كلمة ونصف
نموذج مصغر للأمم المتحدة
تجربة مدرسة السلطان الخاصة، بإقامة نموذج
مصغر للأمم المتحدة ومناقشة القضايا الملحة في العالم ، وتمثيل الطلبة
والطالبات لأعضاء الأمم المتحدة ، جديرة بالتقدير والإشادة فهي خطوة
هامة في بناء شخصية الطلبة والطالبات ، بشكل يجعلهم على إطلاع واسع
بما يحدث في العالم.
فبلا شك أن هذه التجربة لها دلالات كبيرة في إكساب الطلبة والطالبات
، مهارات الحوار حول العديد من قضايا البشرية كالبيئة والفقر ، والتلوث
وغيرها، من المشكلات المزمنة في العديد من بقاع المعمورة، والتعرف
على العديد من الجوانب ذات العلاقة بهذه القضايا ومسبباتها وسبل
تفاديها على كافة الأصعدة والمستويات.
كما أن مثل هذه التجارب الحية تمنح الطلبة والطالبات الثقة بالنفس،
في التعاطي مع قضايا خارج المنهاج الدراسي، والتعرف على بعض المشكلات،
وبالتالي اتساع آفاقهم بما يشهده العالم من تطورات إيجابية وسلبية.
ويعد تمثيل الطلبة والطالبات للدول الأعضاء في الأمم المتحدة جانبا
مهما ، في تعرف الطلاب على بعض مما تعانيه دول العالم، وعرض بعض
المشكلات التي تعاني منها هذه الدول بكل مصداقية، وتعبير عن الهموم
والأوضاع التي ما زالت تئن منها هذه البلدان وعرضها على المجتمع
الدولي، لإيجاد حلول لها أو الحد من تأثيراتها السلبية على البشرية
جمعاء.
تساهم هذه الخطوة الهادفة بفاعلية، في إيجاد شخصية متوازنة للطلبة
والطالبات، كما تهدف إلى إعداد جيل من أبناء الغد قادرين على التفاعل
مع العالم، والعمل بإيجابية في التخفيف من بعض هذه المشكلات.
وتعبر هذه التجربة عن تطور دور المدرسة، إلى أبعد من أسوارها، في
مشاركة العالم آلامه وأوجاعه، والإحساس بما يعانيه من مشكلات ما
زالت تنتظر الحلول الناجحة.
وبالطبع فإن هذه التجربة ستساهم في غرس العديد من القيم والمفاهيم
القيمة لدى الطلبة والطالبات قد تساهم في المستقبل في تجاوز محتوى
الكتاب المدرسي إلى فهم العالم وقضاياه.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أقول لكم
القول الفاصل في أصل الفلافل
تلك الأقراص الذهبية السابحة في زيت يغلي ،
تحولت إلى اختبار حقيقي لاتفاقيات عصر العولمة خاصة ما يتعلق منها
بحماية الملكية الفكرية ، فالبحث في جذورها التاريخية يقود إلى ثلاثة
آراء متباينة حول بلد المنشأ ، فالمصريون يقولون إن الفلافل أكلة
فرعونية الأصل بأدلة كثيرة منها الأسم التدليلي المأخوذ من (فلفل)
بينما يرى آخرون أن الفلافل من المأكولات العربية التي ظهرت أولا
في بلاد الشام ، ومنها انتقلت الى مصر ، أما اليهود فيؤكدون على
أنها عبرية المنشأ ، وبلغ من تمسكهم بهذا الادعاء أنهم أصدروا طابع
بريد يحمل صورة شطيرة فلافل فوقها علم اسرائيل كما تقول مصادر صحفية
!
ورغم الاختلافات الشامية المصرية حول الفلافل وطبيعة المنتج الشامي
الذي يصنع من الحمص والمصري المصنوع من الفول ، إلا أن الأمر يستدعي
توحدا في الموقف بعد أن دخل الاسرائيليون على الخط بادعائهم يهودية
الطعمية ، تلك التي قد يسعون للحصول على ملكيتها الفكرية ، ووقتها
قد يجد أكلة الفلافل من غير اليهود أنفسهم واقعين تحت طائلة مخالفة
قانون الملكية الفكرية المسنود باتفاقيات العولمة ، وتعلمنا التجارب
أن من يتناطح معها معرض لعقوبات مختلفة ، قد تصل الى تفعيل البند
السابع من ميثاق الأمم المتحدة !
ولأنه من الثابت علميا أن الاسرائيليين سرقوا الكثير من الموروث
الشعبي والثقافة الفلسطينية ونسبوه إلى أنفسهم ، مثل سرقتهم المفضوحة
للنجمة السداسية من التراث الفرعوني وادعائهم انها شعار الملك النبي
داود عليه السلام ، فلن نستغرب أن تأخذ قضية الفلافل منحنى خطيرا
يستدعى نوعا من التنسيق والتوحد العربي للدفاع عن أحد مأكولاتهم
الشعبية ، ورفع الفلافل شعارا للصمود والتصدي خلال المرحلة القادمة
، حتى لا يضطروا مستقبلا لأخذ موافقة مكتوبة من تل أبيب ، إذا فكر
أحدهم في تناول صحن من (السابحات الفاتنات) كما يطلق صديق ساخر على
الفلافل !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

باختصار
انتصار القدرة على النوايا
تحت راية الأمل ينعقد اليوم المؤتمر الاستثنائي
لحل الأزمة العراقية في بغداد. الحضور كبير .الأساسيون فيه هم أميركا
وإيران وسوريا أما الباقي فشهود يشبهون الجوقة الغنائية وراء مغنيها
الأساسي .. بل إن المؤتمر صنع خصيصا من أجل تلك الدول الثلاث باعتبارها
محور الخلاف وأصله.
علامات استفهام كثيرة تدور حول النتائج المتوقعة ، هل هو لمجرد تبرئة
أطراف ، أم هو لغسل مرحلة من أجل أخرى ، أم أنه عنوان أميركي لتبرير
عدم جدوى تقرير بيكر - هاملتون. ومع ذلك ثمة من يسأل عما إذا كان
قد سبق المؤتمر محادثات جانبية لإنجاز نتائجه قبل حصول تصادمات أثناءه
، أم أن المسألة متروكة لتوقيت انعقاده. نائب الرئيس السوري فاروق
الشرع يصر على نجاح المؤتمر فيما يصمت الإيراني ويكاد الأميركي أن
يبتلع لسانه كي لايتحدث عن أمر فيه بعض المبالغة كما يتسنى لأطراف
أميركية معادية لوجود أميركي في العراق.
العالم كله اليوم مشرئب الأعناق باتجاه بغداد ، الذي يحلم كل مواطن
فيها أن تنجز مساحة الأمل ليعود له الاستقرار والأمان المحروم منه
. لكن شتان بين الأمل وبين فرصة النتائج المتوخاة ، هنالك دائما
خيوط رفيعة من السواد تغلب على مشهد البياض ، وهنالك مايسبق المؤتمر
بالنوايا الخبيثة التي تجعل منه محطة لمصاعب أدهى.
فماذا لو قررت الولايات المتحدة أن تجعل من المؤتمر منصة لإطلاق
حربها على إيران. قد تسعى تلك الدولة العظمى إلى الإشهار بأن إيران
من عطل المؤتمر وبالتالي هي من تتحمل مسؤولية الأبعاد المأساوية
المستمرة في بلاد الرافدين .. ولهذا السبب قد تضع العالم أمام خيار
التوافق معها على حربها ضد إيران ، وربما قد تدفع البعض للطلب من
أميركا تحت شعار عدم الرغبة الايرانية في إنتاج حل الضغط على الولايات
المتحدة لضرب الجمهرية الإسلامية الإيرانية وقتل عصفورين بحجر واحد:
الملف النووي والتدخل الايراني في العراق.
لكن إيران تقود بمهارة ملف العراق كما هو ملفها النووي ، ولقد اثبتت
حتى الساعة ابتعادها عن إعطاء ولو ذريعة صغيرة تقدم خدمة للولايات
المتحدة في تطيير الصواريخ العابرة ضد مواقعها ومؤسساتها كما يحلم
الأميركي الذي يتنازعه الامل بان تكون اصابته لايران اكثر مما جرت
للعراق بحيث يتم استغلال الملف النووي للاجهاز على اي تقدم ايراني
في كافة المنشآت الاخرى لتعود بعدها طهران فعليا الى القرون الوسطى.
مؤتمر اليوم تعبث فيه النوايا بالوقائع ، ومتى لم تكن مؤتمرات كهذه
مسرحا لنوايا مخبأة وراء كلام معسول ، لكن الدول المتيقظة تتقن لعبة
السير بين النقاط كما هي اتقنت السير وراء الافخاخ الاخرى. ومؤتمر
اليوم بكل ابعاده سوف يدلل على نوايا الطرف الاميركي فيما سيكون
دليلا على قدرة الايراني في اجراء حوار بطريقة مباشرة او غير مباشرة
يتمكن من خلالها من الخروج بارباح استثنائية تتغلب فيه على النوايا
الاميركية المتعددة الوجوه.
وكما هو المؤتمر مصنوع خصيصا للعراق ، فان نتائجه ستنعكس ايضا على
بقية الملفات الساخنة في المنطقة بدءا من لبنان وصولا الى فلسطين
ثم في المصب الاوسع حيث مؤتمر القمة العربي الذي يسعى لمكاسب بالجملة
ان حقق مؤتمر اليوم ايجابيات ملحوظة.
مرة اخرى الأمل وحده يجعل الجميع أمام مسؤوليات الحدث الذي من أجله
كان المؤتمر وسيظل نقطة تواصل بين أطراف لم يكن بالاعتقاد حصول لقائهم
لولا الاحساس العام بوصول العراق إلى منعطف يحتاج فيه الآن وقبل
فوات الأوان إلى حل ما.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أصداف
مؤتمر بلا عنوان
لاتستطيع أن تعطي عنوانا واضحا لمؤتمر بغداد،
وهذه إشكالية كبيرة، لأن وجود اكثر من عنوان، يدلل على ان ثمة الكثير
من الضبابية والتشويش، تسيطران على القائمين على عقد هذا المؤتمر،
وبدون ارضية واضحة، لايمكن الخروج بنتائج محددة، لذلك فان غالبية
الاراء التي تناثرت هنا وهناك عن هذا المؤتمر، تحاول ان تؤسس لقناعة
واحدة، لتخرج من زاوية محددة، الا انها سرعان ماتبدأ بالافتراضات،
النابعة من حقائق واحداث تجري في الواقع العراقي، ورغم ان القضية
العراقية، لم تعد معقدة الى هذا الحد من التعقيد الذي يتحدثون عنه،
الا ان ثمة عدم ثقة بالاطراف الرئيسية الموجودة على الساحة العراقية،
خاصة الاحتلال الامريكي والحكومة العراقية والاحزاب والكتل السياسية
المشاركة في البرلمان الحالي.
من هنا، لاتستطيع ان تمسك بعنوان واحد يصلح ان يكون جوهر النقاش،
الذي يدور في اروقة المؤتمر وفي جلساته، ومهما تعددت التفسيرات،
فان القضية الاساسية يمكن اجمالها بجملة واحدة، تقول ان اصحاب المشاريع
الكبيرة، التي تاسست بداياتها الاولى خلال مرحلة التحضير لغزو العراق،
والتي تصاعدت وتيرتها خلال الاحتلال، وصل اصحاب هذه المشاريع ومن
جميع الاطراف الى مرحلة اليأس، وهذا النوع من اليأس، يمثل حالة من
الاخفاق التام، الذي يقذف باصحابه والقائمين عليه في متاهة ذات تشعبات
كثيرة، لدرجة ان هؤلاء لايريدون معرفة اين وصلت مراكبهم، التي تتقاذفها
امواج عاتية، ورغم ادراكهم ان مساراتهم قد دخلت في اكثر من منحدر،
الا ان الخوف من الوصول الى اللانهاية، والانفتاح المخيف على اكثر
من مجهول، فهم لايحاولون الوقوف امام المراة والتدقيق في جميع الملامح
بكل صراحة ووضوح.
هذا الامر، قد يبدو في اطاره الهام، عبارة عن تنظيرات لما هو مبعثر،
يزداد تشظيا، وبدلا من الابقاء على جانب من الاطار في حالة من التوازن،
فان جزئيات هذا الجانب تتشظى باستمرار، مايفضي الى استحالة الامساك
بحقيقة ثابتة، يمكن الاستناد اليها في تقديم رؤية واضحة لمرحلة مستقبلية،
حتى اذا كانت في حدود الفترات الزمنية القصيرة.
فإذا أردت ان تمسك بحالة القلق التي تعيشها الادارة الاميركية، كانك
تحاول الامساك بطرف العاصفة، واذا حاولت مع الحكومة العراقية، فكأنك
تصر على معرفة طبيعة الطرف المتأرجح من العاصفة الهوجاء، وبنفس القدر،
تجد الصورة عند جميع الاحزاب والكتل السياسية، وماتمخض عنها من برلمان
واجهزة اخرى.
هذا الواقع ينعكس بكل مايزخر به من ضبابية وتشويش وارتباك على الاطراف
الاخرى، التي تشارك في هذا المؤتمر، فتجدها تتحرك وسط مسارب متداخلة
بعضها يتقاطع مع الاخر، وغالبيتها لاتفضي الى نهاية واحدة.
ان المؤتمر او الاجتماع الذي لاتجد له عنوانا، يدلل على ان جميع
الاطراف المشاركة فيه، تريد أن تتلمس المسار من الأطراف الاخرى،
وهذا الحال يعطي الصورة النهائية لمؤتمر لايريد البحث عن عنوان له.
ويتعامى عن المشكلة الجوهرية.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى

أطياف
قرار عماني صائب
قد يبدو الموضوع قديماً بعض الشيء والحديث
فيه وحوله جاء متأخراً، لكن سأدخل منه إلى أمور أخرى مهمة. والموضوع
باختصار يتعلق بالقرار الإداري الرائع الذي صدر عن الاتحاد العماني
لكرة القدم بالاستغناء عن خدمات المدرب التشيكي ماتشالا ، الذي حقق
نتائج طيبة مع المنتخب خلال الأعوام الماضية.
قد بدا غريباً جداً في الأوساط الرياضية الخليجية والعربية قرار
الاستغناء أو الإقالة أو سمه ما شئت من مسميات. وجه الغرابة في أن
هذا القرار جاء لفريق كان قاب قوسين أو أدنى لإحراز لقب البطولة.
ومعلوم أن مثل هذه القرارات عادة تُتخذ من بعد نتائج باهتة وضعيفة
لأي فريق. ومدرب المنتخب البحريني طار من بعد أول مباراة في خليجي
18 الفائت.
إذن قوة القرار الوقت ، توقيته بالضبط ، وعامل الزمن في اتخاذ القرارات
غاية في الأهمية. ويضاف إلى عامل الوقت ، أمر غاية في الأهمية هو
تجنب الأهواء والمصالح الآنية. إن مدرباَ مثل ماتشالا الذي أوصل
أو ساهم في أن يصل المنتخب العماني إلى مواقع جيدة ويصير مهاب الجانب
في خلال أربع سنوات تقريباً ، ليس له إلا أن يبقى أو يكافئ ويعطي
جزيل العطاء ، لكن أن يتم الاستغناء عنه في وقت حرج أيضاُ والمنتخب
يستعد لاستحقاقات دولية كثيرة ، فهذا أعتبره جرأة في اتخاذ القرار.
الشاهد من الموضوع أن اتخاذ القرار فن وصناعة. ذلك أن كثيراً من
القرارات يتم اتخاذها دون دراسة وافية ودون اعتبارات لنتائج وتبعات
تكون سبباً في إحداث المزيد من الخسائر والمشكلات. ولهذا يجب أن
يكون اختيار القادة لأي موقع ، اختياراً دقيقاً مدروساً يتم التأكد
جيداً من امتلاكهم أو قدرتهم على اتخاذ القرارات وليست أي قرارات،
وإنما الحاسمة والجريئة ولكن في الوقت ذاته العاقلة. وهذه هي القيادة
وكذلك يكون القادة.
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

3 أبعاد
القبض على الرئيس
الشئ الوحيد الذي لا يمكن ان يحدث في اميركا
هو القبض على الرئيس. في السبعينات وجهت جنائيا تهمة الفساد إلى
نائب الرئيس وأقيل من منصبه. وفي التسعينات حوكم الرئيس كلنتون سياسيا
امام الكونجرس وبرئ من التهمة بسبب قصور في عدد الأصوات اللازمة
لإدانته وإقالته. وخلال السنوات القليلة الماضية وجهت تهما جنائية
وجنح إلى أعضاء في الكونغرس. وخلال الفترة الزمنية نفسها قبض شرطي
على فتاة تشرب الجعة في احد المطاعم لأنها كانت دون الواحد والعشرين
من عمرها ، رغم ان الشرطي كان على علم بأن الفتاة الشابة هي ابنة
الرئيس الأميركي. لم يعاقب الشرطي على ما فعل بحق ابنة الرئيس ولم
يتمكن أبوها من منع مثولها أمام المحكمة بتهمة انتهاك القانون. وهذا
الأسبوع أصدرت محكمة حكما بإدانة مدير مكتب نائب الرئيس الأميركي
بتهمتي الكذب وإعاقة العدالة. ولم يتمكن نائب الرئيس من منع محاكمته
ولا من الحيلولة دون القبض عليه من البداية. كل شخص في أميركا يمكن
القبض عليه إذا انتهك القانون باستثناء الرئيس الأميركي أثناء فترة
رئاسته. وما ان تنصرم فترة رئاسته يتحول الرئيس إلى مواطن عادي شأنه
شأن اي مواطن من وجهة نظر القانون.
مدير مكتب نائب الرئيس واسمه لويس ليبي لم يكن مجرد موظف ومستشار
لنائب الرئيس بل كان ايضا صديقا شخصيا له ولفترة طويلة من الزمن.
وجدته المحكمة مذنبا بتهمة الحنث باليمين او الكذب بعد ان حلف اليمين
. كما وجدته المحكمة مذنبا بتهمة اعاقة العدالة.
بدأت القضية عندما نشر صحفي مقالا كشف فيه عن اسم وهوية موظفة في
ال سي آي ايه. وهاجت وشنطن متساءلة عن المصدر الذي سرب اسم الموظفة
للصحافة منتهكا بذلك القانون الفيدرالي الذي يمنع الكشف عن اسماء
وهويات موظفي الاستخبارات.
هذه الموظفة واسمها فاليري ويلسون هي زوجة السفير الأميركي السابق
جوزيف ويلسون الذي كان سفيرا اميركيا في بغداد في اوائل التسعينات.
السفير ذهب في مهمة رسمية الى النيجر للتحقق من تقرير قال ان الحكومة
العراقية في عهد صدام حسين حاولت شراء اليورانيوم من النيجر. كان
الرئيس بوش قد اعلن عن ذلك في خطاب هام قبل غزو العراق. ولكن السفير
ويلسون عاد من النيجر وفند كلام الرئيس بوش وأكد انه لم يجد دليلا
على صحة كلام الرئيس. وقال ويلسون ان الرئيس بوش استخدم هذا التقرير
الزائف كإحدى الذرائع لشن الحرب.
السفير ويلسون يعتقد ان تسريب اسم زوجته للصحافة انما جاء عقابا
له لأنه تحدى ادعاءات الرئيس بوش بشأن اسلحة الدمار الشامل في العراق.
وعندما بدأت التحريات بشأن من هو المسئول الحكومي الذي سرب الاسم
قامت النيابة باستجواب العديد من كبار المسئولين، ومن بينهم لويس
ليبي مدير مكتب نائب الرئيس. لم يكن ليبي هو الذي سرب الاسم، ولم
تكن هذه هي التهمة التي وجهت اليه. بل كانت التهمة هي انه كذب على
المحققين أثناء استجوابه وقال لهم انه لم يكن على علم بهوية الموظفة
ولكنه علم بها من صحفي.
وبعد ادانة ليبي هناك سؤالان. الأول هو لماذا كذب الرجل؟ هل لأنه
اراد حماية نائب الرئيس من طائلة المحققين والعدالة أو على الاقل
حمايته من الانخراط في الفضيحة؟ والسؤال الثاني هو هل سيستخدم الرئيس
بوش صلاحياته الدستورية ويمنحه عفوا؟ الإجابة على السؤال الأول قد
لا نعرفها ابدا. أما اجابة السؤال الثاني فهي ان من المرجح ان يعفو
عنه الرئيس ولكن بعد انتخابات الرئاسة في نوفمبر 2008 وقبل ان يترك
الرئيس البيت الأبيض. العفو عنه قبل هذه الانتخابات سوف يضر بفرص
حزبه الجمهوري الانتخابية.
لا يستطيع الرئيس الحيلولة دون القبض عليه او توجيه التهم اليه او
محاكمته او ادانته. ولكنه يستطيع ان يعفو عنه. وعندما يعفو عنه بعد
الانتخابات سيكون الرجل قد أمضى في السجن بالفعل سنة ونصف السنة
جزاء كذبة تافهة.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

فى الموضوع
الأسرى المصريون
مازالت قضية قتل الجيش الاسرائيلى اسرى مصريين
- ايام حرب يونيو 1967 - تتفاعل فى الأوساط السياسية والثقافية ،
وإن كان هناك فارق بين تغطية الصحف الحكومية للتطورات ، مع ما تنشره
الصحف المستقلة. فقد فضل معظم الصحف (الرسمية) المصرية تجاهل الموضوع
تماما? ، بينما نشرت صحف مستقلة خبرا? عن زيارة السفير الاسرائيلى
فى القاهرة وزارة الخارجية ، ومحاولته اثارة الشك فى عملية القتل
اصلا?، او فى ان القتل - فى حالة حدوثه- طال أسرى مصريين. وفى اطار
الالتفاف على القضية ، أثار السفير الاسرائيلى موضوعات اخرى تتعلق
بالعمل فى توسيع نطاق مقر السفارة فى منطقة الجيزة ، لكى تستوعب
عددا كبيرا من الدبلوماسيين ، للتدليل على رغبة الصهاينة فى تعزيز
العلاقات مع مصر ، وتخطى الازمة التى اثارها عرض فيلم "وحدة
شاكيد" فى اسرائيل.
وعلى الصعيد نفسه ، قال السفير ان الدبلوماسيين المصريين فى تل ابيب
شاهدوا الفيلم ولم يتوصلوا الى اى نتائج بشأن مقتل اسرى المصريين
، غير ان عبارة من هذا النوع على لسان السفير الاسرائيلى ، تشير
الى انه يحاول " التوجيه" الى خط سياسى معين ، بشأن التحقيقات
" التى قالت الخارجية المصرية ان سفارتها فى تل ابيب تجريها.
والشىء الغريب فى هذا الامر ، هو ان الطرف المتهم يطرح نفسه متحدثا
باسم ذلك الذى يتقصى حقائق الواقعة. وقد رأى البعض فى ذلك محاولة
للتضليل ، او للضغط على الخارجية المصرية ، من أجل إصدار بيان ببراءة
الصهاينة من دماء الأسرى ، حتى وان كان ذلك بسب " عدم كفاية
الادلة ".
وكذلك تحدث مخرج الفيلم ران اديلى - فى مقابلة مع التليفزيون الاسرائيلى-
عما جاء فيه ، وقال ان الامر "لا يتعلق بواقعة معينة بذاتها"،
وانما يأتى ليعبر عن " محاولة لمحاسبة النفس"، وأوضح ان
الفيلم ينتقد " الاسراف فى استخدام القوة ضد الخصوم العرب ،
واستهداف المدنيين خلال الحروب مع الدول العربية" .غير انه
اصر ان الجنود الذين قتلوا" لم يكونوا مصريين ، وانما وحدة
" كوماندوز" فلسطينية" .وذلك على عكس ما يعرفه الجميع
، من انه لم تكن هناك عام 1967 وحدات "كوماندوز " فلسطينية.
لاحظ الذين شاهدوا المقابلة - على شاشة التيلفزيون الاسرائيلى -
ان التوتر كان باديا على اديلى ، وترك هذا اثره على التناقض فيما
قال ، فبينما انتقض العنف - كما قال- اشار الى انه كان يمكن لاسرائيل
ان تغتال الامين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله الصيف الماضى
، بدلا من تدمير لبنان على النحو الذى حدث .لكنه عاد ليؤكد ان استخدام
القوة ضرورى للحفاظ على بقاء اسرائيل ، وفرض وجودها على العرب ،
الذين قال انهم لا يفهمون الا لغة القوة.
وسط هذا كله ، وهو يتضمن تقاريرا عن ان اسرائيل بدأت عملية تعتيم
على الفيلم الوثائقي ، وتحويل للانظار عن القضية التى اثارها ، رد
مسؤولون مصريون على اسئلة بشأن ما يعتزمون عمله ، بالتأكيد على ان
عملية التوثيق والتحقيقات الجارية حاليا ستقود الى رفع قضية لادانة
الجريمة الاسرائيلية و المطالبة بالتعويض.
وفى هذه الظروف تبدو الساحة السياسية المصرية مزدحمة بالعديد من
القضايا ، فقد بدأ البرلمان مناقشة مشروع التعديلات الدستورية ،
والمعارضة تعترض على ما يجري ، وتتهم الحكم بالتمهيد لعملية التوريث
، ويطالب البعض منها بتأجيل بحث تلك التعديلات لمدة عام ، حتى يتسنى
لكل الاطراف السياسية مناقشتها ، وفى ضوء التأخير فى طرح هذه التعديلات
من جانب الرئاسة ، والرغبة فى تمريرها بالبرلمان وطرحها للاستفتاء
خلال فترة قصيرة ، تتردد اتهامات بان الحكم يريد "سلق"
هذه التعديلات ، وربما يحاول استخدامها ايضا فى تحويل نظر المعارضة
عن قضية "قديمة" مثل مقتل الاسرى ، لقضية اكثر اهمية لارتباطها
بمستقبل الحكم فى مصر ، ويبدو ان هذا ما يراهن عليه الاسرائيليون
ايضا.
غير ان اطرافا فى المعارضة المصرية تطالب بوقف صادرات الغاز والنفط
الى اسرائيل ، ويتحدث غيرها عن ضرورة وقف تدفق المياه فى "ترعة
السلام" الى جنوب اسرائيل ايضا ، بعد ان خفت الحديث عن هذا
الموضوع خلال السنوات الاخيرة. وتحدث البعض الاخر عن أن الرئيس الراحل
انور السادات ، برر تزويد اسرائيل بالمياه ، بالقول ان تلك "المياه
ليست مصرية ، وانما تأتى من منابع النيل ، لتتدفق الى البحر المتوسط".
وانتقد كثيرون ذلك بانه يتجاهل أهمية المياه فى مساعدة الصهاينة
على الاستيطان بالاراضى الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، وليس بالضرورة
فى صحراء النقب ، فضلا عن تقديم اى تسهيلات الى اسرائيل ، يسهم فى
تعزيز التوازن المختل لصالحها.
وأغرب ما فى الامر كله ، هو ما نسب الى بنيامين بن اليعاز- "قائد
وحدة شاكيد"- من انه دعا مسئولا مصريا مهما الى نسيان وقائع
مقتل الاسرى المصريين عام 1967 ، وقال - فى اتصال هاتفى مع ذلك المسئول-
ان " اشياء كثيرة - لا يرضى عنها الانسان فيما بعد - تحدث فى
الحروب". وينتظر كثيرون فى مصر ما يمكن ان تتمخض عنه الايام
القادمة.
عبدالله حمودة
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى
إعادة التفكير في "الظاهرة" الإسلامية
أكثر ما يثير الاضطراب والحيرة في تحليل صعود
ما يطلق عليه "الظاهرة الإسلامية"، أنها استنفذت معظم
الاقترابات والتفسيرات التي سادت طيلة العقود الثلاثة الماضية، وتحديداً
منذ هزيمة يونيو 1967، والتي شهدت أولي موجات المد الإسلامي بجناحيه
السلمي والعنيف، وسقطت معها الكثير من المقولات الأيديولوجية الثابتة
التي كانت تمثل متكأ ومخرجاً لإيجاد تفسير مقنع للظاهرة.
وهي الاقترابات التي تراوحت ما بين السياسي، ممثلاً في تحليل آثار
نكسة 1967 وإخفاق "الفكرة" القومية في تحقيق الآمال والطموحات
العربية، وبالتالي تراجع القوى التقدمية لمصلحة نظيرتها الإسلامية.
ومنها ما يرتبط بالمدخل الاقتصادي - الاجتماعي، الذي يركن إلي التفسير
المادي "الماركسي" كمفسر للصعود الإسلامي ، ويحمل النظم
القومية والعلمانية مسؤولية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلدان
العربية آنذاك، ناهيك عن فشل أيديولوجيات وخطط التنمية، التي أفرزت
كثيراً من ملامح التشوه المجتمعي، وانهيار السلم الطبقي "التقليدي".
ومنها ما يتعلق بالمدخل الثقافي في التحليل، والذي يربط بين نمو
الظاهرة الإسلامية وطبيعة الثقافة السائدة في المجتمعات العربية.
أقول أن أغلب هذه الاقترابات فقدت رونقها وزخمها، في إيجاد تفسير
مقنع للصعود "الثاني" للظاهرة الإسلامية (الصعود الأول
كان أواخر الستينات من القرن الماضي)، خصوصاً بعدما استنفذت معظم
أسانيدها الواقعية ، سواء لانقضاء آثار النكسة وتداعياتها السياسية
والثقافية ، أو لتبدل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل جذري
خلال العقود الثلاث الماضية ، أو لحدوث تحولات فكرية وأيديولوجية
علي المستويين المحلي والعالمي لا يمكن تجاهل تأثيرها. ناهيك عن
تأسيس البعض منها وفق أحكام ومواقف مسبقة من الظاهرة الإسلامية بوجه
عام، وهو ما يضعف الحجج التفسيرية لمتغيراتها.
ويفترض البحث عن اقتراب جديد لتفسير صعود الظاهرة الإسلامية، ونقصد
هنا تحديداً تزايد الدور السياسي للجماعات الدينية، أن يتم الابتعاد
عما علق بالاقترابات السابقة من شوائب ونواقص.
فالأمر، وحسبما يقرر برهان غليون ، محاولة "موضوعية" للبحث
عن تفسير مقنع للظاهرة، ذلك أن "موضوع البحث العلمي ليس هو
معرفة هل من الطبيعي أو من السليم أن يكون هناك ارتباط بين السياسة
والدين ، ولكن معرفة الأصل في هذا الارتباط والسبب الموضوعي الذي
دعا إليه. أي أنه بالأساس محاولة للوقوف علي شطآن حقيقية لوضع بناء
نظري - معرفي قادر علي تحليل الأبعاد الحقيقية للظاهرة ، ويتجاوز
حدود تفسيراتها التقليدية، وقوالبها الجامدة، ويتجاوز أيضا النظرة
"الآنية" لتفسير صعودها.
وهو ما يفرض أيضا كسر نمطية التحليل ، والخروج من عباءة الاقترابات
التقليدية التي سبقت الإشارة إليها، وهنا يبدو المدخل السوسيولوجي
، أكثر شمولاً للمداخل السابقة ، فهو ، فضلاً عن احتواءه لها جميعاً
، يقدم تفسيرات أكثر قرباً من الظاهرة ، بوصفها جزءاً من نسيج أكبر
ينظر في العلاقات المركبة بين الدين والمجتمع ، بكل جوانبها الثقافية
والسياسية والاقتصادية ، أي أنه أقرب لأن يكون اقتراب لدراسة "سوسيولوجيا
الدين" في أي مجتمع من خلال نظرة "كلانية" أكثر عمقاً
وشمولاً.
وإذا كانت الاقترابات السابق الإشارة إليها قد عجزت عن تقديم تفسير
عميق لتنامي صعود الظاهرة الدينية (الإسلامية على وجه التحديد) في
العالم العربي، أو على الأقل فقدت الكثير من بريقها المنهجي، فإن
المنهج السوسيولوجي يطرح نفسه كأحد الأطر البحثية الجادة في تفسير
هذه الظاهرة ، قد يعوض ما علق بتلك الاقترابات من عوامل نقص أو قصور.
بيد أنه تجدر الإشارة قبلاً إلى أن الأخذ بالمنهج السوسيولوجي كأداة
للتحليل ، لا يسقط ما توصلت إليه الاقترابات الأخرى من نتائج ، بقدر
ما يقدم إطاراً أشمل لهذه النتائج ، أو بالأحرى يحاول ردها إلى حالتها
الأولى والتعاطي مع مسبباتها بشئ من التأني والتأمل.
وبوجه عام، يقوم المنهج السوسيولوجي على أساس "فهم النشاط الاجتماعي
عن طريق التفسير" أي البحث عن العلاقات التفاعلية بين الوحدات
الإنسانية داخل المجتمع ، وهو يحاول الإجابة على تساؤلات من قبيل:
كيف ينتظم الأفراد داخل المجتمع؟ ولماذا يحدث التفاعل بينهم كوحدات
متشابكة؟ وما هو حدود التأثير الذي تمارسه الخلفيات الاجتماعية والدينية
والإيديولوجية على سلوك الأفراد داخل مجتمع ما؟
بكلمات أخرى ، يسعى المنهج السوسيولوجي إلى تقديم تفسير أكثر شمولاً
للظاهرة الإنسانية ، يراعي فيه الأبعاد الاجتماعية والدينية والسياسية
والاقتصادية. الأكثر من ذلك أنه يفسر بشكل دقيق لماذا تقوم مجموعة
من الأفراد باتباع سلوك بعينه، دون غيره، وذلك من خلال تشريح سلوك
الجماعات البشرية داخل المجتمع، والنظر في أهم العوامل المؤثرة في
تشكيل هذا السلوك.
وينظر إلي المنهج السوسيولوجي كما لو كان "عنقوداً" تحليلياً
تتدلي منه اقترابات أخرى أقل شمولية، مثل "التحليل الطبقي"،
و"الديموغرافيا" و"سوسيولوجيا النوع" و"سوسيولوجيا
الدين" ... إلخ.
وفي هذا الإطار يبدو اقتراب "سيوسيولوجيا الدين" الأكثر
قدرة علي تقديم تحليل منهجي لفهم الصعود السياسي للظاهرة الدينية
في العالم بوجه عام، والعالم الإسلامي بوجه خاص، وهو ما يوجب على
الباحثين والمتخصصين ضرورة الالتفات إليه كمدخل لتحليل الظاهرة الإسلامية.
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany@yahoo.com
أعلى

في التراث والأصولية والسلفية..
هَل التراث مجرد نفق مظلم يمتد بين باصرة التاريخ
المعاصرة وذاكرته القاصرة، يدخله الباحث فيه أو العاشق له فيضيع
في متاهاته ويزيد في تعقيد تلك المتاهات، حتى ليخال المرء ألاّ خروج
منه بعد دخول فيه، وأنه ثاني المحبسين للمبصر وثالث المحابس لمن
فقد البصر، وألاّ لقاء مع العصر بعد ولوج أبوابه التي تفتح سجن الماضي؟!
وهل هو نوع من إعادة إنتاج الماضي واجتراره، من دون تداخل أو تفاعل
يذكر مع الأداة العصرية المنتجة والمادة التي تدخل دائرة الإنتاج
وإعادة الإنتاج وتساهم في تكوين الرؤية العصرية بصورة ما؟!
وهل هو مما يستقر في مدى بعيد عن الحاضر يشبه هوة لا ترى منها أي
أفق، قد تجاوزته حاجة الناس ولم يعد نافعاً ولا ضرورياً، ولا مما
يستحق أن يُصرف فيه الجهد ويستثمَر في الزمن؟!
ومن وجهة نظرنا نحن العرب، هل تراثنا مجرد أوراق صفراء حكمتنا وتحكّمت
بنا وألقتنا خارج العصر فكانت لنا قيداً وقوقعة ومنفى أكثر منها
جذراً حياً وساقاً وأغصاناً تحمل أوراق كل ربيع وتتفتح عليها براعم
وأزهار تثمر في كل موسم، ومستنبتاً غنياً، ومثابة قوية، ومستجَماً
للعقل والذاكرة والروح؟
وهل يكون خلاصنا مما نحن فيه من تخلف وخلاف ، بنبذ تلك الأوراق الصفراء
التي هي - حسب رأي بعض أهل "معرفة ورأي"- مصدر كل تخلف
وخلاف؟!
وهل لا يقدّم لنا تراثنا، لدى عودتنا إليه، إلا:
1- متاريس "لسلفية متحجرة" ضارة، ضاربة في عمق الصحراء
والماضي الرمادي، وفي مدى الجهل بكل مفاتيح التقدم والمثاقفة والانفتاح،
وحتى التجاهل لها؟؟!
2- ومناهل للأصولية التي تتجذَّر في أصول "ما عادت هي الأصول
المقبولة والمنقذة"، في زمن تعصف فيه بالناس رياح المتغيرات
وعواصف عصر التَّقانة والمعلوماتية والعولمة، وغِيَرُ الأحوال وتلونها
بألوان اللحظة التي تشهد في كل ثانية من ثوانيها تقدماً علمياً،
يرافقه أو ينتج عنه تغيير أو دفع باتجاه التغيير، حتى فيما ثبت من
أصول وفروع نبتت على تلك الأصول، فضلاً عن كون تلك الأصول -من وجهة
نظر "أهل رأي ونظر؟"- تنتج "إرهاباً" غير مقبول،
في عصر أصبحت فيه حماية الناس من إرهاب الدولة المنظم والاحتلال
الوحشي والعنصرية البغيضة وحماية الديمقراطية الانتقائية المشوشة
المعايير مسؤولية دولية تساهم فيها الأحلاف وتجر إليها دول من أعناقها؟!
3- عودة بالناس إلى ما وراء الزمن، وإدارة الظهر لكل ما في واقعهم
وزمانهم من معطيات وحقائق ومعلومات. وجعلهم يعيشون في دوامة مقولات
لا تدفع باتجاه التلاؤم مع واقع جديد يفرض نفسه على العالم، واقع
لا يستطيع أن يتجاهله من يريد أن يعيش زمانه، وأن يحتل موقعاً في
ذلك الزمان.
4- هرباً من مواجهة الواقع وأسئلته وأزماته ومشكلات أناسيّه، ونوعاً
من الردود على معطيات: المكان والزمان، هنا والآن، بأقوال ووقائع
ومعالجات واقتباسات واستنباطات وقياسات وفصل خطاب من: كنّا وكان،
لا ينير ظلمة، ولا يرفع غمة، ولا ينقذ أمة، وهو في "نهاية المطاف"
لا يدفع عنا عدواً ولا يستنقذنا من جوع، فما الذي يفيدنا رجوع إليه
إذن؟!
تلك أسئلة محمولة على نعوش ألسنة وعقول، تجول في فضاء الوقت والإعلام،
وتغزل شرانق من كلام حول شرائح بشرية، وتدفعها أفواه مدججة بالاتهام
في وجوه من يأخذون من تراث أمتهم بقبس، ويهتمون بالتواصل معه وبتصاعد
تأثيره ليبقى شروش النسغ موصولة وممتلئة بمقومات الحياة، فيها غذاء
سائغ وغني تروح وتجيء فيه قوافل "الجينات" محملة بقيم
ومقومات هوية تصل ما بين حبيبات الجذور المنتشرة في عمق تربة الثقافة،
وبين براعم تتشكل في نهايات الأغصان الدقيقة من شجرة الأمة، إبّان
تشكلها وتفتحها، في آخر دقيقة من فجر كل يوم نحياه مع تدفق الحياة
من حولنا وتدفقها في دمنا.
وتلك الأسئلة التي تلجّ بها ألسنة تقطر ذلقاً أسود اللون، لا ينفع
معها تجاهل لها ولا إغضاء عنها، لأن أصحابها يظنون عندئذ أنهم حبسوا
الآخرين في سجون منطقهم، وأن حججهم أتت على كل الحجج، تلقفها لقفاً
فعل عصا موسى بسحر سحرة فرعون حين ألقيت وأخذت تكشف ما يأفكون..
وما ذلك بصحيح من جهة ولا هو جائز من جهة أخرى، ولا هو مما يمكن
أن تشق له الطرق وتقدم له الحجج ليستقر في النفوس ويبني وينمو في
شعابها بأمان واطمئنان.
فالتراث ليس نفقاً مظلماً يضيع فيه الهداة، بل هو -من بعض الوجوه-
النور الذي تجده في نهاية نفق مظلم وضعك فيه الجهل أو العداة الأعداء
وغيبك عن نور الحياة من بعض الوجوه.
ولا يكون التراث متاهة إلا لمن يغرق في شبر ماء ويضل عن رؤية الحق
وحقائق الأرض والسماء، ويبحث عن سفاسف الأمور التي يغص بها كل عصر
من العصور. ولا يكون من الهداة من لا يملك بصراً أو بصيرة، ومن لا
يعرف الفرق بين شخصه والحصيرة، إنما يكون ذلك من صنف الأدعياء، ويكون
"هدْيه" نوعاً من التوكؤ على عصا من توهّم تنغرس في مهاوي
الضلال والضباب.
والتراث العربي، سواء طال عمره وامتد إلى عهد سومر وآكد والعموريين
والآراميين والسريان وصولاً إلى العرب الجاهليين، أو انطلق -عند
بعض ذوي الرأي والرؤى- من رسالة الإسلام وما جاءت به من هدي وأقرته
من عادات الجاهلية وتداولته من آداب أهلها، وما سجلته الأقلام والعقول
بعد ذلك من أصول متينة وآراء صائبة واجتهادات وإبداع وابتداع، فهو
جزء من شخصية الأمة وفي صلب العمود الفقري من جسمها الثقافي، وهو
الرئة التي يلتقي في حويصلاتها الدقيقة قديم بجديد، وتحدث فيها التنقية
الخلاقة من خلال تفاعل حيوي يخدم الحياة ويؤدي إلى استمرارها بقوة.
وسواء أكتب على حجر أو طين أو قصب أو رق أو ورق، ووصل إلينا مصفرّاً
أو مخضراً فهو جزء من تكويننا الذي لا يعيبنا بل يشرفنا ، ولا يعوقنا
عن التقدم إلا بمقدار ما نكون معوقين أصلاً عن المتابعة والفهم والتفسير
والتأويل ، وغير قادرين على امتلاك الرؤية والمنطق والقدرة العقلية
التي تغربل الآراء والأفكار والأقوال وفق منطق نقدي بناء، وتفصل
القمح عن الزؤان بدراية واقتدار وحرص فتأخذ ما ينفع الناس لتبذره
من جديد في حقول نفوس خصبة وتلقي الغَلَث بعيداً عن دروبهم، وتشق
لهم نيّرات الدروب.
وماعطاء الإسلام في ذلك التراث إلا مشكاة النور التي تهدي وتعصِم
، وهو من شخصية العرب وانتمائهم القومي في الصميم من الصميم. وما
إغناؤه وإشفاؤه وإرواؤه للقلب والعقل والروح، بتوازن فريد مديد بين
المادة والروح ، إلا من معجزاته ومميزاته التي صمدت لكل امتحان في
كل زمان ومكان، وسقطت عند قدميه الادعاءات والنظريات التي تشمرخت
حتى انفجرت في هذا الزمان وبلغ الجهل والتخلف والعدوان ببعضها حد
القول إن تخلف الأمة بدأ منذ نيف واربعمئة سنة، أي مع ظهور الإسلام
وبمجيئه.. تلك قحة الدخلاء والملاحدة. التراث العربي خيوط من وعي
ومعرفة وتجربة وإبداع وانتماء وإيمان وخصوصيات بشرية وعقلية واجتماعية
وتاريخية من كل لون، تداخلت مع الآخرين، أقواماً وحضارات، وتفاعلت
معهم وتمايزت عنهم في كل مجالات العمل والأمل والفكر والحياة. وهو
ذاك الذي يجدل حبال التواصل عبر الزمن بين العرب منذ أن تمايزوا
عن غيرهم وتكاثروا في أرضهم وامتلكوا قوامهم ومقومات حضورهم إلى
يومهم هذا، بكل ما لهم وما عليهم. وهم لا يستطيعون خروجاً من جلدهم
ولا يريدون ذلك، كما أنه لا يعيبهم ذلك الجلد، وعليهم أن يزيلوا
كل طفح أصابه أو ظهر عليه وكل ما علق به من درن لا يليق بهم ولا
بمستقبلهم بين الأحياء.
وبمقدار ما ننفتح اليوم على العلم في تطوره ومناهجه وإنجازاته وتحديداته
الدقيقة العميقة ، وعلى المعلوماتية المتطورة بوسائلها وإمكاناتها
وآفاق تقدمها، وعلى التقانة بقدراتها وضروراتها وتطبيقاتها وارتيادها
وما تيسره لنا من صعب ونستفيد من ذلك ونتواصل معه باحترام له واقتدار
عليه ودراية في أبوابه، بمقدار ما نقدم لأمتنا ولتراثنا المتوحدين
في كيان عضوي متكامل، مقومات التقدم والمعاصرة والانتصار في معركة
البقاء الحديثة، فبالعلم والعمل والإيمان تبنى أسس الحضارات والأمم
والشخصيات القادرة على البقاء والتأثير والريادة.
ولا تقع على التراث مسؤولية الذين يعيشون على الاجترار أو خارج دائرة
المعرفة المتجددة والاقتدار، ولا يعرفون طرق الإبداع والتواصل الخلاق
مع معطيات الماضي والحاضر لاستشراف المستقبل، ولا تتركز فيه جراثيم
مادة تحول كل من يتعامل معها إلى مجتر غير قادر على الإبداع والرؤية
الجديدة المتجددة.
ومردود على القائلين قولهم إن المجتهدين الأوائل منذ عصر التدوين
قيدوا الفكر وقيدوا الاجتهاد وأوقعوا كل مجتهد في حبائل سجن النص.
فإغلاق باب الاجتهاد ليس فرضاً ولا سنة ولم يجيء بنص ذي قدسية من
أي نوع، وإنما هو فعل بشر "يجتهدون" لدنياهم ونواياهم
في أمور شرعية أو سياسية تحمي مصالحهم، أو هو أمر سلطة من سلط العرب
والمسلمين رأت أن تغلق باباً تأتيها منه الريح لتريح وتستريح، بعد
أن شعرت ببعض الضنك والأذى والتعب في عصر من العصور، وربما كانت
فيه مصلحة أناسي ذلك العصر أو ذلك القطر أو كان بحاجة إلى شيء من
ذلك لبعض الوقت.
وعلى ذلك فإن التراث، والنصوص الإسلامية من التراث، والنصوص المقدسة
من النصوص الإسلامية على الخصوص، لم تأمر ولا تأمر بإغلاق أبواب
التأمل والتفكير والتبصر والتدبر وإعمال العقل في كل الأمور، لأن
ذلك يخالف جوهر الأمر الإلهي الذي تضمنه نص القرآن الكريم في أكثر
من موقع وحث على التفكير والعلم والتدبر والتأمل والتبصر.. إلخ.
وقال: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار
السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" والسلطان هنا
علم وبرهان ومنطق وحجة ووسيلة مقبولة قادرة على تجاوز كل الحجب والمعوقات
لتفتح باب الارتياد والخلق والوصول إلى ما ليس قائماً في حقل ماثلاً
الرؤية البشرية "العصرية" ولا هو معروف أو متجاوز.
فالتراث من هذا المنظور يحث على المجاوزة بأصول، وعلى الأخذ بكل
المناهج والسبل والأدوات والوسائل التي تمكن من تحقيق تقدم وانعتاق
وتجديد في إطار استثمار الجهد والمادة والزمن لصالح الإنسان والحياة.
والتراث العربي-الإسلامي يرتكز على أصول هي من أركانه أو في الصميم
من تلك الأركان، وجوهر ما عليه "احتجاج" من أهل "معرفة
ورأي" ينصب على أصول إسلامية تحيي "أصولية" تقود
إلى " الإرهاب" الذي يزعج سلطاً عربية وحكومات غربية ،
ويؤدي إلى ممارسات غير مقبولة ولا منسجمة مع تعاليم الإسلام السمح
ولا مع قيم التراث ومقومات الشخصية العربية التي نسجتها عبر العصور
عادات وأعراف واعتقادات وتقاليد راسخة في جذرها الإنساني والأخلاقي.
وفي هذا المجال أحب أن نفرق تفريقاً جذرياً دقيقاً وعميقاً وحاسماً،
بين جوهر الإسلام وفعل المسلمين ، فليس كل فعل يقوم به مسلم هو بالضرورة
من جوهر الإسلام وفي صلبه ، وليس كل ما يعترض عليه الغربيون والساسة
العصريون والمفكرون الماديون من فعل يقوم به متمرد على المركزية
الثقافية الغربية وأهدافها أو على السياسة الرسمية ومحرماتها، أو
على الإلحاد ودعاته والمادية وبناتها وهداتها وأتباعها، أو كل مؤمن
بما يرون الخروج عليه من إيمان أو كل مخالف لمجموعة من المفكرين
أو المثقفين أو المنظرين أو المسيسين، هو بالضرورة على خطأ ويجب
أن ينصاع للأوامر الصادرة عن مراكز ذات عصمة وقداسة من نوع آخر.
فذاك هو فعل "الإرهاب" الفكري الرهيب والمصادرة والقتل
في الظلام، وهو فعل مريض مرفوض. وليس كل فعل يقوم به مسلم هو بالضرورة
"إرهاب" إذ لا بد من معايير ومرجعيات تحكم الأفعال والأقوال
والممارسات حتى لا نقع دائماً في أحابيل موازين الأقوى وازدواجية
معاييره وخدمة مصالحه والأخذ بأحكامه ومصطلحاته ومفاهيمه.
وليست العودة إلى الأصول، في كل عقيدة أو مذهب أو نظرية فكرية أو
فلسفية هي عودة محكوم عليها ، إلا إذا ثبت على مر الزمن وبمعايير
متعارف عليها أن تلك الديانة أو العقيدة أو النظرية أو الفلسفة ذات
الأصول هي في جوهرها هدامة وغير إنسانية ولا تورث إلا الفتنة ولا
تقدم إلا المجرمين والخارجين على الشرائع والتشريعات والقوانين والأنظمة
والأعراف.
ولم ينفذ ذلك في هذا العصر للأسف حتى بالنسبة لنظريات ثبت أنها هدامة
وغير إنسانية ومدانة مثل العنصرية والصهيونية واليمين الأميركي الفاسد
المفسد على الأقل. بل على العكس من ذلك، ارتفعت أسهم العنصرية الصهيونية
وأتباع ذاك اليمين في حالات وأصبحوا يتهمون الآخرين ويفتكون بهم،
ويفصلون لهم الوجوه والأثواب والتهم والمواصفات والتسميات. ليست
الأصول الإسلامية مما يعيب أو يؤدي إلى الانحراف، أو مما يقود إلى
ممارسات إجرامية، حتى يتم ربط كل عودة لأصول الإسلام بالإرهاب ويُحكَم
على الأصولية بأحكام سلبية، وتصبح تهمة يحاسب عليها العرف والقانون
"والفكر الحر" (؟!؟) إن ما يتم في هذا المجال هو سحب المفهوم
الغربي للأصولية المحافظة العدوانية على مفهوم الأصولية الإسلامية
السمحة.. وهذا خطأ فادح.. وكذلك أمر السلفية النقية النظيفة. وعليه
فإن ممارسة بعض "تيارات الإسلام السياسي" أو بعض الأفراد
المتطرفين ليست هي بالضرورة ممارسة للأصولية الإسلامية أو عودة لأصول
العقيدة وترجمة عملية شرعية لها بكل الدقة والأمانة والوضوح والاحتكام
النهائي، وليست كلها بالضرورة "إرهاباً" أو خروجاً على
القانون!! فمقاومة "إسرائيل" العنصرية المحتلة لفلسطين
والجولان ومزارع شبعا، والاحتلال الأميركي لأرض العرب والمسلمين،
ليست إرهاباً بل مقاومة مشروعة واجبة وجهاداً يُحضّ عليه وقضية إنقاذ
واستنقاذ لروح الأمة ومصالحها وأرضها.
ومن ثم فإن هذا الجزء من التراث الإسلامي وهذا الكيان النهائي من
التراث العربي الإسلامي لا ينبغي أن يؤخذ بجريرة فعل فاعلين بمجرد
استنادهم إلى انتماء سياسي يدعي بدوره أنه يستند إلى الإسلام. ولا
يجوز أن ينسحب ما يطلق عليهم من حكم ذي طبيعة سياسية على جوهر الشخصية
العربية الإسلامية، وعلى التراث العربي الإسلامي، وعلى جوهر العقيدة
الإسلامية.
أما "السلفية المتحجرة" التي يقول فريق من -أهل معرفة
ورأي- بأنها من نتائج تعلق بالتراث، وبالتراث الإسلامي تحديداً،
فهي قضية تحتاج إلى تمحيص تكون فيه استفاضة، وسأكتفي بمجرد طرح بعض
الأسئلة على عتبة ذلك.
- هل "السلف" المنظور إليه باحترام وتقدير في كل أمة من
الأمم هو بالضرورة قدوة غير صالحة تعيق تقدم الناس وتمنع رياح العصر
والحضارة من الهبوب؟!
- وهل الشعوب التي تقدم رجالاً قدوة بوصفهم منارات ونماذج يقتدي
الناشئة بفعلها وسلوكها وقيمها هي على ضلال في ذلك تربوياً وعلمياً
وعملياً وقومياً ووطنياً؟!
- وهل كل سلف تم تجاوزه من قبل الخلف حتى تصبح العودة إليه قيداً
وتخلفاً، أو يصبح عدم تجاوزه عملياً قيداً من القيود أيضاً؟!
- وهل نتساوى نحن العرب والمسلمين مع غيرنا في هذه النظرة، أم أنها
نظرة مفصّلة لنا ومحكوم بها علينا وعلى سلفنا فقط؟!
- وهل كل صالح من فعل أو قيمة أو شخص أو فكرة أو قول أو سلوك هو
بالضرورة قيد وسبب تخلف وصفة تحجّر؟! أم أن ذلك محصور -بوصفه تهمة
ومجموعة من السلبيات - بالعرب المسلمين، وموجه إليهم من قبل أعدائهم
والمتحالفين من أبنائهم مع أولئك الأعداء، أو الواقعين تحت تأثيرهم
والسامدين في ظلال تبعية لثقافتهم، سواء أعرفوا ذلك أو لم يعرفوه؟!؟.
إن هذا الأمر يحتاج، كما قلت، إلى شيء من التمحيص والتدقيق باستفاضة،
ولا بد من عودة لذلك الأمر بعون الله.
علي عقلة عرسان
كاتب وأديب عربي سوري
أعلى

متحف سكاني نفيس
قد يستغرب بعض القرّاء العرب صرخات الإستغاثة
التي أطلقها مسؤولون دوليون قبل بضعة ايام حيال إحتمال تعرض الأقليات
العرقية والدينية في العراق للإبادة. ويرد هذا إلى أن هؤلاء القرّاء
يعرفون حقائق عامة ، منها أن العراق عربي وأن غالبية سكانه تدين
بالإسلام. هذه الخلاصات صحيحة بقدر تعلق الأمر بالغالبية السكانية
، ذلك أن أكثر من 80% من سكان العراق هم من العرب ، دماً وثقافة
، كما أن أكثر من 90% من السكان هم من المسلمين. بيد أن هذا لا ينفي
تميز العراق بكونه متحفاً لأنواع الأقليات التي تبدو غريبة للقاريء
العام ، نظراً للتعتيم الإعلامي وللإضطهاد الذي لحق بهذه الأقليات
العرقية والدينية طوال العقود السابقة ، خاصة بعد تأسيس الدولة العراقية
عام 20-1921، حيث بدأ الإندفاع نحو التوجه القومي كهوية تطغى على
ما سواها من هويات فرعية أو مجهرية، إذا صح التعبير في مثل هذا السياق.
تختلف أوضاع هذه الأقليات بين جنوب وشمال العراق: ففي الوقت الذي
تمتع به الصابئة المندائيون بالتسامح الديني والإختلاط السكاني الإعتيادي
في جنوب العراق ، حيث تكثر مناطق المسطحات المائية المنسابة التي
يحتاجونها كجزء من ديانتهم ، تعرضت الأقليات العرقية والدينية في
شمال العراق إلى الإضطهاد وحملات الإبادة طوال تاريخها، خاصة بعد
نهاية القرون الوسطى. وسبب ذلك يعود إلى تنوع هذه الأقليات المجهرية
التي لم تكن لتظهر إلى الوجود لولا الطبيعة الجغرافية والسكانية
للمثلث الشمالي الشرقي من العراق ، حيث يختلط العنصر الكردي بالعنصر
الفارسي من ناحية، وبالعنصر التركي من ناحية ثانية ، وبالعرب من
الناحية الثالثة ، بإعتبار أن هذه المنطقة مجال تماس وبوصفها ممراً
رئيساً للغزوات ولجيوش الإمبراطوريات التي أرادت بسط نفوذها عبر
بلاد مابين النهرين منذ اقدم العصور.
من هذه الأقليات الدينية تظهر لدينا الأقلية اليزيدية (أو الأيزيدية،
حسب اللغة الكردية)، وهي أقلية دينية حظت باهتمام العديد من الباحثين
الشرقيين والغربيين، نظراً لغرابة عقائدها بالنسبة لبعض الدارسين.
اليزيديون من الأقوام الجبلية المتمرسة على حماية نفسها وعقائدها
بواسطة اللجوء إلى الجبال الكأداء ، الأمر الذي يبرر انتشارهم في
قرى صغيرة حوالي مدينة الموصل ، خاصة تلك القرى القريبة من المرتفعات
الصخرية الوعرة حيث يسهل انسحابهم إليها في حالات قدوم الحملات العسكرية
المضادة لهم ، كما حدث في العصر العثماني عندما قررت الاستانة (العاصمة)
بمساعدة والي الموصل القضاء عليهم بقوة السلاح. بيد أنهم استثمروا
صلابة أجسامهم والقدرة على الكر والفر للحفاظ على وجودهم حتى اللحظة
وحتى جاءت الباحثة البريطانية الليدي دراور لتؤلف كتباً عنهم وعن
عقائدهم الدينية الخاصة.
ثمة جماعة قومية أخرى تحيا في ذات المنطقة المجاورة للموصل ، وهي
"الشبك"، وهم قوم لهم لغة خاصة ، ربما تكون مرآة لأصولهم
العرقية المتنوعة، لأنها خليط بين العربية والفارسية والتركية إضافة
إلى اللغة الكردية. عرف الشبك منذ أواسط العصر العباسي وهم يشكلون
ظاهرة سكانية متفردة. وبالرغم من أنهم يحتضنون الإسلام والتشيع الإثني
عشري، فإن بعض الدارسين يدّعي بأنهم فرقة من غلاة الشيعة، وبأن لهم
موروثاً دينياً خاصاً بهم ، هو أشبه ما يكون بالصوفية في تنظيمه
وتدرجاته الفقهية ، حيث سلم رجال الدين الصاعد من "المريد"
ثم "المرشد" إلى "البير"، والدرجة الأخيرة هي
أعلى مرتبة علمية دينية. هم لا يزيدون عن 100000 نسمة ولكنهم، كذلك،
قوم أشداء تمرسوا على حماية أنفسهم وعقائدهم من هجمات الأقوام المجاورة
والإمبراطوريات الحاكمة عبر التاريخ، خاصة بعد القرن السادس عشر
الميلادي.
إضافة إلى الشبك وفي ذات الفضاء الجغرافي الممتد شمالي العراق عبر
حدود الأقوام والأعراق المختلفة تظهر أمامنا أقليات إثنية ودينية
متنوعة أخرى، يطول الحديث عنها، ومنها "الباجلان" و "الصارلية"
و "الكاكائية" و "أهل الحق"، زيادة على الأقوام
المار ذكرها. هذه جميعاً أقليات تشبه اليزيدية والشبك في تمرسها
على الحفاظ على ذواتها وأنفس أهلها بواسطة الصلابة الجسدية والقدرة
العالية على تحمل المشاق.
ربما كان الميل نحو الوحدة والتوحيد "عبر الضم" من أهم
عوامل تعرض هذه الأقليات للإضطهاد والإبادة عبر العهود المختلفة
التي مرت ببلاد الرافدين. لقد عد المسلمون الأقليات الدينية من الفرق
الغالية التي خلطت بين عقائد الإسلام الحنيف وبين الديانات القديمة
التي كانت منتشرة في هذه المناطق قبل الفتوح الإسلامية، كالديانة
الزرادشتية والثنوية الأخرى. لذا نُظر إلى عقائد هذه الأقليات الدينية
بطريقتين، هما: (1) إنها ديانات مختلفة عن الديانات المنزلة، (2)
إنها ديانات غالية أو منحرفة عن الإسلام. وفي كلتا الحالتين كانت
دوافع إطلاق الحملات العسكرية لإبادة هذه الأقليات متاحة خاصة في
العهد العثماني وماتلاه حتى اليوم. أما الأقليات العرقية التي تدعي
بإنتسابها إلى أعراق خاصة بها، فإنها هي الأخرى تعرضت للإضطهاد والمطاردة
بسبب محاولات القوميات الكبيرة المجاورة جغرافياً ضمها إليها. وعلى
سبيل المثال، كانت الحكومات العراقية السابقة تحاول ضم هذه الأقليات
إلى العرب وتعدهم عرباً بإعتبار التوازن السكاني شمالي العراق. وفي
ذات الوقت يعد الكرد هذه أقواماً كردية حسب نفس الإعتبارات. الطريف
هنا هو أن الذين يعدون هذه الأقليات الإثنية عربية إنما يملكون ماهو
مقنع من المبررات، بينما يجد الذين يعدون هذه الأقليات الإثنية كردية
أو تركمانية ما يكفي من الأدلة العلمية والتاريخية لتدعيم إدعاءاتهم.
وهكذا تبقى هذه الأقليات عالقة، كورقة سياسية رابحة، بين الأقوام
الكبيرة، كالعرب والكرد والترك.
إن هذه الأقليات المجهرية، والمهمة كذلك، هي موضوع للشد والجذب وللجدل
العلمي وغير العلمي عبر التاريخ. إنها تتعرض اليوم لأنواع الهجمات
الشرسة من قبل الجماعات المتنوعة من أجل تحقيق ذات الأهداف: (1)
ضمهم إلى دين الأكثرية السائد، (2) ضمهم إلى العناصر العرقية الرئيسة
في المجتمع العراقي. والنتيجة النهائية تتجسد في عصيانهم على جميع
هذه التصنيفات. وللمرء أن يتوقع أن هذه الأقليات لن تباد بسبب قدرتها
الفائقة على البقاء منذ اقدم العصور. ومع هذا، فإن هناك ثمة خطر
على التنوع العرقي والإثني الجميل في العراق: فبينما كان هذا البلد
يمور باليهود، من بقايا السبي البابلي، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد
بسيط لا يزيد عن عدد اصابع اليد. وفي ذات الوقت، يتناقص المسيحيون،
من الآثوريين والكلدان، بسرعة مؤسفة بسبب الوضع الأمني الخطير وتعرضهم
للهجمات الإرهابية، حيث تتلقفهم الكنائس الغربية، الأوروبية والأميركية،
من أجل سحبهم وإعادة توطينهم في بلدان أخرى. حتى المندائيين الذين
يتمتعون بوضع أفضل في الجنوب العراقي وعلى حافات المياه الجارية،
فإنهم قد وجدوا ما يشابه هذه البيئة في استراليا التي قبلت أعداد
لا بأس بها منهم، درجة الحاجة إلى إرسال رجال دين مندائيين كبار،
بدرجة الـ"كنزبرا" إلى هناك لإدراة طقوسهم وحياتهم الروحية.
إن الحاجة إلى السلام والإستقرار هي من أهم اسباب بقاء العراق جميلاً
وغنياً بتنوعه وتعدده.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
بوش آخر من يصلح للمهمة في أميركا اللاتينية
في كل محطة يتوقف بها الرئيس بوش خلال زيارته
إلى أميركا اللاتينية هناك جدول أعمال محدود يقتصر على ذلك المكان
الذي حل به وأعني بذلك الإيثانول وجولة الدوحة مع البرازيل واتفاق
إطار عمل تجاري مع أورغواي وملف الهجرة والأمن في المكسيك وغواتيمالا.
بيد أن هناك جدول أعمال عاما ربما لا يتسنى لزيارة بوش أن تحقق ما
يمكن تسميته إنجازا لأن الزيارة تأتي في وقت متأخر للغاية وأعني
به احتواء تشافيز.
وقد تغير ميزان القوة في المنطقة ليس فحسب بعد الإنتصارات الانتخابية
التي شهدتها نيكاراغوا والإكوادور والتقارب غير المسبوق في النتائج
في المكسيك وبيرو وتطور الأوضاع على نحو غير متوقع في كولومبيا ولكن
مع توسع وانتشار نفوذ الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز. لقد أوجد تشافيز
لنفسه قنوات واسعة واستخدم العديد من الوسائل التي يمكن من خلالها
تقديم إغراءات لدول المنطقة. ويبدو ان اشتراكية القرن الحادي والعشرين
التي يقدمها تمثل مزيجا غريبا لإقتصاد تهيمن عليه الدولة والمساعدات
الإجتماعية والاحتفاظ بمنصب الرئاسة إلى الأبد وتشكيل حكومة بمرسوم
من خلال النظرية والتطبيق لمفهوم الاستبداد ناهيك عن الدخول في شجار
وعداء غير متناه مع واشنطن.
وبفضل عوائد النفط غير المحدودة ( في الوقت الحاضر) وتدفق الأطباء
والمعلمين ورجال الأمن من كوبا وعما قريب امدادات سخية من الأسلحة
الروسية المصنعة في فنزويلا كل ذلك هيأ للزعيم اللاتيني مكانته التي
وضعها لنفسه. وقد أحسن تشافيز استغلال حالة الإحباط التي يعيشها
الفقراء في دول المنطقة في ظل الاصلاحات الاقتصادية على مدار العقدين
السابقين فهو الآن يقوم بتوصيل الإحتياجات الضرورية من رعاية صحية
وحملات لمحو الأمية والسيطرة على أسعار المنتجات الغذائية الأساسية.
وقد بسط تشافيز يده إلى بوليفيا حيث يبدي إيفو مورايلز إعجابا منقطع
النظير به والى الأرجنتين حيث يقوم مع رفيقه نستور كريشنر بالإعداد
لجبهة عريضة معادية لبوش تواكب جولة الرئيس الاميركي في أميركا اللاتينية.
وفيما يرتكز جل اشتراكية تشافيز على الأسلوب الخطابي أو السياسة
الإقتصادية فهي تمثل تراجعا خطيرا فيما يتعلق بحقوق الانسان والديموقراطية.
وفي النهاية إذا كان هدف تشافيز هو إحداث إنقلاب في الإقتصاد الفنزويلي
فهذا أمر يخص شعب فنزويلا اما إذا كان مسعاه هو بسط سلطته وهيمنته
داخل وخارج حدود فنزويلا فهذا شأن يخص الجميع.
لقد حان الوقت للآخرين أن يقولوا هذا الكلام وأن يبذلوا كل ما هو
ضروري من كفاح ايديولوجي وسياسي لسبر أغوار تشافيز وهافانا اللذان
بما يدفعانه من مغالطات مستفيدين من الخيار الديموقراطي واقتصاد
السوق العالمي بما لهو وما عليه.
والحقيقة فإن جورج دبليو بوش هو آخر شخص على وجه الأرض يمكن أن يصلح
للقيام بتلك المهمة في ظل تدهور شعبيته في أميركا اللاتينية التي
أهمل شأنها منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.
وهناك من يعتقد أنه إذا تطرق بوش خلال تواجده في أميركا اللاتينية
إلى الدفاع عن الديموقراطية في القارة الجنوبية كما يفعل في العراق
فليكن الله في عون الديموقراطيين في أميركا اللاتينة.
والأخبار الجيدة هي أن هناك بالفعل شخص يمكنه القيام بتلك المهمة
إذا ما توفرت له التغطية السياسية والدعم المالي الدولي لإنجازها
وهو المكسيكي فيليب كالديرون الذي يناسب تماما مواجهة تشافيز وإخوة
كاسترو. فالرجل يؤمن بحقوق الانسان والديموقراطية ويتفهم أبعاد السياسة
الاقتصادية ومدى الحاجة إلى وجود برامج فاعلة لمحاربة الفقر. كما
انه يدرك أن عليه أن يسير الى جوار جيرانه الشماليين.
إلا أن هناك مشكلة تعترض طريق كالديرون وهي أن الجدال الشعبي الذي
دخل فيه سابقوه مع كاسترو وتشافيز وكريشنر قد أثمر نتائج جيدة لدى
بعض المكسيكيين إلا أنه من ناحية اخرى ألحق أضرارا بالغة بالمؤسسة
التقليدية في المكسيك المتمثلة في حزبي بي آر دي المؤيد لكوبا وبي
آر آي الممثل للحرس القديم.
وبعد أن أعلن منافسه على الرئاسة أن كالديرون زعيم غير شرعي بعد
حصوله على 35% من أصوات الناخبين نجد أن هناك تفهما لعدم تحمسه للدخول
في جدال داخلي واسع دون ان يستند الى ضمانات ان بوش لن يتركه معلقا
في مسألة الهجرة كما فعل مع فيسنت فوكس.
ويعتقد البعض أن كالديرون سوف يغض الطرف عن الجدال الأيديولوجي ويصلح
العلاقات مع كاركاس وهافانا وبوينس ايرس بصرف النظر عن الديموقراطية
وانتهاكات حقوق الانسان
إلا أنه إذا نجح بوش أن يأخذ معه إلى المكسيك التزاما ثابتا بإجراء
إصلاح شامل لقضية الهجرة مع مساندة زعماء مجلسي الشيوخ والنواب وتأكيدهما
على تمرير سريع لهذا الإصلاح يمكن ان تصبح الفرصة مواتية أمام كالديرون
للدخول في معركة الأفكار ضد هذا المد الذي تشهده المنطقة. وستكون
تلك الطريقة الأفضل لاحتواء الأزمة من خلال أفكار المكسيك وأصدقائها
وليس عن طريق محاولات واشنطن وتلويحها بالقوة.
جورج غ. كاستانيدا
عمل وزيرا للخارجية في المكسيك في الفترة من 2000 إلى 2003 وهو الآن
أستاذ لدراسات السياسة وأميركا اللاتينية والكاريبي بجامعة نيويورك
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ(الوطن)
أعلى