بريد
سيدي الحاضر الغائب
صباحك وجهك
كيف تريدني أن أحبك هذا الصباح ؟ أي شرط ستضعه اليوم لمشاعري
تجاهك تلك التي لا تقبل شرطا أو قيدا ؟ أي معاهدة هذه التي
ستلزمني بتوقيعها بدم قلبي الذي لا يقبل المهادنة ولا المصالحة
؟ أنا في حبك مندفعة كقطار سريع منفلت على قضبان اشتعلت
من فرط سرعته ومن ثقل ما يحمله بين جنباته ! أنا خارج أي
تعريف أو تشكيل أو قولبة فابحث لك عن طريقة أخرى لاعتقال
مشاعري .. فلن تفلح .. كيف لك أن تعتقل ذرة رمل هاربة من
وجه الريح ؟! .. كيف لك أن تأسر الماء في كفيك ..! كيف لك
أن تحجم حبي لك وأن تضع له إطارا بلوريا .. كيف ؟ أغاب عن
إدراكك أن الزهر يموت إن حجبت الشمس عنه وأن الحب إذا ..
الحب إذا اعتقل يموت....
الحب يجيء بدون شروط ..
عشقي لك لا يقبل حداً
منسرحاً يهدر كالسيل
يحفر في الصخر
يشيل الرمل .. يزحزح جبلا
يردم أخدوداً ويغيّر بثوانٍ وجه الأرض..!
يصعد .. يهبط .. يتعملق
يعيد تضاريس حياتك بكراً
كالطين يشكّلها ..
يرسمها لكن دون إطار
فالحب إذا اعتقل يموت !
كمخاض سحاب
ميلاد للخير وبرهان حياة
صافٍ مندفع .. وحنون
والأرض ملاذٌ ووجاء ..
يا طهرا يعبق طهراً ...
مسكٌ آتٍ من بطن سماء ..
كالمطر ..
طليق .. وشفيف
الحب إذا اعتقل يموت ..
دعني أهواك كما أهوى
لا تفرض قيداً أو حدّا
بيني والقيد عداوات ،
ثارات لا تسقط قِدماً
وبسوس دقّتْ للمنشم عطرا فواحا ودماء
فأنا زنبقة لا أٌزهر إلا
والنجم رفيقي .. والريح
أذبل .. أتلاشى في قفصٍ
بلورٍ مصقول الأرجــاء..
فالزهر إذا اعتقل يموت !
دعني أهواك كما أهوى
الحب إذا اعتقل يموت....
نورا البادي
فنانة وشاعرة عمانية
أعلى
الجنون الليلي
انطلق صوت الموسيقى الصاخب من
شقة منيرة في الدور الرابع لينتشل العمارة كلها من سكون
الليل ، كانت أصوات الموسيقى تعج في المكان وكأنهم في يوم
احتفال ، ولكن الجيران لم يتحركوا ساكنين لأنهم اعتادوا
على هذا الأمر. منيرة فتاه في زهو الثالثة والعشرين من عمرها
، لها عينان زرقاوان مثل موج البحر الصافي ، وشعر كستنائي
تغطي خصلاته المتناثرة جبهتها ، فهي فتاه انطوائية لا تخالط
الناس وتكتفي بالابتسام إذا ألقى أحدهم عليها التحية . اعتادت
منيرة على تشغيل الكاسيت في منتصف الليل فكانت تعليه إلى
آخر درجة حتى يضج المكان بصوت الموسيقى الصاخبة ، ثم تجلس
في ركن إحدى الغرف على كرسيها الهزاز تغمض عينيها الزرقاوين
التي تفيض بالدموع كنهر جار شاردة الذهن في عالم آخر لا
يعرفه غيرها. في بداية الأمر كان الجيران كلما سمعوا صوت
الموسيقى يذهبون إلى شقتها فيقرعون الباب ولكنها لا تفتح
لأحد ولا تجيب على الهاتف فدب الشك في قلوب جيرانها وزادت
حيرتهم ، ما هو سر الموسيقى العالية في منتصف الليل ولماذا
لا تجيب على أحد ؟! بدأت الشائعات تنتشر بين الجيران فتارة
يقولون بأنها تحتفل مع أحد وتارة أخرى يقولون بأنها جنت
، ظلت منيرة على هذه الحالة فترة طويلة لم يستطع جيرانها
التحمل ، اتصل شوكت جار منيرة الأول بمستشفى الأمراض النفسية
وأبلغهم بالأمر وما هي إلا لحظات حتى وصلت سيارة المستشفى
ونزل منها طبيب وممرضتان، كان شوكت ينتظرهم عند باب العمارة
فما أن وصلوا حتى اقتادهم الى شقة منيرة، أخذ شوكت يطرق
الباب بقوة كبيرة ولكن منيرة لا تجيب وبدأت الممرضتان تطرقان
الباب أيضاً ، ظل شوكت والممرضتان يتناوبون في طرق الباب
لساعات طويلة دون فائدة. وبعد ذلك طلب شوكت من الطبيب أن
يكسر الباب فوافق الطبيب بعد تردد في بادئ الأمر، قام الطبيب
وشوكت معاً بكسر الباب، كانت الشقة هادئة ومرتبة ما عدا
صوت الموسيقى الصاخب الذي يضج بالمكان ، بدأ الطبيب والممرضتان
بالبحث في أرجاء الشقة عن منيرة فوجدوها على كرسيها الهزاز
في زاوية الغرفة غارقة في عالم آخر وكأنها ميتة ، جسدها
ساكن لا يتحرك ما عدا عيناها اللتان تفيضان بالدموع وصوت
حشرجتها، أيقظها الطبيب من غفلتها ، كانت دهشتها كبيرة برؤيتهم
لكنها لم تنطق بكلمة واحدة ظلت عيناها الزرقاوان المتوهجتان
من البكاء ككتلتي لهب تحدقان في الطبيب والممرضتين تارة
وفي جارها شوكت تارة أخرى. لا تدري ما الذي يحدث حولها ومن
هؤلاء ولماذا أتوا وكيف دخلوا الى الشقة، اقتادت الممرضتان
منيرة الى خارج الشقة ، كان بعض سكان العمارة يسترقون النظر
من خلف أبواب شققهم بينما وقف آخرون على السلالم لمشاهدة
منيرة المجنونة ، كما كانوا يسمونها ، وهي تساق الى مشفى
الأمراض النفسية ، كانت منيرة تحدق في الجميع بنظرات خوف
واستغراب في داخلها تتساءل ما الذي يحدث لها ؟! ولكنها لم
تنطق بحرف واحد . جلست منيرة في المقعد الخلفي من سيارة
المستشفى وبجانبها الممرضتان هادئة كحمل وديع، وبعد سويعات
بسيطة استقرت السيارة أمام مبنى كبير محاط بسور عال جداً
دخلت منيرة المبنى برفقة الممرضتين حيث أخذتاها الى ممر
طويل جداً وشبه مظلم ينتهي بردهة صغيرة يطل منها باب قديم
يحدث صريراً كلما حركته الريح ، وصلت الى الباب الذي كان
يخفي وراءه غرفة كئيبة المنظر كذلك المبنى العتيق التي هي
فيه. كان في أحد أركان الغرفة سرير طبي مغطى بالشراشف الطبية
البيضاء وإلى جانبه طاولة صغيرة وكرسي من الخشب القديم مطلان
على نافذة صغيرة مغلقة بشباك والفزع في قلب منيرة إلا أنها
لم تنطق البتة بحرف ساكن ظلت عيناها تحدقان في استعجاب وتجولان
بسرعة في جميع أرجاء وزوايا الغرفة ، واصلت سيرها نحو السرير
الأبيض حيث طلبت منها الممرضتان النوم فيه وأعلمتها إحدى
الممرضات بوجود جرس للنداء إذا احتاجت للمساعدة ولكنها لم
تكترث لكلامها وانطوت في زاوية السرير كفأر صغير مذعور،
بدأت الشمس تنشر أشعتها الذهبية في أرجاء غرفة منيرة التي
لا زالت على حالها منذ وصولها للمستشفى. سمعت منيرة صوت
الباب يقرع في هدوء ثم دخلت احدى الممرضات وعلى وجهها ابتسامة
رقيقة حاملة صنية صغيرة للإفطار ... وضعت الممرضة الصنية
على السرير وطلبت منها تناوله إلا أن منيرة لم تزل غارقة
في عالمها المجهول الغامض ، ظلت الممرضة برفقتها فترة طويلة
قبل أن يدركها اليأس والملل وتغادر الغرفة بعد أن استنزفت
كل جهودها ومحاولاتها لإقناعها بتناول الإفطار أو حتى إخراجها
من شرودها والنظر إليها. دقت الساعة العاشرة صباحاً وبدأ
الطبيب زياد جولته اليومية للمرضى كان زياد في مقتبل الثامنة
والعشرين من عمره طويل القامة قليلاً حنطي البشرة له عينان
صافيتان تنمان عن طيبة قلبه ورفعة أخلاقه بالرغم من حدة
نظرته للشخص ، يتحلى بجسم رياضي متناسق الأعضاء يظهر عضداه
من خلال أكمام القميص القصير ، كما تظهر قبضة يده القاسية
التي كانت بعكس ملامح عينيه، كان زياد يرتدي بنطالاً من
الجينز الفاتح وقميصا ناصع البياض قصير الأكمام ، تنم ملابسه
عن ذوق رفيع بالرغم من بساطتها .
وصل زياد الى غرفة منيرة وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يقرع
الباب ، دخل الى غرفتها ومشى باتجاه الطاولة ، سحب الكرسي
الخشبي وجلس عليه بهدوء ونظر إلى وجه منيرة العابس فعّرف
بنفسه لها لكن منيرة لم تدر رأسها باتجاهه بل ظلت تنظر الى
الحائط المليء بالشقوق والواضح عليه كثرة الترميم دون أن
تحرك عينيها ما عدا تلك الرموش الكثيفة التي تغطي عينيها.
ظل زياد أياما عديدة يحاول فيها استدراجها للحديث معه إلا
أنه لم يفلح ، مضت ثلاثة أشهر ومنيرة قابعة في ذلك السرير
لا تريد مغادرته ولا تتكلم مع أحد حتى ظن الجميع بأنها خرساء
لا تستطيع الكلام. سئم الجميع من حالة منيرة حتى إن الممرضات
لا يتحدثن إليها عندما يدخلن الطعام لها أو يعطينها الدواء
ما عدا الدكتور زياد الذي زاد من إصراره على كشف حقيقة هذه
المريضة الغامضة التي حتى لم تعترض على وجودها في ذلك المستشفى.
وفي يوم السابع والعشرين من شهر ديسمبر في الساعة العاشرة
صباحاً جاء الدكتور زياد إلى غرفة منيرة كعادته لتفقدها
ولكن هذه المرة وضع زياد منيرة في آخر قائمة زياراته التفقدية
للمرضى حيث قصد أن يطيل جلسته معها وكعادته سحب الكرسي الصغير
وجلس عليه باتزان ونظر الى عينيها نظرة هادئة ملأها بالتفاؤل
والأمل بدأت نظرات الارتياح تظهر على وجه منيرة لقد كانت
تحترم الدكتور زياد كثيراً لأنها تراه مختلفا عن بقية زملائه
الأطباء فقد كان هادئاً أغلب الوقت غير لحوح في الأسئلة
يتكلم عن نفسه وتجاربه المشوقة أحياناً مما يدفع منيرة للإصغاء
اليه مرات عديدة, بدأ زياد كلامه عن قرب دخول السنة الجديدة
وعن تفاؤله في الحياة وعن مشاريعه وخططه التي لم يستطع إنجازها
في هذا العام ويتمنى ان تتحقق في العام الجديد ، فسأل منيرة
عن وجهة نظرها نحو السنة الجديدة وعن المشاريع التي تنوي
إنجازها فيها ، شردت منيرة مع نفسها وجالت في خاطرها حول
السنوات الخمس الماضية كانت تلك السنوات أتعس لحظات حياتها
. غرقت عيناها بالدموع لتلك الذكريات المؤلمة ثم نظرت باتجاه
زياد الذي كان يراقبها بحذر دون أن يحرك شفتيه بشيء ، استرخى
على الكرسي الخشبي وأخرج سيجارة من جيبه وبدأ في إشعالها
، نظرت منيرة الى نار القداحة بخوف شديد ثم بدأت تنظر إليه
وهو يدخن سيجارته أمامها فتراجعت الى الوراء حتى التصق جسدها
الضئيل بجدار الغرفة نهض زياد عن كرسيه وبدأ يمشي باتجاهها
مد يده إليها إلا أنها بدأت في الصراخ وعلا صوتها باقترابه
منها. أدرك زياد لحظتها بأن خوف منيرة منبعث من عود سيجارته
التي في يده فأطفأ سيجارته فتوقفت عن الصراخ إلا أنها ما
زالت تحدق في وجهه بتلك النظرات الخائفة والمذعورة أحس زياد
بأنه أمسك طرف خيط هذا اللغز الكبير الذي ظل يحيره طيلة
ثلاثة أشهر دون حل . مد يده الى منيرة فأمسك يدها بحنان
واخبرها بألا تخاف منه ، فهو يحبها ويحترمها كثيراً ولا
يمكن أن يؤذيها أبداً مضت ساعة ونصف حتى استطاع أن يعيد
ثقة منيرة فيه أحس زياد برغبة منيرة في الكلام فبدأ يستدرجها
قليلاً بعطف ولين تمددت منيرة على السرير الطبي مرة أخرى
وأغلقت ستائر عينيها وبدأت برواية قصتها له ، أخرجت حشرجة
كبيرة قبل أن تبدأ في الكلام ثم استطردت قائلة "بدأت
قصتي منذ خمس سنوات تقريباً حينما كنت وقتها في الثامنة
عشرة من عمري فقد كنت الفتاة البكر بين خمس أخوات وصبي في
الخامسة من عمره كنا أسرة فقيرة معدومة لا تملك سوى قوت
يومها حيث كان يعمل أبي حارساً لإحدى العمارات التي تعمل
أمي خادمة فيها وقد كنت أنا أقوم بشؤون المنزل ورعاية بقية
أخوتي لقد تعودت على ذلك منذ صغري ولم أتذمر أو أشتكي في
يوم من الأيام بعكس بقية أخواتي اللائي كن يستحين من سوء
حالتنا ويخجلن من فقرنا وعدمنا . وفي يوم مشؤوم صدمت سيارة
مسرعة والدي وهو يحاول عبور الشارع فنقل إلى المستشفى الذي
توفي فيه حال وصوله إليه ، دخلت أمي أشهر العدة ولازمت البيت
مما استدعى أن ترسلني بدلا منها للخدمة في البيوت لكسب قوتنا،
كنت أخدم عند امرأة كبيرة في السن على فراش المرض وظللت
أخدمها بكل صدق كأنها والدتي أو إحدى قريباتي حتى وافتها
المنية وبعد عدة أشهر وعند عودتي من أحد المنازل التي كنت
أخدم فيها وجدت أمي في انتظاري أخبرتني بأنها تريد الحديث
معي في موضوع يخصني فارتعد قلبي كثيراً وخصوصاً حينما رأيت
دمعة تسقط من عينها عرفت بعدها أن زوج المرأة المسنة التي
كنت أعمل عندها جاء لخطبتي بدأت أمي تشكو من فقرنا وعجزها
عن العمل حيث إن عملي لا يكفي لسد حاجة البيت ومصاريف أخوتي
وأن هذا الزواج سوف يحسن من حالتنا المادية وأن هذا العريس
بالرغم من كبر سنه فهو شارف على الستين من عمره ، إلا أنه
يملك ثروة طائلة وكما قالت أمي سيعوض حرماني وينهي فقري
وعدمي. أدركت يومها بأنني كبش الفداء وأنه لا محالة من قبولي
وما هي إلا أيام حتى سقت إلى مملكة ذلك الرجل المسن الذي
كنت خادمة عنده فيها من قبل ، دقت الساعة الثانية عشرة من
منتصف الليل فانتهى حفل العرس وغادر جميع المعازيم وغادرت
أمي التي لم تتوقف عيناها عن ذرف الدموع لحظة واحدة ، جلست
أنا على ذلك السرير الكبير الأشبه بأسرة الملوك في الحكايات
لقد كانت المرة الأولى التي أجلس فيها على فراش وثير ومريح
بدأت عيناي تجولان في أرجاء تلك الغرفة الكبيرة وحضر الرجل
مبتسماً ابتسامة نصر بغنيمته وانقض عليّ كنعجة صغيرة . وما
هي إلا لحظات حتى فشل ذلك الرجل في مبتغاه فلم يصدق نفسه
فانهال عليّ بحزامه الجلدي وأخذ يضربني ضربا مبرحا بكل قسوة
وأنا أصرخ وأصرخ دون رحمة منه حتى سقطت مغشياّ عليّ ، تنفست
منيرة بعمق وحاولت مسح دموعها ثم عاودت سرد قصتها المؤلمة
"كانت الأيام تمر عليّ مثل بعضها يغادر الرجل منزله
في الصباح ويغلق الباب جيداً حتى لا أخرج ولا أزور أو يزورني
أحد فأقوم بالأعمال المنزلية جميعها حتى يحل المساء فيحضر
فيطلب مني الدخول إلى الغرفة أو زنزانة التعذيب على أصح
التعبير ثم يجردني من ملابسي ويرميني على السرير ويجلس هو
في الكرسي المقابل فيبدأ بإشعال سيجارته وينظر إلي بشراهة
كبيرة كذئب مفترس ويحدق بي من قمة رأسي حتى أخمص قدمي ثم
ينهض من كرسيه ويمشي باتجاهي فيقوم بإطفاء سيجارته في جسدي
ثم يتناول حزامه الجلدي وينهال عليّ بالضرب وأنا أصرخ من
حدة الألم وأتوسل إليه أن يتوقف دون جدوى ويظل على هذه الحال
حتى أفقد الوعي واستيقظ في الصباح لأجده قد غادر المنزل
. حاولت أمي زيارتي كثيراً إلا أنه منعها متحججاً بأني مصابة
بمرض خطير معد وأن الطبيب منع أي أحد من زيارتي إلا أن أمي
بدأت تلح كثيراً في رؤيتي فبدأ بسبها وشتمها وقام بطردها
من المنزل وأخبرها بأنه اشتراني بنقوده وأنني ملكه الآن.
نعم هكذا كنت ملكه النعجة التي اشتراها ويتفنن في أساليب
تعذيبها ، مضت عدة سنوات على زواجي وزوجي لم يتغير أبداً
بل كان يبتكر كل يوم نوعا جديدا من أنواع التعذيب وكان يدخن
ويشرب الخمر أمامي ثم يطفئ سيجارته في جسمي ويرميني بكأس
الخمر، أدركت بأن هذا السفاح المسن يتلذذ بصوت صراخي وتوسلي
فقررت ألا أصرخ أبداً ولا أتوسل إليه حتى لو اضطررت لقطع
لساني ، وفي منتصف إحدى الليالي الباردة دخل ذلك الوحش الكبير
البشع إلى غرفتي كعادته ومزق ثوبي الذي كنت أرتديه وبدأ
بالتدخين ثم تقدم إلي ليطفئ سيجارته في جسدي كعادته إلا
أنه تفاجأ بأنني لم انطق بأي حرف فاشتعل غيظاً وأشعل سيجارة
أخرى أطفأها في جسدي ولم أصرخ . ركض مسرعاً إلى المطبخ وأحضر
سيخاً حديديا فألهبه حتى غدا كجذوة عينيه الكبيرتين وقام
بكيي به فلم انطق أبداً فجن جنونه وأمسك بحزامه الجلدي وبدأ
يجلدني بكل قسوة وعنف وأنا لم أصرخ أبداً ما عدا عيناي اللتان
تذرفان الدموع من شدة الألم انهال عليّ ذلك العجوز بالضرب
ساعات متواصلة حتى كلت يداه من التعب فبدأ يرميني بقطع الأثاث
وزجاجات العطر وأنا صامدة أدعو الله في داخلي بأن يتوقف
قلبه عن الخفقان، بزغ الفجر وأنا ما زلت منهمكة في دعائي
لله تعالى بينما رمى ذلك الوحش الكبير بجثته على السرير
واستلقى لقد تمنيت لحظتها لو أستطيع أن أغرس خنجرا أو سكيناً
كبيرا في قلبه وأتخلص منه ومن عذابه إلا أنني تداركت نفسي
وذهبت لأصلي الفجر مرت عدة سنوات من عمري وأنا بين يدي هذا
العجوز السجان الفاشل الذي فشل في أن يشبع رغباته وملذاته
مني فبدأ بإشباعها بالتعذيب والقسوة عليّ لقد كنت أخدمه
حق خدمة فلم أقصر في واجباته يوماً ما ولم أرفع صوتي عليه
أبداً آملة من الله تعالى ان يفرج عني كربتي وتنتهي معاناني
لقد فكرت في الانتحار مرات عديدة لولا أن قوة إيماني بالله
منعتني من ذلك ". أدارت منيرة رأسها إلى الدكتور زياد
الذي كان ينظر لها بشغف ويسمعها بإنصات كبير وابتسمت ابتسامة
كبيرة كانت المرة الأولى التي يرى فيها زياد منيرة تبتسم
ادرك بأنها ابتسامة نصر فاستعجل منيرة في الحديث وقال لها
: " ماذا حدث بعد " استطردت منيرة بكل شجاعة وقوة
وثقة بنفسها " تخلصت من سجني الى الأبد فقاطعها زياد
" كيف " قالت منيرة في يوم من الأيام دخل زوجي
العجوز مترنحاً إلى البيت من شدة السكر فقمت بأخذه إلى الغرفة
في الطابق العلوي بدأت أسكب له المزيد من الخمرة اللعينة
حتى شرب الى حد الثمالة فكان فاقدا لصوابه ورشده فطلبت منه
بأن ننزل إلى غرفة الصالون في الأسفل لنجلس مع بعض وأغسل
له قدميه كعادتي فنهض مترنحا وبدأ بالنزول من السلم الكبير
وأنا خلفه فامتدت يداي نحوه دون أن أشعر ودفعته بكل قوتي
حتى سقط متقلباً طول السلم الكبير فضرب رأسه بشدة في حافة
السلم الرخامي وتفجرت الدماء من عروق رأسه كان منظراً مروعا
ومفرحاً في نفس الوقت بالنسبة لي فأسرعت إلى جهاز الهاتف
لطلب الشرطة لقد كانت تلك المرة الأولى التي ألمس فيها الهاتف
حيث إن الرجل اللعين يمنعني من استخدامه أو الرد عليه. لحظات
قليلة وعج المنزل برجال الشرطة الذين بدأوا في استجوابي
على الفور وأخبرتهم بأنني كنت نائمة في غرفتي حينما سمعت
صوت ارتطام كبير فخرجت مسرعة منها ورأيت زوجي مرمياً على
الأرض والدماء تغطي وجهه فأسرعت للاتصال بكم استمرت التحقيقات
أيام عدة وظهرت نتيجة التقرير الجنائي تدل على أن زوجي توفي
إثر سقوطه من أعلى السلم لأنه كان فاقدا لرشده بسبب حالة
سكر شديدة ، لم يكن لزوجي أي أقارب فورثت أنا جميع أمواله
الطائلة وبعت المنزل اللعين واستأجرت تلك الشقة التي أعيش
فيها الآن حيث إنني لا أرغب في الاختلاط بأحد إلا أن ذكرى
زوجي السفاح لم تغادرني فقد كان صوت حزامه الجلدي حين يجلدني
يتردد في أذني كما أن أصداء ضحكاته القبيحة تعج في أرجاء
الشقة فكنت أشعل جهاز الكاسيت حتى لا أسمعها وهذا ما ظن
بي الناس أنني مجنونة أو منحرفة، توقفت منيرة عن سرد قصتها
وظهرت إشراقه غريبة على وجهها ونظرت للدكتور زياد وقالت
" إنني اليوم غير نادمة على ما فعلته به بل حتى إنه
إذا عاد للحياة فسوف أقتله مرة أخرى ولا يهمني أي عقاب سيحل
بي لأنني أصبحت لا أخشى أي عقاب أو عذاب أكثر من الذي لقيته
ونلته منه، وقف الدكتور زياد مترجلاً عن كرسيه الخشبي وقال
لمنيرة بأنه سوف يسارع بإجراءات خروجها من المستشفى وعودتها
الى حياتها الطبيعية.
دارين العبري
قاصة عمانية
أعلى
حزينة ليلتك
* من الذاكرة ..
إهي ذيك الدموع اللي تساقط فوق وجناتــــك
مثل سيفٍ تكزّه في ظميري يذرف دموعــي
حبيبي شفتك البارح دماءٍ ليت ما جــــــــاتــك
بأيدي شلتها وكلي الم ما يحمــــل ضلوعي مثل ما يتّمت فيني
بقايا قلبك وذاتك
لقيتك أول انسانٍ اشوفه من " عصا ركوعي "
يا وجهي وجهك ، عيوني عيونك ، شفّتي شفاتك
تبيني بعضي وكلّي.. أجي لك رغم عن طوعــي
اجي ذاك الحزن .. كل الحزن واستنشق رفاتـك
وأشوفك بيني وبيني بدايــة منتهى رجوعـي
مسافة والضما كان الوداع يهاب نظراتك
وأشوفك قبري وموتي وضماية وقهري وجوعي
وأشوفك تنزف دموع المخافة بألتبــــاساتــــــــك
مثل ما شفتك البارح " ظلامٍ يوقـــــــد شموعـــي "
حزينة ليلتك هذي تعاكــــــــــــس كل اوقــــــــاتك
حزينة لعن ابو غرس الحزن من قلعة جذوعـــــي
حبيبي ( .. آآآآه .. ) هالليلة : تناسى كل ما فـاتك ..
تعال بْبسمتك امسح سهادي وقهري ولوعـــــــــي
ابيك بحظي بكل اشتيــــــــاقك وانفــــــــــــــعالاتك
اجيك بلهفتي بمحرابي بسجــــادة خشـــــوعــــــي
كذب سطر الدموع اللي رسمته لأجل لوحــــــاتـك
كذب كل الكذب في رقّتي في بــــــاقي دمـــوعــــي
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
صوت
عاصمة الإبداع الدائم
ودعت سلطنة عمان موقعها كعاصمة
للثقافة العربية للعام الفائت ولكنها ظلت متبوئة لمكانتها
كعاصمة للإبداع الدائم في قلوب المثقفين.
وفي الحفل الختامي لاحتفالية توزيع جائزة السلطان قابوس
للإبداع الثقافي تجلى وعي السلطنة على أكمل وجه من خلال
الشخصيات الأدبية التي وقع عليها الاختيار في الحصول على
الجوائز في شقيها الأدبي والفني .. فهناك أسماء عربية كانت
تستحق الوقوف بجدارة على خشبة التكريم وقد لمحت في أعينهم
ـ خلال حضوري لهذه الاحتفالية ـ عبارات الامتنان ، فلا شئ
يبهج المبدع مثل أن تتذكره المؤسسات الثقافية الرسمية بجائزة
أو تكريم .
وسلطنة عمان بلاد ثقافية بامتياز، فمن الناحية العلمية تتميز
بكونها موئلا زاخرا بالعلماء منذ أقدم العصور، وتكتظ البلاد
بالمؤلفات العلمية الفقهية والأدبية بشتى أنواعها الإنسانية
.
ولم تتوقف السلطنة عند هذا الحد التاريخي البعيد بل فاجأتنا
بنهضة إبداعية شبابية مذهلة خلال العشر سنوات الأخيرة، فتصدى
مجموعة من الشباب إلى صنوف الإبداع من شعر وقصة ورواية ونثر
وفن تشكيلي فأبدعوا وتألقوا وقدموا تجارب جديدة تصل إلى
حد الدهشة .. وطالعتنا إصدارات إبداعية تحمل مضامين عميقة
تعكس أولا انتماءها إلى جذورها البعيدة ، وثانيا تجسد حالات
من التطور ومواكبة العصر بمستجداته النقدية وأطروحاته الحياتية
الطارئة على الواقع ، والتي تناولها المبدعون العمانيون
بوعي شديد .
ولكن ثمة ميزة ومشكلة بآن معا تعترض هذه النهضة الشبابية
وتتمثل في حالة الهدوء النقدي المحيطة بهذه النهضة ، فعلى
الرغم من الزخم الذي تشكله الحركة الإبداعية العمانية إلا
أن الحركة النقدية غير مواكبة كما يجب لها ، وبالتالي يظل
هذا الإبداع حبيس الإصدارات أو مساحات النشر .. ولو أخذنا
الإبداع العماني قياسا إلى الإبداع الخليجي أو العربي لوجدناه
يواكب في جودته وغزارته ما يطرح هنا وهناك .. ولكن المشكلة
أنه في الأماكن الأخرى هناك إجادة لعملية تسويق هذا الإبداع
ونشره ونقده .. وهذا ما تحتاجه الساحة العمانية ، ولو أن
الإعلام الثقافي والنقاد حركوا هذا الجانب لخرج الإبداع
العماني (بسرعة الحب) من محليته إلى آفاق أوسع .
غادرت سلطنة عمان وفي ذاكرتي صورة ثقافية نادرة كانت قد
تشكلت قبل حضوري إليها ولكنها اكتملت حين شاهدت الأيادي
العمانية تمتد إلى المبدعين العرب وتكرمهم، وشاهدت الاهتمام
الواعي من قبل وزارة التراث والثقافة بأن تظل السلطنة عاصمة
الإبداع الدائم في نفوس المثقفين .
عبد الرحمن خالد البابطين
مساعد امين عام مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين
أعلى