|
بعد أكثر من ستة عقود من حياة جامعة
الدول العربية
|
مقدمة:
تجتاز جامعة الدول العربية بعد اسابيع إثنين وستين عاماً من عمرها
(تم توقيع ميثاق جامعة الدول العربية يوم 22 مارس، 1945)، وهي تخطو
على أعتاب مرحلة جديدة من حياتها ، محملة بالآمال والتطلعات ، وبالآلام
والذكريات القاسية بلاشك ، بعد حقبة مزدحمة بالأحداث الحاسمة والتغيرات
الجذرية التي لم تترك جانباً من حياة العرب لم تمسه إن أي استرجاع
للتحولات والحروب يؤيد ما يمكن أن يذهب إليه المرء في أن ما شهدته
الساحة العربية، مما جايلته جامعة الدول العربية ذاتها ، هو من الماضي
الذي يمكن أن يجهزنا بالدروس والعبر على طريق تطوير وتكريس دور جامعة
الدول العربية ، الذي غالباً ما كان عرضة للنقد والتجريح من قبل بعض
الحكومات وقطاعات كبيرة من الجمهور العربي.
وإذ يحق لكل إنسان عربي الإرتجاع إلى هذا الماضي لإستلال الإيجابي
المفيد، ولتجنب السالب الضار، فإنه يأمل أن تكون هذه المراجعة ذات
معنى وجدوى لا ريب في أن بلوغ التجدد والشباب، وتجنب الكهولة والترهل،
لا يتحققان بالتمني فحسب، بل يتحققان بالعمل العربي الصادق الذي تشترك
فيه الحكومات والأقلام العربية الجادة في كل مكان.
السبعة المستقلون الذين وقعوا على ميثاق جامعة الدول العربية الأول
لا تخفق أي مراجعة لبدايات جامعة الدول العربية ومتغيرات أوضاع العرب
مذاك حتى هذا اليوم بتأشير جسامة الأحداث التي ساهمت في إعادة تشكيل
الحياة السياسية والاجتماعية في إقليمنا، فضلاً عما تعرض له العقل
العربي من صدمات وعي وإستحالات جعلت عرب هذا الجيل ينأون بعيداً في
طرائق تفكيرهم ونظراتهم إلى الحياة عن عرب الجيل الماضي الرواد الذين
أرسوا أسس جامعة الدول العربية وخطوا الخطوات الأولى لرحلة طويلة وشاقة،
لم تكن تسلك السلوك الذي تمنوه .
لقد شهدت العقود الستة المنصرمة ولادة عدد من الأقطار العربية المستقلة،
والتي كانت عشية تأسيس جامعة الدول العربية لم تزل تناضل من أجل تحررها
وتأسيس هويتها القومية والثقافية في ظل القهر الاستعماري وتوابعه من
تقسيم وتهشيم وتشرذم وغيرها (لاحظ أن الأقطار العربية المستقلة التي
ساهمت في برتوكول الإسكندرية يوم 25 سبتمبر 1944 لم تتجاوز الخمسة)
ومع ولوج الأقطار العربية الفتية مسرح الحياة العربية والدولية واكتسابها
عضوية جامعة الدول العربية، طرأت تغيرات جذرية في منطقتنا المهمة والملتهبة
من حين لآخر إضافة إلى بروز أقطار عربية مستقلة، استجدت عوامل تغير
وتشكيل حاسمة، ليس فقط على المستوى العربي بل على المستوى الدولي عامة
وكان النفط واحداً من أهم هذه العوامل الخطيرة التي لم تضع أقطار المشرق
العربي في بؤرة الصراعات العالمية فحسب، بل ساهمت في تشكيل وإعادة
تشكيل الخارطة السياسية في أجزاء من الوطن العربي، إضافة إلى المساهمة
في توجيه مسارات الأحداث وخطوط التنمية.
ولم يفلت العرب السبعة المستقلون الذين وقعوا على ميثاق جامعة الدول
العربية الأول من تيارات التغير وأمواج التجديد التي كانت ومازالت
تضرب حافات الكيان العربي من جميع جوانبه فلم يبق من الأنظمة العربية
التي وضع ممثلوها إمضاءاتهم على وثائق التأسيس سوى القليل بعد عدد
من الانقلابات والتغيرات الداخلية، بينما استحالت الأنظمة العربية
الأكثر استقراراً إلى صيغ أكثر تطوراً وتمسكاً بحركة الإصلاح والـ"دمقرطة"
التي راحت تغسل العالم بأسره بمياهها. وغدا الأفراد الذين حضروا محافل
التأسيس جزءاً من تاريخ يدعو إلى الدراسة والاستقصاء وإلى الحنين أحياناً
وعلى سبيل المثال فقط، يمكننا رصد التغيرات التي طرأت على الإدارات
الحكومية للدولة المضيفة، إذ شهدت مصر ثورة 23 يوليو وهزات سياسية
عنيفة، كانت من أبرزها اشتراكها في الحروب العربية الاسرائيلية وتوقيع
اتفاق السلام مع تل أبيب وتصدق الملاحظة ذاتها على معظم الأقطار المؤسسة
مع استثناءات بسيطة .
إضافة إلى التغيرات الجذرية في البنى والفلسفات السياسية الحاكمة والداخلة
في نسيج جامعة الدول العربية، برزت أشكال مؤسفة من الخصومات البينية
والنزاعات الحدودية، فكان أبرزها غزو النظام العراقي السابق للكويت
الذي رج أعمدة الاستقرار والتضامن العربي على نحو عنيف وكانت هذه التصادمات
والتحولات وراء الكثير من التغيرات السياسية والثقافية والاجتماعية
الجذرية التي تركت بصماتها على جامعة الدول العربية وعلى طبيعة سياساتها
القومية والدولية وتعكس محاضر مؤتمرات القمة العربية المتتالية، التي
غالباً ما تمحورت حول هذه المواضيع، عصراً عصياً على الفهم بسبب جسامة
الأحداث وطبيعتها غير المتوقعة.
وحيث إن جامعة الدول العربية، من منظور معين، هي محصلة للأنظمة العربية
المشكلة لهيئتها الأساس، فإنها تناغمت مع المتغير والجديد، الأمر الذي
أدى إلى تعرضها لتحويرات عديدة ولاكتسابها ميزات جديدة لامست طبيعتها
القانونية (لاحظ مشروع تعديل ميثاق جامعة الدول العربية) وجامعة الدول
العربية، كتنظيم عربي ممثل للأشكال الحكومية السائدة في الأقطار العربية،
لم تنج من الهزات العنيفة والارتجاجات الشديدة التي أثرت على وظائفها
برغم ما تحظى به من إجماع وقبول رسمي من كافة الأقطار العربية ولنا
أن نستذكر متغيرات المواقف العربية التي أدت إلى انتقال جامعة الدول
العربية المؤقت من القاهرة إلى تونس، ومن ثم، من تونس إلى القاهرة
حيث مقرها الدائم ولكن هذه الهزات لم تتمكن من تحقيق كسر للجمود الذي
تتهم به من قبل الصحافة والنقاد نظراً لارتهانها بالحكومات أكثر من
استجابتها للجمهور.
وقد آلت المواجهة العسكرية بين العراق وإيران زهاء ثماني سنوات إلى
تناقض في المواقف الرسمية العربية وتضع مسألة الجزر الثلاث (طنب الكبرى،
طنب الصغرى، أبو موسى) العرب أمام اختبار آخر لا يتصل بقضية أراض عربية
محتلة فحسب، بل يتصل كذلك بقضية توحيد الإرادة العربية تجاه سعي دولة
جارة إلى التوسع على حساب جيرانها العرب ، ناهيك عن القلق الخليجي
حيال الملف النووي الإيراني. وتضاف إلى هذه الأخطار الخارجية مشاكل
أخرى مع أقطار مجاورة للأمة العربية، هي مشاكل لم تصل إلى حد التفجر،
مثل قضية المياه ودور تركيا التي تحاول استثمار منابع الأنهار الموجودة
في أراضيها (دجلة والفرات) للضغط على سوريا والعراق من خلال استغلال
حقائق الجوار الجيوبوليتيكية.
تؤشر مراجعة هذه المحكات وغيرها مما لم نشر إليه عدم اتساق العديد
من المواقف الرسمية العربية وطواعيتها للمصالح الضيقة وللتشبثات الفردية
أحياناً. وهي حال أدت إلى عدد غير قليل من الانشطارات والاختلافات
التي، لا ريب، تركت جروحاً عميقة في العلاقات العربية_العربية وفتحت
ثغرات في الصف العربي يمكن للقوى الخارجية أن تنفذ منها ولكن على الرغم
من حساسيتنا نحو الميل لوضع اللائمة على "الاستعمار" كتبرير
لمشاكلنا ، تتوجب الإشارة إلى أن ثمة مسببات للتشرذم والتفتيت بذرتها
الامبراطوريتان البريطانية والفرنسية قبيل وإبان الأعوام التي شهدت
تأسيس جامعة الدول العربية ثمة حقائق دولية جايلت ولادة جامعة الدول
العربية يمكن أن نسترجعها في سبيل إلقاء الضوء على بعض الإشكالات المعاصرة
لقد ولدت جامعة الدول العربية في فترة انقشاع غبار الحرب العالمية
الثانية، وهي مرحلة حاسمة في تاريخ العالم وفي تقرير الأدوار الكونية
للولايات المتحدة الأميركية من ناحية، وللإمبراطوريات الأوروبية الكلاسيكية
التي كانت، في حقيقة الحال، تلفظ أنفاسها الأخيرة كإمبراطوريات لا
تغيب الشمس عن "ممتلكاتها" كما ينبغي ألا تغيب عن بالنا
حقبة الحرب الباردة التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية ، وهي
الحقبة التي شهدت دوراً خطيراً للاتحاد السوفيتي وللكتلة الاشتراكية
في تشكيل طبيعة ووظائف التحالفات والنظم الاقليمية والتكتلات الدولية
الجديدة في الأقاليم الدافئة والمكنونة على ثروات معدنية كبيرة كإقليمنا
وعلى الرغم من التزام فرنسا الصمت إزاء تأسيس جامعة الدول العربية،
يمكن ملاحظة موقف بريطاني محدد تجاه هذه المسألة لنلاحظ، مثلاً، أن
بعض الشواخص الذين ساهموا في إرساء أسس جامعة الدول العربية، من القوميين
الأوائل الذين شهدوا بواكير تطور الفكرة القومية، كانوا مرتهنين إلى
حد ما بموافقة بريطانية للتصريح بمشاريع قومية أو وحدوية وكمثال مشحون
بالدلائل، يمكن استرجاع دور نوري السعيد باشا، رئيس وزراء العراق لقد
كان هذا الرجل الإداري المزمن من الضباط العراقيين الذين شاركوا في
الثورة ضد العثمانيين، كما أنه كان من رجالات الأمير فيصل، أول ملك
للعراق لذا فإنه من أهم الذين شاركوا في الاستماع وتصديق وعود بريطانيا
بالمساعدة على تأسيس دولة عربية تحت ظل عاهل عربي بعد انتهاء الحرب
العالمية الأولى والثورة ضد الترك العثمانيين ولكن عندما نكثت بريطانيا
بوعودها للعرب واضطلعت بتشطير البلاد العربية مع فرنسا وباستزراع الكيان
الصهيوني، بحسب وعدها (بلفور)، بقي الحلم القومي كامناً في عقول العرب،
يلاعب ساستهم الذين كان نوري باشا واحداً من أبرزهم وأغلب الظن أن
بريطانيا استشعرت بأفول نجمها الإمبراطوري بعد انتهاء الحرب العالمية
الثانية بسبب خروجها من هذه الحرب (مع فرنسا) في أضعف حال، مقارنة
بالولوج الأميركي القوي على المسرح الكوني لهذا السبب أرادت بريطانيا
أن تتشبث بمناطق نفوذها السابقة، ليس فقط للاستفادة المستقبلية منها،
بل كذلك لقطع الطريق أمام التنافس الأميركي والذهنية الأميركية المؤمنة
بمقولة : "الفائز يأخذ كل شيء".
وإذ انكمش الجبروت الإمبراطوري البريطاني (لاحظ تخلي بريطانيا عن شبه
القارة الهندية بعد شطرها إلى دولتين نهاية عقد الأربعينيات)، قدم
نوري السعيد مذكرة مهمة في 14/1/1943 أطلق عليها اسم "الكتاب
الأزرق"، حملت عنواناً ذا دلائل: استقلال العرب ووحدتهم : مذكرة
في القضية العربية مع إشارة خاصة إلى فلسطين ومقترحات رامية إلى حل
نهائي" وقد ركز نوري السعيد على الصلات التاريخية بين العرب،
داعياً إلى تأسيس "عصبة عربية ينضم إليها العراق وسوريا فوراً
على أن يباح للدول العربية الأخرى الانضمام إليها متى شاءت" وبطبيعة
الحال لم توافق بريطانيا نوري السعيد على مقترحاته لتماديها بالجدية
في الكلام عن الوحدة لهذا نزعت بريطانيا إلى فكرة بديلة ، وهي : "الترويج
لقيام تنظيم إقليمي يجمع شمل الدول العربية في منظمة إقليمية واحدة"،
بوصفها "مكاناً للمناقشات والمجادلات ليس إلاّ" ويتوجب علينا
هنا المقارنة بين آمال نوري السعيد وغيره من الزعماء العرب من ناحية،
وبين الخطوط الحمراء التي رسمتها بريطانيا لتحجيم أي شكل من أشكال
الاتحاد أو التفعيل القومي الجماعي فبينما كانت بريطانيا ترنو إلى
"تنظيم إقليمي لتبادل الآراء"، كانت الأفكار التي يحملها
نوري السعيد إلى رئيس وزراء مصر، مصطفى النحاس باشا، عشية زيارته للقاهرة
أقوى تشبثاً بما يسمى بـ"الحلم الوحدوي" العربي : "إن
حلمي وطموح حياتي أن أرى العرب وهم أمة متحدة واحدة فالعرب شعب من
جنس واحد ولهم لغة وتقاليد وتاريخ ودين واحد ولقد اتحدوا وهم ضمن الإمبراطورية
العثمانية وليس من العدل بعد مساهمتهم في الحرب الأخيرة أن يكونوا
مجزئين إنني أرى الكومنولث العربي الذي سترسل عددا من الدول العربية
ذات السيادة ممثليها إلى مجلسه المركزي ، هذا المجلس بالإضافة إلى
اختصاصاته في الشؤون الخارجية والدفاع يجب أن يكون مسؤولاً عن شؤون
المواصلات والبرق والجمارك والثقافة في العالم العربي" .
وتؤيد مراجعات محاضر تأسيس جامعة الدول العربية مشاعر ممثلي الدول
العربية المؤسسة في دعم هذا المشروع القومي باعتباره مشروعاً وحدوياً
وتصب كلمات النحاس باشا (مصر) وسعد الله الجابري (سوريا) وحمدي الباجه
جي (العراق) وتوفيق أبو الهدى (الأردن) وسليم تقلا (لبنان) في نفس
الدلالات القومية ومن ناحية ثانية ، عكست الصحف العربية ووسائل الإعلام
والإتصال الأخرى، بوصفها مؤشرات للرأي العام، شعوراً منتشياً بإمكانيات
تحقيق مشروع اتحادي تضامني، مطلقة العنان للعواطف والتفاؤل الجارف
.
ولكن الإيمان بالاتحاد والتضامن والاستعداد للتضحية من أجلهما كانا
، لسوء الطالع ، حبيسي قطرية وإقليمية عميقة التجذر بدرجة عدم إمكان
استئصالهما بعواطف الجلسات التأسيسية للجامعة لهذا السبب ظهر ميثاق
جامعة الدول العربية "حذراً" إزاء قضية الوحدة، بل إنه لم
يقوَ حتى على التصريح بهدف العمل من أجلها لقد نصت المادة الثانية
من ميثاق جامعة الدول العربية على أن : "الغرض من جامعة الدول
العربية توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها وتنسيق خططها السياسية،
تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها والنظر بصفة عامة
في شؤون البلاد العربية ومصالحها..".
لذا يندب الباحث عادل الزعيم هذا التراجع المثبط للهمم في سياق مراجعته
لأنشطة جامعة الدول العربية بعد أربعين عاماً من تأسيسها، ذاهباً إلى
تجسيد إخفاق الرؤيا الأولى في اتفاق "الزعماء السياسيين والمفكرين
والصحفيين أخيراً على أن المشروع المقبل سيكون منحصراً في نطاق التعاون
والتساند في الشؤون العامة التي تهم العالم العربي لذلك بدأت تظهر
عبارات "تقوية الأواصر" و"تدعيم الروابط" و"توحيد
وجهات النظر"، إلى غير مما هنالك من الصيغ والتعابير السياسية
التي لا تبلغ مستوى الوحدة ، وإنما تتحدث عن شئ آخر يشبه "الحلف"
وعن أهداف محدودة تسير عليها الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية
ضمن شرط احتفاظ كل منها بشخصيته الخاصة في جميع النواحي والمجالات
التي تشارك فيها ولذلك اجتمعت الكلمة أخيراً على استبدال مشروع "الوحدة
العربية" بمشروع "جامعة الدول العربية" وهو التعبير
الذي يفيد المعنى الحقيقي لتلك الصيغ والمصطلحات وليس أبعد من ذلك"
وقد ذهب حسن نافعة إلى أبعد من ذلك حين عدّ ميثاق جامعة الدول العربية
بشكله الأول "تكريساً للتجزئة" ولكن على الرغم من هذا الشعور
المرير بخيبة الرجاء، فإن ملاحظات نافعة تستحق الاستذكار : "غير
أن الأسس التي قامت عليها جامعة الدول العربية العربية وميكانزمات
عمل آلياتها جاءت متناقضة مع أهم الأسس المميزة للنظام العربي، ألا
وهو الأساس القومي فلم يظهر التوجه القومي للنظام العربي بوضوح في
ميثاق جامعة الدول العربية وحرص الميثاق بشكل خاص على استقلال وسيادة
الدول الأعضاء وحظر التدخل في شؤونها الداخلية دون أن يضع إطاراً قومياً
عاماً يوجه سياساتها ويحصر حركتها المستقلة في حدوده كما حرص الميثاق
على تدعيم عنصري السيادة والاستقلال إلى أبعد مدى، فاعتبر أن الإجماع
هو القاعدة العامة للتصويب ، وأن القرارات التي تصدر عن مجلس جامعة
الدول العربية لا تلزم سوى الدول التي وافقت عليها وهكذا جاء الميثاق
في الواقع تكريساً للتجزئة في العالم العربي، وأضفى على هذه التجزئة،
التي إنبثق التيار القومي أصلاً لتجاوزها، نوعاً من الشرعية ومن هنا
نشأ التناقض بين جامعة الدول العربية العربية كمركز للتنسيق بين دول
وحكومات مستقلة ذات سيادة وبين التيارات الإقليمية التي يموج بها النظام
العربي والتي تهدف إلى خلق كيان عربي موحد وليس مجرد التنسيق بين الحكومات
العربية".
لم ترقَ وثائق جامعة الدول العربية المبكرة إلى النص على العمل من
أجل الوحدة العربية بشكل مباشر وصريح إلاّ بين 6 و9/9/1982 في مؤتمر
القمة الثاني عشر الذي عقد في فاس بالمغرب، حيث نصت المادة الأولى
من "مشروع تعديل ميثاق جامعة الدول العربية" على أن جامعة
الدول العربية تهدف إلى "السير بالأمة العربية نحو ما يؤدي إلى
تحقيق الوحدة" وهكذا أُجهض المشروع الوحدوي الذي استشرفه الساسة
والمثقفون العرب عشية تأسيس جامعة الدول العربية، بينما استحالت جامعة
الدول العربية إلى شئ أشبه ما يكون بجلد للكيان العربي، يعكس حالاته
الصحية كما يعكس اختلالاته واضطراباته الداخلية على شكل بثور تطفو
على سطح هذا الجلد من آن لآخر ولهذا شهدت أروقة جامعة الدول العربية
عدداً من الصراعات بين الأقطار العربية، بينما حاولت هي، بوصفها محصلة
عربية أوسع شمولية من الأنظمة المنفردة، أن تضطلع بأدوار الجهود الحميدة
والوساطات وتقريب وجهات النظر على سبيل إيجاد حلول للإشكالات وردم
الخلافات العربية-العربية ومن زاوية لأخرى، يمكن للمرء أن يلاحظ أن
جامعة الدول العربية لم تكن، في أغلب الحالات، هي المشكّل للأحداث
والراسم للسياسات الحاسمة والتغيرات الجسام، وإنما صارت عضواً يستجيب
للأحداث التي تُصنع خارج إطارها في مختلف الأقطار العربية، وهي الأحداث
التي تفرض نفسها على جامعة الدول العربية من الخارج فجأة أو خلسة ويتوجب
علينا الاستدراك هنا لمعالجة هذه المسألة بشئ من الأناة : فالخلافات
العربية- العربية وغياب الاتساق بين الأجهزة هنا وهناك ، كما تعكسها
أروقة ومحاضر اجتماعات جامعة الدول العربية ، لا تنفي عن جامعة الدول
العربية صفتها القومية الشاملة، كما أنها لا تنفي عنها حقيقة تستحق
الاستذكار من حين لآخر، وهي أن جامعة الدول العربية، منذ تأسيسها،
بقيت ملجأ للعرب وحكوماتهم على اختلاف مشاربهم وتطلعاتهم، بوصفها "بيت
العرب" هذا دور مهم لم تحظ به أية مؤسسة أو نظام عربي فبرغم الخلافات
والصراعات العربية، وبرغم انعكاساتها على سياسات جامعة الدول العربية،
كانت جامعة الدول العربية دوماً مرآة للحياة السياسية العربية في مراحل
تقدمها وفي مراحل تراجعها وهذه صفة تجعل المرء أشد تمسكاً بجامعة الدول
العربية، ليس في سبيل الإبقاء على دورها الحالي، ولكن على طريق تطوير
عملها وتأكيد الآمال القومية المعقودة عليها بوصفها مشروعاً تضامنياً
وتكافلياً واعداً ومنتظراً لقد أصاب حسن نافعة الحقيقة عندما لاحظ،
محقاً، أن "الطابع الصراعي" الموجود في المنظمة العربية
لا ينفي عنها الطابع التعاوني المرتكن إلى أواصر قومية وتاريخية ولغوية
تجعل العرب عرباً" لنتابع هذه الجدلية : "الخاصية القومية
لا تعني بالضرورة أن يكون النظام أكثر تماسكاً، أو أن تكون درجة الخلافات
المعتملة بداخله أقل حدة منها في النظم الأخرى التي لا تتميز بالخاصية
القومية فالخاصية القومية، على عكس مايبدو من ظاهرها، قد تكون، في
ظروف معينة كتلك التي يمر بها النظام العربي، هي نفسها أحد عوامل التفكك
والتشتت في النظام فالقومية العربية، كتيار فكري وكحركة سياسية، عاصرت
فترات من المد والجزر، ولكنها بقيت دائماً منذ تبلورها في مطلع القرن
العشرين كقوة كامنة تصارع واقع التجزئة القائم على أساس دول قطرية.
وهذا الصراع بين تلك القوة الكامنة وواقع التجزئة السائد، والذي يحاول
تكريس نفسه من خلال مفهومي السيادة والمساواة المعترف بهما للدول في
القانون الدولي، يزيد من حدة التوترات داخل النظام دون أن ينفي وجوده
أي أن النظام العربي هو في تقديرنا نظام إقليمي قومي، لأنه يتميز بوجود
نمط خاص من التفاعلات بين عناصره ولو كان الطابع الصراعي لهذه التفاعلات
غالباً على طابعها التعاوني".
لقد قاد استبعاد المشروع الوحدوي الأصلي الذي ميز أفكار مؤسسي جامعة
الدول العربية إلى شئ من خيبة الأمل بالنسبة للجمهور العربي ولعدد
من الحكومات العربية التي كانت ترفع شعار الوحدة هذا ما يفسر تحقق
مشاريع وحدوية عديدة منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي متواصلة حتى
عهد قريب، ولكنها "مشاريع" كانت تضطلع بها أقطار عربية على
انفراد فيما بينها خارج إطار جامعة الدول العربية، مستغلة تشجيع جامعة
الدول العربية لأية محاولات وحدوية، وهو تشجيع وجد تعبيره في "تعديل
ميثاق جامعة الدول العربية" بالمادة (2) فقرة (3) : "تشجيع
جامعة الدول العربية الخطوات الوحدوية بين الأعضاء وتعتبر هذه الخطوات
مرحلة في سبيل تحقيق الوحدة العربية الشاملة وللدول الأعضاء الراغبة
في تعاون أوثق وروابط أقوى أن تعقد فيما بينها من الاتفاقات ما تشاء
لتحقيق هذه الأغراض" لقد أعطت هذه الروحية، حتى قبل تسجيلها في
مشروع تعديل الميثاق، الضوء الأخضر للعديد من المحاولات الوحدوية التي
جرت خارج إطار جامعة الدول العربية، ومنها على سبيل المثال ولادة عدد
من الوحدات العربية، منها تجربة الجمهورية العربية المتحدة، بين القطرين
السوري والمصري، وكذلك الوحدة الثلاثية بين هذين القطرين والعراق 1963،
ناهيك عن أكثر التجارب الوحدوية نجاحاً وديمومة (بالمقارنة بالتجارب
السابقة) وهي مجلس التعاون الخليجي.
لقد كانت إخفاقات المحاولات والمشاريع الوحدوية المتتالية، باستثناء
مجلس التعاون الخليجي، منذ نهاية الخمسينيات حتى يومنا هذا وراء الكثير
من خيبة الأمل الشعبية العربية وهي حال أدت، إضافة إلى تفشي مشاعر
النكوص والتردي أحياناً، إلى زيادة تمسك العرب على المستويين الرسمي
والشعبي بجامعة الدول العربية بإعتبارها مشروعاً وحدوياً تميز بالأناة
والديمومة في آن معاً، بالرغم من التذبذب الذي نراه حالياً حيال جامعة
الدول العربية لهذا فإننا إذا ما تقصدنا قراءة ميثاق وتاريخ هذه المنظمة
العربية التي تتجاوز اليوم الستين من عمرها، نجد أنها، عملياً، مشروع
وحدوي اختار الطريق الطويل المتسم بالحذر على نحو ينأى كثيراً عن طريق
"الوحدات" الاندماجية الفورية التي تتحقق ممتطية آمال وعواطف
الجماهير إن مراجعة ميثاق وتاريخ جامعة الدول العربية يؤيد ما ذهبنا
إليه في اختيار الطريق الكأداء والبطيء لبلوغ الوحدة لهذا السبب يزدحم
ميثاق جامعة الدول العربية بالفقرات "المتخصصة"، أي الفقرات
التي تُفرد لرسم خطوط عامة للتقارب والاتساق العربي في مجالات معينة
فحسب، كل على حدة : المجال السياسي، الدفاعي، الاقتصادي، التربوي،
الاجتماعي وغيرها ويود المرء هنا أن يرتجع إلى بعض الحقائق المريرة
للإفادة منها: فبالرغم من اعتماد الحيطة والحذر في سلوك الخطوط التي
رسمتها الأقطار العربية في إطار جامعة الدول العربية على سبيل بلوغ
الوحدة، نلاحظ أن هذه الخطوط المرتكنة على الخطوات المحسوبة بدقة تلقى
الكثير من التلكؤ والنكران والتردد وهذه حال ستؤول إلى إطالة أمد العمل
المتأني نحو التضامن بشكل يجعلنا نتباطأ بطريقة مخيفة، إذا ما أردنا
المقارنة، مثلاً، بين خطواتنا البطيئة والقصيرة وبين الخطوات الواسعة
والسريعة التي أنجزها الاتحاد الأوروبي في سبيل بلوغ وحدته (لاحظ أن
مقومات الوحدة العربية وعناصرها تسمو بكثير على مقومات الوحدة الأوروبية).
وكمثال على التلكؤ وضعف المصداقية، يمكن استلال الفقرات الخاصة بتحقيق
التكامل الاقتصادي والاجتماعي العربي من "ميثاق العمل الاقتصادي
القومي"، الذي أقره مؤتمر القمة الحادي عشر (عمان/الأردن، نوفمبر
1980) لقد ورد فيه نص يقضي بتحييد العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي
المشترك وذلك بالتزام الدول العربية بإبعاده عن الخلافات السياسية
الطارئة وتعهدها بضمان أقصى حد من الاستقرار والتطوير لهذا العمل.
إنه لمن المؤسف حقاً أننا نجد تعدد التجاوزات على هذه الفقرة الوحدوية
المهمة: فما أن تنشأ أزمة سياسية بين قطر عربي وآخر، حتى تكون هذه
الفقرة بالذات أولى الضحايا ويتطلب هذا الأمر متابعة جامعة الدول العربية
لإضفاء الاستمرارية والتواصل على خطوات الوحدة الاقتصادية بمنأى عن
الاختلافات السياسية الزائلة الطارئة بين الإدارات العربية .
قد تبدو هذه المراجعة السريعة والانتقائية لمسيرة جامعة الدول العربية
خلال العقود الخمسة المنصرمة مراجعة ميالة إلى النقدية والاستلال للسالب
الذي طفا على عمل هذه المنظومة القومية ولكن هذه المراجعة، بكل تأكيد،
ترنو إلى أن تجد لها مكاناً في صنف النقد البناء الذي لايريد الإخلال
والهدم، بل يأمل تجاوز الخلل وتخطي الكبوات للسير قدماً إلى الأمام
على طريق التقدم والمصالح القومية العامة وتأسيساً على هذه الاعتبارات
ينبغي ألا نتعامى تجاه ميزات وإيجابيات جامعة الدول العربية لكي تكون
مرآتنا أكثر التصاقاً بالحقيقة والصدق فعلى الرغم من الكبوات والهزات،
استطاعت جامعة الدول العربية أن تحافظ على عدد غير قليل من هذه الميزات
التي تجعلنا، جمهوراً ومراقبين، أشد تمسكاً بها مستقبلاً لقد كانت
"الديمومة" و "التواصل" من أهم صفات جامعة الدول
العربية : مشروعاً تضامنياً ومحفلاً قومياً يسهم في صنع عدد غير هين
من القرارات إن استمرارية جامعة الدول العربية لأكثر من ستة عقود تشكل
بحد ذاتها بينة على نجاحات وفعاليات تخطت اختبار الزمن وعلى الرغم
من تعرض جامعة الدول العربية لعدد من الرجات العنيفة، التي بدت قاتلة
في حينها، تمكنت، بفضل إدارتها المتوالية، وبسبب ثقة الجمهور والحكومات،
أن تبقى وتتواصل دون انكسار حقيقي يؤول إلى انتفاء مبررات وجودها وتفتتها
كما كانت مصداقية جامعة الدول العربية وراء الإجماع العربي الرسمي،
وغير الرسمي أحياناً، على أهمية الدور الذي تضطلع به في الحياة العربية
المعاصرة وعلى الرغم من الانتقادات وتوجيه التهم بعدم الفاعلية، يلاحظ
المرء تشبث الدول العربية كافة بجامعة الدول العربية في أقسى الظروف
صعوبة وأخطرها حسماً. ونلاحظ، من حين لآخر، أن المنتقدين أنفسهم يلجأون
إلى جامعة الدول العربية في الملمات والأوقات الصعبة هذا يدل، من بين
عدد من الدلالات، على أن جامعة الدول العربية يمكن أن تكون أساساً
مجرباً، يتميز بالاستقرار والصلادة ، للإجماع والتقارب العربي- العربي
في سبيل تحقيق الأهداف المشتركة.
وعلى الرغم من الصيحات العصبية، هنا وهناك، بضرورة زيادة فعالية مؤسسات
جامعة الدول العربية وهيئاتها ومجالسها النتخصصة، يتوجب عدم تناسي
قدرة جامعة الدول العربية على إدامة زخم عمل هذه المجالس والهيئات
والمنظمات باستمرارية تستحق الإطراء غير المتردد ولا ننسى كذلك، أن
ما تحظى به جامعة الدول العربية من تمسك عربي رسمي بها يقترن باعتراف
دولي واحترام عالمي تنفرد به جامعة الدول العربية من بين منظمات وهيئات
إقليمية أخرى.
ولا يغيب عن بالنا في هذه المناسبة الإشارة إلى "الشمولية"
التي يتسم بها عمل جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة، إذ أنها
لا تركز عملها على ميدان عربي معين دون آخر، فيجد المرء أن جامعة الدول
العربية تعمل على نحو أجهزة وأعضاء مختلفة تتناغم مع ميادين الحياة
العربية الأساسية، مثل السياسة والاقتصاد والتربية والفنون وغيرها.
هذه الشمولية بالاختصاصات تجعل جامعة الدول العربية حاضرة في كل حقل
من حقول الحياة العربية الحيوية وإذ نتمنى لأجهزة جامعة الدول العربية
وهيئاتها الإعلامية والثقافية والسياسية والاقتصادية أدواراً أكثر
فاعلية، فإن هذه الرغبة لا تعني قط عدم التسليم بفضائل جامعة الدول
العربية؛ إذ أن هذه تكون ستكون رغبة لا مجدية إذا لم تقترن بدعم اعتباري
ومادي عربي صادق ومتواصل وحيث ندعو إلى المزيد من الجدية والدعم في
التعامل مع جامعة الدول العربية، فإننا نمتلئ أملاً بما ستؤول إليه
جامعة الدول العربية بعد تخطيها مراحل الولادة والصبا نحو مراحل الاكتمال
والنضوج والإصلاح التي لابد أن تتحقق في هذه جامعة الدول العربية .
أ.د.محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
|
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|