الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 








الشاعر اليمني علوان الجيلاني لـ(أشرعة): نبتعد عن منابتنا فنحن إليها ونشعر بقيمتها
نستمتع بحبة اللؤلؤ ولا ندري أنها نتاج معاناة وعذاب واحتراب مع وجود كاد يهدده .. هكذا المبدع

حاوره ـ إيهاب مباشر:نتاج بيئة ريفية .. لم يجد أحدا يوجهه في قراءته فيقول له (اقرأ هذا أو لا تقرأ هذا) .. نشأ في بيئة ريفية تقدس شعر العمود .. فبدأ يكتبه ويكتب معه شعر التفعيلة .. لأنه كان يقرأه في الصحف والمجلات .. ثم تفتحت عينه وتأكد له أن هناك أشياء فيها جمال .. وفيها إبداع أيضا .. وأنها من الممكن أن تكون اختيارا جميلا .. وأن تفتح المجال على لغة جديدة لاكتشافات جديدة .. لغة خالية من عضلات اللغة القديمة .. من عضلات البلاغة .. من توحش الصورة .. فيها بساطة وسلاسة ومحبة وسهولة رائعة .. إنها قصيدة النثر .. تجربته الشخصية تبازغت من خصوصية بيئية ثقافية تتعلق بالتكوين الأولي له شخصيا والتكوين العام الذي نشأ فيه .. حيث إن المكان له اشتراطات ومواضعات خاصة تحفر دائما داخل المبدع وتشكله بجمالياتها ومرجعياتها .. إنه نتاج أسرة وبيئة صوفية ذات تميز وخصوصية داخل التصوف نفسه .. لديه كتاب (أصوات متجاورة .. قراءات في المشهد الشعري التسعيني اليمني) .. وقد عرف جيدا هذا المشهد .. لديه ديوان (منذ سنتين لم أكن شاعرا) و(الوردة تفتح صرتها) و(ديوان العموديات) و(إشراقات الولد الناسي) و(راتب الألفة) و(كتاب الجنة) .. إنه الشاعر اليمني علوان مهدي الجيلاني .. التقته (أشرعة) فكان الحوار التالي ..
* هل من إطلالة على المشهد الثقافي اليمني؟
** لدي كتاب (أصوات متجاورة .. قراءات في المشهد الشعري التسعيني اليمني) وأعرف جيدا هذا المشهد وهو يختلف كل الاختلاف عن الصورة التي قدمت إليّ، ربما بالمصادفة مجموعة الشباب الذين جاءوا إلى السلطنة كلهم وقابلتهم كانوا يجمعون بين هذه الألوان الشعرية، بدأوا عموديين ثم تفعيليين ثم نثريين، لكن التيار الأكثر فاعلية اليوم داخل اليمن هو قصيدة النثر، هناك شباب لا يعترفون بالقصيدة العمودية ولا بقصيدة التفعيلة ويرفضونهما تماما، ويصرون على كتابة قصيدة النثر فقط، وهم يشكلون تيارا جيدا ومتميزا وصحب ذلك فعالية واسعة وقوية جدا داخل المشهد الإبداعي اليمني، ليس كظاهرة صوتية ولكن كإبداع حقيقي ومتميز، من هؤلاء على سبيل المثال الشعراء نبيل سبيت، عمار النجار، علي المقري، محمد اللوزي، جميل حاجب، معظم الشعراء الذين يكتبون قصيدة العمود أو جاءوا من قصيدة العمود إلى التفعيلة ومن ثم إلى النثر أخيرا هم من الشعراء الذين تربوا في مناطق بعيدة ونائية عن المركز، أو كانوا امتدادا لأسر محافظة، فنحن باليمن نختلف عن مصر وعن مناطق أخرى، قد تتحكم المرجعية الأسرية في اتجاهات الشاب فيجد الأسرة لديها تقاليد معينة في الكتابة والعلم، وعليه نجد ابن الأسرة التي تهتم بكتابة التاريخ مؤرخا، وابن الأسرة التي امتهنت كتابة الأدب أديبا، ونجدهم أيضا مقيدين بأسماء آبائهم ومشدودين إليها بقوة، أما الحقيقة فإن في داخل المشهد اليمني تنوعا واسعا جدا، أولا جيل التسعينيات قذف بحوالي مائة شاعر وشاعرة إلى الساحة الإبداعية وهذا كان أكبر عدد تشهده الساحة الثقافية اليمنية.
* إلى أي شيء يعزى هذا التنوع داخل المشهد الثقافي اليمني؟
** كان نتاج مجموعة عوامل، تحقق الوحدة، تجمع المثقفين معظمهم في صنعاء، وجود الحرية والتعددية أوجدت منابر متعددة، مؤسسات ثقافية، نقابات واتحادات، هيئات، ملاحق، صحف ثقافية متخصصة، تعدد المنابر أدى إلى كثرة الغث لكن الثمين موجود أيضا وبكثرة، وقد تعددت الاتجاهات بما ساعد على انهيار الأيديولوجيات الكبرى، فتعددت داخل المشهد الأيديولوجيات الخاصة للشعراء أنفسهم، فتجد منهم من اتجه إلى التصوف، ومنهم من اتجه إلى التفاصيل اليومية والأشياء العابرة، ومنهم من اتجه إلى مرجعيات شعبية، ومنهم من اشتغل على الطبيعة وانجرارنا فيها، وتجد فيهم من اتجه إلى العمودي، ومنهم من جمع بين العمود والتفعيلة وقصيدة النثر في تصالح مع الذات وتصالح مع الأشكال، وفيهم من انحاز لشكل ضد الأشكال الأخرى، وتجد فيهم أيضا من جمع بين التفعيلة والعمود، وبين التفعيلة وقصيدة النثر، وتجد كل هذا الفسيفساء داخل المشهد الثقافي اليمني، الذي تحصل فيه التنافرات والتجاذبات وتحصل فيه الشلل، وبؤر منتجة وبؤر قاتلة وكاتمة، فهو مشهد متعدد جدا جدا.
* ماذا عن الصوت النسائي؟
** من الإضافة التي ظهرت في هذا المشهد أيضا هو ظهور الصوت النسائي بقوة ومن أهم الموجودات فيه، الشاعرة هدى أبلان وهي الآن أمين عام اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وهي من أهم كتاب قصيدة النثر، إلى جانب الشاعرة نبيلة الزبير والشاعرة ابتسام المتوكل التي جاءت من العمود إلى التفعيلة إلى قصيدة النثر، والشاعرة نادية مرعي والشاعرة سوسن العريقي وهي آخر من قذف به هذا المشهد إلى الساحة، وهي شاعرة متميزة جدا جدا بل إنها تشكل مفاجأة للساحة الثقافية اليمنية قبل غيرها.
* ما سبب هامشية اليمن في حضورها عربيا في هذا الجانب؟
** ربما كانت هامشية اليمن كونها ليست من مراكز الحضور العربي القوي مثل مصر والشام والعراق، حجبت رؤية الآخرين عن المبدع اليمني، الجغرافيا ظالمة أحيانا كثيرا لأن المبدع داخل اليمن والذي في صنعاء تسلط عليه الضوء أما خلاف ذلك فهو خارج دائرة الضوء ويهمش، وكذلك الذي داخل اليمن يهمش ومن خارجها تسلط عليه الأضواء، والمبدعون العرب حينما جاءوا إلى اليمن خلال السنتين الماضيتين ليحضروا مهرجاني الشعراء الشباب العرب، كانوا يندهشون حتى من العنونة في اليمن، لأنهم تفاجأوا بعناوين مثل، الشباك تهتز، العنكبوت يبتهج، أسلاك الماء، الصيرورة، شجرة تقطع فؤوسا، الوردة تفتح صرتها، وأشياء كثيرة جدا،
* .. والأجناس الأدبية الأخرى ؟
** واكب هذا التوهج في المشهد الشعري اليمني بالتسعينات توهج آخر في المشهد القصصي، وأقل منهما توهجا المشهد النثري الذي يحاول المبدعون أنفسهم تغطيته من باب أداء الواجب ومن باب الشعور بهذا الواجب أيضا.
* هلاّ حدثتنا عن الحركة النقدية باليمن؟
** الحركة النقدية بالنسبة لليمن لم تأخذ حقها كما يجب، النقد الأكاديمي غائب والنقد المتخصص بما هو مشروع نقدي غائب.
* وما سبب ذلك ؟
** اليمن بلد بكر في ظل عواصف هائلة، تجد المبدع اليمني مضطرا إلى أن يقوم بما كان يقوم به العقاد وطه حسين وأضرابهما، يكتب في النثر ويكتب في التاريخ وفي الأدب والشعر والرواية والقصة ويكتب في كل هذه الأجناس وكذلك التراث، لأنك رأيت في التأليف نفس هذه التعددات، هذه الإشكالية مر بها البرادوني والمقالح ونمر بها نحن، بينما في مصر تعددت الأقلام الكاتبة في كافة المجالات، فنرى الكاتب الشاب يعلن عن مشروعه الأدبي في حيز مخصص ومعين يتقصده ويشتغل عليه حتى نهاية العمر ويبني منجزه من خلاله، هذا لا نستطيع فعله في اليمن إلا في القليل النادر.
* برأيك .. متى يكتمل المشهد النقدي اليمني؟
** المشهد النقدي لن يكتمل إلا عندما تكون هناك مشاريع نقدية مكتملة، وهذا
ما ينقصنا فعلا، تجد المقالح قام بأكبر جهد نقدي في اليمن وهو ليس متفرغا للنقد ولا متخصصا فيه، وهو ليس مجبرا على هذا وقدم للمشهد النقدي في اليمن تقديما كبيرا جدا، وهناك لنقاد آخرين اشتغالات جزئية مثل عبد الودود سيد والدكتور عبدالله البار، وأيضا من جيل الشباب أحمد السلامي وهشام سعيد شمسان وربيع الخميسي ومحمد عبد الوهاب الشيباني، واشتغل أناس ممن ليس النقد حرفتهم مثل عبدالله علوان وآخرين، وكان هناك مشروع ناقد جيد ولكن شغله العمل الإعلامي وهو الكاتب محمد اللوزي، وهذا هو واقع المشهد النقدي اليمني الذي يحتاج أحيانا إلى المأسسة الغائبة عن المشهد الثقافي.
* هل من إطلالة على تجربة علوان الجيلاني الشعرية؟
** لدي قصيدة بعنوان (منذ سنتين لم أعد شاعرا) بعد ألفة طويلة مع الشعر، قبل سنتين مات أحب أخوتي إليّ ولم أستطع أن أكتب شيئا، ومنذ سنتين لم أعد شاعرا حتى كتبت هذه القصيدة قبل أيام وخلال السنتين لم أشعر بالشعر مطلقا، وأنا كنت من أكثر الناس عيشا داخل الشعر ومعه شعرت بشيء في داخلي كسر جهد الشعر، لماذا هذا الصديق العزيز الحميم القريب إلى النفس لا يأتي ليقول (البقية في حياتك) أو (عظّم الله أجرك)؟ لماذا تخلى هذا الصديق عني بهذه البساطة في اللحظة التي كنت أظن أنه أقرب الناس إلى النفس وإلى القلب وأنه دائما كان يسكن هذه الجهة من الجسد في داخل القلب وفجأة لم أجده؟، الموقف كان صعبا جدا جدا.
* ما الذي حدث إذن؟
** لحظة الإبداع لحظة غريبة، بعد سنتين فجأة وجدتني ذات ليلة نائما، فاستيقظت من نومي لأكتب (منذ سنتين لم أعد شاعرا)، ما الذي حدث؟!، لماذا البياض الواسع من حولي؟!، لماذا هذا الجفاف الشاسع؟!، لماذا انتقلت من فراهة الروح إلى يباس الحياة العادية؟!، لماذا انشغلت بانشغالات أخرى ليس فيها دهشة الكلام؟!، وكلها تساؤلات تفرض نفسها من خلال القصيدة.
* كانت البداية إذن مع شعر العمود؟
** هو تطور طبيعي، فأنا نتاج بيئة ريفية ولم أجد أحدا يوجهني في قراءتي فيقول لي اقرأ هذا أو لا تقرأ هذا، نشأت في بيئة ريفية تقدس شعر العمود، فبدأت أكتبه وبدأت أكتب معه شعر التفعيلة لأنني كنت أقرأه في الصحف والمجلات، ثم تفتحت عيني وتأكد لي أن هناك أشياء فيها جمال، وفيها إبداع أيضا وأنها من الممكن أن تكون اختيارا جميلا جدا جدا، وأن تفتح المجال على لغة جديدة لاكتشافات جديدة، لغة خالية من عضلات اللغة القديمة، من عضلات البلاغة، من توحش الصورة، فيها بساطة وسلاسة ومحبة وسهولة رائعة، المسألة هي كيف تقول شعرا، فيشعر الذي يسمعه أو يقرأه أنك تقول شعرا، والشعر بكثافته، بصوره بجماله، يحتاج إلى شكل يؤطره، وما نلاحظه في الأمسيات الشعرية، أن الذي يقول عمودا فيه شعر نقول هذا شعر، والذي يقول قصيدة نثرية فيها شعر، نقول هذا شعر، والذي يقول عمودا فارغا أو كلاما نثريا فارغا نقول، هذا كلام فارغ، وأريد أن أقول شيئا رصدته من خلال مهرجاني الشعراء الشباب العرب في صنعاء، مسألة أن القصيدة العمودية هي القصيدة المنبرية وهي التي تصلح للجمهور وقصيدة النثر لا تصلح، كان وهما زائفا وليس حقيقيا فقد أثبتت هذه القصيدة حضورا قويا أمام الجمهور وقد تغلبت في أحيان على قصيدة العمود.
* كيف تشتغلون على المنتج الأدبي داخل اليمن؟
** من الأشياء التي تناولتها في مقدمة كتابي (أصوات متجاورة) إلى أي درجة كونك متلقيا لآخر تستفيد منه وتضم ما استفدته إلى معرفتك؟ إلى أي درجة يكتب شاب في مصر في أي صحيفة كانت وتصل إليّ في صنعاء وهو من سني، وأكتب أنا ولا يصله شيء، كذلك الشامي والعراقي والخليجي هل ليس لديّ ما أوصله إليهم؟!، ليس لديّ المنبر الذي يوصلني إليهم؟!، بينما لديه كل المنابر التي توصله لديّ، إلى أي درجة يجعلني هذا مصرا على التجويد، على الإضافة، على الجديد، المشهد العربي ربما من خلال السنتين اللتين عقد فيهما بصنعاء مهرجان الشعراء الشباب العرب، تبين من خلالهما إلى أي درجة هناك تمايز داخل الجيل الجديد، الاشتغال الواسع على السرد والبساطة عند المصريين، يشكل مشهدا خصبا، السرد، اللغة البسيطة، التفاصيل اليومية، بالطبع فإن المدنية هناك وصلت لدرجة أبعد بكثير جدا ممما وصلت إليه عندنا، وتراكم أكثر من قرن مع الآخر، فشعراؤهم الشبابيون يجيدون لغات أخرى، وهو ما ظهر واضحا جدا وأثر بشكل كبير في إبداع المصريين، وفي إبداع الشاميين وإن كان مختلفا عن المصريين، وفي إبداع العراقيين وإن كان متأثرا بأجواء العراق الخاصة منذ التسعينيات بالذات، الخليجيون لهم أيضا طريقتهم في الاشتغال على المنتج الأدبي، فتجد أحيانا المؤثر الجغرافي واضحا لم يعد الإبداع العربي كما كان في الخمسينيات والستينيات وما قبلهما، تحكمه الأيديولوجيات، خاصة أيديولوجيا اليسار، تعددت المرجعيات بشكل واسع، البيئات الصغيرة داخل البيئة المحلية الكبيرة، والبيئة المحلية الكبيرة داخل البيئة العربية الكبيرة، والإقليم الصغير داخل الإقليم الكبير والمنطقة الصغيرة داخل الإقليم الصغير أصبحت تتحكم بشكل كبير جدا في الإبداع، أثرت عليه معجميا وأثرت عليه في سياقاته وأنماطه واشتغالاته ولغاته، وهذا أوجد مشهدا عربيا متعدد الأنماط أكثر من أي وقت مضى.
* كثير من النقاد يتحدثون عن التشابه في أطروحات الجيل الجديد .. كيف تفسر ذلك؟
** أغرب ما في هذا المشهد أن يأتي ناقد عربي من كبار النقاد وقارئ جيد للإبداع الجديد، فينظر نظرة من عل ويقول إنهم يتشابهون، كما يحلق نسر فوق بحر ويقول هذه الموجات تتشابه، مع أنها تتغاير وتتعدد وتتمايز ليس هناك تشابه بين هذه الموجات الجديدة في الوطن العربي، وأعتقد أن هذا سيكون موضوع دراسة قادمة بمشيئة الله، مقدار التمايز داخل المشهد العربي بالنسبة لجيل الشعراء الشباب والمبدعين الشباب، وهذا لا يحتاج إلى ألا نلقي بأحكام جزافية سريعة ومتعجلة وإنما ندرس الجزئيات الصغيرة والمكونة ونشرح هذه النصوص ونفهمها جيدا ونعرف سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي قد أنتجتها، مما لا شك فيه الآن أن شاعرا يعيش في قرية ولديه انترنت أمامه المشهد العالمي كله مفتوح، يمكن أن يكتب قصيدة حديثة بمستوى التقنيات التي يكتب بها ابن القاهرة أو بغداد أو بيروت وغيرها، لكن تبقى هناك البيئة التي يعيش فيها وتتحكم فيه المرجعيات التي يعيش داخلها، قد تجد تعثرا في الألفاظ، قد تجد أخذا وعطاء في هذه الجوانب، لكن هناك شيئا لا يمكن تفسيره، لا يمكن لمن يعيش في قرية، في عشش وأكواخ طينية، في شوارع أو أزقة ترابية ويركب حماره ليذهب به إلى مزرعته أن يتحدث بنفس المستوى الذي يتحدث به من يركب المترو ذاهبا إلى عمله وعائدا منه، من يتعامل مع أحدث التقنيات في عمله اليومي، هذا شيء يختلف تماما، فرق بين العلائق الذهنية التي تخلقها ثقافة معاصرة استطاعت أن تخترق الحواجز لتصل إلى كل الناس وبين المعايشة الحقيقية والوجدانية، وكي يصل المعنى هذا فإنه يحتاج إلى دراسة واسعة جدا.
* كيف بزغت تجربة علوان الجيلاني الشعرية؟
** بالنسبة لتجربتي الشخصية فإنها تبازغت من خصوصية بيئية ثقافية تتعلق بالتكوين الأولي لي شخصيا والتكوين العام الذي نشأت فيه، المكان له اشتراطات ومواضعات خاصة تحفر دائما داخل المبدع وتشكله بجمالياتها ومرجعياتها، أنا نتاج أسرة وبيئة صوفية ذات تميز وخصوصية داخل التصوف نفسه، من حضرة من حضرات التصوف التي تسمى في رمضان (الراتب) والتي يقرأ فيها دعاء ختم القرآن، تبازغ الشعر ذات ليلة من عام 1983 أثناء الحضرة نفسها والتجربة التي ميزت الشاعر علوان مهدي الجيلاني داخل المشهد التسعيني اليمني هي أنها تمرجأت في المكان الذي نشأ فيه ولم تتمرجأ في التصوف العربي بشكل عام، ولم أسجل تجربة المقالح أو أدونيس أو غيرهما ممن دخلوا على التصوف بشكل واسع في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وإنما عدت إلى منطقتي نفسها، إلى تهامة بثرائها الواسع الخصب الذي ينعكس على أشكال التراث الشعبي والثقافي والفني، في ملابسها، في طرق حديث الناس، في عمق مدينة زبيد وتاريخها الذي قدم ما يقرب من سبعين في المائة من مساهمة اليمن والجزيرة العربية في تاريخ الحضارة الإسلامية، ومن الأشياء التي تسم التصوف اليمني وفي تهامة بالذات مصطلح المنصب وهو الشيخ الكبير، وهو لم يكن شيخا للصوفية فقط وإنما يعد أبا روحيا للمنطقة التي تتبعه بكل ساكنيها وهذا المنصب له أربعة اشتراطات، وهي أن يكون لله لا لنفسه، أن يكون للناس لا لأهله، أن يكون جاهه للضعفاء والمقهورين، وأن يكون ماله للفقراء والمساكين، هذه أنتجت سلما من القيم الاجتماعية أنتجت سلاما اجتماعيا كبيرا جدا، طبعا مع ثراء واسع جدا للزيارات، وعندما نقول الزيارات فإننا نعني بها الموالد، وهناك ثلاثون زيارة لأولياء كبار في تهامة منهم الأولياء العشرة المشهورون.
* وكيف خرج شعرك من هذه الأجواء؟
** من هذه الأجواء خرج الشعر أول مرة وهو لم يكن بقصد أو بوعي أن يكتب شعر ذو خصوصية صوفية، في البدايات ظلت المسألة على هذا الشكل بطريقة عفوية حتى مطلع التسعينيات، ثم بدأ الوعي بأنه لكي تحفر لنفسك مجرى خاصا يجب أن تذهب إلى جذورك أنت وإلى داخلك أنت وإلى ظروفك أنت وإلى رؤيتك أنت وروحك أنت وتخطيطك للآخرين، انفجرت هذه الحالة داخل النفس وداخل الوعي في نفس الوقت، وقتها بدأ مشروع شعري متكامل يشتغل على مفردة صوفية وأزعم أنني أدخلت مجموعة من المفردات إلى المعجم الشعري، واشتغل عليها ما لا يقل عن ثلاثين أو أربعين من الشعراء الشباب من جيلي وهي مفردات مثل المقام والمشهد والدهشة والحال والصلاة والسجادة والقرب والغناء وهي أشياء ومفردات اشتغلت عليها بوعي واشتغل عليها الآخرون بوعي وبغير وعي، وهي أحدثت موجة وربما تجلى هذا في الصدى الذي وجده ديواني الأول (الوردة تفتح صرتها).
* إذن .. حدثنا عن هذه التجربة؟
** (الوردة تفتح صرتها) كان ديوانا إشكاليا من عنوانه، كتب عنه كثيرا وهوجم قليلا ولكن القراءات التي كانت حوله بلغت ستين قراءة نقدية في عام واحد، وهو الديوان الذي صدر عام 1988 عن دار أزمنة في الأردن وكان فيه قمة الوجد وانفتاح الوعي في مناطق الوعي المختلفة داخل الروح والنفس والجسد في تجربة صوفية تحول الأنثى إلى مركز للكون، للحياة وبدلا أن تأتي إلى التصوف من خلال الأنثى، جاءت إلى الأنثى من خلال التصوف، فالذين كتبوا عن التصوف كانت الأنثى رمزا إلى المعنى الصوفي العميق الذي ينشده صاحب الحال وصاحب التجلي والكاتب أيضا، بينما صار عندي أنا المعنى الصوفي العميق هو رمز لليلى الأنثى الحقيقية، حتى وأنا أكتب عن أهم شيوخ التصوف في تهامة، شمس الشموس الشيخ أبو الغيط بن جميل الذي يوجد ضريحه في منطقتي، وهو مولود مع ابن عربي في سنة واحدة تقريبا وهو لم يكن يقرأ أو يكتب وله كتاب بنفس الأسلوب الذي كتب به ابن عربي، من هذا المنطلق تطل تجربة شعرية واسعة كنت أثناءها أشتغل على الأشكال الشعرية الثلاثة، العمودي والتفعيلي وقصيدة النثر.
* هل اخترت وقتها الشكل الشعري الذي ستتقولب فيه قصيدتك؟
** لم يكن بذهني وقت الكتابة أنني أكتب قصيدة بشكل شعري معين بقدر ما كان يهمني هو أنه كيف تكتب المفردة داخل النص، كيف تتغير الصورة، كيف تنزاح المعاني والصور والأشكال والاستعارات لتخرج من البلاغة التقليدية إلى البلاغة الجديدة، ولذلك ثمة قصيدة عمودية لي نشرت كثيرا وحفظت كثيرا، بلغت شأنا لا تصله قصيدة جديدة لشاعر صغير في ذلك الوقت، وهي بعنوان (غناء في مقام البعد) والديوان يحمل اسم (ديوان العموديات) وصدر الآن في طبعة ثانية وفيه أربعون قصيدة، يقول مطلع القصيدة .. مدار حزني على الآفاق مسفوح .. عن كوكب يصطفيني تبحث الروح .. هذا الظمأ صورة الألواء فاتنتي .. أنا التراب وأنت الشمس والريح .. شمس الحريق صباباتي فمن وهجي .. أمسى على وجهك المختال تلويح .. تغضي على جمرة الإمعان أمنيتي .. وليلك المشتهى جوع وتبريح . وهي من خلالها بدأ الجمهور يلتفت إليّ بشكل أعمق من ذي قبل، في هذه الأثناء كنت مشغولا بإنجاز مجموعة من القصائد منها قصيدة إشراقات الولد الناسي، فيها حوارية وفيها اشتغال على رموز عميقة جدا، داخل المنجز الصوفي نفسه وداخل المنجز الروحي لي أنا كمبدع، وهي أخذت عنوان أحد دواويني وهو (إشراقات الولد الناسي) وهو من إصدار الهيئة العامة اليمنية للكتاب عام 1999 وهذا الاشتغال بلغ ذروته في القصيدة التي تحمل عنوان المجموعة الأولى (الوردة تفتح صرتها) وهي كانت ذروة التمازج بين الروح والجسد وكيف يتحول الملفوظ الروحاني الشفيف إلى ملفوظ شهواني جسدي يمثل قمة اللذة ويمثل قمة المتعة الجسدية ويمثل قمة التماهي مع الجسد ومع الحب ومع الأنثى، هذه القصيدة في حد ذاتها أعطتني الشخصية الشعرية، انتشارها ، كثرة ما كتب عنها، كثرة ما التبس عنوانها في حد ذاته لأن البعض فهمها مفهوما جنسيا واضحا، والبعض فهمها مفهوما روحيا واضحا، هو نفسه في جذره وأصله ملتبس أيضا، فالكعبة صرة الكون، والصرة رمز جنسي للإنسان، والصرة هو الشيء الذي يخبئ والصرة هو الشيء الذي له صلة قوية بالسر، أشياء ودلالات كثيرة جدا يحدثها هذا العنوان وهذه التسمية، وأنا اشتغلت على الالتباس بالقصد، وفي هذه الفترة أيضا أنجزت ديوان (راتب الألفة) والراتب في تهامة هو خمسة أجزاء من القرآن تقرأ في رمضان والقصائد التي يحويها هذا الديوان تشتغل على ثلاثة أشياء، قسم وجداني وهو ما له صلة بالذكرى والأشياء الحبيبة التي ضاعت، وقسم له علاقة بالأصدقاء والزمن الجميل الذي ضاع، وقسم له صلة بحرائب تاريخي الأول زمن الطفولة ورعي الغنم والجمال والزمن الجميل الذي ضاع أيضا، ويحتاج الواحد منا في أحيان كثيرة عندما يخرج من القرية ويعيش في المدينة أن يعود إلى تلك الأشياء وأن يقرأ لها راتبا ويتقرب إليها حتى يشعر بالسلام مع نفسه ويتوازن مرة أخرى، بعد هذا اشتغلت منذ عام 1999 على إنجاز كتاب شعري كان تتويجا لهذه التجربة وهي تجربة الإبحار مع المعنى الصوفي، الجمال الصوفي والروحانية الصوفية والاشتغال عليها في تفريخ المعاناة اليومية والمعاناة الجسدية والقلبية وفي تجليات الحياة، كتاب (الجنة) هو كتاب مكتمل يتكون من متون وهوامش وحوارات، فيه قال وقلت كثيرا، فيه الاشتغال على ما يشبه رحلة الإسراء والمعراج، رحلة ثم وصول ثم دخول إلى الجنة ثم تقسيم بعد ذلك إلى غرفات، فيه شغل غير عادي على اللغة وعلى الاستفادة من المكون التراثي والمكون الشخصي للغة، أنا على قناعة بأن الشاعر ربما يعيد خلق اللغة من خلال فهمه لها، صوفية الملذات بإمكانها أن تخلق عالما من المعاني والانزياحات ربما أكثر مما تعطيه صوفية المنع والتبتل والروحانية، صوفية الملذات أوسع عالما وأكثر اشتياقا وأكثر انجراحا بالأشياء من حولها، اشتغلت على هذا الكتاب اشتغالات واسعة وشاملة ومعمقة.
* كيف وصل بك الحال في استعمال الرمزية؟
** لم أفرط في استعمال الرمزية بالمعنى الذي كان شائعا في السبعينيات، عندما كان الترميز شيئا مهما والإسقاط من خلال الشخصيات والرموز المعينة وتحميلها المعنى الشعري وقول ما تريد من خلالها، وإنما كانت المسألة بالنسبة لي إعادة خلق علاقات جديدة في معجم جديد يستخرج من معجم قديم ليست خمرا قديما في آنية جديدة وإنما استخراج خمر جديد من آنية قديمة وآنية جديدة في نفس الوقت، وجدت نفسي داخل التقلبات المختلفة، كنت أشعر أن المبدع مثل حبة اللؤلؤ، فحيوان اللؤلؤ المسكين الذي تسقط ذرة غبار في عينه فيظل يتأذى منها ويظل يفرز عليها مادة هولامية عازلة وبعد فترة تتحول هذه المادة التي يفرزها على ذرة الغبار إلى حبة لؤلؤ جميلة جدا، نحن نستمتع بحبة اللؤلؤ ولا ندري أنها بكاء ذلك الحيوان وهي نتاج معاناته وعذابه وهي احترابه مع وجود كاد يهدده، حاولت أن أخلق عالما يخص علوان الجيلاني، اختلف معي كثيرون وأعجب بتجربتي كثيرون أيضا، ولكني كنت سعيدا بهذه التجربة المختلفة وهي عدم السير مع الآخرين في تيار واحد، وإلى الانجرار إلى شللية أكون فيها تابعا، وبحمد الله كنت متبوعا في أغلب الأوقات، وندا في أوقات.
* وماذا عن حدود إبداعك؟
** لا أعترف بأي حدود إبداعية البتة، بحثت في الأدب الشعبي وكنت قبل فترة كتبت سردا، موضوعا جميلا نشرته في حوالي خمس صفحات في جريدة أسبوعية وكان بعنوان (عايشة المركبية تفتح صندوقنا الأسود) وهو اسم لامرأة سجانة النساء في منطقتنا، ومعنى أن تحاور امرأة تعمل سجانة نساء في مجتمع محافظ، فتقول بأن هذه المرأة سجنت بسبب كذا واتهمت في الجريمة الفلانية، وأنا بدوري اشتغلت على المسرود وما يمكن أن يقدمه الملفوظ الشعبي من مفردات ترفد اللغة وتوثق هذه المفردات لأننا صرنا بسبب المتغيرات الحديثة نفقد هذه المفردات كل يوم، فاتصل بي أناس كثيرون يقولون لي (الله المستعان) فأصبحنا بهذا الشكل وتقولون هذا الكلام، فقلت لهم نحن مجتمع لم يعتد على مثل هذا فلو كان عندنا روائيون يكتبون الرواية وقاصون يكتبون القصة يشتغلون بالفن وينتجون أفلاما سينمائية فماذا تقولون؟، المسألة حالة تجلي وحالة وعي خاصة بالحياة لا يمكن أن نجاري فيها الناس وبالتالي أنت الذي يجب أن تنزلهم على شروطك لا تدعهم ينزلونك هم على شروطهم، لا حدود مطلقا في الإبداع، إذا أردنا إبداعا حقيقيا وعرفنا أن نحبس الزمن الذي نعيش فيه ونكون شهداء حقيقيين على زماننا، لا شهود زور على هذا الزمن.
* من اكتشف شاعرية علوان الجيلاني؟
** لم يكتشفني أحد، منذ الطفولة وأنا أقرأ، منذ أن بدأت أفك الخط، انشغلت بالقراءة بشكل غير عادي، كان أبي شيخا له مكانة اجتماعية كبيرة جدا لكنه لم يكن يقرأ أو يكتب، وكان أبوه غنيا وشيخ قبيلة وكان هو أيضا لم يكن يقرأ أو يكتب، فشعر أبي بأنه قد حرم من هذا العلم، فجاء بمعلمين إلى المنزل ليعلموني القراءة والكتابة والحساب، وقتها لم تكن فتحت مدارس عندنا، وعندما جاء المصريون والسودانيون والسوريون إلى بلدنا للتدريس، كان يستضيفهم أبي في بيتنا، يعيشون معنا، وكان يحتفي بهم حفاوة كبيرة جدا ويحثنا على الاستفادة منهم، وعندما كانوا يغادروننا في إجازة إلى مواطنهم كانوا يسألون أبي ما الذي يريد أن يأتوا به من بلدانهم، فكان يوصيهم بإحضار كتب لي، ويأتون محملين بالكتب، فعلى أيديهم قرأت للعقاد وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي وإبراهيم عبد القادر المازني وأحمد أمين ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وأمين يوسف غراب وقرأت لعبد الرحمن الشرقاوي ومحمود أمين العالم وقرأت على أيديهم لجمال حمدان هذه الشخصية الاستثنائية في التاريخ العربي وقرأت على أيديهم لعلي مبارك ورفاعة الطهطاوي والجبرتي، وقرأت على أيديهم لآخرين، وأذكر أنه من الأشياء الطريفة أننا كنا نذهب كل سنة في رحلة إلى الحديدة عاصمة المحافظة التي نسكنها، وفي إحدى سنوات الطفولة مرضت وذهب الزملاء إلى رحلتهم وبعد أن شفيت من المرض أخذني أبي معه إلى الحديدة وبعد أن أخذنا فسحتنا وتنزهنا وأردنا أن نعد قافلين، فأخرج أبي من جيبه رسوم الرحلة التي قام بها زملائي الطلاب وكانت حوالي ثلاثمائة وخمسين ريالا يمنيا، فقال لي ماذا تريد أن تشتري بهم فقلت له كتبا، فذهبنا إلى مكتبة الثقافة واشترينا خمسة وعشرين كتابا في يوم واحد، كنت وقتها في الصف السادس ومنتقلا إلى الصف الأول الإعدادي وكنت أقرأ يوميا اثنتي عشرة ساعة، وأذكر أنني قرأت كتاب (كليلة ودمنة) أربع أو خمس مرات لأفهمه وأستوعبه، وأذكر أنني قرأت أيضا كتابا للعقاد ست مرات واكتشفت أن تلك القراءات وتعددها أفادني كثيرا، كنت أجلس في منطقة بعيدة عن اشتجار الحياة وزحمتها فكنت متفرغا لهذه الأشياء، أقرأ طول الوقت وكان أبي يفرغني لهذه القراءات ويفرح بي وكان لديه مجلس كبير يجتمع فيه الشيوخ والفقهاء والعلماء، فكان يجلسني بجانبه ويفتخر ويباهي بي الحضور وكنت أشاركهم الحديث، وكان هذا يسعد أبي كثيرا.
* كيف اشتغل علوان الجيلاني على مفردات بيئته؟
** أنا أبحث عن الاختلاف، وأبحث عن الاستفادة إلى أقصى درجاتها من المدينة ومن العيش فيها، المثاقفات، الحياة في الجامعة، معايشة الناس ومعرفة وجوه جديدة، الاتصال بأناس أتوا من خارج اليمن، الرحلات إلى الخارج، كلها روافد تفيد التجربة وتضيف إليها، ولكن الاشتغال على مفردات البيئة كان يتم بطريقة واعية تهدف وتتقصد المغايرة والاختلاف عما يقال وتتقصد التمرجؤ وتكميل الشخصية وتوثيق تلك الأشياء في المنطقة لأنها منطقة تستهدف، ثمة تيارات جارفة تهب عليها صباح مساء، إنني اشتغلت على كل هذه المفردات البيئية، لدرجة أن أدونيس جاء مرة إلى صنعاء وذهب إلى الحديدة ومن الحديدة إلى مدينة حجة، من وسط اليمن إلى غرب اليمن ثم صعد ثانيا إلى شمال اليمن، ومرافقه وهو يمر به من تهامة وهي سهل واسع منبسط، فيرى أدونيس مئات الأنواع من الأعشاب والأشجار فيسأل مرافقه عن أسماء هذه الأشجار، فيجيبه مرافقه بأنه لا يعرف، فيذكر أدونيس في قصيدة (المهد) وهي مكتوبة عن اليمن هذا المعنى، ولا أذكر النص جيدا، يقول (كثير من أعشاب اليمن ليس لها أسماء)، فنزلت وعملت معجما لهذه الأعشاب، وقد استعنت في ذلك ببعض الأخوة، والآن كل ذرة من ترابها وله تسمية، لأن الرقصات الشعبية فقط يتجاوز عددها أربعا وثمانين رقصة، فالمنطقة تعيش في ثراء ليس له حدود، وهي تكفي لمليون شاعر أن يغترفوا منها.
* وماذا عن الشعر الشعبي في حياتك الإبداعية؟
** منذ ما يزيد على عشر سنوات، ونحن نحتاج أحيانا إلى أن نبتعد عن منابتنا لكي نشعر بقيمة هذه المنابت، عندما ابتعدت عن أهلي في صنعاء وفي منطقتي بدأ الحنين يشدني إليها، وقادني إلى ذلك أيضا البحث عن الخصوصية الشعرية التي أسلفنا الحديث عنها، وما حدث أن تغيرت معالم المنطقة إثر دخول المدنية إليها، فتختلف الأشياء تماما، العادات، شكل الناس، فالتراث الشعبي مثل عقد المسبحة، إذا انفرط العقد وسقطت حبة، تخرب المسبحة كلها، فمن هذا المنطلق بدأت أشتغل على توثيق هذه الأشياء، والتي منها الرقصات والشعر الشعبي المغنى الذي يرتجل ارتجالا، فنحن لدينا ربما أجمل أنواع الشعر الشعبي في العالم العربي كله وهو (الطارق) وربما يكون هناك شبه لهذا الاسم في دول الخليج، فهو يشبه قصيدة الهايكو اليابانية، لأنها تعتمد على التجنيس في صدر البيت وفي عجزه، وهو يعتمد على توريات عالية واشتغالات غير عادية وفي نفس الوقت يقولونه أناس أميون، وهو يعتمد على القول والرد فورا، ولدينا الموال الذي يتوافق مع الموال المصري حتى في لهجته وهو موجود على طول ساحل البحر الأحمر، وهناك فنون كثيرة وبعضها متأصل من الجاهلية، وهناك أشياء كثيرة متأصلة بالإضافة إلى ما يرتبط بالملابس والشعر والعادات والتقاليد كمنظومة اجتماعية تأتي من عناية فائقة بالبيئة وما فيها من الأحجار والأشجار والسيول والمطر والنباتات، إنك تستطيع أن تتحدث عن كل هذه المفردات وأنت تتحدث عن الشعر الشعبي والفنون الشعبية وجمالياتها المختلفة.
* علوان الجيلاني


أعلى






الحق الفكري والإشكالية المزمنة (1ـ2)

محمد عدنان سالم*
في وطننا العربي؛ ما إن تذكر إشكالية الحماية لحقوق الملكية الفكرية، بوصفها أبرز معايير التقدم والتشجيع على الإبداع والابتكار؛ حتى يهرع المشفقون عليها إلى الحكومات والأجهزة الرسمية يحثونها على استصدار المزيد من القوانين والتوقيع على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بها. ومن ثم يخصونها بالتواصل والرعاية، بوصفها مصدر الحماية. ولقد استجابت معظم الدول العربية إلى هذا النداء الحميم، فلم يبق بلد من دون قانون للحماية، أو اتفاقية دولية بشأنها قد وقع عليها. غير أن حرقة المشفقين على حماية الحق الفكري، والاتفاقيات والقوانين الصادرة تلبية لها، لم تغير في ميدان التطبيق شيئاً.. فعلى أرض الواقع ما زلنا نرى الاعتداءات الصارخة على حق المؤلف تتفاقم على نحو تصاعدي، وتستعلن متحدية بعد أن أن كانت تستخفي مستخذية.. تطور أساليبها مستفيدة من تقدم التكنولوجيا، أكثر من استفادة المنتجين الشرعيين، حتى غدت مقولة (التكنولوجيا تحمي التكنولوجيا) وهماً استبدل به بتحد (التكنولوجيا تفك حمايات التكنولوجيا).
وتلتف على القوانين، مستفيدة من قصر باعها عن مواكبة التطور من جهة، وعن مواجهة حيلها البارعة من جهة أخرى، فما إن يصدر قانون للحماية حتى يكون التطور التكنولوجي المتسارع والاحتياطات المتخذة للإفلات من قبضته ـ بالإضافة إلى بيروقراطية القضاء وبراعة محامي الدفاع ـ قد سبقاه لجعله حبراً على ورق، لتتعالى صيحات تحديثه من جديد. هكذا يبدو لي أن الأولوية في حل إشكالية الحق الفكري ليست للقوانين؛ فالقرصنة أمهر وأسرع في ابتكار أساليب الالتفاف عليها والإفلات من قبضتها من كل تحديثاتها.. وليست للحكومات وأجهزتها القضائية والإدارية؛ فأكثر القوانين تشدداً وحداثة لا يمكن تطبيقه في مجتمع لا يؤمن بقداسة الحق الذي يحرسه ذلك القانون. ويبدو لي كذلك أن جهودنا لحماية الحق الفكري، لخطأ في وجهتها، قد منيت بالإخفاق، حتى باتت إشكالية مزمنة عجزنا على مدى أكثر من نصف قرن عن تقديم حل لها فراحت تستشري في جسدنا الثقافي، وتنذر بالخطر الوبيل.
* قبل ستين عاماً، نقرأ في عدد أبريل لعام 1947 من مجلة الكتاب (المصرية) أن اللجنة القانونية في الجامعة العربية قد وضعت مشروع قانون لحماية الملكية الأدبية والفنية، ونوهت بأهميته البالغة في تنمية الثقافة، ثم ظلت حمى قوانين الحماية بعد ذلك تترى، يصحبها تفاقم متصاعد أشد تحدياً واستهتاراً في الاعتداء عليها.
* وقبل حوالي أربعين عاماً من صدور قانون حماية حق المؤلف رقم 12 لعام 2001 في سوريا، نعثر في سجلاتنا القضائية على حكم صادر عن محكمة الجزاء (الغرفة الثانية) في مدينة حلب ـ برقم أساس 270 وتاريخ 5/8/1965 ـ بحبس الناشر المعتدي سنة واحدة وتغريمه 50 ل.س. وتغريم مساعده المحقق المدلِّس 200 ل.س وتغريم الطابع 100 ل.س، ومصادرة الكتاب المقلد، وإلزام المعتدي بدفع مبلغ 5000 ل.س. للمدعي الشخصي مقابل ما سببه له من عطل وضرر، لأنه المالك الوحيد لحق طبع الكتاب ونشره وتوزيعه، ثم عدلت محكمة الاستئناف عقوبة الحبس إلى غرامة 200 ل.س. ورفضت محكمة النقض طعن المعتدي بإجماع الآراء فاكتسب الحكم الدرجة القطعية بتاريخ 30/9/1967. وكان ذلك كله استناداً إلى الأحكام العامة المبثوثة في قانون العقوبات وقانون التجارة قبل صدور القانون الخاص بحق المؤلف.
واليوم؛ في ظل قوانين الحماية المستحدثة، واتفاقيات الحماية العربية والدولية، وضجيج الندوات والمؤتمرات، تعجز الدوائر القضائية في مصر ـ بله غيرها من الدول الأقل حداثة في تشريعاتها ـ عن البت في أكبر عملية قرصنة في تاريخ النشر، ضبطتها أجهزة الأمن المصرية، وصادرت فيها كتباً مزورة نقلتها في خمس شاحنات، تعود حقوق نشرها إلى عشرة ناشرين مصريين وسعوديين ولبنانيين وسوريين، ثم قادت المزور متلبساً بجريمته إلى النيابة التي أحالته بدورها إلى القضاء.
كان ذلك في عام 2003، وفي عام 2004 أعاد القرصان المتهم الشاطر الكرَّة ـ وقضيته الأولى ما تزال أمام القضاء ـ ليسطو هذه المرة على الكتب ذاتها التي ما تزال متحفظاً عليها، ولكن بحيطة أكثر هذه المرة مكنته من إخفاء معظم عناصر الجريمة، ما عدا أطراف منها تدل على فداحة حجمها، ثم أعادها ثالثة عام 2005، وقد أصبح من التمرس والإفادة من تجاربه بحيث يتمكن من التواري وطمس آثار الجريمة، فلا يظهر منها إلا روائحها النتنة التي تفوح مما انتشر في أيدي الناس، أو تفرق في الأمصار من نسخها المزورة، أو دُسَّ في المكتبات للبيع من تحت الطاولة.
ولسوف يتابع المتهم فعلته وتتكدس القضايا ضده، في ظل نظام قضائي معقد وإغضاء اجتماعي مشجع، ليؤكد أنه الأقوى.. أقوى من الدساتير والقوانين والمحاكم وأجهزة الأمن، ورجال الضابطة العدلية وشرطة المصنفات، ودوائر الحماية في وزارات الثقافة، ولجان الحماية في اتحادات الناشرين، ومن كل القضاة والمحامين والكتّاب والغيورين على مستقبل الثقافة.
أليس ذلك دليلاً على عقم التوجه بالحل إلى الظواهر وإهمال النظر في الجذور والبواعث؟! ما جدوى رش البعوض بأطنان المبيدات الحشرية، إذا كانت بيوضه مسترخية على ضفاف المستنقع ما تلبث أن تفقس بأعداد أكبر، أليس تجفيف المستنقع هو الأجدى؟!
أولوية الثقافة والمجتمع
(بفضل الله تعالى، يحتوي موقع (الوقفية) على ما يقرب من ربع مليون صفحة مصورة ضوئياً، ستصل بإذن الله إلى نصف مليون صفحة عند نهاية عام 200، يعرضها الموقع لتعميم الفائدة لطلبة العلم في كل أرجاء العالم بعيداً عن أي غرض تجاري.. حلمه أن يرى جميع المراجع الأساسية لطلاب العالم متاحة مجاناً، ليستفيد منها الفقير وغير الفقير في جميع أنحاء العالم. ولقد أخذ موقع المكتبة الوقفية على عاتقه عدم نشر أي كتاب إلا بعد مرور سنتين على صدور طبعته الأولى؛ وهذه هي المدة المتعارف عليها لتسويق الكتب، وذلك تفادياً للإضرار بالمؤلف وبالناشر). بهذا النص قدم موقع المكتبة الوقفية على الإنترنت www.waqfeya.com نفسه للجمهور، متخذاً من حسن نيته ومقاصده الشريفة غير الربحية في نشر العلم، ذريعة لاستباحة الحقوق الفكرية، والسخرية بكل القوانين والشرائع.
وأعتقد أنه بهذه الصفة الوقفية التبرعية، سوف يتلقى الدعم المالي من المجتمع لتشغيل موقعه والسطو على المزيد من الصفحات، وإتاحتها مجاناً للجمهور، متكرماً بمنح فرصة استثنائية لأصحاب الحق الفكري مدة سنتين من تاريخ النشر الأول، بدلاً من الخمسين سنة من تاريخ وفاة المؤلف، والتي ترتقي بها بعض القوانين إلى 75 سنة.
ومباركة المجتمع لهذه المصادرة لحق المؤلف، لا تقتصر على هذه الوقفية التي تتيح الأعمال الفكرية للجمهور مجاناً، بل هي تنسحب على قرصنة الكتب والبرمجيات ربحياً، وتقديمها بسعر مخفض أسقط من حسابه حق المؤلف؛ يعدها المجتمع خدمة للعلم الشريف، تذهب بكل ثمرات الإبداع إلى جيوب القراصنة، لتحرم المبدع الحقيقي منها.
ومن دون أي مناقشة لصحة هذا السلوك الاجتماعي، والضرر الذي يعود به على مستقبل الثقافة والإبداع، والمستوى الحضاري والأخلاقي الهابط الذي يسم به المجتمع، فإن علينا أن نعترف أن هذا السلوك إنما يعبر عن ثقافة مستقرة في الضمير، توفر للقرصنة كل فرص الحماية من سطوة القانون؛ إغضاءً وتستراً وتشجيعاً وترويجاً وأفضلية في التعامل، بعد أن وفرت له الغطاء الأخلاقي اللازم لإراحة ضميره، إزاء سرقة الأفكار؛ فاستهلاك المعرفة حق للإنسان والعلم مشاع بين البشر كالكلأ والماء، أما إنتاج المعرفة فواجب لا يليق بالإنسان المنتج له أن يتكسب به، فعليه أن يأكل من عمل يده لا من عمل فكره.
ونتيجة لهذا الفهم رتب المجتمع حقوقاً لعمل اليد أحاطها بسياج من الاحترام يصونها من الاعتداء عليها، لم يرتب مثلها لعمل الفكر، فأصبح ضمير المجتمع يهتز لسرقة الأشياء ويدينها ويرحب بإقامة الحد عليها، ولا يهتز ولا يخامره أي شعور بالإثم إزاء سرقة الأفكار التي يرى فيها خدمة اجتماعية جليلة تيسر له سبل المعرفة.
وفي ظل هذه الثقافة، تقبل المجتمع حماية الحقوق الفكرية المترتبة لبراءات الاختراع وللرسوم والنماذج الصناعية وللعلامات التجارية على الرغم من أنها تستمد قيمتها من الإعلان والدعاية المركزة، فإذا به يتقبل ببساطة حماية علامات نستله وكوكاكولا وليبتون ومالبورو، وكلها حقوق ملكية صناعية يتم استثمارها مادياً بشكل يتجاوز حدود المعقول، ولم يتقبل حماية الحق الفكري المترتب للإبداع العلمي والأدبي والفني من المصنفات في العلوم والآداب والقصة والشعر والمسرحيات والموسيقى والرسوم والمنحوتات، ولم يدخل في وعيه أبداً أن هذا الإبداع إنما هو نتاج عمل فكري أسمى وأرقى وأجدر بالحماية من العمل اليدوي.
وفي ظل هذه الثقافة، وتحت حمايتها، ترعرعت شبكات القرصنة، واستطاعت أن تستحوذ على أكثر من 70% من حجم تداول المنتجات الفكرية كتباً وأشرطة وأقراصاً ممغنطة ( CDS)، عن طريق التصوير والتزوير والنسخ والمحاكاة والتقليد والترجمة بلا إذن وإعادة التحقيق بلا مسوغ. هل سنستطيع ـ في ظل هذه الثقافة ـ الدخول إلى عصر المعرفة.

أعلى





تحت شعار (الدوحة ملتقى الثقافات)
بدء مهرجان الدوحة الثقافي السادس في 21 من الشهر الجاري

الدوحة ـ كونا: اعلن الامين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون القطري مبارك الخليفة امس ان مهرجان الدوحة الثقافي السادس الذي سيبدأ في 21 من الشهر الجاري سيكون متنوعا ومتفردا من خلال مشاركة مختلف دول العالم. وقال الخليفة في تصريح صحفي ان المهرجان الذي تستغرق مدته نحو اسبوعين سيكون برعاية امير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني ويحمل شعار (الدوحة ملتقى الثقافات) اذ ستضمن فعاليات متنوعة. وذكر ان المهرجان سيستضيف هذا العام عددا من الفرق الفولكلورية والاستعراضية حيث تقوم كل فرقة بتجسيد تراث بلادها الغنائي الشعبي وكذلك تمثيل هذا البلد بما ترتديه من ملابس مستمدة من الماضي. وقال ان تعدد الفرق يعتبر من سمات المهرجان حيث انه يشمل مختلف القارات لكي يطلع رواد المهرجان على ثقافات العالم من خلال غناء هذه الفرق ورقصها الفولكلوري الشعبي وهي تأتي من اسبانيا والمكسيك والبيرو والهند وايران ولبنان ومصر واليمن. واشار الى ان من أبرز تلك العروض الاستعراضية عرض الفرقة الصينية لذوي الاحتياجات الخاصة وهي فرقة قادمة من الصين أعضاؤها من ذوي الاحتياجات الخاصة يقدمون عروضا فنية مبهرة تعكس قوة الارادة والقدرة على تحدي الاعاقة. وبين ان من أبرز فعاليات المهرجان المحاضرة التي سيلقيها النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر أل ثاني وتحمل عنوان (دور المواطن في بناء المجتمع حاضرا ومستقبلا) وذلك في الأول من الشهر المقبل. واوضح الخليفة ان المهرجان يتضمن كذلك امسيات شعرية يقدمها عدد من الشعراء والشاعرات يمثلون دولا عربية اضافة الى عروض مسرحية متنوعة خاصة بالكبار والصغار. وقال ان من ضمن العروض الفنية العالمية عرض لساكو السيمفونية وهي اوركسترا تتكون من حوالي 60 عازفا أوروبيا على مختلف الألات الموسيقية بقيادة الموسيقار سالم عبدالكريم الذي يقدم عزفا منفردا على ألة العود علما ان الأمسية تعتبر بمثابة تكريم لآلة العود العربية ومناسبة لأحد أهداف المهرجان في دعم التبادل الثقافي بين الشعوب كما يحتوي المهرجان ايضا على عروض لأزياء عالمية وهو جديد هذا المهرجان حيث يتم من خلاله عرض الأزياء التقليدية للرجال والنساء التي تستخدم للمناسبات المختلفة في أكثر من 20 دولة منها السلطنة وقطر والكويت وسوريا وجنوب افريقيا والهند واليابان والبحرين وفلسطين والسودان وتونس والامارات وقبرص واليمن والبوسنة والهرسك والفلبين وايران وفنزويلا وباكستان ومصر والمغرب وبروناي.
كما سيكون للسينما هي الاخرى نصيب في المهرجان حيث يتم عرض مجموعة من أشهر الأفلام الروائية التي فازت بجوائز كبرى مثل فيلم الريح التي هزت الشعير الحاصل على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان الماضي والمرشح للأوسكار هذا العام وفيلم قص ولزق من مصر وعدد أخر من الأفلام. كما سيكون سوق واقف التراثي على موعد مع احتضانه للوحات غنائية مختلفة إضافة الى بعض العروض الفنية التي تعكس الفن الخليجي الاصيل. كما سيتضمن عرضا خاصا للطيور في أحد المجمعات التجارية تعرض فيه الطيور الحية والمحنطة وسيصاحب هذا العرض برامج تثقيفية وأشغال يدوية يتم من خلالها انشاء مجسمات لعدة أنواع من الطيور.


أعلى





تجسد عصر عالم الغرب بالعربية
حياة خاصة في رواية ( وداعا جنيف ) لفواز طوقان

بيروت - رويترز : تبدو رواية (وداعا جنيف) لفواز احمد طوقان كأنها كتبت عن عالم الغرب في بعض وجوه حياته الاجتماعية الحالية خاصة حياة السرعة والتنافس في تلك الحياة. ابرز ما يلفت النظر في رواية الدكتور طوقان انها في فصولها المختلفة ربما كانت تروي بحركة وحرارة وجرأة وبثراء ثقافي وبمهارة وبمعلومات دقيقة وكثيرة عن بعض انماط في الحياة الغربية الحالية.. اكثر ما ترويه في مجموعها اي كرواية متكاملة. وقد يبدو هذا الكلام منطويا على شيء من التناقض لكن المقصود به ان القاريء ربما وجد ان الرواية ككل وبنسيجها العام قد لا تكون متلاحمة الاجزاء تلاحما عضويا مميزا وبارزا بوضوح.. فما طرح في الرواية ككل من الناحية الفكرية والوجدانية ليس كثيرا ويمكن اختصاره في امور اساسية قليلة. لكن قدرة طوقان تتجلى في الفصول المختلفة وتفاصيلها وتحركها بحيوية ونشاط كبيرين وفي قدرة سردية حية. معرفة المؤلف الواسعة بامور لا تقتصر على الفكري والثقافي بل تتجاوز ذلك الى تفاصيل دقيقة من شؤون يوميات الحياة في الغرب -في سويسرا وكندا والولايات المتحدة في شكل خاص وفي اماكن اخرى- تبدو مذهلة احيانا. قضايا السفر والفنادق ومشكلات اجيال الشباب والازمات والاحتجاجات الاميركية في ستينات القرن الماضي وسبعينياته.. من رفض حرب فيتنام والتظاهرات و"وود ستوك" الموسيقى والرقص.. حركات الاعتراض والدعوة الى ممارسة الحب عوضا عن القتل.. وتعاطي المخدرات في التجمعات من خلال (الحركة الهبية) وغيرها. قدرة الكاتب على تصوير حالات من الممارسات الخاصة الثنائية وتلك شبه الجماعية والادمان على الكحول والمخدرات.. مميزة لا يدانيها الا تميزه الواضح في الدخول الى عالم المرأة الخاص. ينقل الينا الكاتب احداث روايته فيكاد يخفي علينا تماما كونه رجلا شرقيا.
جاءت رواية طوقان في 327 صفحة من القطع الكبير وصدرت عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت وفي بعض سماتها تذكر بسمات تعكسها الافلام السينمائية المليئة بالحركة والصخب. حيث مع الرواية ينسى القارىء انه مع كاتب عربي شرقي فيعيش عالم اشخاص من اجيال الشباب الغربيين تصرفا وكلاما وتفلتا من القيود الاجتماعية السائدة.ولطوقان قدرة على جذب القارىء الى فصول روايته وتفاصيل هذه الفصول بشكل يكاد فيه القارىء يركز انتباهه على كل فصل بالذات وكأنه هو القصة. فكل فصل عالم حي يضج بانماط الحياة المشار اليها. في الرواية تطرح مشكلات غربية. حيث يقابل دفء الناس واهتمامهم وكرمهم من ناحية ما يختلف عنه من حيث اداء الدور السياسي وتعامله مع المواطن. وكأن الكاتب يشير الى ازدواجية او الى صورتين صورة من الخارج واخرى من الداخل. والدكتور طوقان استاذ جامعي وباحث اكاديمي وشاعر وكاتب رواية هنا ايضا. طوقان الاردني الذي قام بالتدريس في جامعات غربية وعربية مختلفة هو استاذ زائر في الجامعة الاميركية في بيروت الان وله ابحاث ودراسات في الادب والنقد واعمال شعرية.





أعلى





في سيرة جبران خليل جبران المفقودة
أوراق جبرانية تستعيد قرابة قرن من الزمان

عرض - أنور الجاسم :صدر مؤخرا للكاتب اسكندر نجار كتاب جديد بعنوان ( جبران خليل جبران ), ويتحدث المؤلف عن ولادة جبران في قرية ( بشري ) شمال لبنان وعن مدى جمال هذه القرية المعلقة بين السماء والأرض وعن الوديان السحيقة والجبال المحيطة بها . ثم يتحدث اسكندر نجار عن الدور الذي لعبه جبران في تأسيس الرابطة القلمية في المنفى التي تشكلت وساهمت في إدخال روح الحداثة إلى الأدب العربي واخراجه من دائرة التقليد المبتذل . وكانت تضم بالإضافة إلى جبران بعضا من كبار الأدباء العرب أو الذين سيصبحون لاحقا كأمين الريحاني وايليا أبو ماضي ونسيب عريض وندره حداد والياس عطا الله وميخائيل نعيمه واخرين . ويسعى اسكندر نجار إلى فك جزء من اللغز الذي أحاط بحياة وعلاقات جبران، الفنية والاجتماعية، وذلك بنشره لعدد من الوثائق النادرة المتعلقة بالرجل، منها الرسائل التي تبادلها مع ناشر كتبه بالانكليزية، الاميركي ألفرد كنوبف وزوجته بلانش، وتلك التي تبادلها مع صديقه الشاعر ويتر باينر. ومنها رسوم غير معروفة، بريشته، وصور لصديقته شارلوت تيلر، فضلاً عن مستندات تتعلق بأعماله المسرحية التائهة، وبموقف مساعدته بربارة يونغ من روايته الشهيرة (الأجنحة المتكسرة) ورفضها نشر ترجمتها الى الانكليزية بحجة ضعفها الإبداعي وهبوطها بجبران عن مستواه العالي الذي عرف به من مؤلفاته الانكليزية، ورسائله إلى صديقته الشاعرة مادلين مايزن منهايم التي قدّم لها رسوماً زينت بها أول مجموعة شعرية لها، وقامت بترجمة كتابه (النبي) الى الفرنسية، فضلاً عن وثائق اخرى تتعلق بعلاقات وحياة جبران، يكشف عنها الستار لأول مرة. الكتاب ذو قيمة توثيقية، وهو يستند الى العرض الوثائقي للتعرف على الحقيقة، وهو أسلوب قلما يساعد على سبر أغوار الكاتب او الشاعر او الرسام، بل يلقي أضواء خارجية عليه، غالباً ما تبقى واقفة امام أسواره, وجبران خليل جبران، كشخص إبداعي متعدد وغني، وكشخص حياتي غامض، هو صاحب أسوار عالية وأغوار سحيقة.

 

أعلى





صوت
لو قرأوا هذا الكتاب

من هو سن تزو ؟! طبقا لماهو شائع في التراث الصيني ..وما أكدته الموسوعات العالمية ..الموسوعة البريطانية وموسوعة ويكي بيديا خاصة ..ف"سن تزو " مؤرخ عسكري صيني عظيم .. عاش في القرن الرابع قبل الميلاد ..وصاحب أحد أشهر المؤلفات العسكرية الكلاسيكية ..والمعروف عالميا باسم " فن الحرب " .. وربما قد لايكون ثمة وجود للرجل ضمن قوائم البشر على مر التاريخ ..وما" سن تزو" هذا الذي تفاخر به الصين الدنيا الا مجرد شخصية مختلقة ..تماما مثلما قيل عن هوميروس و شكسبير والعديد من رموز التاريخ !! وما كتاب "فن الحرب " الا من تأليف مجهول ربما وضع بذرته لتنمو مادته وتنضج على أيدي مجهولين آخرين عبر التاريخ !! أيبدو هذا بالطرح المنطقي ؟
آخرون ..معالم بارزة في تاريخ المعمار الثقافي الانساني قيل عنهم هذا انهم شخصيات اختلقت لسبب أو آخر ..من هوميروس الى شكسبير ..لكن ان كان الدكتور جمال الدين التلاوي صاحب أحدث ترجمة عربية لكتاب فن الحرب ..وربما أكثرها دقة ..يرى أن "سن تزو "هو الشخص الذي ينسب اليه تأليف الكتاب ،و أن هذه هي المعلومة الموضوعية الوحيدة التي يمكننا أن نقطع بصحتها كلما لفنا طوفان المعلومات التاريخية المتضاربة حول التي تكاد لاتتفق على شيء ..الا أن المعلومة الأكثرا يقينا هي أنه بين أيدينا كتاب عظيم من التراث الصيني اسمه "فن الحرب " لوقرأه الرئيس بوش مثلا واستوعب مضامينه لاتخذت أحداث الشرق الأوسط مسارات أخرى أقل كارثية مما هي عليه الآن ..! فان كان الرئيس بوش قد فاته هذا ..فعليه الآن أن يقرأ كتاب المؤرخ الصيني قبل أن يتخذ قراره بضرب ايران .
ويبدو أن مشكلة الرئيس بوش أنه لا يقرأ..هذا ماقاله السيناتور الديموقراطي رئيس لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأميركي ..وقد رد بوش بأنه يعكف حاليا هو وأعضاء ادارته ـ بناء على نصيحة وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجرـ على قراءة كتاب"تاريخ الحرب الجزائرية "للمؤرخ البريطاني أليستر هورن..وأظن أنه ذات الكتاب الذي نصح ريتشارد كلارك منسق مكافحة الارهاب في ادارة بيل كلينتون .. صقور الادارة الأميركية الحالية بقراءته قبل الاقدام على غزو العراق ..لكنهم لم يفعلوا فكانت الكارثة ..!!ولاأدري ان كانت قراءة كتاب المؤرخ البريطاني سوف تفيدهم الآن في ايجاد مخرج من المأزق العراقي ..الا أنه من المؤكد أن قراءة بوش وصقوره كتاب المؤرخ الصيني تعد حتمية الآن وهم يدقون طبول الحرب ضد طهران ..فمن بين طيات الكتاب قد ينتهون الى الخيارات الصائبة التي تجنب المنطقة والعالم كارثة أخرى!! وماذا يمكن لرجل مات من ألفين وأربعمائة سنة أن يقدم لرئيس أقوى دولة الآن ..؟ الحكمة التي يحتاجها صانع القرار السياسي ..والحنكة التي يحتاجها قائد في ميدان الحرب ..وما أشد حاجة بوش لكليهما .. الآن ! يقول سن تزو : ان القائد الماهر لاينشغل وقت الحرب باثارة جبهة جديدة ضده ..وان توافرت لديه القدرة على القتال في جبهات عدة ..!
والادارة الأميركية غارقة لأذنيها ..ليس فقط في مستنقع حرب واحدة ..بل حربين عسيرتين في العراق وأفغانستان ..! وتشاء أقدار الجغرافيا أن تكون الجبهتين متاخمتين لمسرح الحرب الثالثة ..فان اتخذت الادارة الأميركية القرار الخطأ وشنت حربها على أيران فبامكان الايرانيين أن يستخدموا ما يتمتعون به من نفوذ في العراق والعلاقات الطيبة التي تربطهم الآن بحركة طالبان في أفغانستان في انهاك القوات الأميركية في البلدين..
وماذا لدى "تسن تزو " أيضا ؟ الكثير ..يقول : الحرب هي الأكثر كارثية وغباء للصراع والوسيلة الأكثر خسارة للحصول على مكسب ما ..انها الشيء الذي يجب السعي اليه ..وان تم فرضه وجب انهاؤه سريعا ..لأن استمراره لايعني سوى المزيد من الخسائر ..اذن فالقاعدة التي ينبغي أن يلتزم بها السياسي الحكيم استثمار كافة الوسائل المتاحة لادارة الصراع الا الحرب ..يلوذ بها فقط حين تفرض عليه ..
لكن المحافظين الجدد في واشنطن لايرون ورغم قسوة الدرس العراقي سوى توما هوك وكروز وطائرات بي 52..لهذا فنتائج حروبهم كارثية ..والعراق نموذجا !!
وتكرار التجربة مع ايران سوف ينتهي بكوارث أشد مأساوية .
ودائما ينصح سن تزو بأن يستفيد صانع القرار في مواجهة أي صراع من التجارب السابقة ..ولو قرأ الرئيس بوش كتاب المؤرخ الصيني ربما أدرك أنه خطأ فادح أن يهاجم ايران .. على حد قول زبجينيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ..والذي عرف بنهمه للقراءة في كافة حقول المعرفة ..خاصة في الشؤؤن العسكرية والسياسية والاقتصادية ..وبدت ثقافته الموسوعية جلية في كتابه المهم " الخيار " ومن البديهي أن يكون قد قرأ كتاب "سن تزو" الذي يعد القاسم المشترك في مكتبات القادة والسياسيين والعسكريين والمحللين ..لذا يدرك بريجينسكي أهمية نصيحةالمؤرخ الصيني لأي قائد بصدد خوض صراع ما ..أن يستفيد من تجارب الماضي : "تعفيك التجربة من معاودة الوقوع في الخطأ .." ولو عمل بوش بهذه النصيحة لأدرك مع التداعيات الكارثية للحرب العراقية أنه ليس من الحكمة تكرار الخطأ بشن حرب أخرى في المنطقة .. ولم يفرط بريجنسكي في المبالغة حين قال في صحيفة واشنطن بوست ان الرئيس بوش يرتكب حماقة سياسية حين يهاجم ايران .. وأظن أن الرئيس الأميركي قد لايرتكب هذه الحماقة ان قرأكتاب "فن الحرب " للمؤرخ الصيني العظيم "سن تزو".!
محمد القصبي *
* كاتب مصري

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر مارس 2007 م




.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept