|
فتاوى وأحكام
* نحن نعيش في بلدة لا تحترم أوقات الصلاة التي تبث من وزارة الشؤون
الدينية ويحدث هذا خاصة في صلاة العشاء بحيث ان الوزارة تجعل الوقت
بين المغرب والعشاء ساعة وربع أو أكثر بقليل بحسب اختلاف الفصل، لكن
في البلدة وفي جميع المساجد تكون الصلاة فيها بعد ساعة وهذا على طول
السنة والأسئلة كالآتي: ما وقت صلاة المغرب ومتى ينتهي؟
** صلاة المغرب إنما يبدأ وقتها باستكمال غروب الشمس ويستمر إلى غيبوبة
الشفق الأحمر، وقيل إلى غيبوبة الشفق الأبيض، وعندما ينتهي وقت المغرب
يدخل وقت العشاء، فإن كان الشفق قد غاب فوقت العشاء يكون قد دخل على
الاختلاف بين الشفق الأحمر والشفق الأبيض، والشفق الأحمر هو أكثر في
الاعتبار، والله تعالى أعلم.
* هل وقت صلاة العشاء يبدأ بانتهاء وقت صلاة المغرب، وما الفاصل بين
الصلاتين؟
** نعم يبدأ وقت العشاء بانتهاء وقت صلاة المغرب، وليس هنالك فاصل،
بل ينتهي وقت هذه الصلاة ليدخل وقت الصلاة الأخرى، ولذلك سُوّغ للإنسان
أن يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء عندما يكون هنالك داع إلى الجمع
بحيث يكون في حالة سفر أو يكون في حالة مرض أو يكون في حالة غيم أو
مطر أو نحو ذلك من الأعذار التي تسوغ للناس أن يجمعوا بين الصلاتين،
وقد وقع ذلك من فعل الرسول صلى الله عليه وسلّم حتى في حالة كونه مقيماً
غير مسافر فقد روى الإمام الربيع بين حبيب رحمه الله في مسنده من طريق
ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر
والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب
ولا مطر.
وقد روى الحديث الإمامان البخاري ومسلم ونص روايتهما: صلى رسول الله
صلى الله عليه وسلّم بالمدينة من غير خوف ولا سفر، وفي رواية من غير
خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
ومعنى ذلك أن فعل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هذا إنما لأجل رفع
الحرج عن الأمة. وجاء في رواية الشيخين تعليق على هذه الرواية، هذا
التعليق يتمثل في سؤال سأله عمرو بن دينار سأله أبا الشعثاء الإمام
جابر بن زيد وهو الذي روى الحديث ثم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما
جاء فيه أنه قال ـ أي عمرو بن دينار ـ قلت لجابر: يا أبا الشعثاء أظنه
أخر الظهر وعجّل العصر. قال: وأظنه. ومعنى ذلك أنه أخر الظهر إلى آخر
وقتها وعجلّ العصر في أول وقتها بحيث يكون صلى الظهر في الجزء الأخير
من وقتها، وصلى العصر في الجزء الأول من وقتها، فيكون بذلك جمع بين
الصلاتين مع أنه أدى كل واحدة من الصلاتين في وقتها. قال الإمام أبو
الشعثاء: وأظنه. أي أظن أنه فعل كذلك. وأخذ بعض العلماء بهذا الذي
ظنه الإمام أبو الشعثاء ومن بين هؤلاء ابن سيد الناس وهو من علماء
الشافعية قال: جابر بن زيد أدرى بمعنى الحديث لأنه راويه .
ولكننا نرى أن الإمام أبا الشعثاء لم يقطع بهذا وهو لو لم يقل بأن
النبي صلى الله عليه وسلّم أخّر الظهر إلى آخر وقتها وعجّل العصر في
أول وقتها قطعاً، وإنما ذلك مجرد ظن منه، ولما كان ذلك مجرد ظن فإننا
ينبغي لنا أن لا نضيّق ما وسعته هذه الرواية، وإنما يحمل ذلك على ساعات
الحرج على أوقات الحرج، ومن أجل هذا قال لفيف من العلماء باشتراك الوقتين
أي وقتي الظهر والعصر ووقتي المغرب والعشاء، وهذا أمر يسوغ الأخذ به
ولكن بشرط أن يتقيد من أخذ بذلك في حال الاضطرار لا في حال الاختيار
أو في حالات الشدة والحاجة الملحة التي تدعو إلى ذلك بحيث لا يعتاد
الإنسان استمراره في جمع الظهر والعصر معا، والله تعالى أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالات تربوية في نماذج قرآنية (3)
ـ العمل السيئ يظل مضرب مثل سيئ مهما تقادم عليه
العهد والزمان
ـ مخالفة أصحاب البستان لأمر الله أوقع بهم الضرر فهل من معتبر
ـ لن يكون الشكر حقيقة إلا بالقيام بإعطاء المستحقين
حقهم
الشيخ الدكتور ـ مبارك بن مسلم بن مسعود الشعبني
أصحاب الجنة المذكورون في سورة القلم
قال الله سبحانه في محكم التنزيل: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا
أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
(17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ
وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا
مُصْبِحِينَ (21) أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ
(22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا
الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ
(25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ
مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا
تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
(29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قَالُوا
يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا
خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ
وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)). سورة
القلم
يحكي ابن كثير أن هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم
من الرحمة العظيمة، وأعطاهم الله تعالى من النعمة الجسيمة، وهو بعثة
محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛
ولهذا قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ) أي اختبرناهم، كما بلونا
أصحاب البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، إذ حلفوا فيما بينهم
ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم
ولا يتصدقوا منه بشيء. (وَلا يَسْتَثْنُونَ (18)) أي فيما حلفوا به،
ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فأصابتها آفة سماوية، فأصبحت كالليل
الأسود. ولما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ؛ أي
القطع، قائلين: (أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ
(22))؛ أي تريدون الصرام. فذهبوا خفية وكل يقول للآخر لا تمكنوا اليوم
فقيرا يدخلها عليكم، بمعنى لا تعطوا أحدا شيئا. ولكنهم عندما رأوها
شدهوا وظنوا أنهم قد أخطأوا الطريق، ولهذا قالوا: إنا قد سلكنا إليها
غير الطريق، فتهنا عنها. ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي
فقالوا: بل هي هذه، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب. قال أوسطهم: فهلا
تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم، وأنعم به عليكم، (قَالُوا سُبْحَانَ
رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29))، فأتوا بالطاعة حيث لا تنفع،
وندموا حيث لا ينفع الندم. وأخذوا يتلاومون على فعلتهم هذه، فما كان
جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب؛ (قَالُوا يَا وَيْلَنَا
إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31))؛ أي اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد،
فاستغفروا واحتسبوا ثوابها في الدار الآخرة.
ـ دواعي الحذر في هذا الحوار (الضرر المتوقع)
إن الضرر المتوقع في هذا الحوار هو ضياع المال، وهلاكه الناجم عن مخالفة
أصحاب البستان لأمر الله. وهي نظرة لم يتفطن لها إلا من أسمي في القرآن
ووصف بلفظ (أَوْسَطُهُمْ)؛ أي (أفضلهم وأحسنهم عقلا ورأيا وديانة،
وقيل سنا). وأما الباقون من الإخوة فكان الضرر الذي تلافوا وقوعه ـ
حسب نظرتهم الضيقة ـ هو النقصان الظاهري لمقدار وكمية الثمار، والذي
حاولوا تلافيه بجزه وقت غفلة المستحقين له من الفقراء والمساكين.
ـ أسلوب توقي الضرر (الحذر)
كما تبين من المحور السابق أن الضرر المتوقع، هو سخط الله سبحانه على
أصحاب البستان بما قد نووا فعله، من عدم شكر الله سبحانه، من خلال
محاولتهم حرمان المستحقين بعضا مما أعطاهم الله إياه من خير وفضل.
وقد حاول الأخ الأوسط ثنيهم عن هذا العمل، من خلال تذكيرهم بأهمية
شكر الله، وأنه لن يكون الشكر حقيقة إلا بالقيام بما أمر، بما فيه
إعطاء المستحقين حقهم. فقد كان كلامه معهم عن ذلك يعد بمثابة تحذير
لأصحاب البستان، لأن يعدلوا عن رأيهم الذي قد يكلفهم ما لا يطيقون،
من حرمان وغيره. يتبين تحذيره هذا من خلال قوله حال رؤيتهم بستانهم
وتلاومهم: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ)؛
أي (هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم)، وقد أقام عليهم الحجة
وحذرهم بالعاقبة قبل إقدامهم على هذا العمل، يقول صاحب تفسير (روح
المعاني): (وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك، اذكروا الله تعالى
وتوبوا إليه عن هذه النية الخبيثة من فوركم، وسارعوا إلى حسم شرها
قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم)؛ فإجماعهم القاضي بقطع الثمار في غفلة
عن المستحقين كان بعد أخذهم وردهم وجدالهم مع أوسطهم الذي تبع أمرهم
في النهاية، بالرغم من عصيانهم له. أما حذرهم من نقصان مالهم، فلأنه
غير مشروع، ومصادم للنهج القويم فإنه قد باء بالفشل.
ـ دلالات تربوية لهذا الحوار
من الدلالات التربوية التي يلمس فيها الحذر من الضرر التي يمكن استخلاصها
من هذا النموذج من الحوارات، الآتي:
1- الابتعاد عن كل ما يجعل المرء مثل سوء للآخرين، إذ العمل السيئ
يظل مضرب مثل سيئ مهما تقادم عليه العهد والزمان، وعادة ما يطول هذا
العمل أصحابه، فيكونون مضرب المثل في السوء، وقبح العمل؛ يستشف ذلك
في ضرب الله سبحانه لأهل مكة سوء عملهم وتعاملهم مع الرسالة النبوية
مع عمل أصحاب الجنة (البستان)، ويربط الحدثين ببعضهما لوجود نقاط التقاء
بين الفعلين ـ فعل كفار قريش، وفعل أصحاب البستان ـ يقول سبحانه: (إِنَّا
بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ). أي بلونا واختبرنا
قريشا بما آتيناهم من خير، كما بلونا واختبرنا أصحاب البستان، فكما
أن عاقبة أهل البستان دمار ما جنوا، فكذلك سيكون مصير قريش إن لم يتداركوا
أنفسهم بالإنابة والتوبة. ولذلك في نهاية المثل والحوار (عرج ملتفتا
إلى أهل مكة بأن هذا هو الجزاء الدنيوي، ولعذاب الآخرة أكبر، يقول
سبحانه: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)).
2- على المرء المسلم وهو يخطط لعمل ما، أن يتحرى رضا الله له فيه؛
ولا يكون ذلك إلا بمعرفة ما يرضيه سبحانه فيعمله، ومعرفة ما يغضبه
سبحانه فيتجنبه . ومتى ما وجدت شبهة ما في أمر ما يحسن السؤال عنها،
حتى لا يقع فاعلها في المهالك - والعياذ بالله -. وفي هذا الحوار نجد
أن أصحاب البستان لم يتحروا في عملهم رضوان الله سبحانه. فحدث لهم
ما حدث، من دمار وخراب.
3- عدم الاغترار برأي الأغلبية، فرأيهم ليس بالضرورة صوابا دائما،
خاصة إذا ما كانت الأهواء متحكمة في أفرادها؛ وفي هذا الحوار يلحظ
نتيجة ما أدى إليه رأي الأغلبية من دمار وخراب، والمتمثل في زوال البستان
وتلفه. وفي سبيل معرفة ما إذا كانت الأهواء مستحكمة في أصحاب الرأي
أم لا ؟ بمعنى: ما إذا كان رأيهم مؤداه النتيجة المرتجاة؛ من خير وسؤدد
ورقي ؟ ينظر في الرأي في مدى مصادمته لتوجيهات الخالق سبحانه أولا،
أو موافقته. فإن كان مصادما لأمر الخالق ونهيه فيجب رده ، حتى لا يحل
الانتقام ويعم الهلاك، وإن كان الرأي موافقا مع النهج الرباني القويم
يؤخذ به. وفي الحوار مغزى تربوي، يتمثل في عدم الاستهانة برأي الأقلية
من أصحاب الرأي، بل يدرس الرأي، وينبغي الأخذ به إن تبين جدواه، قبل
أن تحل الكارثة ويحدث الندم.
4- ينبغي عدم مجاراة أهل الفساد والركون إليهم ولو ظاهريا، لما في
ذلك من ضرر قد يلحق المجاري لهم، وفي هذا الحوار يلحظ مجاراة أوسطهم
لهم وذهابه معهم بالرغم من معارضته تصرفهم. فمن يجاري أهل الانحراف
أو المتشككين في الدين، سوف يناله ما ينالهم في هذه الحياة، إن لم
يتدارك أمره بالتوبة والإنابة، وبناء على ذلك ينبغي عدم مجاراة أهل
الانحراف أبدا ما دام المرء يرجو السلامة.
5- إن الاعتراف بالذنب والتقصير في حق الله سبحانه واجب على المرء
في هذه الحياة، ولكنها أجدى وأنفع لو كانت في لحظة الانتباه للخطأ،
وقبل حلول العقاب الإلهي؛ وفي هذا الحوار نجد أن أصحاب البستان قد
رجعوا إلى ربهم بعد خراب مالهم وهلاكه، في حين أن أخاهم كان يذكرهم
بضرورة الاعتراف بالخطأ قبل الإقدام عليه. وفي هذا نجد أن الله سبحانه
يخبر هذه الأمة بضرورة الإنابة إلى الله بمجرد تذكر المعصية، لا عند
وقوع العقاب عليها، وذلك عند امتداحه جل وعلا فعل المؤمنين الصادقين
، في قوله سبحانه (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا
وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ
رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)).
6- العاقل من الناس من يجنب نفسه موجبات اللوم والعتاب؛ وذلك من خلال
دراسته المتأنية لعواقب الرأي الذي يقوله عندما يستشار، وكذلك جدواه.
فالاندفاع عادة في إبداء الرأي يجر على المعنيين من النتائج ما لا
تحمد، فحتى يبعد المرء نفسه من الملامة، فضلا عن الإثم، عليه أن لا
يبت في أمر غير مقطوع بجدوى نتاجه، وإن كان لا محالة قائلا رأيا عليه
أن يوضح كل متعلقاته. وفي هذا الحوار يلحظ أن الإخوة جلهم كان مشتركا
في الرأي ورسم الخطة، ما حدا بهم بعد رؤيتهم ما حل ببستانهم إلى ما
عبر القرآن عنه بعبارة (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ)،
أي (يلوم بعضهم بعضا في منعهم للمساكين، وعزمهم على ذلك). والشرع الحنيف
جعل المستشار مؤتمنا، بمعنى أن يكون رأيه فيه الإخلاص، ويرجح فيه كفة
الصواب. وعلى من يتحرى النتاج الطيب انتقاء مستشاريه بدقة فائقة خاصة
في القضايا المصيرية والهامة.
7- على المرء التنبه من مخططات أصحاب الأهواء، فهذا الحوار يلحظ فيه
مدى تآمر أصحاب الأهواء على المحتاجين من أبناء المجتمع؛ ومحاولة الإجهاز
عليهم في الحاجة والفاقة. فكثير من الأغنياء وأصحاب القرار من ضعاف
الإيمان حتى في المجتمع الواحد عادة ما يجتمعون على محاربة الأعمال
الخيرية كالتكافل الاجتماعي والجمعيات الخيرية في سبيل إلجائهم إلى
القروض الربوية الضارة، وهو ذاته ما تفعله بعض الدول الغنية نحو الفقراء
في العالم، في محاولة إلى إذلالهم واستعبادهم وتسخيرهم قسرا في تنفيذ
مصالحها.
8- يحسن ثقة المرء المسلم بخالقه في قدرته سبحانه دفاعه عنه، فهذا
الحوار يلحظ فيه دفاع الله سبحانه عن الفقراء والمساكين من أبناء المجتمع،
بأن يجعل من يتآمرون عليهم في ظلمهم وسلبهم حقهم الذي فرضه الله لهم
مثلهم في الاحتياج، إن لم يكن أقل منهم وضعا. يلحظ ذلك من خلال الوضع
الذي آل إليه أصحاب البستان في لحظة عين . والشريعة الغراء جعلت مساعدة
الفقراء من أبناء المجتمع وسيلة لكسب الخير ، وتحصيل الحسنات ؛ فالزكاة
الواجبة، والصدقات المندوبة ، وغيرها من أعمال البر توصل المرء إلى
الجنة . وحرمانهم حقهم إنما هو حرمان المرء نفسه من الفضل والثواب
. فالفقراء والمساكين في المجتمعات يعدون بمثابة رحمة للمجتمع إذا
ما كانوا ملتزمين بدين الله سبحانه وشرعه . وهذا الحوار يظهر مدى رعاية
الله تعالى وعنايته بهم حينما أدب من تسول له نفسه المساس بهم.
9- الحوار يجسد حالة صنف من بني آدم، ممن هم ضعيفو اليقين بالله سبحانه،
من أنه القادر وحده على الرزق؛ وفيه- أي الحوار- يلحظ محاولة أصحاب
البستان رزق أنفسهم بأنفسهم، من خلال توفير حق المحتاجين، وجعله لهم
وحدهم؛ ولكن الله سبحانه أراهم ضعفهم الحقيقي، وأنهم مهما فعلوا من
محاولات في سبيل توفير الرزق للنفس ما لم تكن بالطريق التي شرعها الله
تعالى وأذن بها، فلن يتمكنوا من ذلك.
10- تبييت النوايا السيئة أمر غير محمود لما
يؤدي إلى ضرر على المرء من قلق وهم نفسيين بل قد يتطور إلى حقد وحب
انتقام، فعلى المرء أن يحسن نواياه، ويجعلها منسجمة مع المنهج القويم،
غير متصادمة معه؛ ولا يضمر في نفسه للآخرين إلا الخير. ولا يبيت في
قلبه ما يضر بالآخرين، بل يملأ قلبه حبا وودا، ورغبة في صنع الخير،
والمبادرة به خاصة مع مستحقيه. وفي الحوار يلحظ تبييت أصحاب البستان
النية الفاسدة، فما أن ذهبوا لتنفيذ ما قد بيتوا من نية سيئة إلا ووجدوا
أمر الله مقضيا. فالله كما وصف نفسه عند إخباره عن من يبتون النوايا
السيئة والمخططات الخبيثة بأنه العليم بهم وما يبيتون، يقول سبحانه
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ
مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ
وَكِيلاً).
11- اقتراف المحظورات الشرعية هلاك للمرء، فالآية فيها تحذير شديد
لكل من تسول له نفسه فعل شيء منها؛ وذلك من خلال تبيين الله سبحانه
لطبيعة العذاب الذي حل بالبستان، فقد كان مستهدفا الهدف المراد بدقة
متناهية، وبسرعة فائقة، لم يشعر به أهل البلدة بالرغم من أنه كان ليلا،
ومظنة سماع الأصوات ورؤية الأضواء قوية مقارنة بوقت النهار، ولكنه
أمر الله الذي لم يشعر به أحد، المعبر عنه بعبارة (فطَافَ عَلَيْهَا
طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ)، وهذا فيه تهديد بإمكانية حدوث العذاب لمكان
معين دون إصابة ما يجاوره، ودون سابق إنذار، إلا الإنذار والتحذير
الإلهي المعروف والقاضي بعدم اقتراف ما يغضب القادر سبحانه.
12- غياب المذكر والداعية من المجتمع يؤدي إلى نشوء الشر واستفحاله،
والوقاية من نشوء ذلك الضرر تستدعي تهيئة من يقوم بذلك في كل مجتمع
بل وفي كل بيت، فذلك يعد أكبر نعمة على الأسرة أو المجتمع، فهو يقوم
بتذكيرهم إذا غفلوا، ونصحهم إذا زلوا، ويأخذ بأيديهم إلى الصواب إذا
انحرفوا. ومن رحمة الله سبحانه أن لا يخلو مكان أو زمان من مثل هؤلاء.
والأخ الأوسط في هذا الحوار يمثل ذلك المنقذ من الضياع لو استجابوا
لكلامه مسبقا. ولكنه وكما يلاحظ لم يزل مذكرا حتى بعد حدوث الدمار.
فعلى الأفراد أن يتسابقوا في نيل شرف تبليغ تعاليم الدين للآخرين حتى
يسلموا من الهلاك.
13- يحسن عدم تعميم الحكم عند إطلاقه، لما في ذلك من ضرر، كأن يقال
مثلا إن الأسرة الفلانية فاسدة وتوجهها منحرف، فقد يكون فيها الصالح،
وكذلك عند الحكم على الدول والجماعات.
14- يحسن التعامل مع الناس على أساس أعيانهم، لا على أساس أواصر قرباها
وصلاتها النسبية لما لهذا الميزان من ضرر، فالإخوة مثلا ليس شرطا أن
يكون توجههم كلهم -حتى الأشقاء منهم-متساويا؛ وفي هذا الحوار يلحظ
اتجاهان؛ اتجاه قويم في النظرة، ويمثله الأخ الأوسط، واتجاه منحرف
ويمثله الباقون. فتعاملي مع زيد من الناس على أساس أنه زيد، بما يتصف
به من صفات ينبغي أن أعرفها عنه، لا على أساس أنه أخو عمرو الصادق
الأمين. فقد يكون زيد فيه من الصفات ما هو نقيض لصفات عمرو فيأتي الضرر
من جراء اعتباري له أنه كعمرو. ولنا في القرآن الكريم من النماذج ما
يعزز هذه النظرة، وفي هذا الحوار- وحسب الروايات- أن والد أصحاب البستان
كان صالحا، بينما نجد أبناءه الذين لا شك أنه قد اعتنى بتربيتهم، نجدهم
منحرفين في النظرة نحو المال، إلا واحدا.
أعلى
شؤون نسائية
حكمة المرأة
تتهم المرأة بأنها ناقصة عقل ودين، وانها لا
تحسن النقاش ولا تمتلك اداة الجدل، ولا تعرف معنى الحكمة وان عقلها
لا ينهض بها الى مستوى لائق من ابداء الرأي والتروي والتؤدة في النظر
الى الأمور والأحداث، وانها قاصرة الفهم جراء قرارها في بيتها وعدم
خروجها الى الواقع واصطلائها بناره وخبرتها غير الناضجة وافتقادها
الى اوليات البصر بالأشياء، وافتقارها الى ادنى اصول البحث العلمي
ومتطلباته، كل ذلك تتهم به المرأة بوجه عام والمسلمة على وجه الخصوص
وقد شاع ذلك في الاوساط العلمية وغير العلمية حتى صار علما عليها وسبة
لها، وفي هذه السطور برز بجلاء خطورة هذا الرأي وافتقاره الى موضوعية
الحديث ودقة الانصاف، ونوضح المغالطة التي تثار بين الحين والآخر حول
جهل المرأة وضعفها امام الرجال، وانهزامها في كل مجال، وسيكون حديثنا
من خلال كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لانهما المرجعية
الوحيدة التي يمكن ان نرتكن اليها وليس بوضع احد ان ينكرها أو يستدرك
عليها، فالمرأة العاملة التي ملأ الإيمان قلبها ومضى لها عقلها ونقى
لها سريرتها لاشك انها تنظر الى الامور بمنظار الدين، وتأتي بحلول
متزنة وآراء واعية وفكر سديد ورأي فريد وحتى لا يكون الكلام خلوا من
دليل ويتفقد الى التعليل نبدأ بأم المؤمنين حكيمة العرب قاطبة خديجة
ـ رضي الله عنها ـ تلك السيدة المعطاء التي اعطت فوفت وبذلت مهجتها
للإسلام فما لنفسها شيئا ابقت عندما دخل عليها زوجها سيدنا ونبينا
محمد صلى الله عليه وسلم بعد ان نزل عليه الوحي في غار حراء يرتعد
قائلا: زملوني زملوني..دثروني دثروني فزملته حتى ذهب عنه الروع بدت
حكمتها وظهر صفاء عقلها في ردها على سول الله صلى الله عليه وسلم ـ
بعد ان اخبرها الخبر وقال لها: (اي خديجة لقد خشيت على نفسي) ردت بأناة
وحكمة وروية وتؤدة: (كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله ابدا، انك لتصل
الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين
على نوائب الدهر). وهنا ننظر في حكمتها ـ رضي الله عنها ـ وسردها للاسباب
التي تدعو لاطمئنان النفس ورباطة الجأش واستقرار الفؤاد، فرسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يترك امرا يتطلبه المجتمع الا ويسارع في قضائه
ولا يرى احدا محتاجا او معوزا الا سارع بإغاثته ، ولا يرى مصائب الحياة
وتقلبات الايام تحيط بانسان الا اعانه فكيف يكون بعد هذا كله غير موصول
بربه ولا قريبا من مولاه!! فقد اوضحت له عوامل اطمئنان الانسان وبينت
له الاسباب التي لا يكون معها مضطربا قلقا او حيران، ثم انها بعد ذلك
انطلقت به الى ابن عمها ورقة ابن نوفل (وكان امرأ تنصر في الجاهلية
وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الانجيل بالعبرانية ما شاء الله
ان يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له: يا ابن عمي اسمع من ابن
اخيك فقال له ورقة: يا ابن اخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله
عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة له: هذا الناموس الذي نزله الله على
موسى ياليتني فيه جذع، ليتني اكون حيا اذ يخرجك قومك..الخ وهنا تتضح
حكمة خديجة ـ رضي الله عنها ـ في انها لم تقف مكتوفة الأيدي، ولم ترتض
ان تهدي من روعة وتسكن من فؤاده ولكنها تابعت ذلك بالخروج معه الى
المتخصصين فيما حدث له، والعارفين به حتى تجد حلا لما هو فيه بشكل
علمي حضاري يترسم خطا النهج الصحيح والمعالجة الشاملة، وهو أمر يفتقر
اليه كثير من الرجال، وهذا اول مثال.
اما الثاني فلأم المؤمنين ام سلمة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ والتي كان لها موقف يذكره التاريخ بكل اجلال ويتعلم منه الحكمة الرجال،
وذلك في عمرة الحديبية حيث اصر المشركون على عدم دخول المؤمنين الى
البيت الحرام معتمرين وعودتهم الى ديارهم والمجيء من قابل اي في العام
القادم، وهو ما اغم المسلمين واحزنهم وجعل أسدا كعمر بن الخطاب يثب
فيأتي ابابكر فيقول..أيا ابابكر أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا
بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين؟. قال: بلى. قال: فعلام
نعطي الدنية في ديننا! فقال ابوبكر: ياعمر الزم حرزك ـ اي امرك ـ فإني
اشهد انه رسول الله. قال عمر: وأنا اشهد انه رسول الله. ثم جاء الى
رسول الله فكرر عليه ما قاله لأبي بكر. فقال الرسول: أنا عبدالله ورسوله،
ولن اخالف أمره ولن يضيعني).
ثم طلب الى المسلمين قائلا: (قوموا فانحروا ثم احلقوا). ليتحللوا من
عمرتهم ويعودو للمدينة، فلم يقم منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات! فلما
لم يقم منهم احد دخل على ام سلمة ـ رضي الله عنها ـ فذكر لها ما لقي
من الناس وانهم كادوا يهلكون في عدم طاعة رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ فماذا قالت هذه المرأة الحكيمة وكيف أرتنا حلا غاب عن كثير
من رجالات الصحابة، ووضعت ايدينا على لون جديد من ألوان التفكير الواعي
والنظر الحصيف. فقالت: (يارسول الله..أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم احدا
منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك). فخرج فلم يكلم أحدا
منهم حتى فعل ذلك. فلما رأى المسلمون ما صنع النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ زال عنهم الذهول، واحسوا خطر المعصية لأمره فقاموا ـ عجلين
ـ ينحرون هديهم ويحلق بعضهم بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم،
والناظر في هذه الرواية التي رواها البخاري واحمد يتعجب من حكمة ام
سلمة وحسن بصرها بالمشكلة ودقة نظرها في حلها حتى انقذت امة من الهلاك
المحقق، ومنعت فتنة كادت تودي بحياة هؤلاء جميعا.
اما المثال الثالث على حكمة المرأة وسعة عقلها وحبها لدينها وتعاليم
ربها وسنة نبيها ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيتمثل في مسلك الخنساء ـ
رضي الله عنها ـ تلك المرأة الفاضلة والشاعرة التي روت صحراء العرب
بكاء ودموعا على اخيها صخر، وجاءت بدرر المراثي شعرا سرت به الركبان
وشاع على كل لسان عندما دخلها الاسلام وأنار جوانبها القرآن وجمعت
اولادها الأربعة صبيحة المعركة وذكرتهم بالله وانها ما خانت أباهم
ولا خذلت خالهم، وطلبت إليهم ان يذودوا عن حياض الاسلام عندما يلتقون
غدا بالاعداء، وانها ترغب ان يبيتوا غدا في الجنان مع النبي العدنان،
فلما جاءها خبر استشهادهم جميعا قالت بكل شموخ وعزة، وصبر واحتساب
لرب الأرباب (الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، واسأل الله ان يجمعني
بهم في مستقر رحمته)، ثم لم تقم عليهم مأتما وعويلا كما كانت في الجاهلية
مع اخيها صخر، حيث احتسبتهم شهداء أعزة عند الله صاحب العزة والكبرياء،
فضربت بذلك للنساء والرجال اروع مثال.
اما رابع الامثال فتضربه ام خلاد التي خلد التاريخ موقفها النبيل ومسلكها
الجليل حيث استشهد زوجها وأخوها وابنها في سبيل الله، ولما جاءها الناعي
دخلت خدرها فانتقبت، فتعجب الناعي من تأخرها بسبب انها راحت فارتدت
حجابها ونقابها، فقالت له: لئن كنت رزئت في احبابي فلن أرزأ في حيائي،
ولكن ما شأن رسول الله (تسأل عن سلامته) قال: هو بحمد الله معافى،
قالت: بل أروينه فلما اكتحلت عيناها برؤيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ
قالت: يارسول الله، كل شيء بعدك جلل (أي اذا سلمت فكل شيء هين محتمل)
والمستملي لهذه الحادثة المتفكر في قولها تتأكد له حكمتها وبعد نظرها
وأن عقلها من الحكمة بحيث يطاول الجبال، واننا في هذا العصر مفتقدون
لأمثالها وحكمتها.
والخامس هو سلوك هذه المرأة المسلمة التي توفي ولدها في غياب زوجها
فغطته، ولما حضر بعلها سأل عن الولد، فقالت: هو أسكن ما يكون الآن،
فورت بقولها هذا عن موته، من غير ان تتلفظ أو تصرح به، ثم تهيأت له
تهيؤ المرأة لزوجها حتى التقى بها وسعد الى جوارها، ثم قالت له: أرأيت
اذا تحملت امانة من احد ثم جاء يطلبها أكنت مؤديها له؟ قال: نعم. قالت:
فإن الله قد طلب امانته واخذ ولدنا الى جواره، فحزن الرجل واصابه الغم
وقال لها: اخبرتني بعد ان تلطخت وانطلق الى رسول الله يخبره الخبر
، فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما طمأن فؤاده، وان الله
قد بارك لهما في ليلتهما ورزقهما خيرا منه، فانظر الى صنيع هذه المرأة
الحكيمة التي كتمت حزنها وهي أم وتغلبت على عواطفها حتى تعطي زوجها
حقها بعد غيابه، وتحقق له السكن المنشود ثم عالجت الأمر بروية حتى
اقتنع الرجل بعد هذا التمهيد الحكيم، وكانت عاقبة ذلك ان ابدلهما الله
في الليلة ذاتها بخلف له هو خير منه.
وليس امر الحكمة وسعة العقل مقصورا على المرأة المسلمة فقد اشتهرت
نساء كثيرات من كل الملل والنحل بذلك، فهذه بلقيس ملكة سبأ التي اثنى
القرآن على عقلها وأقر قولها الذي قالت فيه: (إن الملوك اذا دخلوا
قرية أفسدوها وجعلوا أعزة اهلها أذلة).
عقب القرآن بقوله (وكذلك يفعلون) فلم ينكر على المرأة رأيها لكونها
امرأة ولكنه اكده وأقره وصار قرآنا يتلى، وهي المرأة التي كانت تحكم
مملكة بأسرها وتدبر شؤونها، وتبتني حكمها على الشورى وعدم احتكار منصبها
او تكميم الأفواه، وهذه زوجة عمران التي ارادت ان تقدم شيئا لدينها
فوهبت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، وعندما وضعتها وضعتها انثى فحزنت
لانها كانت تود ان يكون رجلا جلدا يقوى على العمل في خدمة الدين، وتقديم
اكبر قدر ممكن من الجهد، ولكنها قالت: (وضعتها انثى وليس الذكر كالأنثى)
فتمنت صادقة ان تقدم شيئا ذا بال لدينها، ونختم بحذام التي اشتهرت
بين العرب بأنها حكيمة مجتمعها وعاقلة قومها حتى قال شاعرهم:
إذا قالت حذام فصدقوها
فإن القول ما قالت حذام
ومن ثم تتضح المغالطة، ويظهر الفهم السقيم عن المرأة، وانه من الإنصاف
والموضوعية ان نوسدها مكانها حيث الحكمة والعقل وبعد النظر، فهي الأم
والأخت والزوجة والبنت، نسأل الله تعالى ان يبصرنا بحقيقة الأمور،
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
اجمعين.
* مها محمد البشير حسين نافع
ماجستير من قسم الشريعة الاسلامية بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
أعلى
(النيرات المنيرات)
أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية رضي الله عنها
جهادها وزوجها أبي سلمة في الهجرة للمدينة
عانت أم سلمة رضي الله عنها الكثير في هجرتها حتى ان أهلها فرقوا بينها
وبين زوجها فقام أهل زوجها بنو عبد الأسد بانتزاع ابنها منها وتنازل
أهلها وأهل زوجها في ابنها سلمة حتى خلعوا يده فعاشت في حزن حتى أفرجوا
عنها فلحقت بزوجها وكان قد سبقها في الهجرة خلال ذلك ثم بعثوا بابنهما
لهما إلى المدينة وقيل أن أهل زوجها ردوا ابنها إليها فحملته وهاجرت
به إلى زوجها في المدينة. وكان أبو سلمة من كبار المجاهدين شهد بدرا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فارس القوم . ثم شهد أحدا فأصابته
جراح ما لبث أن توفي في أثرها وكان ذلك عام أربعة من الهجرة وقد أغمض
جفنيه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بعد أن دعا له بخير .
استشهاد أبي سلمة وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المصيبة
لما استشهد أبو سلمة تذكرت أم سلمة حديثا رواه أبو سلمة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو: (إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل إنا لله وإنا
إليه راجعون. اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني بها ما
هو خير منها). فذكرت أم سلمة الحديث ,ثم قالت: من هو خير من أبى سلمة
؟ وفي حديث آخر قالت (اللهم اغفر لنا وله, وأعقبني منه عقبة صالحة
) فقلتها, فأعقبني الله محمدا صلى الله عليه وسلم
خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة
لما انقضت عدة أم سلمة رضي الله عنها خطبها أبو بكر الصديق فردته ,ثم
خطبها عمر بن الخطاب فردته أيضا بحجة أنها مسنة, وأن لها أطفالا صغارا
فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها لنفسه فقالت : مرحبا
برسول الله . أخبر رسول الله أني امرأة غيرى, وأني مصبية, وأنه ليس
أحد من أوليائي شاهد فأرسل لها رسول صلى الله عليه وسلم يقول ( أما
قولك أني مصبية فإن الله سيكفيك وصبيانك, وأما قولك أني غيرى فأدعو
الله أن يذهب غيرتك , وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهد ولا غائب إلا
سيرضاني ) . فقالت رضي الله عنها لابنها يا عمر قم فزوج رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
زواج الرسول بأم سلمة وصداق العروس
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي
الله عنها في شوال من العام الرابع من الهجرة زوجه إياها ابنها سلمة
وأصدقها صلى الله عليه وسلم ( فراشا حشوه ليف وقدحا وصحيفة ومجشة ).
ثم زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة من بنت عمه حمزة بن عبد
المطلب هذا وقد ظلت أم سلمة قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم
بها ترضع ابنتها زينب وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيها فيستحي
منها ويرجع حتى تدارك أخوها لأمها (عمار بن ياسر) ذلك فانتزعها منها
وقال لها دعيها فقد آذيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها
والتمس لها مرضعا فلما سألها النبي صلى الله عليه وسلم عنها ولم يجدها
تزوج أم سلمة رضي الله عنها وكان صلى الله عليه وسلم يأتيها ويقول
لها ( أين زناب ؟)
بيت الزوجية ونفقة العيش
ابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة في بيت أم المساكين زينب
بنت خزيمة فوجد فيه جرة فيها شيء من شعير وبرمة وسمن فكان ذلك طعام
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ليلة عرسه كما أنها رضي الله عنها
دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أول العشاء عروسا وقامت آخر الليل
تطحن الطحين لتعده للطعام .وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لأم سلمة : ( لك عندنا قطيفة تلبسينها في الشتاء وتفرشينها في
الصيف ووسادة من أدم حشوها ليف ورحيان تطحنين بهما وجرتان في إحداهما
ماء وفي الأخرى دقيق وجفنة تعجنين وتثردين فيها), فقالت رضي الله عنها:
رضيت فكان ذلك مهرها وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أذهب الله
عنها غيرتها فلم تعد تغار من الضرائر وتشقي نفسها وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يثلث بينها وبين نسائه فيمكث عند كل منهن ثلاثا ثم
يدور عليهن .
إعداد / أم الزبرجد الشيبانية.
أعلى
قل إن هدى الله هو الهدى
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
فهد بن علي السعدي
إن موضوع هذه الحلقة موضوع مهمّ غفل عنه كثير من الناس ، وهو مع ذلك
شفاء النفوس وحياة القلوب ، وباب الخير ، وماحي الذنوب ، قال فيه ربّ
العزة والجلال : ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (
( سورة الرعد/28 ) ، إنه ذكر الله ربّ العالمين، الذي جاء في بيان
فضله وعظيم منزلته الكثير من الآيات والأحاديث، فالله تبارك وتعالى
يقول في وصف عباده المؤمنين: ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ( ( سورة آل عمران /191 ) ، ويقول عزّ وجلّ : ( الَّذِينَ
آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ ( ( سورة الرعد/28
) ، ويقول تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( ( سورة الأحزاب/
41 ـ 42 ) ، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ( أنه قال :
" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ".
إن الذكر على أنواع : فذكر لأسماء الله تعالى وصفاته والثناء عليه
، وذكر لأمره ونهيه ، وذكر لآلائه ونعمه وإحسانه .
فأما ذكر الله تعالى وأسماؤه وصفاته فهو ينقسم إلى قسمين : ماله مناسبة
، وما ليس له مناسبة ، فأما ما له مناسبة فهو الأذكار المشروعة في
وقت من الأوقات أو مكان من الأمكنة أو حال من الأحوال ، فللقيام من
النوم ذكر ، ولدخول البيت والخروج منه ذكر ، وهكذا في المسجد ، ومثل
ذلك عند نزول المطر ، وهذا النوع من الأذكار كثير جدّا ، وجدير بالمسلم
أن يحافظ عليه ، وأما ما ليس له مناسبة فإنه يشرع للإنسان أن يذكر
الله تعالى في كلّ حال إلا في أحوال ورد فيها النهي من الشارع ، قال
تعالى : ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ
جُنُوبِهِمْ ( ( سورة آل عمران /191 ) ، وهذا المجال هو ميدان رحب
للتسابق ، ومن هذه الأذكار : سبحان الله وبحمده ، فقد جاء عن النبي
( أن من قالها في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر
، ومن قال سبحان الله العظيم غرست له نخلة في الجنة ، وجاء عن الرسول
( أنه قال : " كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان
: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " ، وجاء أيضا عنه ( :
" لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس " .
وأما النوع الثاني من الأذكار فهو مجالس الذكر التي يذكر فيها الله
عزّ وجلّ ، وتذكر أوامره ونواهيه ، ويتدارس فيه كتابه وسنة رسوله (
، قال عليه الصلاة والسلام : " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت
الله ، يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة
، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده "
، وإنه لمن العجيب الغريب ، ومن التناقض البين أن الواحد إذا ما دعي
إلى درس أو محاضرة لقال : إني مشغول ، ولو دعي إلى عزف أو رقص أو نحو
ذلك لوجدته أول المتسابقين ، وفي هؤلاء وأمثالهم يقول الله تبارك وتعالى
: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى
وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ( ( سورة طه/124 ـ 126 ) .
إنه لمن المؤسف حقا أن تجد كثيرا من الناس لا
يأبهون بهذه الأذكار ، فقاموسهم في الحياة لا يعرف معنى للذكر ، فالواحد
منهم عندما تصيبه مصيبة تجده يقول ـ بدلا من لا حول ولا قوة إلا بالله
ـ: لماذا أنا بالذات ؟! معترضا على قضاء الله تعالى وقدره ، وإذا ما
انتهى من الصلاة قام مسرعا كأنه انتهى من شيء بغيض إليه ، وإذا ما
جاء إلى بيته يدخل وقد ملأ فمه بالسبّ والشتم ، وضرب هذا ، ولعن هذا
، أهكذا يذكر الله تعالى ؟! أهكذا يطاع الله عزّ وجلّ ؟! كلا والله
.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن المبتعد عن الله تبارك وتعالى ، الغافل
عن ذكره تصيبه اضطرابات نفسية ، وعقد عصبية ، ومن هنا فلا عجب إذا
ما عاش كئيب النفس ، منغلق الصدر ، كأنه يصعّد في السماء ، فيا من
لها زمنا طويلا ، وأضاع عمرا ثمينا ، وبحث عن علاج لأمراضه النفسية
أقبل إلى حياض ذكر الله تعالى ؛ بقراءة كتابه وتهليله وتسبيحه ، قال
تعالى : ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( ( سورة
الرعد/28 ) .
إن فوائد الذكر عظيمة ، وآثاره جسيمة ، فهو يطرد الشيطان ، ويرضي الرحمن
، فالإنسان عندما يذكر ربه يخنس الشيطان ، والذكر يورث حياة القلب
، ويحطّ الخطايا ويذهبها ، وهو سبب للسكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة
، وسبب لعطاء الله تعالى ، وهو مع ذلك أيسر العبادات ، ومن أجلها وأفضلها
، وهو نور لصاحبه في الدنيا والآخرة ، وفوائده في الجملة كثيرة جدا
، عدّ بعضهم منها ما يزيد على المائة .
إن من أعظم الأذكار التي غفل عنها كثير من الناس قراءة القرآن الكريم
، مع أنه أفضل الأذكار ، وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة ، منها : "
خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ، ويقول الرسول (: " اقرأوا
القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه " ، وإذا كان هذا
هو فضل القرآن فهل يوجد عاقل يفوّت هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل
؟! وإن الواحد ليعجب حقا عندما يعلم أنه يوجد من الناس من تمرّ عليه
الشهور والسنون ولا يكاد يقرأ شيئا من القرآن ، مع أن القرآن شفاء
ودواء ، وعلاج للاضطرابات النفسية ، يقول تعالى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ
الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ
الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (( سورة الإسراء/82 ) .
هذا .. وإن هنالك من قد يقول : لا أعرف أن أقرأ القرآن ، طيب .. ألا
تعرف أن تستمع إليه؟! ما رأيكم أيها الإخوة أن هنالك من حفظ القرآن
عن ظهر قلب عن طريق الاستماع ، فما بالنا نحن إذا كنا نعرف القراءة
، إن هذا لمؤسف جدّا ، ألا يحفظ الواحد منّا قصار السور ؟ فليقرأها
عند نومه ، فليقرأها عندما يجد الفرصة لذلك ، فالجهل ليس عذرا عند
ربّ العالمين .
أعلى
من وصايا المصطفى
إن القلوب إذا امتلأت بحب الله تعالى وحب رسوله
صلى الله تعالى عليه وسلم لم يبق فيها غير هذا الحب وهكذا لأبد أن
يكون المؤمن فى الصباح والمساء خالي القلب من الغش للمسلمين فضلا عن
غيرهم فقد وصى النبى الكريم والرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم
بذلك قائلا لسيدنا أنس رضى الله عنه والوصية للمسلمين جميعا ( يا بني
إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس فى قلبك غش لأحد فافعل ) وحسب المسلم ترغيبا
فى تنفيذ هذه الوصية أنه يكون مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم
ومتخلقا بأخلاقه كما أشار إلى ذلك بقوله
( ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معى فى الجنة ) بل وحسب الإنسان
المسلم تحذيرا من الوقوع فى شباك هذا الداء الدفين ما جاء فى حديث
الإمام مسلم الذى يعلن فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم براءته من الغشاش
فيقول : ( من غشنا فليس منا ) وإذا كان الرسول صلى الله تعالى عليه
وسلم قد حذر من الغش فالغش أخو الخيانة ، ومقترفة أثما ، يتجافاه الناس
ويبغضونه ويحقرونه ، نفوسهم منه مشمئزة وجلودهم لرؤيته مقشعرة ، وقلوبهم
عيه ساخطة ، وألسنتهم بذكره لاعنة والغشاش أخو الكذاب وكلاهما مطرود
من رحمة الله تعالى ، والإسلام ينكرهما ، ورسول الله منهما براء
وقد يكون الغش بصورة واضحة مثلا ـ فى الصداقة المزيفة التى لا تقوم
إلا على جلب المصالح الشخصية التى يحرصون على تحقيقها بكل ما أوتوا
من نفاق حتى ولو كان هذا على حساب غيرهم ولهذا كان الصديق الوفي المخلص
الذى أوصى به علقمة بن لبيد ولده [ يا بنى إن احتجت إلى صحبة الرجال
فاصحب من إذا صحبته زانك ، وإن أصابك فقر أعانك ، وإن قلت سدد قولك
، وإن بدا منك خلل سده ،وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن سألته أعطاك ،
وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك ، من لا تأتيك منه البوائق ، ولا تختلف
عليك منه الطرائق ]
والتخلق بهذا الخلق الذميم ( الغش ) أمر سيئ يقول سيدنا عمر بن الخطاب
رضى الله تعالى عنه [ من تخلق للناس ما ليس خلقا له شانه الله ومن
أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق ] فليحذر
المؤمنون من الاتصاف بهذه الصفة الذميمة فإنه لا عبرة بالزي الظاهر
إذا تدنست القلوب والسرائر 00
وقد يكون الغش فى كتمان النصيحة وفى هذا يقول الرسول صلى الله تعالى
عليه وسلم :
( الدين النصيحة ) قلنا لمن يا رسول الله قال : ( لله ولكتابه ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم ) فعلى المسلم أن يكون ناصحا أمينا وإلا كان
شريكا فى الإثم بعد أن رأى الإثم يُرتكب ولم يتطوع بتبصير الآثم لأنه
سيعتبر فى هذا الوقت راضيا عنه مشجعا له وقد ورد فى هذا المعنى قول
للإمام على كرم الله وجهه [ الراضى بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى
كل داخل فيه إثمان : إثم العمل به ، وإثم الرضى ] وكما ورد فى الحديث
الشريف ( المغتاب والمستمع ، شريكان فى الإثم ) وقد يتعلق الآثم فى
رقبتك يوم القيامة ويقول يا ربي خذ لى حقي من هذا لأنه رآني أفعل المنكر
ولم ينهن .
كما يكون الغش كذلك فى البيع والشراء والأخذ والعطاء فعن أبي هريرة
رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مر على صبرة طعام
أي [ طائفة من الطعام ] فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال : (
ما هذا يا صاحب الطعام ) قال أصابته السماء فقال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم : ( أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ؟ من غشنا
فليس منا ) رواه مسلم وابن ماجة واستمع إلى أبى هريرة وهو ينصح ويحذر
بهذه الكلمات لمن خلط اللبن بالماء [ كيف بك إذا قيل لك يوم القيامة
: خلص اللبن من الماء ]
وقد يكون الغش فى الحسد المذموم وقد أمرنا الله تعالى بالاستعاذة منه
(( ومن شر حاسد إذا حسد )) وإذا كان الحسد من أمراض القلب التى كثيرا
ما تقضي عليه وعلى صاحبه الذى ابتلى به فالمعصية الأولى التى عُصى
الله تعالى بها فى السماء كان سببها الحسد إذ حسد إبليس عليه اللعنة
آدم عليه السلام فأبى أن يسجد له امتثالا لأمر الله تعالى وكان تعليله
فى ذلك أنه أفضل من آدم (( قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من
طين )) ص 76 وكان بالحسد أول معصية فى الأرض عندما قتل قابيل هابيل
وذلك عندما قبل الله تعالى قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل قال قابيل
لأخيه بسبب الحسد (( لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) المائدة
28
لهذا حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من الحسد فقال : ( إياكم
والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) رواه أبو داود
وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع فى جوف عبد غبار فى سبيل الله
وفيح جهنم ولا يجتمع فى جوف عبد الإيمان والحسد ) أخرجه البيهقي والحسد
المشار إليه فى الحديثين هو الحسد المذموم والمراد زوال نعمة الغير
أما الحسد المحمود وهو : تمنى مثيل النعمة حتى يتقرب بها إلى الله
تعالى مثل صاحبها فلا بأس لأنه ( لا حسد إلا فى اثنتين رجلا آتاه الله
مالا فسلطته على هلكته فى الخير ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها
ويعلمها ) فليحذر كل مؤمن ومؤمنة من هذا المرض المذموم وإذا أردت مزيدا
فى رزقك فكن آخذا بالأسباب التى شرعها الله تعالى مع التوكل عليه سبحانه
بمعنى تفويض الأمر إليه قال تعالى (( ومن يتوكل على الله فهو حسبه
إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا )) الطلاق 3
وحسبي فى النهاية أن أذكر المسلمين بقول رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم لأصحابه ( لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإنى
أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ) رواه أبو داود
هذا والله ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
الاسلام يحل مشاكلك
انا بنت ابلغ من عمري اثنى عشر عاما توفيت والدتي
منذ اربع سنوات ولقد تزوج ابي بعد وفاة والدتي بامرأة شريرة لا تراعي
رحما ولا قرابة حيث تعاملني معاملة قاسية ظالمة فمرة تشتمني واخرى
تضربني وانا ممتثلة لامرها ولكن دون جدوى ولا فائدة ومن المؤسف ان
والدي لا ينصحها فهو يصنع ذلك ليتفادى صنيعها من شتم وكلام قبيح فما
هو الحل الاسلامي لمثل هذه الحالة التي نعيشها افيدونا فضيلتكم افادكم
الله ونفعنا بعلمكم
. الجواب : الدين المعاملة فمن يسيئ المعاملة مع اقاربه او رحمه او
أي مسلم فلا دين له فعلى زوجة ابيك ان تستشعر رقابة الله عليها قال
الله تعالى : (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) وقال : (ولاتحسبن
الله غافلا عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار)
وواجب على ابيك ان لا يقر هذا الضيم فيك ولا في أي مسلم على وجه الارض
فتصرف زوجة ابيك واقرار والدك لهذا التصرف السيئ يحرمه الاسلام الحنيف
فعليك ايها الزوج ان تذكر زوجتك بان دين الله دين الالفة ودين المحبة
ودين الوئام بين جميع المسلمين فكيف بين الارحام قال الله تعالى :
(وأولو الارحام بعضهم اولى ببعض (في كتاب الله) وفي الحديث الشريف
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسلم من يسلم الناس من لسانه
ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) فاتق الله ايتها الزوجة في
ابنة زوجك فهي بمثابة ابنتك فعامليها بالحسنى وترفعي عن الشتم والتنقيص
لها وتذكري قول الشاعر : لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس
اعين . هذه نصيحتي ايتها السائلة لابيك وزوجته وعليك ان تتحلي بالصبر
قال الله تعالى (ولمن صبر وغفر ان ذلك من عزم الأمور) اما ان اصبح
البيت جحيما لا يطاق وقد نفذ صبرك واستخدمت جميع الوسائل ولكن بدون
فائدة فمرد قضيتك الى اقرب محكمة شرعية لترى الحل الحاسم في مثل هذه
القضايا ¤ والله ولي التوفيق
أعلى
وقل اعملوا...
*معيار تحديد عناصر الإنتاج في الاقتصاد الاسلامي
*الإسهام في المزارعة
أيها القراء الأعزاء:
من خلال ما ذكرناه في الحلقة الماضية لاحظنا أن الإنتاج الزراعي يحصل
عن طريق إسهام عدة عناصر وأصول إنتاجية بخدماتها ومنافعها ولولا اشتراكها
كلها لما حدث الإنتاج وأسهمت هذه العناصر المتمثلة في الأرض وفي رأس
المال ( البذر والآلات والبقر ...إلخ) مهما كانت صورته والعمل بهذا
الإنتاج وإيجاد المنتج 0 ويجب أن تكون هذه العناصر مساهمة في الإنتاج
فلا يكفي مثلا مجرد العمل ولذلك لا يجوز دفع الغنم والبقر معاملة بنصف
أولادها لأن الزوائد التي تنتج من هذه تتولد من عينها ولا أثر لعنصر
العمل في تحصيل هذه الزوائد وإنما يقتصر دور العمل على السقي والرعي
والحفظ ......... وهذا كله بخلاف دفع الغنم معاملة بنصف أولادها أو
الألبان لأن ذلك ليس بمعنى المضاربة فإن تلك الزوائد تتولد من العين
ولا أثر لعمل الراعي والحافظ فيها وإنما تحصل الزيادة بالعلف والسقي
والحيوان يباشر ذلك باختياره فليس لعمل العامل تأثير في تحصيل تلك
الزيادة وليس في ذلك العقد عرف ظاهر في عامة البلدان أيضا ولهذا لو
فعل الغاصب لم يملك شيئا من تلك الزوائد >> فالعناصر التي أسهمت
في الإنتاج هي : الأرض ورأس المال والعمل وهذه العناصر ليست على درجة
واحدة من الأهمية في الإسهام في العملية الإنتاجية فهناك ظروف تؤثر
في هذه الدرجة فترفعها في بعض الأوقات وتخفضها في أوقات أخرى ومن أهم
هذه الظروف ندرة العنصر واشتداد الحاجة إليه وأثره في باقي العناصر
ومما تقدم يبدو أن المعيار الإسلامي لاعتبار الشئ عنصر إنتاج هو إسهام
هذا الشيء في العملية الإنتاجية سواء أكان الإسهام مباشرا أم غير مباشر
أما في النظم الاقتصادية فقد لو حظ أنه يجب أن يكون الإسهام مباشرا
حتى يسمى من يقدم هذا الإسهام عنصرا إنتاجيا لذلك لا تعد النقود عنصرا
إنتاجيا وذلك لإسهامها في العملية الإنتاجية بشكل غير مباشر فالنقود
لا تدخل بنفسها وشكلها مع بقية العناصر الأخرى في العملية الإنتاجية
ففي إنتاج الخبز مثلا نجد أن من يسهم مباشرة هو العمل والآلات والمكان
والمواد دون إضافة مقدار من النقود ولذلك حددوا المقصود برأس المال
باعتباره عنصر إنتاج هو رأس المال العيني ممثلا في المعدات والمواد
وليس رأس المال النقدي .
ومن خلال ما تقدم يظهر لنا أن عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي
ثلاثة هي : الأرض أو الطبيعة والعمل ورأس المال وأن الإسلام لا يجعل
هذه العناصر على درجة واحدة من الأهمية وإنما يجعلها على درجات متفاوتة
وأعلى هذه الدرجات العمل لأنه يشارك في العملية الإنتاجية أكثر من
العناصر الأخرى فهو يشارك رأس المال - كما في المضاربة - ويشارك الأرض
- كما في المزارعة - ويأخذ أجرا محددا في بعض الأحيان كما في الإجارة
والجعالة ثم إن فكرة دمج عنصر رأس المال كما في الاقتصاد الحديث -
على الرغم من أهمية السبب الذي بموجبه يتم الدمج - وهو عدم إمكان الفصل
بين ما هو طبيعي بحت وبين رأس المال إلا أن هذا السبب لا يصل بنا إلى
أن ندمج عنصر الطبيعة في عنصر رأس المال لأن عنصر الطبيعة في الاقتصاد
الإسلامي له استقلاليته وذاتيتيه الخاصة وقد جعل الإسلام له قيودا
خاصة تنظمه وترتب عليه حقوقا لجماعة المسلمين بصورة أخرى غير الصورة
التي يرتب بها الحقوق على العناصر الأخرى إن الأخذ بالتقسيم الثلاثي
لعناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي هام وضروري للأسباب التالية :
1- لأنه أكثر تفصيلا وتبسيطا وقد رأينا مما تقدم أن هذه العناصر قد
أسهمت في الإنتاج بشكل عملي في الدولة الإسلامية .
2- لأنه لا يعارض المنهج الإسلامي من حيث الألفاظ والمصطلحات فقد ذكر
القرآن الكريم والسنة النبوية الطبيعة (الأرض) في معرض الحديث عن العملية
الإنتاجية كما سنرى ذلك بالتفصيل في الحلقات القادمة بمشيئة الله تعالى
وكذلك استخدم لفظ (رأس المال) في القرآن الكريم والسنة النبوية وسنذكر
ذلك إن شاء الله عز وجل إذا عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي ثلاثة
هي : (الطبيعة والعمل ورأس المال) وسنتناول هذه العناصر بالتفصيل في
الحلقات القادمة وسنبدأ بشرح وبيان عنصر الطبيعة الذي يعد من أهم عناصر
الإنتاج إن شاء الله تعالى .
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|