هو الإسلام، وعَلَمها
يزيّنه النجمة والهلال كرمز للدين الإسلامي، ودون أن يؤثِّر
الاختلاف الثقافي المزمن في باكستان وتعدّد اللغات التي يتحدث
بها الشعب هناك فإن اللغة الأردية هي اللغة الرسمية لباكستان..
فيما اللغة الانكليزية هي اللغة الرسمية الثانية.
كنا في جولتنا داخل المتحف، وحسب الاتجاه المحدد للتجوال، نطالع
الحضارات والإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم باكستان، أو استطاعت
التأثير فيها، والتلاقي مع تاريخها وتراثها وحضارتها.. بدءاً
من الحضارة الصينية وحتى الحضارة الإسلامية، مروراً بالحضارات
اليونانية والفارسية والتركية والعربية.
كانت ثمة مجسمات ومشاهد مجسدة لواقع الحياة المختلفة في أقاليم
ومناطق باكستان، تعرفنا على حياة الريف.. ببساطته وجمالياته
في آن واحد، وطبيعة الأكواخ ومكوناتها الداخلية وخارجية، كان
الكوخ الواحد بصغر حجمه وتفاصيله البسيطة مكوناً لكل شيء.. ففي
ركن منه هيأ مكان للنوم، وفي ركن مقارب دون حاجز يوجد مكان طبخ
الطعام، ويحوي الكوخ كذلك على مكان للنول اليدوي، وهو يستخدم
لغزل ونسج الأقمشة الصوفية والحريرية بدقة وحرفية متناهية، كل
ذلك يجتمع تحت سقف واحد، وللمرء في هذه الحالة أن يتخيل طبيعة
الحياة في هذا المكان، وكينونة العلاقة التي تربط أفراد الأسرة
الواحدة.
ومع حياة الريف هذه، وهي غالباً ما تكون في السهول البعيدة،
أو أقاصي الجبال، تبدو حياة البحر لا تقل بساطة عنها، فالمركب
أو القارب الخشبي، يضم كل لوازم الحياة تقريباً، فهو مصدر الرزق
من جهة وهو المأوى والسكن من جهة أخرى.
كان واضحاً عبر تجوالنا في أرجاء المتحف، اهتمام الشعب الباكستاني
على مر عصوره بالنقوش والزخارف الملونة، كانت هذه الرؤية تتجلى
لنا في كل شيء، حتى في البساطة ذاتها، إذ قلّ أن يلتفت المرء
في باكستان إلى أي جهة دون أن تصادفه هذه النقوش والزخارف الجميلة،
كانت التكوينات الهندسية المتناسقة تناقض طبيعة الحياة القاسية
والشاقة في باكستان.
والجميل الذي لفت أنظارنا في هذا المتحف، احتوائه التراث الموسيقي
النادر، عبر الاسطوانات الغنائية التي تخلد الفنون والتراث الغنائي
الباكستاني الشعبي، كانت هذه الاسطوانات في الجزء الأخير من
المتحف، ومعها كانت ثمة كتب تحكي عن فنون وآداب هذا الشعب العريق،
وقبل ذلك كان هناك قسم لتراث وآثار القائد الأعظم مؤسس الدولة
الباكستانية محمد علي جناح.
يُعد محمد علي جناح الملقب بالقائد الأعظم هو مؤسس دولة باكستان
بجناحيها، وإن شاركه في هذه الفكرة دعاة آخرون يأتي في مقدمتهم
الشاعر الكبير محمد إقبال الذي كان يحلم بإنشاء وطن للمسلمين
في شبه القارة الهندية، ولكنه لم يعش حتى يرى ما كان يتمناه
ويحلم به حقيقة، إذ توفي العام 1938م قبل أن تظهر دولة باكستان
لتحفظ للمسلمين عقائدهم وحضارتهم في شبه القارة الهندية ذات
الأغلبية الهندوسية.. كان المتحف يضم الكثير من المقتنيات والاثار
والصور التي تدل على شخصية وقيمة القائد الأعظم محمد علي جناح.
بعدئذ انهينا زيارة متحف التراث الباكستاني، وكان الوقت لا يزال
متسعاً لنا للقيام بجولة اخرى قبل الصعود الى جبال مري حيث سنقضي
الليلة هناك كما هو مقرر في برنامج الرحلة، ولذلك اتجهنا الى
هضاب جبلية سياحية من جهة مسجد الملك فيصل، كان ارتفاع المنطقة
يقارب الستمائة متر تقريبا عن سطح الارض غير انه كان كفيلا لاكتشاف
المدينة ورؤية ابرز معالمها.. واكتشاف جماليات اخرى من جماليات
الارض الباكستانية.
يبدو الطريق الذي يقودنا بين الجبال، ووسط بوابات حراسة أمنية،
معبداً حديثاً، ينتهي مطافه عند حديقة زهور تسلب الألباب، وتبث
الدهشة للزائرين، كانت الحديقة مزدانة بالورود والاشجار المصفوفة
بانتظام وبتشكيلات هندسية جمالية، وحتى تكتمل عناصر الجمال فيها
شكلت مياه الأمطار المنحدرة من الجبال الشاهقة بحيرة بديعة المنظر.
قرب البحيرة تقبع حديقة كبيرة تحتفظ بذكرى زيارة قادة وزعماء
دول العالم لإسلام أباد من خلال زراعة كل منهم لشجرة نقش على
حجر بجانبها تاريخ هذه الزيارة، ويمكن قراءة أسماء مجموعة كبيرة
من الزعماء والرؤساء الذين خلدوا زياراتهم، ومدوا جسور الصداقة
والمحبة، عبر أشجار وارفة، تبقى أمد بعيد.
غير بعيد كان ثمة مبنى يشيء بمطعم يطل على المدينة، ويلامس مكامن
الجمال فيها.. يرتقى إليه سلم خشبي يفضي إلى قاعة جلوس داخلية
وأخرى خارجية في الهواء الطلق.
وعلى جدرانه تزين بصور لأبرز الزعماء والرؤساء والمشاهير الذين
زاروا المنطقة، ودخلوا هذا المكان، بدءا من العاهل السعودي الراحل
الملك فيصل بن عبد العزيز، والعاهل الأردني الراحل الحسين بن
طلال، ورئيس الوزراء السوفييتي الكسي كوسيجن، ورئيس الوزراء
الصيني الراحل شيوان لأي، وحتى الرئيس الايراني الاسبق هاشمي
رفسنجاني وملكة بريطانيا اليزابيث الثانية، والأميرة الراحلة
ديانا والرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، وبطل الملاكمة محمد
علي كلاي وبطل الكركيت الباكستاني عمران خان، والرئيس الباكستاني
برويز مشرف وصور لأسماء وشخصيات عديدة، كلها حطت رحالها في هذا
الموضع الذي نقف نحن عليه.
كان هناك ثمة مكان لصورة إضافية، اقترحت على إدارة المطعم أن
توضع صورتنا باعتبارنا لا نقل شأنا عن الذين سبقونا في ارتياد
المكان، وزراعة شجرة الصداقة والمحبة والسلام، ووعدونا خيراً،
دون أن أدري حتى اللحظة ما إذا كانت صورتنا قد وضعت أم لا؟!.
اخترنا الجلوس في البهو الخارجي للمطعم، ومن هناك لاحت لنا المدينة
بتقاسيمها ومعالمها، وكان مسجد الملك فيصل أبرز هذه المعالم
وأقربها، وأكثرها اتضاحا، رغم الضباب والدخان الكثيف الذي يغمر
الأجواء.
كان مسجد الملك فيصل من الأعلى يبدو كتحفة فنية بديعة وهو كذلك
من الأسفل، غير أن جماله من الاعلى يزداد باكتمال الصورة ما
حوله، وتشعب الطرق المؤدية إليه.
يعتبر مسجد الملك فيصل من أكبر مساجد باكستان، تم اقتراح بناءه
فى عام 1966 بعد زيارة قام بها الملك فيصل بن عبد العزيز، وفي
عام 1969 أقيمت مسابقة دولية لاختيار تصميمه، وبعدها فاز المصمم
التركي فيدأت دالوك، وقد تم البدء في تنفيذ المشروع عام 1976م،
كما تم تنفيذ الجامعة الإسلامية ومعهد البحوث الإسلامي وقاعات
المؤتمرات والمرافق المساندة لهذا الصرح الإسلامي العلمي في
عام 1978م، وبلغت التكاليف الإجمالية لإنشاء هذا المشروع العملاق,
الذي يُعد أكبر وأضخم المشروعات الإسلامية في العالم بعد الحرمين
الشريفين, أربعون مليون دولار, وافتتح بصلاة عيد الأضحى المبارك
لعام 1408 للهجرة.
صمم المسجد على هيئة خيمة خرسانية كبيرة, استعمل نظام الشبكة
الفراغية يرتكز سقفها (حوائطها) على قاعدة مربعة طول ضلعها 61
مترا, لتشكل قاعة الصلاة لتتسع لحوالي عشرة آلاف مصل، تتقابل
أضلاع سقف الخيمة الأربعة, المكون كل ضلع منها من ثلاثة مثلثات,
أحدها قائم, في اتجاه القبلة والاتجاهات الثلاثة الأخرى, تتقابل
في نقطة تلاق على ارتفاع أربعين مترا عن مستوى قاعة الصلاة.
جاء التصميم المعماري ليتناغم ويتجانس مع ما يحيط به من جبال
ومرتفعات خلابة، وترتفع من المسجد أربع منارات, تتوزع في كل
ركن, على هيئة مسلة نحيلة ترتفع أكثر من سبعين متراً عن سطح
الأرض، وقد أنشأ المصمم شرفة داخلية فوق المدخل الرئيسي ومحاذية
للحائط الموازي لحائط القبلة ليكون مصلى نساء يتسع لحوالي 1500
مصلية، وزينت الفواصل التي تفصل الألواح الجدارية والسقفية بالزجاج
الملون المعشق ليسمح لضوء النهار بإضاءة المسجد إضاءة طبيعية
تضفي على المسجد والشرفة هالة من الجمال والوقار، أما الساحات
الخارجية فقد نسقت لتتسع لأكثر من خمسين ألف مصل ومصلية.
كنا نطل على معالم المدينة، نستمتع بالحديث تارة وتارة اخرى
بالمناظر الجمالية البديعة والطقس الفريد يهب علينا نسيما عليلا،
يداعب قرائح الشعراء والمبدعين اللذين أصاحبهم، دون أن اتمكن
من مصاحبة قرائحهم، والحذو طريقهم الإبداعي.
قال عبدالحميد: إن المكان مناسب جداً لشرب فنجان قهوة ثقيلة
ـ ربما للإرهاق الذي شعر به جراء عدم نومه ـ، أما حسن فقال:
إن الجو مناسب لشرب مرطبات غازية باردة، وكذلك فعلت أنا.. احضر
ثاقب لنا بعض المعجنات الباكستانية، التي اغرتنا بالأكل، خاصة
مع مذاقها الحار الجميل، ورائحتها الزكية.
بعد ساعة زمن، أشار لنا ثاقب بالمغادرة، وأخذنا هذه المرة مواقعنا
في السيارتين، ثم شققنا طريقنا نزولا نحو المدينة، ومنها إلى
جبال مري على ارتفاع يقارب سبعة آلاف وخمسمائة قدم فوق سطح البحر،
حيث تنتظرنا هناك ليلة حافلة.
في الطريق تزودنا ببعض المأكولات السريعة، وأصر عبدالحميد على
أن نأخذ أنا وحسن بعض السندويشات نظراً لعدم وجود سانحة لتناول
وجبة الغداء، وهذه المرة أيضا أخذنا بعض المشروبات الغازية لنتناولها
في الطريق.. واتجهنا نشق عباب المدينة، حتى وصلنا الى نقطة دخول
الشارع المفضي الى المنطقة، هناك توقفنا لدفع الرسوم المقررة
للعبور.
كان الأمر بالنسبة لنا يُعد تجربة جميلة، خاصة في ظل سياسة تقنين
المرور في الشوراع المهمة، وفرض رسوم العبور، للمساهمة في تكاليف
إنشاء وصيانة الشارع.
كانت مسافة الشارع تقارب المائة والخمسين كيلو متراً، وكان مقرراً
لنا في ظل السرعة التي لا تتعدى الستين كيلومترا في الساعة،
أن نقطعها في ثلاث ساعات تقريباً، ولذلك أخذنا الحديث أنا وعبدالحميد
الطائي، وتشعبنا فيه، لنأتي على الكثير من الأمور والمواضيع
التي تهمنا في العمل وفي الحياة بصفة عامة.
كنا نعقد مقارنة بين الشوراع الموجودة في باكستان والشوارع الموجودة
لدينا، وبين الحياة هنا والحياة هناك،
كان عبدالحميد يتحدث بحس وطني ، ينتصر لكل ما هو عماني، وكان
يسرد آماله وطموحاته، ويبوح مشاعره الفخورة بما وصلت إليه التنمية
في عمان، وكيف السبيل للمحافظة على هكذا انجازات.
اما حسن فبطبيعة الأمر، فكما هو الحال معه منذ لحظة وصولنا المدينة،
اختار مرافقة ثاقب في السيارة الثانية التي تقدمتنا هذه المرة،
وهرعنا نجر ركابنا خلفها..
لم أدر في أي المواضيع كان حسن وثاقب يتحدثان.. لكنني أجزم أن
حسن بثقافته وبحسه الادبي، سيتحدث في هذه المواضيع وسيبحث في
أعماق الثقافة والآداب الباكستانية، ويسرد قراءاته السابقة عن
تاريخ وحضارة المنطقة.
كان عبدالحميد يواصل بوحه.. كان يتحدث عن طموحاته وآماله، وأنا
استمع له، في الوقت الذي أخذ الأعياء والإنهاك مبلغه منه، بدأ
جبيني يتفصد عرقا، رغم أننا نصعد منطقة جبلية باردة.. كنت لحظة
افتح زجاج النافذة، ولحظة ثانية أطلب زيادة تكيف السيارة، وفي
لحظات أكثر امرر المحارم الورقية على وجهي، دون ان افصح لعبدالحميد
او للسائق عن حقيقة متاعبي في تلك اللحظة.
انتبه عبدالحميد لي، وأشار لي أن العرق ربما يكون من تناولي
وجبات غذائية تحتوي على البهارات والفلفل الحار.. ولم أملك في
تلك اللحظة، وازاء المشاعر التي انتابتني، إلا موافقته الرأي،
كانت بطني تتلوى من الآم المغص، وكان رأسي ينفجر من الصداع،
وكنت على وشك التقيؤ، ولا أدري أي مشاعر انتابتني في تلك اللحظة،
حيث كان التواء الطريق وتعرجاته، وقيادة السائق المتهورة جدا،
وتجاوزه حتى في المنحنيات الخطرة كلها عوامل مؤثرة في سوء حالتي
الصحية والارهاق الجسدي والفكري، ووجدتني أقاوم كل ذلك، وامضي
مجهدا في مواصلة الحديث مع عبدالحميد، الذي نظر لي وكمن شعر
بحالتي، ودون أن استطيع المقاومة، وجدتني أفرغ ما في جوفي، وكاد
أن يحدث ما لا يحمد عقباه، لولا أن تداركني عبدالحميد بعلبة
المحارم، وأنقذت نفسي بها، ثم طلب من السائق الوقوف، وأخذت اتنفس
بعمق، وأحاول تغير الهواء الفاسد في رئتي.
استلزمنا الأمر خمس دقائق تقريباً، مما أشعر حسن وثاقب في السيارة
الأخرى، بحدوث شيء ما، حينما لم يشاهدوننا خلفهم، فاقفلوا راجعين
مستفهمين سبب وقوفنا.. حتى إذا ما اطمئن الجميع لحالتي، واصلنا
المسير، وكان الأمر معي هذه المرة أفضل قليلاً، لولا أن عاد
السائق لسيرورته الأولى، وراح يقود بتهور كمن يسابق الريح.
وجدت الحالة تعود لي مرة ثانية.. وهذه المرة، رحت احسب الثواني
لا الدقائق التي تمر عليّ قبل وصولنا، كانت المناظر التي نمر
عليها والقرى الجبلية المطلة من البعيد، تشكل لوحة جمالية بديعة،
كانت تشي بكفاح الإنسان، وإرادته التي حملته حتى هذا المكان،
دون أن يقوى على مفارقته، رغم ما يكتنفه من مشاق في الوصول إليه
ومصاعب في وصول الخدمات الضرورية.
كانت صورة الإنسان المتمسك بأرضه، المتشبث بمكانه، مهما بلغ
من المشاق والمصاعب، أنموذجا جميلا، يتكرر في كل مكان وزمان.
كنا نلاحظ بعض البرد المتساقط من قمم الجبال، ونشاهد بعض المارة
وهم يعبرون الطريق، ربما إلى محلات أو قرى قريبة، وعلى طول سيرنا
في الجبال، لم تنقطع الحياة، ولم تخفت، بل كانت تزداد توهجاً،
كلما صعدنا للأعلى.
بعد فترة من الزمن، حسبت كل دقائقها وثوانيها وحتى لحظاتها،
وصلنا إلى الفندق، وهناك، لم يسعفني الحال في تلك اللحظة لأخذ
جولة لاكتشاف محيط المنطقة، رغم أن العوامل المناخية والمكانية
تحفز على ذلك، إلا أنني شعرت بحاجة ماسة للراحة، وكان أن تم
ذلك.
دخلت إلى غرفتي وارتميت على السرير، ولم أفق إلا بعد ساعات،
كان فيها الليل قد أرخى ستائره، طرق حسن المطروشي عليّ الباب
واطمئن لصحتي، ثم قدم عبدالحميد الطائي، واطمئن هو الآخر على
حالتي الصحية، وقررنا ساعتها الخروج في جولة داخل اقسام الفندق،
ومحيطه الداخلي، بعدها تناولنا العشاء، ثم اقفلنا راجعين غرفنا
للراحة والنوم، كان برنامج اليوم التالي حافلا، حيث موعد مغادرتنا
الفندق في الصباح الباكر، واستكمال برنامج جديد من برامج الرحلة.
في الصباح، لم اتناول فطوري ـ كما جرت العادة ـ اكتفيت بكوب
شاي، معللا ذلك بعدم اعطاء معدتي فرصة للتعب ورفض ما يأتيها
من طعام.
أخذنا مواقعنا في السيارتين، وانطلقنا نحو المدينة، في ذات الطريق
الذي قدمنا منه، وعلى ذات منوال الإياب، أخذنا الحديث أنا وعبدالحميد،
واطلالنا على جبال مري البديعة التي اتضحت هذا الصباح أكثر جمالاً
وتناغماً من كل النواحي عن اليوم السابق، كانت أشعة الشمس تخترق
بعض السحب المتناثرة، لتكمل اللوحة الجميلة، غير أن مشاهد العودة،
لم تكن أقل سوءا من اليوم السابق، حيث واصل السائق عادته في
التجاوز والقيادة بسرعة متهورة، واجتياز المنحدرات بطريقة جنونية،
اعادت الآم المغص والتعب الى جسدي، وشعرت بالارهاق يعاودني ثانية،
ومشاعري بما حولي تتراوح بين الوعي واللاوعي، ودون ان اكتم متاعبي
هذه المرة، اخبرت عبدالحميد انني ساغمض عيني طلبا للنوم، حتى
لا يتضاعف اجهادي.
كنت اتفصد عرقا.. والدنيا تلف بي.. وجاهدا حاولت إفهام السائق
بالتروي والتريث في قيادته، فخفف قليلا من تهوره، ثم عاد لسيرته
الاولى.
- ذبحنا هذا السائق التعيس.
قالها حسن المطروشي، في رسالة قصيرة بعثها لي، قبل ان تنقلب
بي الدنيا رأسا على عقب.
لحكايا الرحلة بقية الاثنين القادم
يسرد حكاياتها: خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى
في مجموعته الجديدة "هو الغيوم التي في الضواحي"
محمد علي شمس الدين .. قراءة واحدة عبر الواقعي والصوفي
والاسطوري
بيروت ـ رويترز: في المجموعة
التي حملت عنوانا هو الغيوم التي في الضواحي للشاعر محمد
علي شمس الدين يتنقل القارئ في اجواء نابضة موحية وعبر
مراوحة تتكرر بين الواقعي والسياسي والصوفي والخرافي والاسطوري
ليخرج دائما بنتيجة تكاد تكون واحدة. فالشاعر اللبناني
البارز في عالم مجموعته المتنوع الخيوط التي قد يتراءى
لنا بعضها مختلفا عن الآخر او متناقضا معه احيانا ينسج
دائما بهذه الخيوط حكاية تبدو واحدة تتحدث عن احزان الانسان
وخيباته وآلامه واحلامه وتساؤلاته السرمدية.
ويتنقل شمس الدين تنقلا قد يبدو غريبا .. فالواقعي يحملنا
عنده لا الى الحلم فحسب بل الى الصوفي الذي لا يلبث بدوره
ان يردنا الى واقع ليس في مستوى رفعته. المجموعة وردت
في قسمين توزعا على 199 صفحة متوسطة القطع واشتملت على
ما يزيد على 20 قصيدة. وقد صدر لشمس الدين 15 كتابا بينها
ثلاثة كتب نثرية. وصدرت المجموعة الاخيرة عن دار النهضة
العربية في بيروت. القسم الاول منها حمل عنوانا هو ابواب
الموسيقى اما عنوان القسم الثاني فكان صواري السفن. استهلت
المجموعة بكلام عن الموسيقى مأخوذ من كتاب الاغاني لابي
الفرج الاصفهاني وفعلها الذي لا يضاهيه شيء حتى الفتوح
العسكرية العظيمة. أوردت القصيدة وعنوانها "1 باب
الفتوح" اسماء تاريخية منها قتيبة بن مسلم وموسى
بن نصير وطارق بن زياد. يقول الشاعر:(بعيدا.. الى الشرق
كانت جيوش قتيبة تنأى وتقرع باب خراسان فتح مبين ولكن
شيئا على السيف حط واوقعه من قراب الامير جاء (...) من
خراسان تقرأ سر الطوالع قالت .. سمعت الخليفة في الشام
يصغي لصوت المغني ويطلق في الريح آه الطرب فعد اكمل الفتح
دورته يا امير العرب.
وينتقل الى زرياب المغني في ختام للقصيدة فيقول "كان
فتح مبين.