|
فتاوى وأحكام
* امرأة قاطعت ابنتها ما يزيد على الثلاث سنوات بسبب أنها تزوجت ممن
قبلت واقتنعت به مع موافقة والدها ، وفشلت كل السبل لاسترضاء أمها
، وهي ترفض مسامحة ابنتها بشكل قاطع ، فهل تؤثم الفتاة مع أنها لم
تفعل ما يغضب الله سبحانه وتعالى بزواجها الشرعي خصوصاً وأن الرجل
ممن يرضى دينه وخلقه ، وماذا عليها تجاه أمها الرافضة لها تماماً ومن
تنعتها بالعقوق ، وهل أخطأت الفتاة بالاختيار أو ليس رضاها شرطاً من
شروط صحة العقد ، وما نصيحة سماحتكم لكل من الأم والفتاة ؟
** أنا أعجب من هذه الأم التي تعترض ابنتها في سبيل تحقيق أمنيتها
، فإن كل فتاة تتطلع إلى الزوج الصالح الذي ترضى دينه وخلقه ، فإن
في ارتباطها بالصالح ما يؤمّن بفضل الله تبارك وتعالى مستقبلها ، بخلاف
ما إذا ارتبطت بمن لا يرضى دينه ولا خلقه ، ومع هذا فإن قضية الزواج
إنما هي ربط مصير بمصير ، وهي لقاء أرواح بأرواح قبل أن تكون لقاء
أجساد بأجساد ، وهي أيضاً لقاء عواطف بعواطف ومشاعر بمشاعر ، فالمشاعر
عندما تكون منسجمة يترتب على ذلك الاستقرار ، ومن الذي يعاشر الرجل
؟ إنما تعاشره المرأة التي يتزوجها ، لا يعاشره أبوها ولا تعاشره أمها
، فلذلك كان جديراً بأن يراعى جانب عواطفها ومشاعرها وأحاسيسها تجاهه
، وألا يُفرض عليها أن تتبع مشاعر شخص آخر تجاه ذلك الشخص ، ومن أجل
هذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول : ( الثيب أحق بنفسها من
وليها ، والبكر تُستأذن في نفسها ، وإذنها صمتها ) فمع كون البكر عادة
كما جرى عليه العرف في تلكم الأزمنة الغابرة السحيقة أن تكون حيية
جداً أي شديدة الحياء لا تستطيع أن تعبر عن مشاعرها أُمر باستئمارها
ولكن مع ذلك روعي هذا الجانب وهو جانب الحياء فيها ، فكان تعبيرها
عن مشاعرها لا يلزم أن يكون باللسان ، وإنما يمكن أن يكون بالصمت ،
فإذا سكتت ولم تقل شيئاً اعتبر ذلك رضا منها لأن بإمكانها أن تقول
لست أريده ، إذ لا تستحي من الرفض وإنما ربما تستحي من القبول .
ونحن نجد أيضاً في كتاب الله تبارك وتعالى ما يحّذر أولياء أمور النساء
من اعتراض سبيلهن في تحقيق أمنيتهن من الزواج ، فالله تبارك وتعالى
يقول ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232) ، فليس
للولي أن يعترض وليته بحيث يمنعها من الزواج ، ولو قدّرنا أنها كانت
متزوجة ثم طلقت من قبل ذلك الزوج ، واعتبر الولي ذلك الطلاق إهانة
لها ، ورغبت هي بعد أن كانت أملك بنفسها بحيث انتهت عدتها رغبت في
الرجوع إلى ذلك الزوج ورغب هو فيها فليس للولي أن يعترض سبيلها ، ولو
أحس بأن إهانة أصابته وأصابتها من خلال تطليق ذلك الرجل لها ، وهذا
كما وقع في قصة أخت مَعقل بن يسار التي كانت ذات زوج وطلقها وانتهت
عدتها منه فهويته وهويها ، أي كل واحد منهما أراد أن يرجع إلى الآخر
، فاعترض على ذلك معقل بن يسار ، ومنعها من الرجوع إليه بسبب أنه اعتبر
طلاقها إهانة ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة ، فخضع
وانقاد واستسلم لحكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلّم وزوّجها
بذلك الزوج مرة أخرى .
ولئن كان هذا في الولي فكيف بالأم ، الأم ليست هي ولية ، ليست هي ولية
لابنتها من حيث الزواج ، لا تلي أمر تزويجها ، نعم للأم حق البر ،
وحقها عظيم ولا ينكر ذلك أحد ، فمن حيث وجوب البر هي أعظم حقاً من
الأب ، ولكن مع هذا لا يعني أن لها أن تعترض سبيل ابنها أو سبيل ابنتها
في تحقيق أمنيتهما من الزواج .
وماذا تريد لابنتها ؟ الابنة تريد الاستقرار ، وتريد الطمأنينة ، وتريد
أن تعيش في كنف رجل صالح يعينها على أمر دينها ودنياها ، فمال لهذه
الأم والحيلولة دون ذلك .
ثم إن القضية قد انتهت فمالها ولهذه المقاطعة ، هذه المقاطعة لا تحل
، مقاطعة أي قريب لا تحل ، الله تبارك وتعالى قرن ما بين المقاطعة
والإفساد في الأرض ، وجعل عاقبة ذلك اللعن والعياذ بالله ، فقد قال
سبحانه وتعالى ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ
اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ )(محمد:22-23) .
فأنا أنصح هذه الأم أن تتقي الله تبارك وتعالى ، وأن تحسن معاملة ابنتها
، وأن تحرص على خير ابنتها ، وألا تعترض سبيلها في الخير ، بل عليها
أن تدعو الله تبارك وتعالى لهما في زواجها بأن يحقق لهما السعادة والاستقرار
والطمأنينة وأن يرزقهما الذرية الصالحة الطيبة .
كما أنني أنصح هذه الابنة بأنها مهما لقيت من أمها من عنت وشقاق وسوء
معاملة ألا يكون ذلك داعياً إلى عقوقها ، فالأم مهما أساءت يؤمر بالإحسان
إليها لأن من حقها أن يحسن إليها ، وربما كان جهلها وقصور عقلها وعدم
تجربتها سبباً في هذا التصرف الأحمق الأرعن الذي صدر منها ، والله
تعالى أعلم .
* هل هناك طرق معينة سماحة الشيخ تنصحون بها البنت في استرضاء أمها
؟
** نعم ، من الممكن أن تستعين عليها بقريباتها ذوات التأثير عليها
، ومن الممكن أن تستعين عليها بأقربائها المؤثرين عليها ، ومن الممكن
أن تترك أحداً من ذوي الحكمة يخاطبها بما فيه إقناعها ويضرب لها الأمثال
ويقرّب لها البعيد الذي لا تراه بسبب قصر نظرها .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالات تربوية في
نماذج قرآنية حذرة 7
حوار مؤمن آل فرعون مع فرعون وقومه 2ـ2
ـ الحرص على تربية النشء منذ الصغر، حتى لا تنحرف أمامهم الحقائق.
ـ الإخلاص في دين الله سبحانه وتعالى يجعل من المرء مخلد الذكرى
ـ على الداعية أن يفوض أمره إلى الله بعد قيامه بالواجب، ليبارك له
في مسعاه ، وليحميه من شرور أعدائه .
ـ تجنيد المرء نفسه لخدمة هذا الدين، يجعل من نفسه نائبا عن الرسول
في ذلك.
الشيخ الدكتور/ مبارك بن مسلم الشعبني
خبير وعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية
ومحاضر بمعهد العلوم الشرعية
تكلمنا في الحلقة الماضية عن الجزء الأول لحوار
(مؤمن آل فرعون مع فرعون)، الذي كان يذكرهم بقدرة الله في سلب ما أنعم
عليهم من ملك، كما فعل مع الأقوام الماضية وكذلك التذكير بيوم القيامة
وأهواله وبالأنبياء الذين بعثوا فيهم من قبل ومن بينهم يوسف الذي كذبوه،
واستبعادهم إرسال نبي آخر بعده حيث ظهر في الحوار تعنت فرعون واستكباره
هو وقومه. فقد حثهم مؤمن آل فرعون على اتباعه، وعدم الركون إلى الدنيا
عند ذلك ، يتساءل مستغربا من دعوتهم له إلى عبادة غير الله تعالى الموصلة
إلى النار، في الوقت الذي يدعوهم إلى ما يوصلهم إلى رضوان الله وجنته
إن هذا الحوار القرآني يتضمن ضررا متوقعا من مخلوق، يدعو إلى الوقاية
والحذر، ألا وهو الهلاك من دمار وقتل وأذى، ويشمل طرفين، إن مؤمن آل
فرعون مهدد بضرر القتل لا محالة، كونه من أنصار موسى بل ومتبن دعوته
؛ وقد تيقن هو من ذلك، والحوار القرآني قد بين لنا أنهم قد مكروا به
ليضروه ولكن الله وقاه وحماه، لقوله سبحانه: ?فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ
مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)?؛ ولذلك
نجده قد استخدم أسلوبا احترازيا حكيما ليدرأ عن نفسه الضرر والأذى؛
هذا الأسلوب الاحترازي الذي استخدمه في وقاية نفسه من الهلاك ، وفي
هذه الحلقة سوف نكمل ما تبقى من هذا الحوار :
الصبر وعدم استعجال النتائج
1- على المرء أن يكون صبورا ولا يستعجل النتائج،
بل عليه أن يخلص العمل أولا. وهذا ما يلحظ من نتيجة دعوة الرجل الصالح
المعززة لدعوة سيدنا موسى ( ، إذ عند ربط أحداث قصة سيدنا موسى مع
فرعون وقومه نجد أن صريح ما قاله لفرعون وقومه، هو ما قاله سحرة فرعون
حال تبين الحق عيانا؛ فما قاله من تذكير بحقارة شأن هذه الحياة، وأن
الآخرة هي دار القرار، في قوله: ?يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ
صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)?، هو في معنى
ما قاله السحرة حال إيمانهم بربهم، في قوله سبحانه على لسانهم: ?فَأُلْقِيَ
السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)
قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيركُمْ
الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ
عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ
مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا
عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ
مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ
فِيهَا وَلا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ
فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ
تَزَكَّى (76)?10.
2- على الداعية أن يفوض أمره إلى الله بعد قيامه بالواجب، واجتهاده
فيما يعمله ليبارك له مسعاه، وليحميه من شرور أعداءه.
3- ضرورة التزام الداعية بما يدعو إليه؛ وهذا ما دعا مؤمن آل فرعون
إلى التصريح بإيمانه بعد كتمانه له. فهذا الأمر محمود عند الله، وقد
أثنى الله سبحانه على من يقوم بهذا المنهج، يقول سبحانه: ?وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي
مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)?11. يروي ابن كثير أن الحسن البصري عندما
تلا هذه الآية، قال:" هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا خيرة
الله، هذا أحب أهل إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس فيما
أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته.."12 . ويقول سبحانه
حاثا على تطبيق ما يدعو إليه المرء من مبادئ سامية، تطبيقها في نفسه
أولا، يقول سبحانه في مخاطبته لبني إسرائيل، وفي إشارة للمسلمين من
هذه الأمة بعدم الإقتداء بهم في ذلك?أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ
(44)?13؛ ويقول على لسان سيدنا هود ( في مخاطبتة لقومه: ?قَالَ يَا
قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي
مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا
أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ (88)?14. ويقول سبحانه في خطابه للمؤمنين بالالتزام العملي
بما يدعون به وينادون: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ
مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا
مَا لا تَفْعَلُونَ (3)?15.
4- من وسائل رفع ذكر المؤمن في هذه الحياة هو إخلاصه لدين الله سبحانه.
وتخليد الله سبحانه قصة مؤمن آل فرعون بأن جعلها في قرآن يتلى إلى
يوم الدين، فيها دلالة على ذلك، فضلا عن أن فيها دعوة صريحة لأن يجند
المرء نفسه لخدمة هذا الدين، ويجعل من نفسه نائبا عن الرسول في ذلك؛
كما جعل مؤمن آل فرعون نفسه نائبا عن الرسول موسى ( في تبليغ دين الله.
وبعمله الشريف هذا نال مزية وكرامة الرسل الكرام، بأن نجاه من العذاب
والتآمر، فضلا عن تخليد ذكره إكراما لما قام به.
5- الحوار فيه دعوة إلى أهمية الدفاع عن الرسول ( ممن يحاولون النيل
منه بمختلف الوسائل، فالدفاع عنه يدحض شبه الخصوم والمتقولين. ومؤمن
آل فرعون جند نفسه في الدفاع عن موسى ( ، وسنة الله باقية في نيل الكفار
والجاحدين من الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا محمد ( ، فجدير بالمؤمن الذب
عنهم لينال الثواب والأجر؛ ويكون ذلك من خلال إبطال أقوال المتنطعين
فيهم صلوات الله وسلامه عليهم؛ وبالدفاع عن سنة النبي ) .
6- على المؤمن أن لا يستسلم للعقبات التي عادة ما تقف في طريق الداعية،
فالمشقة - مثلا-في الدعوة إلى الله سنة من سنن الله في الحياة، لأن
الثمرة غالية وعالية؛ فقد يعارضها أقرب المقربين. ولكن بالصبر تأتي
النتائج، فيؤيد الله الداعين بنصره المؤزر، ويمحق المعاندين بعذابه
المحقق16، يقول سبحانه: ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا
أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً
يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)?17.
7- يحسن الحرص على تربية النشء منذ الصغر، حتى لا تنحرف أمامهم الحقائق.
فالموازين والحقائق تنقلب في نظر من أشرب قلبه فسادا ونكرانا للحق؛
بحيث ينقلب في نظره الحق باطلا، والباطل حقا، والضلال هدى والهدى ضلالا،
والحسن قبيحا والقبيح حسنا، وهكذا؛ وهذا الصنف من الناس في نظر التربويين
يعد شخصا منحرفا18؛ نجد ذلك واضحا جليا في فرعون حيث يدعو قومه: ?قَالَ
فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ
سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)?؛ وقبل ذلك قد قال عن هدف دعوة موسى: ?إِنِّي
أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ
الْفَسَادَ (26)?؛ وهذا لسواد القلب الذي يطبع عليه بالران، والذي
قاله مؤمن آل فرعون نفسه في وصفه سبب تكبرهم: ?كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
(35)?. ومرحلة الطبع على القلب مرحلة تعد جزاء أليما لمن يتمادى في
الغي والضلال، إذ فيها تستمرأ المعاصي التي ألفها القلب، لدرجة أن
تستباح ولا يرى صاحبها فيها الحرمة- والعياذ بالله- وهي عاقبة من يتكبر
أو يستهين بآيات الله، يقول جل شأنه في ذلك: ?ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ
الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا
بِهَا يَسْتَهْزِئُون (10)?19؛ يقول صاحب كتاب (آيات قرآنية ومضات
من القرآن الكريم): " يفتقر أمثال هؤلاء- يعنى الجاحدين- إلى
يقظة الشعور، فقد تعطلت في نفوسهم كل الأحاسيس التي تميز الصواب من
الخطأ، ولولا ذلك لأنصفوا نفوسهم ولحاسبوها، وراقبوا أفعالهم بدلا
من أن ينجرفوا في ريائهم وخداعهم، وأنهم لا يشعرون بالإفساد، لأن حسهم
الإيماني قد تعطل عن أداء وظيفته بسبب ما غشيه من ظلام الكفر والنفاق"20.
ومثل هذا الصنف يحسن مواجهته بالمثل في إبراز الحقيقة21، وبنفس اللهجة،
مع إبراز الحجة الداحضة لكل افتراء يفتريه الجاحد-خاصة إن كان مستكبرا
عن سماع الحق-، وهذا ما قام به مؤمن آل فرعون فقد قال الله على لسانه
مخاطبا قومه: ?وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ
سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)?.
واجب الأمر بالمعروف بين المسلمين
إن ما ينطبق على واجب الدعوة إلى الله مع غير المسلمين، ينطبق على
واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين؛ فبدون الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر تفسد المجتمعات ومن ثم تدمر، لاستفحال المعاصي فيها.
وقد ورد الكثير من النصوص القطعية ما تحذر من مغبة التهاون والسكوت
عن المنكر، منها إخبار الله لنا ما حل ببني إسرائيل من طرد ولعن من
جراء تماديهم في الفساد، وعدم إنكاره، يقول سبحانه: ?لُعِنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا
لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
(79)?1؛ وهو حث لهذه الأمة في عدم السير على ما ساروا عليه حتى لا
يصيبها ما أصابهم كما وردت أحاديث شريفة تحذر من خراب ودمار قد يحل
ما لم يتدارك بالإصلاح، ففي حديث جاء من طريق عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله : " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل
يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك،
ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون آكله وشاربه وقعيده، فلما
فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" ثم قال بعد أن تلى آية لعن
اليهود على لسان أنبياء بني إسرائيل، قال:" كلا والله لتأمرن
بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق
أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا" قال المباركفوري2: والمعنى"لا
تعذرون حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق وإعطاء النصفة للمظلوم"3؛
وفي رواية: " أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم
كما لعنهم"4.
8- الشجاعة والإقدام في الحق أمر يهبب الخصم؛ والقائم على دين الله
بالدعوة إليه يعد شجاعا، مهما كان وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو
السياسي؛ يستشف ذلك من خلال ما يلحظ أنه ثناء من الله على مؤمن آل
فرعون عندما وصفه الله سبحانه: ?رجل?؛ ولفظه رجل دالة على الإقدام
والشجاعة، وقد أثنى الله بها على كل من قام بالواجب نحو دين الله سبحانه،
كما في قوله:?وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)?5، وفي قوله سبحانه واصفا
المؤمنين: ?مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)?6، وقوله جل شأنه: ?فِي بُيُوتٍ أَذِنَ
اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا
بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا
بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ
يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)
لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ
فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ?7.
"إن ثمة فرق يوجد بين الرجولة والذكورة؛ فالذكورة تقابل بالأنوثة،
والزوجان هما الذكر والأنثى. والذكورة صفة جسدية بدنية ليس إلا. لكن
الرجولة تشير إلى القوة والتحمل والشجاعة والثبات، فهي تشير إلى صفات
نفسية، ومزايا معنوية، وفضائل أخلاقية، وهي عندما تأتي في القرآن إنما
تأتي في مقام المدح"8؛ ومؤمن آل فرعون لم يخبرنا الله باسمه بل
اقتصر بوصفه رجلا في إشارة منه سبحانه "أن الرجولة في الإيمان،
أيا كان هذا المؤمن، في أي مكان، وفي أي زمان، وبأي اسم، وبأي صفة"9.
أعلى
رسالة للنفس اللوامة
يا نفس ..إذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته
موقوفة ، والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة ، فلا تعجبي بإيمانك
وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك، فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق
ربك وفضله الدار عليك وخيره فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخرة بمتاع
غيرها وربما سُلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير ، فكم
من روضة أمست وزهرها يانع عميم فأصبحت وزهرها يابس هشيم ، إذ هبت عليها
الريح العقيم كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم فيصبح وهو
بمعصية الله مظلم سقيم ذلك فعل العزيز الحليم الخلاق العليم يا نفس
.مالك من صبر على النار ، نوم بالليل وباطل بالنهار وترجين أن تدخلي
الجنة هيهات هيهات، متى العمل فاستيقظي يا نفس ويحك، واحذري حذرا يهيج
عبرتي ونحيبي ، وتجهزي بجهاز تبلغين به شاطئ الأمان فلم ينل المطيعون
ما نالوا من حلول الجنان ورضا الرحمن إلا بتعب الأبدان والقيام لله
بحقه في المنشط والمكره يا نفس .ما أصعب الانتقال من البصر إلى العمى
، وأصعب منه الضلالة بعد الهدى، والمعصية بعد التقى ، كم من وجوه خاشعة
وقعت على قصص أعمالها عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ، وكم من شارف مركبه
ساحل النجاة فلما هم أن يُرتقي لعب به موج فغرق الخلق كلهم تحت هذا
الخطر، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ،
ما العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا .يا نفس .كيف
يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان
أمره فرطا ؟ !! فبعيد من قلبه بعيد من الله تعالى، غافل عنه متعبد
لهواه أسير لشهواته، لسانه يابس عن ذكره وجوارحه معطلة عن طاعته مشتغلة
بمعصيته فبعيد عن هذا أن يوفق للخاتمة بالحسنى يا نفس أما الورعون
فقد جدوا ، وأما الخائفون فقد استعدوا ، وأما الصالحون فقد فرحوا وراحوا
وأما الواعظون فقد نصحوا وصاحوا، العلم لا يحصل إلا بالنصب والمال
لا يجمع إلا بالتعب ، فإن حرصت على الخلاص فاعلمي أنه من عزم بادر
ومن هم ثابر، ولا ينال العز والمفاخر من كان في الصف الآخر ..يا نفس
.بادري بالأوقات قبل انصرامها واجتهدي في حراسة ليالي الحياة وأيامها،
فكأنك بالقبور وقد تشققت وبالأمور وقد تحققت وبوجوه المتقين وقد أشرقت
وبرؤوس العصاة وقد أطرقت قال تعالى ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) السجدة 12 .يا
نفس .أما لك في الصالحين أسوة كان أحد الصالحين قد جعل عليه كل يوم
ألف ركعة فلا ينصرف منها إلا وقد انتفخت قدماه وساقاه ثم يقول لنفسه:
يا نفس بهذا أمرت ولهذا خلقت يوشك أن يذهب العناء ، يا نفس إنما أريد
إكرامك غدا ، والله لأعملن بك عملا حتى لا يأخذ بالحق منك نصيب ، قومي
يا مأوى كل سوء فوعزة ربك لأزحفن بك زحف البعير ولئن استطعت أن لا
يمس الأرض من زهمك لأفعلن ثم يتلوى كما تتلوى الحية على المقلى ثم
يقوم فينادي : اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي .وكان أحد
الصالحين يخاصم نفسه في المسجد فيقول : اجلسي تريدين الخروج أين تذهبين؟
، أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد ، انظري إلى ما فيه ، تريدين أن
تبصري دار فلان ودار فلان ودار فلان ، ما لك من الطعام يا نفس إلا
هذا الخبز والزيت ، وما لك من الثياب إلا هذين الثوبين ، وما لك من
النساء إلا هذه العجوز وقال الجنيد : أرقت ليلة وفقدت حلاوة وردي ثم
اضطجعت لأنام فتمايلت حيطان البيت وكاد السقف أن يسقط فخرجت فإذا برجل
ملتف بعباءة مطروح في الطريق ، فقال إلي الساعة ، قلت موعد قال بلى
سألت محرك القلوب أن يحرك قلبك ، قلت قد فعل ، قال متى يصير داء النفس
دواءها ، قلت إذا خالف هواها قال : يا نفس اسمعي أجبتك به مرات فأبيت
إلا أن تسمعيه من الجنيد ثم انصرف وقال إبراهيم التيمي : مثلت نفسي
في النار أعالج أغلالها وسمومها آكل من المثخن وأشرب من زمهريرها فقلت
يا نفس ماذا تشتهين قالت ارجع إلى الدنيا فاعمل عملا أنجو به من هذا
العقاب ، ومثلت نفسي في الجنة مع حورها، ألبس من سندسها واستبرقها
وحريرها قلت يا نفس ماذا تشتهين ، قالت ارجع إلى الدنيا فاعمل عملا
ازداد فيه من هذا الثواب ، قلت :فأنت في الدنيا وفي الأمنية فاعملي
.. وكان معروف الكرخي يضرب نفسه ويقول يا نفس كم تبكين أخلصي وتخلصي
وقال عبد الرحمن بن مهدي : أدركت امرأة لا أقدم عليها رجلا ولا امرأة
ممن أدركت ، كانت إذا أصبحت قالت: يا نفس هذا اليوم ساعديني يومي هذا
فلعلك لا ترين بياض يوم أبدا ، وإذا أمست قالت : يا نفس هذه الليلة
ساعديني ليلتي هذه فلعلك لا ترين ظلمة ليلة أبدا ، فما زالت تخدع وتدفع
يومها بليلتها وليلتها بنهارها حتى ماتت على ذلك وعن مسمع بن عاصم
المسمعي قال وهو يروي قصة امرأة عابدة يقال لها (منيفة) فكانت إذا
هجم الليل عليها قالت بخ بخ يا نفس قد جاء سرور المؤمن فتتحزم وتلبس
وتقوم إلى محرابها فكأنها الجذع القائم حتى تصبح فإذا أصبحت وأمكنت
الصلاة فإنما هي في صلاة حتى ينادي بالعصر فإذا صلت العصر هجعت إلى
غروب الشمس فكان هذا دأبها فقيل لها لو جعلت هذه النومة في الليل كان
أهدأ لبدنك فقالت لا والله لا أنام في ظلمة الليل ما دمت في الدنيا
فمكثت كذلك أربعين سنة ..وكيف تحب أن تدعى حكيما وأنت لكل ما تهوى
ركوب وتضحك دائما ظهرا لـبطن وتذكر ما عملت فلا تتوب.
سيف بن عبدالله الناعبي
أعلى
( اتقوا الله في أبنائكم )
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى
به رسول الله ( فقال إني نحلت (أي أعطيت ) ابني هذا غلاما كان لي فقال
رسول الله( :(أكُلُ ولدك نحلته مثل هذا ) فقال: لا فقال رسول الله
( :(فأرجعه )وفي رواية (أفعلت هذا بولدك كلهم ؟)قال :لا قال: (اتقوا
الله واعدلوا في أولادكم ) فرجع أبي فرد تلك الصدقة .. وفي رواية قال
:(فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور )... وفي رواية (أشهد على هذا
غيري) ثم قال (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ) قال بلى قال (فلا
إذا ) أخرجه البخاري ومسلم .
الظاهر من هذا الحديث أنه لا يجوز للأب إعطاء ولد من أولاده هبة مالا
أو عقارا أو أي عرض دون الآخرين ولذلك أمر النبي ( بأن يعود في هبته
فرجع عنها .. جاء في شرح الحديث (إن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض
فهو باطل وهذا قول الظاهرية وبعض التابعين) عمدة القارئ في شرح البخاري
للعيني 13/142.وقد أخذ الفقهاء يتأولون الحديث إذ يرون أن الغاية هو
العدل وان ليس من العدل المساواة بين الولد البار والفاجر وكذلك قد
يجوز إعطاء المحتاج والصغير والضعيف أو المتفوق إلى غير ذلك، ولهذا
نجد من تأويلات الحديث أن النووي رحمه الله قد بوب الحديث في قوله
(باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة ).. وجاء في
شرح العيني (وهذا لا يدل على فساد العقد الذي كان قد عقده للنعمان
... وأما امتناعه عن الشهادة فلأنه كان متوقيا عن مثل ذلك لأنه كان
إماما والإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما من شأنه أن يحكم ... وليس
فيه أمره برد الشيء وإنما فيه الأمر بالتسوية فان قلت في رواية البخاري
(رجع فرد أعطيته) قلت رد عطيته في هذه الروايات باختياره لا بأمر النبي
( ... ثم قال: إن أمره فأرجعه هو من باب الفضل والإحسان لا من باب
الأمر على الإيجاب) عمدة القارئ في شرح البخاري 13/144.والظاهر أن
في هذا التأويل تكلفا وان امتناع الرسول ( عن الشهادة دليل واضح على
فساد العقد .. والأمر بإرجاع الهدية ايضا واضح وبين وتأويله بالاختيار
متكلف .. ولذا أعود فأقول أنه لا يجوز تفضيل ولد على ولد في عطية كبيرة
مما يظهر منه واضحا التفريق بين الأولاد بإعطاء البعض وحرمان الآخرين
ويؤيد ذلك الحديث الشريف (سووا بين أولادكم في العطية ، كما تحبون
أن يسووا بينكم في البر ) عمدة القارئ في شرح البخاري صحيفة 143، كما
أن الواجب العمل بكلام الرسول ( على ظاهرة ما لم تكن في الحديث نفسه
أو في حديث غيره ما يدل على غير ذلك فعند ذاك يدخل العمل بالندب والاستحباب
مثلا أو على العكس الكراهة ..فكيف وقد ورد في نفس الحديث قوله عليه
الصلاة والسلام (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ) وفي غيره ما
يدل على وجوب التسوية بين الأولاد في العطية ..
أما إكرام المحتاج والضعيف والفقير والبار بوالديه فجائز إلى حد معين
وبقدر حاجته بشرط أن لا يشم منه أية التفريق بين الأولاد في العطية
، فمثلا قد يكرم الأب ولده البار مالا كثيرا فيعرضه للهلاك إذ يطغى
إذا استغنى ويضحى عاصيا كما أن باب التوبة مفتوح للعاصي الذي قد يؤوب
إلى رشده ويضحى عضوا نافعا في الأسرة .. والظاهر أنه من الجائز مساعدة
المحتاج والفقير من الأولاد بشئ يسد حاجته من باب التعاون على البر
والتقوى وذلك بإطلاع جميع الأولاد ورضاهم وربما كان الأفضل لو تعاونوا
جميعا على مساعدته كل بقدر ما آتاه الله من سعته . ولا يجوز أبدا إعطاء
بعض الأولاد ما يستحقونه كله أو بعضه من الميراث في حياة الوالد ..
إذ يحرم بذلك الباقون إذ لا يجيز الاسلام حرمان شخص من ميراثه إلا
وفق الأسباب الشرعية كالردة وقتل النفس المورثة .. وطبعا لا يجوز هبة
عقار أو مال للزوجة في حياة المورث إلا أن يكون ذلك جزءا من الثلث
المسموح به في الوصية وان يكون بعد الموت إذ لا تدري نفس ماذا تكسب
غدا وبأي ارض تموت وكل ما أقوله عن تأويل الحديث من قبل الشراح والفقهاء
،هو أنهم أخذوا بمبدأ الغاية من الحديث الشريف وهو العدل وقروا ما
رأوه يتفق مع العدل وبحسب اجتهادهم فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى
سمع أبو النعمان كلام رسول الله ( ولم يؤثر أحدا من أولاده دون الآخر
بهبة .. وكل رب أسرة يمتثل ويطبق هذا الحديث الشريف سيحصل على خير
كثير أذكر ما يخطر ببالي ..
أولا: تسود المحبة بين الأولاد فيكونون عصبة قوية متعاونة فيما بينها
يصعب على أعدائها أو جيرانها الاعتداء عليها ..
ثانيا: ينتفي في هذه الأسرة الحسد والحقد الذي يتولد حتما بين الأولاد
حين يرون أن القانون الإلهي (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) هو السائد
فيعمل كل ضمن قدرته واختصاصه ويجتهد ويسعى لما فيه رفاه الأسرة .
ثالثا : تتحسن الحالة المالية للأسرة لأنها بعدل الأب لا يرى أفرادها
مالهم إلا مال الأب قبل كل واحد أي هو مال الأسرة مجتمعا فكلهم شركاء
فيه وكلهم مستفيد منه بقدر حاجته ..
رابعا : ينتفي النفاق والشقاق ويكون الإيمان والسلم والمحبة لهذا الأب
.. أنهم كلهم يحبونه الحب الصحيح ، يفدونه بأنفسهم ومالهم حقا ،يطيعونه
فيما يحبون وما يكرهون لأنه الأمير ما لم يأمر بمعصية العدل أساس كل
فضيلة ، والأسرة التي تنشأ وتؤسس على العدل تكون أسرة فاضلة ذات مستوى
أخلاقي جيد وممتاز فتحيا الحياة الطيبة وتكون نواة طيبة للمجتمع الصالح
.. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا وهذا رجل آخر بلغه هذا الحديث
الشريف فرفض العمل به واتبع هواه فماذا تكون النتائج..
أولا : الحسد والحقد في الأسرة إذ يحسدون أخاهم الذي أوثر بالمال دون
غيره ومن ثم يحقدون عليه ويكرهونه ، والحسد والحقد هما شر ما تبتلى
به الأسرة إذ ليس وراء ذلك إلا الخصام والاقتتال والفرقة وخراب الأسرة
..
ثانيا : وبنتيجة الإيثار والنفس ضعيفة يبدأ بعض الأخوة بالتزلف إلى
الأب ليعطيهم فيزنون الأقوال والأعمال وفق هواه ، وهم يعلمون جيدا
أنهم يكذبون فيما يقولون ، وهم يعلمون حقا أنهم يخربون البيت فيما
يفعلون ولكن الدنيا حلوة ،..هاهم إذا أكل أبوهم الحنظل قالوا عنه أنه
أحلى من الشهد ، وأنه ليجمع المال من الاحتكار والرشوة والظلم وسرقة
الشعب والاستغلال ووو... والمنافقون من أولاده مطلعون يزينون له فعله
ويسمونه الحذق والمهارة والتجارة والعلم والخبرة .. وإذا نشأت في الأسرة
جوقة المنافقين فقد ضاعت المقاييس والموازين وفشا الظلم ، وفسدت الأخلاق
وهلكت الأسرة ولذلك كان عقاب المنافق في الدرك الأسفل من النار وإن
ظهر منه صلاة وصوم وحج ..
ثالثا : وخراب المقاييس يجعل باقي الأولاد يقلد أخوته الكبار فلماذا
يدرس ويتعب ويسهر الليالي أليس المطلوب هو المال فهذا هو الطريق زلفى
للأب ومدح بل ليكن التأليه ..المال المال ..والجاه العريض ..و لا يرضى
هذا الوضع كل الأولاد فإن منهم من يرى أنه تعب واجتهد وحصل على الدرجة
العلمية ، يريد أن يحصل على ما يستطيع به من خدمة الأسرة والناس وأفادتهم
من علمه وهو في هذا البيت لا يستطيع ذلك أبدا ، ولذلك تراه يخرج من
هذا البيت يشد الرحال لعله يجد أرضا وأناسا لهم غير موازين هذه الأسرة
فيعمل معها .. وما اضطر للهجرة إلا بعد صبر طويل وجهاد ضد الباطل وأنى
له التوفيق وهو وحيد والمنافقون المتزلفون كثيرون .. لقد خسرته الأسرة
..
رابعا : تكون محبة الأب من أولاده المنافقين محبة ظاهرة في القول لا
بالفعل فما أسرع ما يهربون كلهم عندما يحتاجهم ليعطوه بعض المال أو
ليدافعوا عنه .. إن الله عز وجل وصف المنافق على لسان نبيه بالكذب
وبخلاف الوعد وبخيانة الأمانة وأنه إذا خاصم فجر وظلم وفي القرآن الكريم
عشرات الصفات ذكرها الله عز وجل في وصف المنافقين .. قال تعالى (المنافقون
والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون
أيديهم نسوا الله فنسيهم ان المنافقين هم الفاسقون ) سورة التوبة ..
لقد ذكر الله عز وجل في القرآن أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وكذلك
الكافرون بعضهم أولياء بعض أي ينصر بعضهم بعضا أما المنافقون فلا ..
فهم يخذل بعضهم بعضا وهم إضافة إلى اختلال مقاييسهم بالأمر المنكر
والحث على الفساد ومقاومة كل إصلاح فهم بخلاء يقبضون أيديهم لا ينفقون
حتى من أجل بعضهم .. فانظر وتأمل كيف نشأ هذا المجتمع من غلطة أب ..
خامسا: ولقد جرب الأب فتظاهر بالخسارة وطلب من أحد أولاده وإنقاذه
من ورطة وقع فيها والمال كله مال الأب فإذا بالولد يجد له عشرات المخارج
ليهرب من أي التزام ..وتأتي ساعة في الليل يخلو فيها الأب إلى نفسه
..أحقا ما لقي من ولده ؟. نعم إنه الواقع ويرجع بذاكرته إلى الأعوام
الماضية ...لقد جمع المال بالباطل ، لقد أكل مال اليتيم واستولى على
بيوت الأرامل ، كانت غايته جمع المال فجمعه وأغمض عينيه عن الوسيلة
فكان أكثر هذه الوسائل مما ترفضه الوحوش ..انه يعرف الحل ولكن وقد
ألف هذا الجاه العريض وعاش هذه الحياة المترفة أنى له أن يرضى بالكوخ
وباليسير من المنام والطعام ..المال مال الله فيجب أن يعيده إلى أصحابه
.. وهو في هذه الحالة ، في خصام مع نفسه في لحظة من يقظة ضميره يصاب
بالقلق .والكمد فالجنون وإذا به نزيل المستشفى .
يا أبت
وفي الأسرة فرد قد حرم من كل شيء لأنه لا يزن شيئا بهذه الموازين الجديدة
، نصح أباه ليصده عن الظلم فزجره الأب وقال له أنا حر بمالي أهبه لمن
أشاء وحين فسدت الأسرة وكثر المستفيدون ولم تبق له كلمة في البيت فانزوى
وأخذ يذوب كمدا على ما حل بالأسرة ، إنها فتنة المال إنه الترف إنه
مفتاح الهلاك ، هو ينظر بعيدا إلى عاقبة الظلم والترف وهم غارقون في
الذهب والفضة والأنعام والحرث ، كلما بدت منه إشارة أو كلمة كانوا
مع الأب على زجره وتوبيخه، فهو متخلف بنظرهم ، وهو حاقد يحسدهم على
ثروتهم ، وهو مرتبط ، وهو لا يشعر بشعور الأسرة ولا يسير بخطها ، تبا
له ..لقد حرم حتى من الكتاب الذي يجب أن يقرأه فلا مال عنده لشرائه
..كل ذلك وهو صابر ينتهز فرصة ليختلي بأبيه وليهمس بأذنه بكل أدب وعطف
وحنان وإخلاص (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا
.يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا )..
إنه الولد الوحيد المخلص لهذا الأب ، يريد إنقاذه ، يريد أوبته إلى
الله ، ولكن أنى للأب أن يسمع ، أنى لمن عبد هواه أن يعبد الله أنى
لمن أصبح موظفا عند الشيطان أن يستقيل ..أنى ،أنى .. لم أبالغ في وصف
عاقبة الظلم بل ذكرت جزءا مما يكتبه الله للظالم إن لم يتب قال تبارك
وتعالى (لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ومالهم من الله
واق ) سورة الرعد ..
عبد الرحيم جاد الرب
أعلى
(( وآتوا اليتامى أموالهم ))
أولاً : ما هو تعريف اليتيم ؟ قال العلماء :
اليتيم في اللغة هو من مات أبواه أو أحدهما فانفرد عنهما أو عن واحد
منهما فاليتم في اللغة الانفراد , أما في اصطلاح علماء الفقه فهو :
الصغير الذي مات أبوه ) فإذا بلغ الصغير زال عنه وصف اليتم وأصبح رجلاً
يلي أمور نفسه ما دام رشيداً وقد يسمى بعد البلوغ يتيما باعتبار ما
كان , لغرض من الأغراض البلاغية , كالمبالغة في الحث على دفع ماله
إليه عند بلوغه الرشد والتحذير من أكل شيء منه , كما قال تعالى ( وآتوا
اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) ومن المعلوم أن اليتامى
لا يؤتون أموالهم إلا بعد البلوغ وحينئذ يزول عنهم وصف اليتم .
ربما يسأل البعض : لمازا لم يعتبر الشرع من فقد أمه يتيماً كالذي فقد
أباه ؟ نقول لأن الأب هو الذي يعول الصغير ويرعى شئونه ويقوم بتأديبه
وتعليمه , وكثيراً ما يجد ولده فيه من العطف والحنان , ما يعوضه عن
أمه . سؤال: من هو أحق بكفالة اليتيم ؟ أولى الناس بكفالة اليتيم أقربهم
إليه من جهة العصبة علي حسب الترتيب , فإن لم يوجد قريب من عصبته ,
كفله أرقب الناس إليه من جهة رحمه كجده من أمه وخاله فإن لم يوجد له
قريب من جهة أمه , أوصى الحاكم به من يقوم بكفالته أو ألحقه بدار من
دور رعاية الأيتام , وقد رغًب الإسلام في كفالة اليتيم وحذًر من ظلمه
, فواجب على أهل البر والصلاح , أن يعطفوا على اليتامى وأن يحفظوا
لهم المال إن كان عندهم مال , قال تعالى ( ويسألونك عن اليتامى قل
إصلاح لهم خير ) البقرة 220 وعلى كل من يتقي الله تعالى أن يراعي الله
في اليتامى لأن ثواب هذا سيبقى لأولاده من بعده قال تعالى (( وليخش
الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم , فليتقوا الله وليقولوا
قولاً سديداً ) النساء (9) وقال تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر ) وقهره
ضربه من غير مصلحة , وتجويعه وإهانته , وجرح مشاعره وإذلاله وتحميله
فوق طاقته ) وفي الأثر : إن اليتيم إذا ضُرب ظلماً اهتز عرش الرحمن
لبكائه!! فيقول الله تعالى : يا ملائكتي من أبكى الذي غيبت أباه في
التراب , وهو أعلم به . قال تقول الملائكة : ربنا لا علم لنا قال :
فإني أشهدكم أن من أرضاه فيً فأرضيه من عندي يوم القيامة ) ولكن هناك
من العلماء من يقول : ( ولا بأس بضربه للتأديب ضرباً غير مبرح مثل
ما يضرب الوالد ولده . قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى (( رُبً
لطمة أنفع ليتيم من أكلة خبيص ) والخبيص نوع من الحلوى , وقال الإمام
السمرقندي ( إن كان يقدر على أن يؤدبه بغير ضرب ينبغي له أن يفعل ذلك
ولا يضربه , فإن ضرب اليتيم أمر شديد ) واعلم أخا الإسلام أن الاعتدال
في الأمور كلها خير كبير لأن إهمال تأديب اليتيم قد أدى إلى فساد كبير
, والسبب هو المفهوم الخاطئ لمعنى الإحسان إليه والرحمة به , فما أحوج
اليتامى إلى من يعولهم ويرعاهم لصلاح دينهم ودنياهم . ولقد أمر الله
تعالى بالإحسان إلى اليتامى في كل زمان ومكان , ولبيان أهمية الإحسان
إلى اليتامى وبيان عظيم أجر من يحسن معاملتهم أرسل الله تعالى نبيه
موسى عليه السلام , ومعه العبد الصالح لبناء الجدار للغلامين اليتيمين
, كما ورد ذلك موضحًا في سورة الكهف ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين
في المدينة , وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً) الآية 83 . كذلك
ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أنا وكافل اليتيم
في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى , وفرًج بينهما ) رواه البخاري
, ومعنى كفالة اليتيم في هذا الحديث هي : القيام بأموره والسعي في
مصالحه , من إطعامه وكسوته وتنمية ماله إن كان له مال , وإن لم يكن
عنده مال أنفق عليه وكساه ابتغاء وجه الله تعالى . فأي فضل بعد هذا
الفضل , وأي أجر بعد هذا الأجر ؟ فهيا معاشر الأغنياء .. ابحثوا عن
اليتامى واكفلوهم , وشمًروا لهذا الفضل الكبير
من ثمرات الإحسان إلى اليتامى :
أن الله تعالى يفرج به الكروب والهموم . ودليل ذلك حديث أبي ألد رداء
رضي الله عنه قال ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة
قلبه قال ( أتحب أن يلين قلبك , وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم , وامسح
رأسه وأطعمه من طعامك يلين قلبك , وتُدرك حاجتك ) ومن ثمرات الإحسان
إلى اليتيم أيضاً أنه يُحصًن من الشياطين , فعن أبي موسى الأشعري رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما قعد يتيم مع قوم على
قصعتهم , فيقرب قصعتهم شيطان ) رواه الطبراني . اللهم اجعلنا ممن يكرمون
اليتامى : اللهم آمين !!!
إبراهيم السيد العربي *
أعلى
(وقل اعملوا...)
الطبيعة هي المصدر الرئيسي للإنتاج
الطبيعة أصل كل المنتجات
أيها القراء الأعزاء:تعد الطبيعة المصدر الرئيسي
للإنتاج وهناك آيات قرآنية متعددة وخصائص مميزة اختصت بها الأرض تؤكد
أن الطبيعة أحد عناصر الإنتاج وأهمها ويمكننا ملاحظة ذلك من خلال النقاط
التالية:
* أولا - الطبيعة أصل كل المنتجات :
إن الأرض التي نعيش عليها هي مصدر خلق الإنسان ومسرح نشاطه وهي مصدر
الحياة لأن الله عز وجل خلق بني آدم منها وسيعيدهم إليها قال تعالى
: ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) . وقال تعالى
في آية أخرى: (والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم
إخراجا) وهي مسرح نشاط الإنسان لأنه لا يستغلها ويستثمرها ليشبع حاجاته
منها. والإسلام لم يعد الطبيعة من عناصر الإنتاج فحسب بل عد جميع المنتجات
تعود في أصلها إلى الأرض قال تعالى :(الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك
لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزوجا من نبات شتى كلوا
وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى) وهذه الآيات تشير إلى
أن عناصر الطبيعة من أرض وماء. أنتجت الخيرات التي ينتفع بها الإنسان
والحيوان. وقال تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء
صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا
وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم). وتشير هذه الآيات إلى
الإنتاج الزراعي ومصدره وأن الله عز وجل سخر كل خيرات الأرض للإنسان
فأنزل الماء من السماء فأخرجت الأرض به نعمها من نخيل وأعناب وزيتون،
وسائر أنواع المنتجات الزراعية ... ويصف الله عز وجل هذه الثمار والفواكه
المختلفة بأوصاف دقيقة فيقول تعالى: (وهو الذي أنزل من السماء ماء
فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن
النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها
وغير متشابه) . وأكد الله عز وجل أن الأرض وما فيها موضوعة للأنام
بقوله: (والأرض وضعناها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب
ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان).
وهناك آيات كثيرة تشير إلى الإنتاج الزراعي واعتباره أساس معاش الإنسان
والحيوان وإلى أنواع الثروات - المعدنية والمائية - لم نذكرها هنا
لأننا سنتحدث عنها تفصيلا عند الحديث عن أقسام الطبيعة وأنواع الموارد
الطبيعية . ومن خلال النصوص القرآنية التي ذكرناها سابقا يمكننا القول
أن الطبيعة (الأرض) تعد عنصرا مستقلا بذاته لا تدخل ولا تدمج في عنصر
رأس المال لأنه لولا اشتراك عنصر العمل أو المجهود البشري في الموارد
الطبيعة لما تحقق رأس المال.
إعداد / علي بن عوض الشيباني
أعلى
|