ردهــات
أزْمَـة ُ مُبَـالغـَة ٍ .. !!
لَمْ أجِدْ تَعلِيقَاً أكْثَرَ
بَلاغَة ً سِوَى "سَامَحَكَ اللهُ يَا أسْتَاذ عَبْدالرّزَاق
!!"هَكَذَا تَمتَمتُ وَأنَا أطَالِعُ مُلحَقَ آفَاق
الثّقَافِيّ فِيْ ذَلِكَ اليَومِ الذِيْ نُشِرَ فِيهِ لقَاءٌ
كِتَابِيّ أجْرَاهُ مَعِي الجَمِيلُ عَبْدالرّزَاق الرّبيعيّ
.. فَقَد تَصَدّرَتِ المُلحَقَ عِبَارَة ٌ لِيْ - بِالبَنطِ
العَرِيض ِ- تَقُولُ "مَللنَا مَحْمُود دَروِيش وَجُوَيدَة
، وَآنَ أنْ نَكُونَ أنْفُسَنَا"
إذْ لَمْ تَكُنْ تِلكَ العِبَارَةُ سِوَى جُمْلَة ًعَابِرَة
ً ذَكَرتُهَا خِلالَ حَدِيثِيْ .. وَقَدْ بَدَوْتُ بِمَظهَرِ
الفَتَاة المُتحَمّسَة الصّاعِدَة التِيْ تُطلِقُ شِعَارَاتٍ
فَرَحَاً بِفَوزِهَا للتّو بِجَائِزَةٍ أدَبِيَّة.. وَفِي
الحَقِيقَة لَمْ ألُمْ الرّبِيعيّ فَقَد كَانَ اختِيَارهُ
مُنَاسِبَاً للغَايَةِ بِالنّسبَةِ لِمُحَرّر عَمِيقِ الخِبرَةِ
مِثلهِ .. وَلاحِقَاً التَصَقَتْ هَذِهِ المَقُولَةُ بِيْ
وَكَأنّي ارتَكَبتُ جَرِيمَة ً بَقَولِيْ أنّ دَروِيش شَاعِر
مُدهِش .. لَكِنّهُ لَيسَ أشْعَر الشّعَرَاء وَلا بِالتّقدِيسِ
وَالهَالَةِ التِيْ جَعَلَتِ الجُمهُور يُقدّسهُ لأبْعَدِ
حُدُود .. وَأنّ جُوَيدَة هُوَ شَاعِرُ مُرَاهِقِينَ لا
أكْثَرْ !
لَمْ يَكُن دَروِيشُ يُمَثّلُ لِيْ تِلكَ الهَالَة وَلا
يَملِكُ تِلكَ القَدَاسَة َبَلْ إنّي أستَمتِعُ بِأشعَارِ
مَروَان الغَفُورِيّ وَسَعْد اليَاسِرِيّ أكْثَر مِنْ أشْعَارِهِ
بِألفِ مَرَّة !
وَلا أوَدّ التّركِيزَ عَلَى مَوْضُوعِ اللّقَاءِ بِالقَدرِ
الذِيْ استَهْجَنَ فِيهِ كَثِيرُونَ مَوقِفِيْ .. فَقَط
لأنّي لا أشَاطِرُهُم تَقْدِيسهُمْ .. وَكَانَ أنْ عَلَّقَ
أحَدُهُم تَعلِيقَاً وَخَزَنِي بِشِدَّةٍ وَهُوَ يَصِفُنِيْ
: ( بِنت "التصعطاشر سَنَة" مَالْ "مَللنَا
مَحمُود دَروِيش وَفَارُوق جُوَيدَة" ) .. وَلَمْ أعَلّق
حِينَ بَلَغَنِي قَولُهُ سِوَى بِالضّحِكِ قَائِلَة ً :
يَا جَمَاعَة .. أنتُم تُبَالِغُونَ بِشِدّة .. وَلا أظنّ
دَروِيش يَكتَرِثُ لِذَمّ أوْ مَدحِ "شَعرُورَةٍ"
مَغمُورَةٍ مِثلِيْ"
انتَهَى الحَدِيثُ عَنْ مَوْضُوعِ "مَللنَا دَروِيش
وَجُوَيدَة" لَكِنّ الحَدِيثَ لا يَزَالُ مُستَمِرّاً
لأقُولَ .. أنَّهَا أزْمَة مُبَالغَة َ لا أكْثَر .. مُنذُ
أيَّامٍ قرَأتُ مَقَالاً للعَزِيزَةِ نَوَال يُوسُف مُشْرِفَة
مُنتَدَى المَقَالِ فِيْ مَوقِعِ شَظَايَا أدَبِيَّة وَالتِيْ
تَحَدّثَتْ عَنْ أزْمَةِ المُبَالَغَةِ التِيْ يَعِيشُهَا
العَالَمُ العَرَبِيّ ! وَالحَقِيقَة ُأنِّيْ وَافَقتهَا
الرّأيَ تَمَامَا ً ! إذْ لَيْسَ أمْرَاً طَبِيعيَّاً أنْ
يَنقَلِبَ صَدَّام فَجْأة بَيْنَ لَيلَةٍ وَضُحَاهَا إلَى
بَطَلٍ قَوْمِيّ ثمّ يَتَحَوَّل إلَى وَلِيّ مِنْ أوْلِيَاءِ
الله الصّالِحِينَ فيدعي البعض أنه رأى صُورَتُهُ فِيْ القَمَرِ
!وَبَعِيدَاً عَنْ تَأييدِ صَدَّام أوْ مُعَارَضَتهِ فَالأمْرُ
بِحَاجَةٍ إلَى دِرَاسَةٍ حَقِيقيَّة !
لَقَد نَشَأنَا مُنذُ الصّغَرِ وَنَحْنُ لا نُدْرِكُ عَلَى
الإطْلاقِ بَلوَرَة َمَوَاقِفِنَا وِفْقَ رُؤَى مُعْتَدِلَة
بِالقَدْرِ الذِيْ تَظهَرُ فِيهِ بِشَكْلٍ مُتَطَرّفٍ !
وَهَذَا مَا كُنـَّا نَتَعَلّمُهُ مُنذُ نَشْأتنَا الأوْلَى
.. يَأتِيْ الطّفلُ مِنّا لِيُمَارِسَ تَخْرِيبَهُ وَفَوْضَاهُ
فِيْ مَنزِلِهِ أوْ مَنَازِلِ الآخَرِينَ .. يَتَلفّظُ بِألفَاظٍ
قَذِرَةٍ .. يَتَحَرّشُ بِالأطْفَالِ الآخَرين .. يُقَاطِعُ
وَالِدَيهِ أثْنَاءَ حَدِيثهِمَا .. وَلا نَقْدَ عَلَى الإطْلاقِ
يُوَجَّهُ إلَيهِ .. وَفِيْ اللّحْظَةِ التِيْ يَأتِيْ الطّفلُ
فِيهَا لِكَسْرِ صَحْنٍ أوِ الإقْدَام عَلَى تَصَرّف مُغرِقٍ
فِيْ انعِدَامِ الاحْتِرَام لا يَجِدُ أمَامَهُ سِوَى أمّ
هَائِجَة تَنهَالُ عَلَيهِ ضَرْبَاً مُبرّحَا ً .. وَمِنْ
هُنـَا تَنطَلِقُ أوْلَى رُؤَانَا للحَيَاةِ دُوْنَ أنْ
نُتقِنَ فَنّ الاعْتِدَالِ فِيْ إصْدَارِ أحْكَامِنَا !
وَبِمَا أنَّهُ لا حَدِيثَ لَنَا هَذِهِ الأيَّام سِوَى
حَدِيث مُسَابَقَات شَاعِر المِليُونِ وَستَار أكَادِيميْ
فَإنَّ الأمْرَ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ أيْضَاً أزْمَة مُبَالَغَة
لا أكْثَر ..
إنَّ نَظْرَة ً اقْتَصَادِيَّة بَسِيطَة جِدّا تَدْفَعنـَا
لَمَعْرِفَة مَدَى الاسْتِغفَال الذِيْ يُمَارَسُ عَلَى
عَقْلِيَّة المُشَاهِدِ .. فَشَاعِرُ المِلْيُونِ دِرهَم
إمَارَاتِيّ مَثَلاً .. أوْ بِمَعْنَى أدقّ شَاعِر المَِائَة
ألفِ رِيَالٍ عُمَانِيّ يَعْتَمِدُ عَلَى تَصْوِيتِ الجَمَاهِير
لِلشّاعِرِ الذِيْ تُشَجّعهُ .. وَبِالتّرْكِيزِ عَلَى مِئَاتِ
المَلايينِ التِيْ تَعُودُ عَلَى الشّرِكَاتِ المُنَظّمَةِ
للمُسَابَقَةِ بِالتّعَاوُنِ مَعَ شَرِكَات الاتّصَالاتِ
نَجِدُ أنَّ مَا يَدْفَعهُ الشّاعِر المُشَارِك نَفْسه وَمَا
يَدْفَعُهُ المُصَوّتُونَ لَهُ يُوَازِيْ مِائَة ألفِ رِيَال
التِيْ يُشَارِكُ لأجْلِ الفَوْزِ بِهَا ... ألَيْسَ أمْرَاً
مُضحِكَاً أنْ تَدْخُلَ مِئَاتُ / مِئَاتِ المَلايينِ فِيْ
جَيبِ الشّرِكَةِ المُنَظّمَةِ وَلا يَنَالُ سِوَى شِاعِر
وَاحِد فَقَط مِئَة ألف رِيَال لا تُوَازِيْ حَتّى عُشْرَ
أرْبَاحِ الشّرِكَةِ المُنَظّمَةِ مِنْ عَوَائِدِ المُسَابَقَةِ
!
وَالأمْرُ ذَاتُهُ عَائِدٌ عَلى بِرنَامَجِ السّوبِر سْتَار
أوْ ستَار أكَادِيميّ وَغَيرهَا مِنَ المُسَابَقَات الرّبحِيَّة
! يَا إلَهِيْ .. نَحْنُ نَعُودُ مِنْ جَدِيدٍ لأزْمَةِ
المُبَالَغَةِ التِيْ نَعِيشُ أجْوَاءَهَا .. فتغرّنَا المُسَمَيَّات
وَنُذهَلُ بِوَقعِ العُنْوَانِ عَلَينَا .. (شَاعِر المِلـيُون
) دُوْنَ أنْ نُدْرِكَ أنّ اللّعْبَة هِيَ لُعْبَة مُبَالَغَة
نُشَارِكُ بِهَا وَنَحْنُ نَبتَسِمُ بِحُسْنِ نِيَّة !!
ثمّ أعُودُ لأتَحَوَّلَ إلَى عَالَمِ النّشْرِ وَالصّحَافَةِ
.. التِيْ تَجِدُ الرّوَايَاتُ وَالكُتُبُ المَمْنُوعَة
فِيهَا دِعَايَة أضْخَم بِكَثِيرٍ مِمّا تَجِدُهُ الكُتُبْ
المَسْمُوح بِهَا .. وَلا أجِدُ مِثَالاً أقْرَبَ مِنْ رِوَايَةِ
"بَنَاتِ الرّيَاضِ" للسّعُودِيَّة رَجَاء الصّانِعْ
! لَقَدْ دَفَعَ مَنعُ الرّوَايَةِ المُوَاطِنَ السّعُودِيّ
العَادِيّ إلَى البَحْثِ عَنِ الرّوَايَةِ خَارِجَ السّعُودِيَّة
فِيْ إطَارِ استِكْشَافِهِ لِهَذِهِ الرّوَايَة التِيْ مُنِعَتْ
فِيْ بِلادِهِ ..وَالحَقّ أقُولُ أنّي حِينَ قَرَأتهَا كُنتُ
أضْحَكُ بِشِدّة .. إذْ طَالَعتنِيْ رِوَايَة ٌضَعِيفَة
فِيْ المُسْتَوَى الفَنِيّ وَاللّغَوِيّ وَبِأسْلُوبِ سَرْدٍ
مُنهَكٍ وَكَانَتِ الرّوَايَةُ فِيْ أغْلَبهَا بِاللّهْجَةِ
العَامِيَّةِ السّعُودِيّة للدّرَجِة التِيْ دَفَعَتنِيْ
للتّسَاؤُلِ .. كَيفَ اسْتَطَاعَ القَارِئُ غَيْر الخَلِيجيّ
مِنْ فَهمِهَا ! وَأنَا التِيْ اضْطُرِرتُ للاسْتِعَانَةِ
بِصَدِيقَاتٍ سَعُودِيَّاتٍ لِتَرْجَمَةِ تِلكَ الألْفَاظِ
لِيْ ..
إنَّهَا أزْمَة مُبَالَغَة مَرَّة ً أخْرَى تُسَوّقُ للرّوَايَةِ
بِالمَجّانِ وَبَدَل أنْ يَتَضَرّر صَاحِبُ الإصْدَارِ المَمنُوعِ
فَإنّ ذَلِكَ يُضَاعِفُ مِنْ شُهرَتِهِ وَتَسْوِيقِ إصْدَارِه
ِ .. وَإنّ هَذِهِ الأزْمَة لَيْسَتْ أزْمَة ً مُعَاصِرَةً
أوْ مُحْتَكَرَة جُغرَافِيَّاً عَلَى بِلادِنَا بَلْ هِيَ
أزْمَة مُلاحَظَة مُنذُ آلافِ الأعْوَامِ .. وَفِيْ ذَلِكَ
أثَارَ الفَيْلَسُوفُ اليُونَانِيّ أرِسطُو هَذِهِ الأزْمَة
فِيْ كِتَابِهِ الأخْلاق النِيقُومَاخِيَّة التِيْ تَحَدّثَ
فِيهِ عَنِ الوَسَطِ الذّهَبِيّ وَعَنِ الفَضِيلَة التِيْ
عَرّفهَا بِالقَوْلِ أنّهَا الفِعْلُ الذِيْ يَقَعُ بَيْنَ
رَذِيلَتَينِ سَمَّاهُمَا الإفْرَاط وَالتّفرِيط وَأنّهَا
-أيْ الفَضِيلَة- لا تَكُونُ إلا فِيْ الاعْتِدَالِ ..فَالإفْرَاطُ
يَعْنِيْ الفِعْلُ السّائِرُ نَحْوَ التّصَرّف الإيْجَابِيّ
.. وَالتّفرِيطُ هُوَ الفِعْلُ السّائِرُ نَحْوَ التّصَرّفِ
السّلبِي ّ .. حَسَنَاً .. دَعُونِيْ أضْرِبُ مِثَالاً لِتَقرِيبِ
المَقْصُود ِ .. حِينَ نَتَحَدّثُ عَنِ الشّجَاعَةِ فَعَلَينَا
وَضْعهَا فِيْ الوَسَط بَينَ رَذِيلَتَينِ .. فَإذَا زَادَتِ
الشّجَاعَة ُ عَنْ حَدّهَا أصْبَحَت (تَهَوّرَاً) أيْ تَفرِيطَاً
.. وَإذَا قَلّتِ الشَجَاعَة ُ تَحَوّلتْ جُبنَاً أيْ (
إفْرَاطَاً ) وَالحَالُ ذَاتُهُ مَعَ الصّرَاحَةِ الوَاقِعَةِ
بَيْنَ المُجَامَلَة وَالوَقَاحَة .. وَالكَرَم أيْضَاً
بَيْنَ البُخْلِ وَالإسْرَافِ .. فَإذَنْ كُلّ الرّذَائِل
تُنبُع مِنْ مَسْألَةِ تَطَرّفهَا بَعِيدَاً عَنْ مِيزَانِ
الوَسَطِيَّة أوْ بِمَعْنَى آخَر المُبَالَغَة فِيْ الفَضِيلَة
.. وَهُوَ مَا سَمَّاهُ أرِسطُو الوَسَط الذّهَبِيّ !
وَفِيْ ذَلِكَ كُنتُ أقُولُ وَلا أزَالُ أنّ مَشَاكِلَنَا
عَلَى المُسْتَوَى الخَاصّ وَالعَامّ عَرَبِيَّاً وَعَالَمِيَّاً
هِيَ أزْمَة مُبَالَغـَة حَقِيقيَّة .. صَدّقُونِيْ أنَا
لا أبَالِغُ فِيْ مَنْحِ هَذِهِ الأزْمَة حَجْمَهَا الحَقِيقي
ّ .. هَلْ تَشُكّونَ فِيْ ذَلِكَ .. ؟! حَسَنَاً .. لَيْسَ
عَلَيكُم سِوَى جَدْوَلَة أزَمَاتِكُمُ الحَيَاتِيَّة وَالبَحْث
حَوْلَ أسْبَابِهَا .. وَتَأكّدُوا أنّكُم لَنْ تَجِدُوا
سِوَى أزْمَة مُبَالَغَة حَقِيقيَّة قَادَتكُمْ لِمُعْظمِ
مَشَاكِلُكُم تِلكَ !
السّؤَالُ القَائِمٌ هُنـَا .. مَتَى نُدْرِكُ فَدَاحَة
هَذِهِ الأزْمَة التِيْ لَمْ نَهتَدِ إلَيهَا حَتّى اليَوْم؟!
عَائِشَة السّيفيّ
ufuq4ever@yahoo.com
أعلى
الأديب السوري ياسين رفاعية : لا عدالة في هذا العالم
الألم مدرستي الأولى والرواية بيتي الوحيد
دمشق : الوطن:كانت الكتابة بالنسبة
له في البداية "فشة خلق" كما يقول هو، وهو الذي
كان ينتمي للطبقة العاملة، وبين ليلة وضحاها انتقل من الفرن
الذي كان يعمل فيه كفران إلى بلاط صاحبة الجلالة من خلال
المكتب الصحفي في القصر الجمهوري أيام الوحدة بين سورية
ومصر، ولأن الألم كان الرفيق الدائم له، جاءت مجموعته القصصية
الأولى بعنوان : "الحزن في كل مكان"... ومن الصعب
في هذه المقدمة تلخيص مسيرته الكتابية والحياتية ولكنه باختصار
ياسين رفاعية الذي التقيناه وكان الحوار التالي الذي ربما
نكون من خلاله قادرين على تلخيص حياته الغنية.
*ذكرت إحدى المرات أن الكتابة فعل مؤلم فما الذي يجعلك تستمر
في اجترارهذا الألم ؟..
** الكتابة باختصار، "فشة خلق" خصوصاً في هذا
الواقع الرديء الذي نعيشه على المستوى القومي -السياسي أولاً،
ثم على المستوى الاجتماعي مع تداعياته بالنسبة لي كان الألم
هو المدرسة الأولى، في مجال الحياة التي عشتها من خلال الطبقة
العاملة التي كنت واحداً منها أكثر من ثلاثة عقود .. إلى
أن تبدلت ظروف الحياة على نحو أفضل في الانتقال من الفرن
الذي كنت أعمل فيه إلى الصحافة في البدايات كان الألم محور
حياتي في أكثر من ظرف حتى أن مجموعتي القصصية الأولى كانت
بعنوان : "الحزن في كل مكان" ولكن عندما وقع الانفصال
الذي كان يشبه الصدمة في شبابي آنذاك، أصدرت "العالم
يغرق" إذ بدا لي العالم يغرق فعلاً في التزييف والإحباط
والخوف من المستقبل "الألم" أظن أنه الأقدر على
الإبداع إن السعادة تعطينا "بهرجة" اللحظة لا
أكثر حيث بذهابها تكشف الحياة عن وجهها الرمادي بينما الألم
أعمق في النفس، إنه الجرح الذي يقف عن النزيف لحظات ثم يتابع
نزيفه وكان الألم والحزن مصدراً لكل كتاباتي فيما بعد، لأننا
ننتقل من هزيمة إلى هزيمة ومن إحباط إلى إحباط دون توقف.
* كل ما كتبته كان انعكاساً لسيرتك الذاتية ماذا تقول وبعضهم
يقول: إن الكتابة الأدبية تبدأ حيث تنتهي السيرة الذاتية
... ؟
** أي كاتب في العالم كله تنتشر سيرته الذاتية في كل أعماله
والكاتب الذي لا يفعل ذلك يفقد الفن وجوده في كل ما يكتب
والأديب الذي يجيد استخدام سيرته الذاتية في أعماله دون
أن تبدو مقحمة على النص إنما يحصن أدبه بالواقع الذي عاشه
وبالتالي انعكاس واقع الآخرين على أعماله السيرة الذاتية
والإبداع الأدبي صنوان مكتملان ومن دونها يتخلخل النص ويخرج
من واقعيته إن حياة الأديب ممتلئة بالصور والأحداث، خصوصاً
وهو المتلصص على حياة الآخرين بصورة إيجابية هذا المزج هو
الذي يحكم الأدب والفن والشعر وكل إبداع آخر..
* أول قصة كتبتها كانت "ماسح الأحذية" التي أصبحت
فيلماً تليفزيونياً في تونس فأية خصوصية تتمتع بها هذه القصة..؟
وما الذي تغير في أسلوبك القصصي بينها وبين ما تلاها..؟
** ماسح الأحذية" كانت إطلالتي الأولى وبالمصادفة،
من هنا نعود إلى السؤال الأسبق، إن للأديب عيناً نفاذه تستقطب
كل ما تراه وقصة "ماسح الأحذية" هي لحظة التعايش
مع ماسح الأحذية الذي لا يرى من الدنيا سوى أحذية الناس،
يحفظها ولا يحفظ وجوه أصحابها إنها ذروة المأساة لأمثال
هؤلاء من الطبقة الدنيا وليس وحده ماسح الأحذية من هذه الطبقة
إن البؤس بأشكاله المختلفة منتشر في أكثر من مكان من وطننا
العربي، والعالم تحت سقف الفقر، وإن الجياع بالملايين حتى
في الدول الثرية "المتحضرة" لا عدالة في هذا العالم
حيث السمكة الكبيرة تأكل السمكة الصغيرة هنا وهناك دون استثناء
من هنا خصوصية هذه القصة التي كانت منطلقاً لإنحاز إلى الفقراء
والمتعبين والمشردين والذين لا يستطيعون الحصول على قوت
لأولادهم .
على أن مرحلة "الحزن في كل مكان" و"العالم
يغرق" كانت البداية ومن ثم انتقلت بحكم ظروف الحياة
إلى الدخول في "المعمعة الحياتية فتنوعت تجربتي الأدبية
لأنتقل إلى مرحلة "القصة الشعرية" التي تجسدت
في مجموعتي "العصافير" التي طبعت حتى الآن ست
مرات، وفيها أدخلت اللغة الشعرية بتماس شفاف مع الموضوع
الذي أردت التعبير عنه: الإنسان والحب والجمال، والحياة
البسيطة التي تحياها جمهرة كبيرة من الناس وتلك المرحلة
بدأت في بيروت.. ولكن سرعان ما جاءت الحرب الأهلية اللبنانية
لتهدم هذا الحلم حلم كتابة القصة الشعرية وبعد العصافير
نشرت مجموعة بعنوان "الرجال الخطرون" وفيها أكدت
على مقولة أن الأبرياء هم الرجال الخطرون لأن الغضب الذي
سينفجر فيهم سيولد الثورة على كل هذا الفساد ولكن هذه الثورة
للأسف لم تصل بعد وجاءت مجموعتي "نهر حنان" لتنقل
في قصص قصيرة مأساة فلسطين التي نعيشها بصور مختلفة ثم توقفت
عن كتابة القصة لأن زحمة الحياة ومصاعبها صارت أكبر فتوجهت
إلى كتابة الرواية ما صدر منها حتى الآن ثماني روايات ترجمت
اثنتين منها إلى الإنكليزية، ونشرتا في أميركا وهما: "الممر"
و"مصرع ألماس".
* بالعودة إلى مجموعتك القصصية "العصافير" نرى
وقد أكدت أنك مزجت الشعر بالقصة في الوقت الذي تنمو فيه
القصة والرواية عن اللغة الشعرية باعتبارها لغة مترفة فماذا
تقول والشعر آيل للسقوط في المجتمعات العربية ؟.
**بالطبع كلامك صحيح في هذا السؤال وأذكر عندما نشرت "العصافير"
أن ناقداً كبيراً في لبنان هو عصام محفوظ، كتب مقالاً طويلاً
عنها ختمه بعبارة تقول: ها إن ياسين رفاعية أخيراً يدخل
القصة من باب الشعر كتب كثيراً عن هذه المجموعة، بل اعتبرها
عدد كبير من النقاد أنها "خبطة قصصية"، على طريقة
"خبطة صحفية" وأنها أسلوب جديد في كتابة القصة،
وكان الناقد المرحوم محي الدين صبحي يعتبرها قصة "عالبركة"
أي أنها قصة من حيث لا قصة، قصة تروى كأنها قصيدة وبالتالي،
وبأسطر قليلة جداً استطاع الكاتب أن يعبر أعمق تعبير عن
هدفه من الكتابة أذكر أن نجيب محفوظ بعد أن قرأها والتقيت
به في القاهرة في احتفال كبير بعد نيله جائزة نوبل فقدمت
له نفسي، فقال لي بصوت عال وعلى مسمع عدد كبير من الكتاب
الذين كانوا حاضرين ذاك الاحتفال: آه.. دنت صاحب العصافير..
ثم أخذ يتحدث عن المجموعة قصة قصة وقال: سأحاول أن أكتب
مثل هذه القصص.. وبالفعل أصدر محفوظ فيما بعد مجموعة على
هذا المنوال وكانت مجموعته الوحيدة أقول إنني أول من كتب
قصة قصيرة من بضعة أسطر... وأحياناً قصة لم تتجاوز ثلاثة
سطور أما عن قولك إن الشعر آيل إلى السقوط فإن هذا الرأي
فيه مبالغة بعض الشيء، فلا الشعر سيسقط ولا القصة، إنما
الرواية العربية الآن تتقدم على هذين الفنين.
*تقول دائماً إن الأدب ابن الواقع قبل أن يكون تخيلياً فهل
أدبنا العربي المعاصر ولاسيما على صعيد القصة والرواية كان
كذلك..؟
** وأكرر أيضاً أن الأدب ابن الواقع دون شك، وإلا فهو شيء
آخر غير الأدب على أن الرواية الحديثة في الغرب أولاً ثم
عند العرب دخلت مرحلة جديدة في جعل التخييل هو الأساس للانتقال
إلى مرحلة جديدة، وأظن أن سبب ذلك هو السينما الغربية، عندما
انتقلت من القصة العادية إلى إدخال الفنون جميعها من الأفلام
التي تنتقل إلى الفضاء إلى تجسيد الأسطورة إلى أنسنة الحيوانات
وما أشبه فبات التخييل أكثر جاذبية في العمل الروائي وهذا
ما فعلته في روايتي : أسرار النرجس، ووميض البرق. كلتاهما
اعتمدتا التخييل في التعبير عن الحياة من أكثر من ناحية
هنا بدأ الفن يلعب دوره الكبير، حيث باتت الرواية عالماً
آخر.. سينما بكل أبعادها، تبهر المشاهد أو القارئ وتترك
فيه أثراً لا يمحى .. ومن الضروري أن ينتقل العمل الأدبي
من مرحلة إلى مرحلة لكي يتلاءم مع العصر والأدب يجب ألا
يتأخر أبداً وألا يكون في الصفوف الخلفية ، لأن الأدب رؤيا
مستقبلية، يرى العالم غير ما يراه الإنسان العادي ومن أجل
ذلك عليه ليس فقط مواكبة العصر - بل أن يسبقه بمراحل.
* كتبت عدة روايات عن الحرب في لبنان وكانت روايتك "الممر"
أول رواية عربية عن الحرب فما خصوصية رواية الحرب ولماذا
أصبحنا نفتقد هذا النوع من الأدب ..؟
** ربما أنا الكاتب الوحيد الذي كتب أربع روايات عن الحرب
اللبنانية، أولها "الممر" التي صدرت عام 1978
عن اتحاد الكتاب العرب في طبعتها الأولى أي بعد ثلاث سنوات
من نشوب الحرب، ثم جاءت بعد ذلك : "دماء بالألوان-رأس
بيروت-امرأة غامضة".
عشت حرب لبنان منذ انطلاقة الرصاصة الأولى، وعانيت فيها
مثلما عانى بقية الناس حيث فقدنا الأمل بالنجاة منها لذلك
لم أترك هذه الفرصة تفوتني ففيما كان سكان البناية التي
أقيم فيها معظم الوقت في الملجأ كنت لا أترك بيتي في الطابق
السادس منصرفاً إلى الكتابة وهذا ما دعا السكان إلى وصفي
بالمجنون لأنني لا أشاركهم الملجأ عندما يشتد القصف كانوا
لا يعرفون أنني كنت أكتب سيرتهم ومعاناتهم ووحدي كنت أشيع
قتلاهم وعلى كتفي حملت جرحى كثيرين إلى المستشفيات بالتأكيد
لكل روايات الحرب خصوصياتها، إلا أن الكاتب كان دائماً يقف
إلى جانب القضية العادلة.. هكذا وقف آرنست همنغواي في "لمن
تقرع الأجراس" وهكذا أوقف كونسنانيان جورجيو في روايته
"الساعة الخامسة والعشرون" إلى جانب كتاب عرب
كتبوا ما كتبوا عن الحرب، وهي كتابات كانت تنتصر للإنسان
الضعيف وتدين القتل ومن يقف وراءه من الوحوش .
* تقول دوماً : إن القصة القصيرة هي تدريب على الرواية فلماذا
ظلت الرواية هي الجنس الأقرب إلى نفسك .. ؟ وماهو الجنس
الأنسب برأيك حالياً لرصد ما يحدث في الوطن العربي .. ؟
** لاشك أن القصة القصيرة هي تدريب فعلي لكتابة الرواية
بمختلف الوجوه، وهي شيء طبيعي بالنسبة لهذا الفن الراقي
.. ومعظم الذين بدأوا كتابة القصة القصيرة انتهوا روائيين
لأن الرواية في النتيجة فيها فضاء مفتوح يستطيع الكاتب فيها
أن يأخذ راحته، وتتوسع عنده آفاق الرؤية نحو الأشمل والأوسع
والرواية قبل أي شيء آخر لا القصة ولا القصيدة ولا اللوحة
التشكيلية هي القادرة على استقطاب التجربة من مختلف أوجهها
لذلك فإن الرواية هي الفن وهي الشعر وهي اللوحة وهي الأكثر
شمولاً لكل هذه الفنون إنها تترك للكاتب المجال لأن يكتبها
كل يوم دون توقف إلى أن يعبر عن الأشياء التي أراد أن يعبر
عنها في النتيجة.. نعم أصبحت الرواية هي بيتي الوحيد في
غرفتها وشرفتها وزواياها بت أعيش كتابتها.
* تقدمت القصة القصيرة في سورية في فترة من الفترات على
الرواية. فكيف ترى واقعها الحالي مقارنة مع دول أخرى ..
؟
** في الخمسينيات والستينيات كانت ذروة القصة القصيرة في
سورية حيث كانت الصحف والمجلات والإذاعات تنشر القصص وتذيعها
لكن هذا المد انحسر بسبب توقف المجلات عن نشر القصص والإذاعات
كذلك عن إذاعتها .. وباتت الآن للكتاب الشبان الذين يخطون
خطواتهم الأولى وهذا لا بأس به فكما ذكرت سابقاً ليتدربوا
على كتابة القصة القصيرة ومن ثم يذهبون إلى الرواية .
* كتبت مجموعة قصص للأطفال وكنت رئيساً لتحرير مجلة "سامر"
لماذا مازال أدب الأطفال في مجتمعنا العربي أدب درجة ثانية
.. ؟
** كانت تجربتي في الكتابة للأطفال تجربة مميزة حقاً، عشت
خلالها سنتين -أثناء تأسيس مجلة سامر للأطفال- مع الأطفال
ليس في الكتابة فقط، بل معهم بالذات حيث كنت أستقبل يومياً
العشرات من الأطفال يأتون في مجموعات مدرسية لزيارة المجلة
ولإبداء رأيهم فيما يكتب فيها وكانت هذه التجربة غنية جداً
وصرت أكتشف أن معظم الذين يكتبون للأطفال كانوا يكتبون للكبار
لقد انتبهت إلى أن القصص التي تكتب على لسان الحيوانات لم
تكن تعجبهم ، بل إن أحد الأطفال قال بكل جرأة إن هذا كذب
لأن الحيوانات لا تتكلم.. كان الأطفال يحبون القصص العلمية
التي تقرب من أذهانهم معرفة كل شيء في الحياة كانوا يحبون
الألعاب والألغاز والصور المتشابهة لمعرفة الفوارق .. أما
القصص المبالغ فيها، مثل طير عملاق يحمل بمنقاريه فيلاً
فهذا كذب وافتراء على مخيلتهم .
* دمشق -بيروت- لندن.. غربة وغربة فماذا فعلت الغربة بياسين
رفاعية الكاتب..؟
** هذا سؤال كبير جداً والإجابة عليه كبيرة جداً، شاءت ظروفي
أن أتنقل من بلد إلى بلد والحنين إلى الوطن يكبر ويجرح ويخنق
النفس والفؤاد فمن دمشق إلى بيروت تجربة مذهلة في التعاطي
مع أجواء لم أعتد عليها وما إن اعتدت عليها حتى مللتها فخرجت
إلى لندن وكان تلك غربة بغربتين غربة اللغة وغربة المكان
وعشت في لندن 12 عاماً لا أعتبرها من عمري لأن عالماً آخر
كان في واد وكنت في واد صحيح أن حياة حضارية عشتها غيرت
الكثير من مفاهيمي في الحياة خصوصاً ما يتعلق بالإنسان كإنسان
الإنسان هناك له قيمة كبيرة ، وكل شيء من أجله وفي خدمته
"الدولة" المؤسسات-الشركات.
وكل أوجه النشاطات المختلفة كانت من أجل خدمة الإنسان ولكن
على النقيض .. الحياة مادية بحتة جداً وارتباط المصالح هو
الذي يسيّر هذا المجتمع الآلي الكبير ثم نظرة الغربي إلى
الشرقي وهي نظرة فوقية كنت أتحاشاها وأتألم منها، فكان الوطن
في البال، والشوق إلى حينا القديم في دمشق في البال.. نعم.
لم تعطني الغربة شيئاً.. لم تعطني سوى جواز سفر أهميته عندما
أفتحه عند شباك أمن تفتح لي الأبواب، بينما جواز سفري العربي
تغلق أمامه الأبواب!!!!..
أعلى
صوت
( الكورة ) .. وطنية أم .. ؟! (2)
عدتُ من معرض الكتاب بالقاهرة
فرحة بلقاء الأصدقاء ومشاركتهم فرحة الإصدارات الجديدة والفعاليات
بعد تحديد إقامتي لمدة شهر وعدم الخروج بسبب رفقتي للمرض
.. ضربتُ الجرس كما أعتدتُ بشكل متواصل فرح .. ابني يفتح
الباب ضاحكا دائما مكررا نفس العبارة ( أمي لا تأتي إلا
بعرس) هذه المرة فتح الباب حزيناً منكسراً يحاول أن يخفي
ملامح وجه فيخذله الصوت .. امتقع لوني .. ما بك !!..عمان
خسرت المباراة النهائية .. حزنتُ تبعته صامتة .. بل حزنتُ
كثيرا لكن حمدت الله أن مريضي بخير وأن قضاء أخف من قضاء..
حاولتُ أن أخفف الصدمة على الاثنين ، المريض والسليم ..
لكن جهودي ذهبت هباء .. كيف أخفف وأنا أيضاً مكسورة من الداخل
.. نام البيت باكراً على غير العادة " نوم الهروب..
من الألم" .
بعد يومين عاد ابني منشرحا.. ما بك ؟ الحمد لله معظم الناس
يعتبرون عمان أحق بالكأس والكل من خليجيين إلى مصريين يمتدحون
الجمهور العماني الذي يساند فريقه إلى آخر نفس سواء فاز
أم خسر فهذه الاحتفالات الكبيرة المقامة لاستقباله دليل
كبير على رقي الجمهور والشعب العماني .. إذن انتهت خليجي
18 بفوز عمان على المستوى الفني والأخلاقي..
إنها القاهرة والشارع نبضها الحي عن طريقه تستطيع أن تنقل
انعكاسات الحدث قبل أن تقرأها أو تشاهدها إعلاميا بل قل
إنه النبض الصادق .. حمدتُ الله لعودة الابتسامة إلى شفتي
ابني ، وأخذ مسرورا يتابع الفضائية العمانية التي تنقل أحداث
الوطن وأفراحه . ويبقى السؤال الذي طرحته في المقالة السابقة
هل الحماس الكروي وطنية أم ..؟
لاشك أن أي تسابق بين فريقين متضادين بحضور جماعي كبير يولـِّد
الحماس خاصة لو سار طبقا لمبدأ الربح والخسارة ، يعني لو
كانت مسابقة علمية ثقافية بين عمان والإمارات مثلا وبحضور
جمهور كبير ستولد نفس الحماس ..ولو كانت المباراة أو المسابقة
بين فريق إناث وذكور وبحضور جمهور من الجنسين سيتحيز كل
جنس لفريقه وسيتولد الحماس نفسه .. أذكر أننا لعبنا كرة
السلة فريقين فريق الطلبة وفريق الأساتذة في الجامعة بحضور
عدد كبير من الأساتذة والطلبة .. وتولـَّد الحماس لدرجة
أن جمهور الأساتذة نسوا وقارهم المعتاد وشاغبوا وتورطوا
في ردود فعل صبيانية مع جمهور الطالبة المستفز . إذن التنافس
المضاد أيٍّ كان يولـِّد الحماس ومن ثم يتحول هذا الحماس
إلى عدوى تسري إلى من ليس له أي اهتمام بالموضوع بالضبط
كعدوى الزكام في الفصل أو في الغرفة الواحدة المقفلة أو
كعدوى الضحك الجماعي في المسرح أو كعدوى العطش وطلب الماء
بمجرد ما يطلب أحد من الجموع الشرب .. إنها عدوى تسري لتشمل
البعيد الغافل فيتحول تدريجيا إلى مشارك ..
ويحدث الخوف عندما تزداد الجموع ، والجموع دائما لها قوة
دافعة مسيِّرة للفرد.. يعني يرى الفرد نفسه وحيدا مختلفا
عن البقية فيشعر بأنه منبوذ لأن روح الجموع متدفقة وعارمة
ومندفعة وحماسية فينظم للجموع حتى يقهر وحدته ويتخلص منها
ومن شعور النبذ والاختلاف ، هذا بالضبط ما يحدث عند التشجيع
الجماهيري لأي نشاط جماعي فيه حماس وتشجيع متضاد - والخوف
دائما يكمن في أن يتحول هذا الحماس إلى هياج تدفعه الجموع
بدون وعي هنا تحدث الكوارث .. ولنظل في كرة القدم .. لعل
جمهور كرة القدم الإنجليزي هو أكثر الجماهير خطورة وتهورا
واندفاعا وهذا الحماس لا دخل له بالوطنية والمواطنة .. إنه
نوع من الهياج الجمعي والشغب يتحول فيه الإنسان إلى البدائية
فينسى الأنظمة والقوانين ليرتد إلى شريعة الغاب .. فيضرب
ويعتدي ويكسر بحجة التشجيع والحماس والوطنية .. وهذا شيء
مكروه والرياضة ( مهارة وعلم وذوق وفن ) فلا يمكن أن أصدق
أن من يسدد الكرة وسط كل هذا التوتر في المباريات الختامية
مثلا لتدخل في المرمى تسديدة موفقة هي ضربة حظ فقط .. صحيح
أن الحظ مصاحب بنسبة معينة لكل أمورنا الحياتية ، لكن لابد
من أن يكون هناك تكنيك وفكر وعلم وخبرة ولياقة و.. و.. و..
، جعلت هذا اللاعب يتميز ويسدد أو يحولها إلى لاعب آخر هو
في موقع أفضل من موقعه ميدانيا ليسدد الكرة ... وهكذا ...
وأمثلة الحماس الإيجابي الجميل الذي يضرب على عرق المواطنة
والإنسانية والفطرة والعفوية والفرح البريء... قفزات الشيخ
فهد الأحمد ( رحمه الله) وقفزة صاحب السمو السيد ( شهاب
بن طارق ) حين فاز فريقه السيب بكأس صاحب الجلالة ، وقفزة
شيراك التي ذكرتها في المقالة السابقة وأنا " شيراكية
الهوى" إن جاز لي هذا التعبير ، أحب شيراك .. أحب إنسانيته
وسياسته ومبادئه وعفويته وملامحه وابتسامته وحتى طوله المفرط
وانحناءته ذات الشموخ الرجولي .. فحينما قفز ولوَّح بيديه
انتصارا قفزتْ معه ملايين القلوب كانت تريد الكأس لفرنسا
أما حبا للعب فرنسا أو حبا بفرنسا أو لأجل خاطر شيراك وحضوره
، أو لأجل زين الدين زيدان ... ومن الحماس الإيجابي الجميل
ما فعله الجمهور بل الشعب العماني قاطبة في استقبال فريقه
الذي أحضر شيئا أهم وأعز وأكبر من الكأس فقد فاز فريقنا
فوزا عظيما عندما عاد وأحضر معه السمعة الطيبة والصيت الحسن
لوطنه .. شكرا منتخبنا ، شكرا جمهورنا فقد أحضرتم لنا الكأس
الحقيقي .
د. سعيدة بنت خاطر الفارسي *
* أديبة عمانية
أعلى