أمام مراياهم:
عن التلصص البصري في فيلم (الرمرام) لمسعود أمرالله (1ـ2)*
عبدالله حبيب **
(كنت لي مرآةً، فصرت أنا المرآة)
ـ أبو يزيد البسطامي ـ
يوفر المناخ المثالي لمشاهدة فيلم فرصة لإرضاء فضول يطفو
على مياه الفطرة، ويتوغل لاحقاً إلى أغوار الأنا السفلى
ومكبوتاتها، عبر السماح السخي باختراق مشاعر وذاكرات وأجساد
أناس آخرين يفضحهم وجودهم البالغ على الشاشة التي تنقل للنظارة
أدق تفاصيلهم الشخصية، وتعرضهم في مواقف وأوضاع لا يريدون
أن يراهم فيها أحد، بدءاً من طريقة تناول الطعام حين يكون
المرء وحيداً وفي حل من آداب المائدة، ومروراً بالعبور الكاسح
لذكرى خاصة في (فلاش باك)، وانتهاءً بما يحدث على السرير
الحميم بين رجل وامرأة. يحدث كل ذلك بينما المتفرج فاغر
العينين الشرهتين في مقعد المراقبة، متمترس بالظلمة الاستراتيجية
لصالة العرض، وهو مدجج ضد أي (شبهة أخلاقية) بكامل ثيابه
ورزانته الخارجية وقيمه الأناعلوية.
التلصص البصري باعتباره مفهوماً
سينمائياً
لمثل هذه الأسباب يعتبر مفهوم التلصص البصري voyeurism واحداً
من أهم المفاهيم التي احتلت قلب الفلسفة والنقد السينمائيين
الجديدين. ومع ان هذا المفهوم ـ الذي استعير أساساً من علم
النفس الجنسي ـ قد تضمن حمولات جديدة في الفكر السينمائي،
كما في النظرية السينماسايكولوجية (حيث يرد التلصص البصري
باعتباره ضرباً من استبدال أو تخييل الذات، أو تمرئي الهوية
واستيهامها، أو إشباعاً تعويضياً لرغبات مقموعة)، وكما في
النظرية السينمانسوية (حيث يرد التلصص البصري باعتباره تكريساً
للسلطة والمتعة البصرية الذكوريتين)، وكما في النظرية السينماسيميولوجية
(حيث يرد التلصص البصري باعتباره قناة انزلاق ديالكتيكي
في علاقات الدال والمدلول)، إلا ان مفهوم التلصص البصري،
في الخطاب السينمائي العام، يذهب أصلاً وإجمالاً إلى الحالة
الفريدة التي تتاح فيها لشخص من خارج الشاشة أو شخصية على
الشاشة (الحصول على) شخصية أخرى في بيئتها الطبيعية من دون
علمها، وذلك عبر النظرة المحدقة المموضعة (objectifying
gaze) (بمعنى انها تحول الشخصية من ذات إلى موضوع). ويعتبر
فيلم هتشكك Hitchcock (النافذة الخلفية) (1954) ـ المصورة
لقطاته كلها، باستثناء اثنتين، بكاميرا ذاتية (subjective
camera) عكست وجهة نظر الراوي، شخصية المصور الفوتوغرافي
التي هي شخصية المتلصص البصري ـ .. يعتبر هذا الفيلم، إذن،
المثال الخصب للتلصص البصري بالمعنى العام في تاريخ السينما.
وتزخر نظرية السينما بجدالات كثيرة ومتشعبة حول مفهوم التلصص
البصري منذ أن نشرت لورا ملفي Laura Mulvey بحثها التشريعي
الشهير (اللذة البصرية والسينما الروائية) في العدد الثالث
من المجلد السادس عشر من مجلة (شاشة)Screen البريطانية المتخصصة
الصادر في خريف 1975. وقد ترجم محمد عمران هذا البحث المهم
إلى العربية ونشره في العدد رقم 41 الصادر في صيف 1993 من
مجلة (الحياة السينمائية) السورية (ولنا أن نفزع ان هذا
البحث الذي أحدث تحولاً تاريخياً في الدراسات السينمائية
قد وصل إلى قراء العربية بعد ثمانية عشر عاماً (فقط) من
تاريخ نشره الأصلي!).
سياقية فرضية التلصص البصري
في (الرمرام)
هذه المداخلة لمحاولة قراءة التلصص البصري في فيلم (الرمرام)
(1994) لمسعود أمرالله (1) (وعنوان الفيلم، في القاموس الشعبي
لمنطقة الخليج العربي، يعود لنبات صحراوي عنيد المقاومة
للعطش نجد ذكره عند ابن منظور هكذا: (الرمرامة حشيشة معروفة
في البادية، والرمرام الكثير منه) وهو (حشيش الربيع).. هذه
المداخلة، إذاً، ستتكئ إلى المعنى العام لمفهوم التلصص البصري
في اندياحاته الجزئية الخاصة التي سيكشفها السياق تلقائياً.
وستعامل هذه المعالجة التلصص البصري باعتباره موتيفاً ثيماتياً.
هذا إضافة إلى ان ما يمكن أن يكون في أنسقة تقنية وقرائية
أخرى تسلسلاً كشفياً (detection) تدرجياً، سيعامل هنا على
انه تكريس للتلصص البصري، فهو إحدى آلياته، مع تقديم قرائن
لقطاتية ومشهدية تعزز ذلك. كما ان السعي لاكتشاف علاقات
التلصص البصري في (الرمرام) لن يذهب إلى معاملة المتفرج
باعتباره ذاتاً للتلصص البصري في مقابلتها لعالمها التلص
ـ بصري، أي الفيلم باعتباره موضوعاً كما هو الحال تقليدياً،
بل انها تطمح إلى اكتشاف علاقات التلصص البصري في بنية الفيلم
نفسه باعتباره ذاتاً وموضوعاً في آن واحد، وذلك لأسباب تخص
جمالياته وتقنياته ستتضح سياقياً.
وتدور أحداث (الرمرام) في حي إماراتي شعبي وصغير خلال زمن
غابر من جفاف ومحل شديدين نتج عنهما نقص حاد في المياه،
ونفوق الأنعام، وانتشار الأمراض، وإحساس شامل باليأس والقنوط.
وفي هذا المناخ يسرد الفيلم قصة زهرة، وهي أرملة شابة وجميلة
تعيش بمفردها، ولكنها غالباً ما تغادر بيتها الصغير إلا
مكان لا يعلمه أحد. كان سكان الحي بحاجة إلى تفسير أزمة
الجفاف وتعليقها على مشجب قوى غيبية، ولذلك فقد بدأوا في
التحزر بخصوص زهرة وغياباتها الغامضة من بيتها. اقترح بعضهم
ان زهرة ليست إنساً بل جناً، بينما ألمح آخرون إلى شبهة
علاقة غير مشروعة للمرأة، واتفق الفريقان على ان الأرملة
الشابة هي سبب انقطاع المطر والمحل المهلك. وضمن هؤلاء يظهر
أن أبو ناصر، وهو زعيم القرية الثري والقاسي وذي الصحة الواهنة،
هو أكثر من لا يكن المودة لزهرة، وتشاركه في ذلك الشعور
زوجته أم ناصر. لهذا يعقد أبو ناصر اتفاقاً قائماً على الرشوة
مع أحد سكان الحي بغرض التجسس على زهرة، ويعلن لاحقاً ان
لديه (الدليل) الذي يدينها من دون أن يكشف لأهل القرية عما
إذا كان قد توصل إلى ان الأرملة جنية أم أنها تقيم علاقة
جنسية بأحدهم. أما زهرة، وحتى بعد أن ووجهت بالاتهامات المتفاقمة،
فإنها لا تتكلم إلى أحد بمن ذلك منصور، الشاب الوسيم الذي
يقول انه يريد الزواج منها (للستر عليها). غير أن أبو ناصر
يعارض فكرة الزواج هذه، ويوقف منصوراً عنها قائلاً أن زهرة
هي سبب العقاب الذي تتعرض له المنطقة، وانها يجب لذلك أن
تعدم من أجل أن تنتهي أزمة الجفاف. وبذلك يتم رجم زهرة حتى
الموت من دون أن تنطق بكلمة واحدة للدفاع عن نفسها. غير
اننا نكتشف في (فلاش باك) بعد تنفيذ الإعدام الوحشي للأرملة
في نهاية الفيلم إنها إنما كانت، في الحقيقة، تزور قبر زوجها
الراحل أثناء غياباتها الغامضة من البيت.
التلصص البصري في اللقطات التأسيسية لـ(الرمرام)
يبدأ الفيلم بسواد غامر خلفيته موسيقى إيقاعية متسارعة تنتهي
بإحلال صوتي(Audio dissolve) للهاث متقطع وحاد الأنفاس يرافق
الكادرات الأخيرة من السواد قبل أول ظهور تدريجي للصورة
(fade in) في الفيلم، حيث ترينا الكاميرا المحمولة باليد
في لقطة دالي إلى الداخل (dolly in) سريعة أرضية زقاق. وفي
ثوانٍ تنتهي اللقطة بوصولها إلى قدمي امرأة تكاد تتعثر إحداهما
لدى وصول الكاميرا إليهما بغتةً في لقطة مقربة تأفل في اختفاء
تدريجي (fade out) نقرأ بعده مباشرة أسماء وشخصيات المشاركين
في الفيلم وأولهم شخصيتي أبو ناصر وزهرة، وذلك عبر كتابة
بيضاء تنبثق من خلفية سوداء في ما يشبه لقطة زوم إلى الخارج
(zoom out). ثم نستأنف مشاهدة قدمي المرأة (سنعرف لاحقاً
انهما قدمي زهرة) في ابتعاد سريع عنهما عبر لقطة محمولة
باليد كذلك. نرى بعد ذلك رجلاً يمشي في نفس الزقاق من يسار
الكادر إلى يمينه، وهذا هو نفس خط سير زهرة، مرتدياً دشداشة
بيضاء وقد أخفى رأسه ووجهه تماماً بغترته البيضاء، وهي من
النوع الشفاف حيث يكون في مقدورك أن ترى من خلالها دون أن
تبين هويتك.
كان لا بد من ذكر ذلك ببعض التفصيل
لسببين هما ان اللقطات التأسيسية (establishing shots) تنطوي
تقليدياً على أهمية كبيرة في تأسيس مناخ الفيلم والإلماح
المبكر لهواجسه. والسبب الآخر هو انه في الأفلام القصيرة
المحكمة لا مجال لتضييع ثانية واحدة هباء، حيث يقوم المخرج
الحاذق بتطويع كل شيء جمالياً، بما في ذلك طريقة عرض أسماء
طاقم الفيلم.
وفي ما يتعلق بمقاربة التلصص البصري في اللقطات التأسيسية
للـ(الرمرام) اجتهد بأن السرد قد ابتدأ في عتمة اللقطة الأولى
باعتبارها أبكر اللقطات التأسيسية، والتي كثفتها الموسيقى
المتسارعة في تقديم جمالي لمعادلها الآدمي المصاحب: اللهاث
الحاد المتقطع الواشي بخوف ومتعة. سأحيل، إذاً، إلى متلصص
بصري يقبع في زمكان ما منذ بداية الفيلم، وأنفاسه تلهث خوفاً
من انكشافه ومتعةً بسبب ما يكشف عنه. وسأشير بسبابتي إلى
الكاميرا التي تزكي اجتهادي؛ فهي تعدو مصحوبة باللهاث إلى
زهرة في لقطة محمولة باليد هي تقليدياً من تقنيات السينما
الوثائقية، وتضرب جماليات استخدامها من طرف السينما الروائية
في سينما الموجة الجديدة الفرنسية وسينما الواقعية الجديدة
الإيطالية؛ ذلك ان الكاميرا المحمولة باليد تشكل معادلاً
تقنياً لمسير الخطوة والنظرة الآدميتين المباشرتين إلى موضوع
التصوير. زد إلى ذلك ان الاختيار الموفق للقطة دالي (التي
تتحرك فيها قاعدة ورأس الكاميرا أفقياً وفي آن واحد) يعضد
فرضية الاختراق التلص ـ بصري من حيث انها لقطة متحركة توازي
حركة القدم والنظر. وحين تنتهي الكاميرا إلى اللقطة المقربة
لقدمي زهرة، من دون تغيير لعمق الحقل البصري (depth of field)،
أي تماماً كما يحدث للعين الآدمية المجردة، فإنها إنما تنتهي
عند موضوع فتشي كلاسيكي للتلصص البصري (كرسه تاريخياً لويس
بونوويل Louis Bunuel على وجه الخصوص كما في (العصر الذهبي)
(1930)). وحين نتعرف إلى طاقم المشاركين في الفيلم فإننا
إنما نفعل ذلك عبر رؤية خلفية معتمة هي المقبع الطبيعي الأثير
لصاحب النظرة التلص ـ بصرية، حيث تظهر منها أسماؤهم باللون
الأبيض، اي اللون النقيض الذي يبوح بما كشفت عنه النظرة
التلص ـ بصرية المنطلقة من العتمة. وحين يحدث ذلك عبر انبثاق
الأسماء سريعاً (كما في لقطة زوم إلى الخارج) فإن ذلك لا
يغري سوى بقراءة الأمر على انه تجسيد لتطويح النظرة التلص
ـ بصرية. أما حين يكون أول ما نقرأ هو اسما وشخصيتا أبو
ناصر وزهرة (وأولهما، كما سأكشف قريباً، هو ذات راغبة (desiring
subject) وثانيهما، بكل وضوح، هي موضوع الرغبة (object of
desire)، كما سيكشف الفيلم)، وحين نشاهد التلصص البصري مشخصناً
في هيئة رجل من لحم ودم يتعقب زهرة وعيناه تريان من دون
أن تريا خلف الغترة، فإن اللقطات التأسيسية تكون قد أرست
مناخ التلصص البصري بمتانة كبيرة.
حركة وموقع الكاميرا، المنظورات السردية للقطات، ونماذج
مشهدية
بعد أن يعرفنا المشهد الأول في الفيلم إلى أبو ناصر الساخط
على زهرة (واسم الثانية يحيل إلى الربيع، الأمر الذي لا
شك يذكرنا بالمعنى الثاني للرمرام، أي (حشيش الربيع في لسان
العرب) التي يرى انها سبب القحط الجاثم على (أي المعادل
البيئي لعمره الخريفي وما يبدو عليه من اعتلال صحي واضح)،
وذلك في حديثه مع منصور، الشاب الراغب في الزواج من زهرة
الأرملة الشابة الجميلة، فإن المشهد الثاني يبدأ بداية تلص
ـ بصرية صريحة. إن ما يحدث هو ان الكاميرا تنطلق بنا في
لقطة زوم إلى الداخل (zoom in) سريعة مصحوبة بمؤثرٍ صوتي
تعزيزي (ما يشبه عصف الريح) لتتوقف أمام بابٍ مغلق. وفي
اللحظة التي نتوقع فيها أن يفتح الباب إذا بالكاميرا تتراجع
فجأة في لقطة زوم إلى الخارج سريعة سرعة هروب متطفلٍ ارتأى
أن ينقلب على عقبيه فجأة.
حسن جداً، يبدو أن دخول البيوت من أبوابها ليس ما ترومه
الكاميرا هنا، ولهذا فإنها، في ما تبقى من المشهد، سترينا
أبو ناصر وأم ناصر في حديثهما التآمري عن زهرة عبر التلصص
البصري عليهما في لقطة أفقية متحركة (pan)، حيث نرى أبو
ناصر وهو يعلن لزوجته، التي يصعب وصفها بأجمل وأظرف نساء
العالم، بأنه (سيوقف منصور عند حده). ترى لماذا يريد أن
يوقف منصور، الذي أعلن أنه يريد الزواج من زهرة بقصد (الستر
عليها) عند حده؟. وهناك سؤال آخر: ما سر علاقة الجناس الناقص
التي تربط الشخصيات الثلاث (منصور، وأبو ناصر، وأم ناصر؟.
فلننتظر قليلاً.
قبل الانتقال لمناقشة نماذج أخرى تجب الإشارة، من أجل تجنب
التكرار، إلى ان جميع مشاهد (الرمرام) قد التقطت بكاميرا
محمولة باليد (والتي سبقت الإشارة إلى وظيفتها التلص ـ بصرية
أثناء مناقشة اللقطات التأسيسية)، بما في ذلك اللقطات الثابتة
(static shots) على قلتها. أما حركة الكاميرا فتهيمن عليها
هذه اللقطات: زوم إلى الداخل؛ زوم إلى الخارج؛ دالي إلى
الداخل؛ دالي إلى الخارج؛ لقطات أفقية متحركة؛ لقطات رأسية
إلى الأعلى على المحور (tilt ups)؛ لقطات رأسية إلى الأسفل
على المحور (tilt downs)، ولقطات معقدة (complex shots)
(وهي التي تشتمل على أكثر من حركة في نفس اللقطة). والقاسم
المشترك لجميع هذه اللقطات هو الكشف التشويقي عبر الحركة
والنفاذ، الأمر الذي يضعها، بامتياز شديد، في بؤبؤ عين المتلصص
البصري.
أما منظورات السرد في الفيلم فتتوزعها على نحو ثري لدرجة
الإزعاج والاستفزاز أحياناً هذه اللقطات: لقطات موضوعية
(objective shots) (تجعل المشاهد يرى الأشياء من وجهة نظر
الكاميرا التي تقوم بدور الراوي المحايد)؛ لقطات وجهة النظر
(POV shots) (تجعل المشاهد يرى من خلال وجهة نظر الشخصية
فعلياً أو تخيلاً)؛ لقطات ذاتية (تجعل المشاهد يرى إلى الأشياء
من وجهة نظر الشخصية و/أو من وجهة نظر المخرج الذي يرى إلى
العالم بعيني إحدى كائناته في الفيلم)؛ ولقطات هجينة في
احتوائها على خليط من خصائص اللقطة الذاتية وخصائص اللقطة
الموضوعية (الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي جان متري Jean
Mitry يسميها (الصور نصف الذاتية) (half subjective images)).
وهذه الوفرة، كما سنرى في أمثلة محددة، تخدم بتفانٍ كبير
جماليات وتقنيات وآليات التلصص البصري في الفيلم.
هامش:
قصة وسيناريو وحوار: إبراهيم الملا. التمثيل: إبراهيم سالم
(أبو ناصر)؛ كاميليا (زهرة)؛ محمد العامري (منصور)؛ صابرين
الرميثي (أم ناصر)؛ محمد جمعة (عبدالرحمن)؛ عبدالله عبدالوهاب
(أبو عبدالله)؛ خالد النابودة (جاسم)، علي إسماعيل (مراد)؛
يعقوب الملا (حسن)، وأيضاً: جاسم محمد إسماعيل، عبدالرحمن
السيد، أحمد خميس، علي الشاعر، أحمد عبدالعزيز، خميس عبدالله.
تصوير: صلاح جادالله وعبدالرحمن جابر بكاميرا Hi-8 بتقنيات
سينمائية عالية. صوت: أكبر علي. إضاءة: محمد العامري. مكياج:
صابرين. مونتاج: ناصر المال. الكتابة على الشاشة: خضر عبدالمطلب.
أداء فن الطارق: خميس عبدالله. المدة: 24 دقيقة. إخراج:
مسعود أمرالله. الإنتاج: شخصي، دبي، دولة الإمارات العربية
المتحدة، 1994.
* هذه المادة واحدة من مواد
كتاب جديد للكاتب يصدر قريباً بعنوان (نظرة، نجمة بدوية،
استشراقيات، أحلام، وأفلام) متضمناً أربعة أقسام. القسم
الأول هو (انطباعات وقراءات) الذي يحتوي على المواد التالية:
(غوادار في (موسيقانا): فلسطين والبوسنة وفلسفة السينما
وأشياء أخرى)، (استشراق) إدوارد سعيد: نحو موضعةٍ بصرية
وسينمائية)، (ثيو أنغلوبولس في (تحديقة عوليس): استكشاف
سرد النسيان والتاريخ في ضباب الأمم)، (مغامرة في العراق):
كان سيكون في الماضي أو مدخل إلى العلاقة بين السينما والتاريخ)،
(ليس هناك من غد: عن المفارقة في عالم دغلس سيرك)، يروي
(الوردة الأخيرة) لئلا تذبل الشهادة الأولى: عن فيلم سينمائي
عماني لحاتم الطائي، المادة المنشور جزأها الأول هنا، (لقطة
متحركة تفتح فمها بعد أن تتكلم: وداعاً لفلليني إعجاباً
به وعتاباً له)، و(في حضرة ميلوش فورمن أو المهرج السينمائي
باعتباره ملكياً أكثر من الملك). أما القسم الثاني فعنوانه
عن (لورنس العرب) (في البادية) و(الجماليات البدوية) في
السينما) ويتضمن مادتين أولاهما ترجمة الكاتب لمقالة إدوارد
سعيد عن فيلم ديفد لين (لورنس العرب) والمعنونة (لورنس)
لا يزجي للعرب أي جميل)، والثانية هي ترجمة الكاتب لدراسة
تيشوما غابرييل (أفكار حول الجماليات البدوية والسينما السوداء
المستقلة: آثار رحلة). أما القسم الثالث فيحمل عنوان (حواران)
أولهما ترجمة للكاتب لحوارٍ أجراه جون جوفاني مع السينمائي
السنغالي جبريل ديوب مامبيتي، والثاني أجراه الكاتب مباشرة
مع المفكر السينمائي جون داوونغ. والقسم الرابع من الكتاب
عنوانه (وثيقة سينمائية) متضمناً سيناريو التصوير والمونتاج
والصوت وسجل اللقطات لفيلم (هذا ليس غليوناً) للكاتب بترجمة
عبدالوهاب تاج الدين ومراجعة الكاتب. و(نظرة، نجمة بدوية،
استشراقيات، أحلام، وأفلام) هو الجزء الأول من كتاب سيصدر
جزأه الثاني بنفس التصور في أقرب فرصة ممكنة.
** أديب عماني
أعلى
صوت
قلق وعزلة
تتنازع حياة المبدع الكثير من
التحديات والتحولات والمكابدات المدمرة التي تخترق أضلاعه
بآلامها وتلد كوابيسها في صدره المكدود . القلق والعزلة
من البديهيات الأولية في حياة الكائن , وهما فضاءان واسعان
, وسمتان ملازمتان للكثير من المبدعين .. أما القلق فأعتقد
أنه صفة سلبية مهما قيل عنها .. لأن صاحب القلق دائما متبرم
بالحياة وضجر منها , كما قال القائل :
قلق لـم يزل وصـبـر يزول
ورضى لم يطل وسخط يطول
إننا ينبغي أن نحب الحياة ونراها من جانبها الجميل .. نرى
الجزء المليئ من الكوب .. وفي الحكمة الهندية أنه حينما
أرى بابا نصف مفتوح فأرى الجزء المفتوح وليس المغلق .. ولا
بد من تحويل هذه الطاقة إلى فعل إيجابي خلاق , وكما يقول
ابن عربي( فلابد من الحركة والحركة قلق فمن سكن ما عشق )
.
أما العزلة فتمثل جزءا هاما في حياة المبدعين على مر التاريخ.
. لقد كتبوا عنها الكثير، وأخلدوا إليها بكل لهفة ومتعة،
تاركين وراءهم العالم بصخبة وحرائقه. . هذا العالم الذي
وهبوه خلاصة نبضهم وعطائهم، وما قطفوه من ثمار العزلة اللذيذة
، ليضيئوا به مسارات الحياة الوعرة. فها هو أبو العلاء المعري
من خلال عزلته المركبة الكثيفة يطرح أصعب أسئلة الوجود وإشكالات
الحياة في مضامينها الكبرى. أما الروائي الفرنسي إميل زولا
فقد كان لا يكلم أحدا لعدة أسابيع ، ويغلق نوافذ داره ويسدل
الستائر خشية أن يتسلل ضوء الشمس ، ولا يستقبل أي زائر.
أما الروائي الفرنسي أونوريه دو بلزاك فكثيرا ما كان يغير
مكان إقامته حتى لا يهتدي أحد إلى مكان وجوده . وكذلك انتهى
الأمر بالموسيقار الألماني بيتهوفن إلى اتخاذ العزلة خيارا
وحيدا للحياة، حيث كتب مرة لأحد أصدقائه: (أما الآن فإني
أعتزل العالم بما فيه). أما أديب ألمانيا العبقري غوته فقد
كان يلتمس خلاصه ومتعته من شرور العالم في العزلة، التي
كان يعيشها بحزن وألم في اجترار الذكريات والحنين. وكذلك
عرف عن الروائي الروسي دستوفسكي ميله لفترات طويلة إلى العزلة
التي كان يقضيها بين القراءة والكتابة، فيما وهب الفيلسوف
الألماني نيتشه جزءا من حياته الصاخبة للعزلة.
لقد تحدث كل عن مكابداته ومعالجاته للحظات العزلة وكوابيسها،
وعذوباتها وعذاباتها.. العزلة هي اللحظة التي تسمو بصاحبها
فوق قوانين الزمان، وخارج قيود المكان، لتحلق بالكائن عبر
آفاق من التحولات والتوحدات والعوالم الكامنة بعيدا هناك.
. هناك حيث تهوي أجنحة الخيال، وتطوف أسراب الدهشة. . ليعود
المبدع إثر تطوافه ذاك وفي يديه قبضة من رماد الأزمنة. وتظل
العزلة الفاكهة المشتهاة لكل أولياء الكلمة وعشاق الجمال،
والباحثين عن الخلاص الجميل من شرور العالم وويلات الحياة،
كما قال مايكل أنجلو يوما: (شعرت منذ حداثتي أن المجتمع
عدوي، وأن في العزلة خلاصي ).
ولكن مع ذلك لا نرى في المجتمع عدوا لنا , لأننا جزء من
هذا النسيج الإنساني في كينونته المترابطة , فلا ينبغي أن
تكون ثمة قطيعة قبيحة عدائية بيننا وبين البشر . إن عزلتنا
هذه ينبغي أن تكون عزله سمو روحي , تماما كما يفعل الصوفي
في معراجه الروحي الدائب في نشدان الكمال والانطلاق من إسار
المادة وقيود الأرض . وكثيرا ما نقع في مطب الخطأ حين نصور
أن التصوف الذي ينطوي على كثير من العزلة , بأنه انفصام
عن عرى الواقع و مخاصمة له . إننا لا نبحث عن النبوة كي
نعيش خلوة الزهاد التي لا تنجب مبدعا حقيقيا. اذ كيف لي
أن أعبر عن آلام الانسان اذا كنت عاكفا في صومعتي أو منسربا
في عتمتي؟ ان هذه الصورة للصوفية مشوهة يدحضها الواقع الحقيقي
للتصوف. فالشيخ الأكبر ابن عربي لم تكن رحلاته الدائمة صعلكة
أو تشردا وانما رحل من الأندلس الي المغرب والشام ومكة وبلاد
الأناضول وبغداد والموصل وغيرها. علما وعملا وجهادا ومجاهدة
وتبشيرا. حيث كان قضاة بعض الأمصار يخدمونة واذا مشي في
الشارع كانت له هيبة أكثر من الحاكم. وقد ترك وراءه تراثا
فكريا هائلا. وهو الذي قاد ثورة المريدين ضد دولة الموحدين.
ومن مواقفه المعروفة موقفه مع السلطان يعقوب المنصور الذي
قال له يوما: ( ذل من لم يكن له ظالم يعضده. فقال ابن عربي:
ضل من لم يكن له عالم يرشده ! ).
إذن ليس ثمة ما يبرر السوداوية والقلق , والجنوح المرضي
للعزلة , وإن كان قلقا معرفيا , أو عزلة إبداعية , فالإنسان
المثقف هو الأجدر على الثبات والصمود على نوائب الحياة .
وكما يقول أبو علي الدقاق : المعرفة توجب السكينة في القلب
.
حسن المطروشي
shaddad1@hotmail.com
أعلى