كلمة ونصف
القوى العاملة بين المطرقة والسندان
إدارة القوى العاملة بجوانبها المختلفة ، مسألة
كبيرة ومعقدة إلى أبعد الحدود ، التي قد يتصورها الفرد ، وتحتاج
إلى جهود وإمكانيات كبيرة للتوفيق بين الأطراف ذات العلاقة ، وتحقيق
درجات من الرضا على ضوء المصالح الاقتصادية المتضاربة ، والأمزجة
المتباينة في التعاطي مع الأمور من كل الجوانب.
والجهات التي تدير هذا القطاع هي ما بين المطرقة والسندان فهذا القطاع
هو من أهم القطاعات التنموية والاقتصادية على الإطلاق، والذي تتباين
فيه كل الرؤى ، وتتكالب فيه كل المصالح، لتحقيق غاياتها ومآربها،
بدون الالتفات إلى الأطراف الأخرى لتتحول العملية إلى ما يشبه الصراع
الذي قد لا ينتهي في يوم من الأيام .
وتصبح هذه الجهات المختصة الملعب الرئيسي لهذا الصراع ، تتقاذف علامات
عدم الرضا من كل طرف وتتجاذب الشكاوى من كل جانب وتتبادل الاتهامات
من هنا وهناك غير عابئة بمسئولياتها وحقوقها وواجباتها لتضع هذه
الجهات في دوامة لا تعرف كيف تنتهي منها وتنهك كل قواها في إيضاح
الصورة للجميع انطلاقا من مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
إن معادلة القوى العاملة بكل تشكيلاتها وتركيبتها ومصالحها وقواها،
صعبة للغاية لكونها تمس أطرافاً ، وتحرك مشاعراً تتعلق بمصائر إلى
غير ذلك من متغيرات.
فإدارة هذه القطاع وعلى ضوء هذه المتغيرات المتناقضة، تبدو صعبة
للغاية ، كونها تتعاطى مع جوانب بالغة الحساسية وتراكمات معقدة ،
وإرث ثقيل متضخم بكل التعقيدات .
إن إحداث توازن بين هذه المعادلة، وبين ما يمكن أن يسمى بالفرقاء
ليست بالعملية السهلة والبسيطة كما يرى البعض ، أو مرنة يمكن إجراؤها
بجرة قلم أو إصدار قرار ما لم تكن تأخذ كل الأمور في الاعتبار.
لذلك فإن إدارة هذا الجانب تعد مسألة غير عادية في ضوء كل هذه المتغيرات
المتضاربة والتوفيق بينها في إطار رؤية مشتركة .
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

3 أبعاد
أميركا العربية
اللهم اجعله كابوسا أستيقظ منه الآن.
اللهم الا يكون مختطف الطائرة الثانية شخصا يشبه أخي.
بهذه الكلمات الشاعرة يزدهر الأدب العربي الأميركي في الولايات المتحدة.
والازدهار ازداد عمقا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وهو يتحقق على يد
أديبات وشاعرات عربيات ، إحداهن صاحبة تلك الكلمات المستلهمة من
11 سبتمبر، وهي الشاعرة سهير حماد الفلسطينية الأصل ازدهار أدب الأميركيين
العرب هو جزء من حركة البحث عن الهوية، التي برزت في الولايات المتحدة
خلال العقد الماضي بين الجيل الثاني للأباء المهاجرين ، سواء من
العرب أو أعراق أخرى ولكن أحداث سبتمبرعام 2001 جاءت بدافع جديد
أدى الي غزارة في انتاج الأميركيين العرب، الذين تهيمن النساء عليه
لدينا في أميركا اليوم غير سهير حماد الروائية الأردنية الأميركية
ديانا أبو جابر وهي استاذة جامعية ، و ليلى حلبي وهي أردنية أيضا،
ثم مهجة كهف السورية وفي مجال المقال الصحفي لدينا المصرية منى الطحاوي
هناك عدة أسباب وراء هيمنة النساء على الأدب العربي الأميركي أحد
هذه الأسباب اتجاه الرجال نحو الكتابة السياسية مثل الدكتور فؤاد
عجمي وانتوني شديد ويوسف ابراهيم وعاطف جواد وسبب آخر هو رغبة الأديبات
العربيات في تحدي الواقع الذي فرضه المجتمع العربي على امهاتهن،
ثم المجتمع الأميركي عليهن فقد نشأن في أميركا وواجهن ازدواجية الهوية
حرية التي يمنحها المجتمع الأميركي للمرأة ، التي تتناقض أحيانا
مع التقاليد العربية التي غرست فيهن انظر الى سهير حماد مرة أخرى
وهي تقول: لست أريد أن أكون امرأتك الأجنبية، كطير ملون حبيس في
قفص، في أرض أجنبية أما ديانا أبو جابر فسوف فقد صدرت روايتها الجديدة
" الهلال" في ابريل الماضي، وتتناول قصة أمرأة عراقية
تعمل في مطعم في لوس انجلوس بعد أن فرت من تحرشات المخابرات العراقية
بها ( في عهد صدام حسين) ، لأنها وقعت في حب استاذ جامعي من المعارضة
العراقية وفي مايو نشرت ليلي حلبي روايتها " غرب الأردن"
وتتناول حياة أسرة فلسطينية تعيش حياتها في تنقل بين قرية نوارة،
والولايات المتحدة هنا في أميركا اكثر من مليوني أميركي من أصل عربي
وقد بدأت أصداء أصواتهم تتردد في عمق المجتمع الأميركي عن طريق فن
رفيع وأدب ثري هذا الفن والأدب توازيه نهضة جديدة في مجال جديد لم
يدخله العرب في اميركا من قبل وهو الكوميديا التي ازدهرت هي الأخري
بسبب سبتمبر 2001
، وهذا موضوع آخر.
عاطف عبد الجواد
أعلى

أقول لكم
عريس لكل عانس
البرنامج الانتخابي للمرشح الرئاسي الموريتاني
دحان ولد أحمد محمود ركز على اهتمامه بتوفير زوج لكل فتاة ، سعيا
منه للقضاء على مشكلة العنوسة في بلاده ، مع الاهتمام بتعليم المرأة
وفتح كل أبواب العمل أمامها ، ولا أحد يستطيع التكهن بمصداقية هذه
الوعود الانتخابية ، التي قد تكون مجرد مغازلة لاصوات النساء الموريتانيات
وهي كثيرة ، وضمان استقرارها في صندوق المرشح الانتخابي ، لكنها
تشير إلى ظاهرة ايجابية في اهتمام المرشحين بقضايا مجتمعاتهم ، وعدم
السقوط في براثن المصطلحات الضخمة والوعود البراقة .. التي قد لا
تتحقق !
وعقب مرحلة الاستقلال الوطني عن الاستعمار الاوروبي في الستينيات
، كان البرنامج الانتخابي لاي مرشح عربي في أي انتخابات يمتلئ بشعارات
: القضاء على الاستعمار والامبريالية وأعوانهما ، واقامة حياة ديموقراطية
سليمة ، والتصدي للغزو الثقافي الاجنبي و .. وكلها شعارات لا مصداقية
لها عند فوز المرشح في الانتخابات .. أي انتخابات ولو كانت خاصة
باختيار رئيس لمجلس ادارة دورة مياه عمومية !
ولو كنت عانسا لوضعت صوتي في صندوق ولد أحمد محمود ، الذي قد يصادف
مشكلة كبيرة ان فاز واصبح مطالبا بتنفيذ وعوده ، فمواصفات الجمال
الموريتاني في الزوجة ان تكون جسيمة لحيمة شحيمة ، تتثاقل في مشيتها
من فرط اكتنازها ، بما يدفع الأهل لتنفيذ برامج غذائية مكثفة لفتياتهن
المقبلات على الزواج حتى يزددن شحما ولحما ، وكل ذلك يتطلب ميزانية
مالية خاصة لتنفيذ برنامج التسمين هذا على المستوى الوطني ، الامر
الذي قد يضطر صاحبنا لطلب قرض من البنك الدولي لتحقيق هذا المشروع
الإنمائي .. الله يعينه عليه !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

أصداف
جثث في وضح النهار
لايتحدثون عن مصدر هذه الجثث، التي تعلن عنها
حكومة المالكي في كل يوم، ولا أحد يكترث بهذا العدد الهائل من الضحايا،
الذين تتناقل أخبارهم وكالات الأنباء والفضائيات، وتتحول أرواح العشرات
والمئات من العراقيين، إلى مانشيتات تتألف من عدة كلمات، يتفرج عليها
العالم، وليس ثمة من يتحرك للسؤال عن مصدرها ومن الذي يقوم بتعذيب
هؤلاء وقتلهم وتشويه جثثهم، ومنذ شهر يونيو من العام الماضي2006،
والحكومة تقول : إنها باشرت تنفيذ الخطط الأمنية اللازمة، لتأمين
الحماية التامة لأمن المواطن في مدينة بغداد، وهرول الأميركيون وأعلنوا
عبر تصريحات كثيرة عن اشتراكهم في هذه الإجراءات، وأرسلوا إلى بغداد
خيرة قواتهم وفي مقدمتها قوات (سترايكر172)، وأعلن الأميركيون أنهم
يسيطرون على نقاط التفتيش، ومنذ ذلك الوقت، وعمليات الاختطاف فردية
أو جماعية وتجري في وضح النهار، وجرى اختطاف المئات في كل مرة، كما
حصل في عملية اختطاف الأساتذة والعلماء من وزارة التعليم العالي
والذي بلغ عددهم (210) علماء ودكتور وأستاذ وموظف، ووضع المختطفون
هؤلاء المختطفين داخل عشرات الحافلات، وتحركوا من وسط العاصمة العراقية،
إلى الأحياء السكنية في شرق بغداد، وجرت تصفيات هؤلاء على اساس الاسم
والطائفة، ولم تحرك حكومة المالكي ساكنا، ولاغرابة في ذلك، لان الذين
نفذوا الاختطاف، يعملون بناء على مخطط واضح تنفذه الحكومة، ولو لم
يكن كذلك، كيف تحركت مثل هذه القافلة الكبيرة من الحافلات التي تقل
العلماء والاساتذة والموظفين لمسافة تزيد عن عشرين كيلو مترا، واجتازوا
اكثر من عشرين نقطة تفتيش، دون ان يتعرضوا للسؤال، وهذا الاختطاف
واحد من مئات العمليات، التي راح ضحيتها عشرات الالاف من العراقيين،
ولو لم تكن القوات الاميركية، على معرفة تامة بهذا المخطط ، كيف
تسمح بمثل هذه العمليات التي تجري في الشارع العراقي ، وهم الذين
يسيطرون على نقاط التفتيش، كما أعلن القادة في الجيش الأميركي، وتحديدا
من قبل القوة المعروفة باسم(سترايكر172) .
أسئلة كثيرة، لابد من إعادة طرحها، ونحن نتابع عملية رمي جثث العشرات
يوميا في شوارع بغداد، في وقت تنتشر فيه القوات الاميركية والعراقية
على اوسع نطاق في بغداد، وهناك حظر للتجوال، اي ان ساعات رمي الجثث
تتم ليلا، استنادا الى ما تتناقله وكالات الأنباء، وخلال هذه الساعات
الممتدة من الثامنة مساء حتى السادسة صباحا، لايتجول في بغداد الا
الارتال الامنية الحكومية والقوات الاميركية .
هل وصلت الرسالة واتضحت الصورة .
أعتقد أنها لاتحتاج إلى المزيد من الإيضاح.
وليد الزبيدي
أعلى

أطياف
جهاد .. اسم مخيف !!
خبر طريف نشرته وكالات الأنباء عن قرار لمحكمة
ألمانية في برلين يقضي (بشرعية ) إطلاق اسم جهاد على الأطفال ، من
بعد قرار اتخذته دائرة الأحوال الشخصية في برلين والقاضي برفض تسجيل
اسم جهاد على المواليد الجدد ولو كان المولود من أسرة مسلمة ، وحجتها
في ذلك أن الاسم له " تأثير " سلبي على سعادة الأطفال
!!
ويبرر وزير داخلية برلين بأن كلمة جهاد مرتبطة تلقائياً بنشاط المجموعات
المتطرفة !
الشاهد في الموضوع هو ذاك الكم المغلوط من المعلومات والمفاهيم عن
الإسلام وأركانه ومبادئه وتعاليمه أقول : المغالطات التي تظهر من
هنا وهناك ولاسيما من العالم الغربي وتحديداً في أوروبا لا يمكن
إحسان الظن فيها ، لأنهم أكثر أمم الأرض دراسة لدين الإسلام ، وما
حركات التبشير والمستشرقين التي جابت العالم الإسلامي ، والعربي
على وجه الخصوص ، في القرن الفائت ، إلا دلائل على أنهم يعرفون ربما
أكثر مما نعرفه نحن عن ديننا.
أقول : إن تلك التبريرات والمغالطات من الأوربيين تحديداً غير مبررة
ومقبولة . وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على نوع من الغيرة الشديدة
تجاه هذا الدين وأهله ، وربما أدت بهم الغيرة تلك إلى كراهية مبطنة
حيناً وظاهرة في أحيان أخرى كثيرة وتلك الكراهيات تتسبب في مشكلات
وأزمات هم يعرفونها أكثر وبشكل أدق وأعمق.
وعودة إلى القصة مرة أخرى ، أقول : ما المشكلة في أن يسمي مسلم مولوده
باسم من صميم دينه وثقافته ، بل كيف يفترضون - وأقصد الألمان - ومن
الآن بأن المولود سيشقى وسيفقد طعم السعادة بسبب اسمه ؟ هذا والله
أمر غريب أن تتحول أبرز الكلمات وأقدسها في ديننا وتراثنا وهي الجهاد
إلى كلمة تبعث على الحزن وطرد السعادة ؟! هذا شئ غريب ، بل أحسبه
يدخل ضمن مسلسلات التضييق على المسلمين في بلاد الغرب ليس أكثر.
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

باختصار
فرصة تاريخية
يبدو أن برنامج مؤتمر القمة العربية القادم
سيكون حافلا بالقضايا الساخنة التي تحتاج لتبصر وإمكانية تنفيذ ،
وتظهر مؤشرات ذلك أن النقاط الحساسة التي بوشر بالتهيئة لها ويعتقد
خبير سياسي متابع للقمم العربية أن القمة القادمة ستكون حساسة لأنها
ستلحظ موضوعات يجري التمهيد لبعضها فيما بعضها سكن الجامعة العربية
منذ عشرات السنين مثل القضية الفلسطينية .
أولى المؤشرات ما سيحمله لقاء اليوم بين الملك السعودي عبدالله بن
عبد العزيز والرئيس الإيراني أحمدي نجاد والذي ستؤتي نتائجه على
صعيد اجتماعات بغداد في العاشر من هذا الشهر وبالتالي ماسوف يضمنه
لأعمال القمة ويستدل من لقاء اليوم الذي يعتبر نصرا للتفاهم حول
اهم القضايا العربية كمثل الوضع العراقي والواقع اللبناني وامكانية
اعادة الحوار الى وضعه الطبيعي بين السعودية وسوريا اضافة الى تأليف
الوزارة الفلسطينية ولعل الحكمة من هذا اللقاء هو ايضا توحيد الجهود
الاسلامية امام المنعطفات الخطرة التي ترتسم بين المذاهب الاسلامية
.
ولقاء عبدالله - نجاد مفتاح وحيد يصلح لتهدئة ظروف متوترة قائمة
ولعل المؤشر فيه انه يحصل ايضا تحت رغبة اميركية من اجل التخطيط
الجيد لانجاح مؤتمر بغداد الذي يضم قوى عديدة وهو بمثابة مؤتمر دولي
قبل كل شئ من اجل حل يرضي الجميع ، وينظر الى هذا اللقاء على انه
مقدمة في كتابة سطور ناجحة للمؤتمر الموعود الذي تلعب فيه طهران
والرياض دورا مميزا من اجل انجاحه باعتبارهما مسؤولين مباشرة عن
تفاصيل محددة في الملف العراقي .
اما الموضوع الفلسطيني المنتظر في القمة العربية فقد أطلقت وزيرة
الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني النار على المبادرة العربية التي
اقرت في بيروت بعدما اعتبرتها " مستحيلة " .. ارادت ليفني
ايصال البرقية العاجلة الى السعودية كمسؤولة اولى عن القمة باعتباره
يعقد على اراضيها وتحت رئاستها وليس معروفا بعد هذا الموقف القاتل
من المبادرة اذا ما كان ثمة إعادة نظر فيها من قبل القادة العرب
أم أن التمسك بحيثياتها حتى النهاية سيكون لارجعة فيه ويؤسس عليه
شروط اخرى تدخل في صميم العلم الاسرائيلي .
ملفات القمة القادمة يراد استثمار جميعها وخاصة الملف اللبناني الذي
تدل بعض التفاصيل الحالية انه قابل للشفاء امام اي اتفاق ايراني
- سعودي بمباركة اميركية او بغض طرف اميركي عما يمكن اتخاذه اما
الملف العراقي الاصعب في تكويناته وفيما يخص الحلقة الاقوى فيه الولايات
المتحدة الاميركية فانه بحاجة الى تقدم اميركي على طريق الاعتراف
بتقرير بيكر - هاملتون وخاصة في النقطة المركزية فيه القائلة بضرورة
إجراء حوار أميركي سوري إيراني لأنه الضمانة للحل والمدخل لإزاحة
الكابوس المرهق التي تتخبط فيه اميركا في العراق يبقى الملف الفلسطيني
الذي مازال الموقف الاسرائيلي معرقلا لقيام الوزارة ، فان التصحيح
في الملف العراقي قد يؤدي الى تقدم فلسطيني .
معادلات لابد من اخذها بعين المصالح والمنافع والتنازل مقابل التنازل
لن تكون هنالك اتفاقات اذا ما رافق ذلك تشنج وتمييع تحتاج الولايات
المتحدة الى قوة قادرة لإخراجها من المستنقع ، لكن يحتاج آخرون إلى
التنازل في هذه الفرصة التاريخية التي قد لاتتكرر.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

في الموضوع
المطلوب كسر الحصار
يترقب كثيرون المشاورات الجارية حاليا لتشكيل
حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، بعد إنجاز اتفاق مكة المكرمة بين
حركتي فتح وحماس لكن يبدو أنه مازالت هناك نقط عالقة تحتاج إلى حسم،
سواء كانت تلك المشاورات بين القوى الوطنية الفلسطينية ، أو داخل
كل منها على حدة وسواء كانت متعلقة بالترشيح لمنصبي وزير الخارجية
ووزير الداخلية ـ اللذين تقول المصادر إنهما مازالا موضع خلاف -
أو بشأن التشكيل الحكومي بوجه عام لكن النقطة الأساسية ـ في ضوء
طول أمد هذه المشاورات ـ هي التي تشير إلى أن اتفاق مكة المكرمة
لم يحسم القضايا التي كانت موضع خلاف منذ البداية، وإنما أرسى مبدأ
الاتفاق على حل هذه الخلافات، وترك التفاصيل للبحث في وقت لاحق،
على النحو الذي يجري الآن، تنفيذا للالتزام الذي قطعه قادة فتح وحماس
على أنفسهم، ويجتهدون الآن للوفاء به.
النقطة المهمة هنا، هي أن توقيع اتفاق مكة المكرمة - بعد المواجهات
المسلحة التي جرت، وهددت بشبح الحرب الأهلية والانفلات الأمني -
رفع سقف التوقعات لدى الشعب الفلسطيني، وفرض التزاما على قادته بشأن
توفير الأمن والاستقرار. وبطبيعة الحال، فإن ذلك لايتحقق إلا إذا
حصلت حكومة الوحدة الوطنية - التي تترأسها حماس وتشارك فيها - على
اعتراف دولي بها، وتعاملت معها كافة دول العالم بطريقة طبيعية، تعني
رفع الحظر الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني وترجع أهمية هذه النقطة،
إلى أن التأخير في إعلان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، يشير
إلى تأخر حسم الخلافات بين الفصيلين الرئيسيين في الحركة الوطنية
الفلسطينية، ويشجع خصومهم في الترويج لعجزهم عن الاتفاق على حكومة،
ومن ثم الاستمرار في شن هجمات عليهم، على النحو الذي تمارسه قوات
الاحتلال الإسرائيلية حاليا في الأراضي المحتلة، كما هو الحال في
جنين ونابلس وغزة.
وفي الوقت الذي تتردد فيه أنباء عن إعلان التشكيل الحكومي الجديد،
يطرح البعض اقتراحات بشأن الحصول على الاعتراف الدولي به، وتطبيع
العلاقات معه وهناك ضرورة لبحث هذه النقطة والإعداد لها، في ضوء
التحفظ الذي تعبر عنه الإدارة الأميركية، ويتحدث به حلفاؤها الأوروبيون،
وإن كان ذلك بدرجة أقل تشددا في حين تتمسك إسرائيل بالرفض الكامل
للتعامل مع أي حكومة تشارك فيها حماس ويحدد ذلك خط المواجهة في المعركة
الدبلوماسية المقبلة، من حيث مدى تقارب الخط السياسي الأميركي مع
الموقف الإسرائيلي، ودرجة الضغط التي يمكن أن تنتج عن نفوذ التوجه
الأميركي على سياسة الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى، وطبيعة الموقف
العربي الداعم للحكومة الفلسطينية الجديدة ، وقدرته على صد الدفع
الإسرائيلي باتجاه رفض الاعتراف بهذه الحكومة ، وتشديد الحصار الذي
يعانيه الشعب الفلسطيني وفي هذا السياق طرحت دوائر عربية - ليس أقلها
جامعة الدول العربية - فكرة قلب الطاولة على إسرائيل، ومطالبتها
بأن يكون الاعتراف متبادلا بين الطرفين، ومقابل اعتراف حماس بإسرائيل،
تعترف إسرائيل بالدولة الفلسطينية في حدود الأراضي التي احتلتها
عام 1967، وتتعهد بالانسحاب منها - بما في ذلك القدس العربية - وتحديد
مدة زمنية مقبولة لذلك، مع إزالة المستعمرات التي أقامتها على الأراضي
المحتلة، في خرق صريح لمسؤولية سلطة الاحتلال في الأراضي التي تحتلها،
حسبما حددت امواثيق الدولية ذلك والمشكلة هنا هي أن إسرائيل تريد
انتزاع الاعتراف بها من كافة الفلسطينيين، دون أن تمنحهم سوى وعود
خالية من أي مضمون فلاهي تريد الاعتراف بحدود للدولة الفلسطينية
في الأراضي التي احتلتها عام 1967، أوإزالة المستعمرات المقامة عليها،
كما أنها ترفض مناقشة ترفض مناقشة مبدأ الانسحاب من القدس، أوطرح
موضوع حقوق اللاجئين والنازحين في العودة إلى وطنهم.
يتعين هنا التساؤل عما إذا كانت تصريحات المسؤولين العرب الذين تحدثوا
عن هذه الفكرة لأجهزة الإعلام، كانت موضوعا للنقاش في لقاءاتهم مع
مسؤولين غربيين التقوهم وإذا كان ذلك حدث بالفعل، يصبح السؤال مرتبطا
برد الفعل الغربي على الطرح العربي بهذا الشأن، وما إذا كانت هناك
نية وإرادة ورغبة وقدرة غربية على التدخل، من خلال موقف يؤكد "الشرعية
الدولية"، ويفرض الحل المقبول الذي تكون له صفة الدوام حتى
وإن لم يكن عادلا تماما، لأنه لن يقر حق الشعب الفلسطيني في دولة
على كامل ترابه الوطني، وسيكرس وجود دولة الكيان الصهيوني في فلسطين،
الذي يفصل بين المشرق العربي ومغربه، لتحقيق الهدف الاستعماري في
منع التواصل والوحدة بين جناحي الأمة الواحدة وفي حقيقة الأمر، فإن
التعويل على مثل هذا الموقف الدولي، في غياب موقف عربي حازم في دعمه
للشعب الفلسطيني، كان هو السبب الأساسي في تشجيع إسرائيل على التمادي
في تهويد الأرض الفلسطينية التي تحتلها وزادت وتيرة وشدة القمع الصهيوني
للشعب الفلسطيني، بعد أن نجحت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون في استبعاد
الموقف العربي من المعادلة الصراعية، وإعادة صياغة الموقف على أنه
"نزاع فلسطيني-إسرائيلي" فقط .
وحتى يتحقق هذا الاعتراف المتبادل - إذا كان يمكن أن يتحقق - يتعين
أن يعود الموقف العربي "الحازم" إلى المعادلة الإقليمية
ويطرح البعض تساؤلات عما إذا كانت المملكة العربية السعودية تستطيع
- من خلال علاقاتها الوثيقة مع الإدارة الأميركية - أن تغير الموقف
الأميركي ليؤيد مبادرة السلام التي طرحها خادم الحرمين الشريفين
الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما كان وليا للعهد، وتبنتها القمة
العربية في بيروت خاصة وأن السعودية هي التي استضافت قادة فتح وحماس
أخيرا، ونجحت في إقناعهم بتوقيع اتفاق مكة المكرمة هناك .
مايهم هنا، هو أنه يتعين إقدام العرب على موقف يعتبر دليلا على القوة،
مثل التضامن من أجل كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، على
غرار الموقف الأفريقي الذي بدأ كسر الحصار الذي كان مفروضا على ليبيا،
لأن ذلك سيكون أوضح دليل على أنه يتعين على الإدارة الأميركية التجاوب
مع مطلب مناقشة الاعتراف المتبادل، وحشد تأييد دولي كاف لذلك وفي
الوقت الذي يجب فيه مطالبة القادة الفلسطينيين بالإسراع بإعلان تشكيل
حكومة وحدتهم الوطنية، ينعقد الأمل على أن يستفيد العرب من هذا التأخير
لحشد موقفهم هم، لدعم هذه الحكومة بمجرد إعلان تشكيلها .
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى
عن أزمة الهوية في العالم العربي
لم تسقط الدولة العثمانية بقرار إلغاء الخلافة
الذي اتخذه مصطفى كمال أتاتورك في الثاني عشر من مارس عام 1924،
ولكنها سقطت قبل ذلك بقرابة قرنين،وتحديداً مع دخول الحملة الفرنسية
مصر عام 1798 حينها تعرت الإمبراطورية العتيدة تماماً أمام العالم
الخارجي وانكشفت عورتها أمام شعوبها الذين أفزعتهم حجم الفوارق الفكرية
والعلمية والثقافية مع بقية شعوب الأرض خصوصاً أهل الشمال الأوروبي
ولم تكن محاولات الانخلاع التي جرت في معظم أرجاء الإمبراطورية سواء
في مصر إلا تعبيراً عن الرغبة "القُطرية" في الخروج من
تحت عباءة الباب العالي ، والتخلص من تبعات البقاء تحت سيطرة سلطان
متداع .
وكان أخطر ما أنتجته حال الانكشاف تلك هو كسر الرابطة "المعنوية"
التي مثلت الوعاء الجامع لشعوب الإمبراطورية، وضمنت بقاءها قرابة
خمسة قرون، وكانت سبباً رئيسياً في تفكيك البنى الأساسية للرابطة
القومية، وأصيبت قيم الانتماء والولاء والتقديس لمعنى السلطة بالوهن
الشديد، ومن ثم بدأ الارتداد للفكرة "القطرية" كمركز للفعل
السياسي ، وذلك رغبة في التخلص من كلفة الشيخوخة التي أصابت قلب
الإمبراطورية العثمانية، وانتشرت في جميع أطرافها .
وبقدر ما فعلت حملة نابليون بونابرت على مصر في الإمبراطورية العثمانية،
بقدر ما فعلت حملة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على المنطقة قبل
أربع سنوات من الآن، وذلك حين غزا العراق في التاسع عشر من مارس
2003 فمذ ذاك والدولة العربية تدور في فلك من "التيه"
والتخبط ، وتبدو كما لو أن "أقنوم" تاريخها قد انفتح على
مصراعيه فأخرج ما اختزنته الخمسون سنة الماضية من تكلس وعفن تفوح
منه رائحة الاستبداد والتسلط والهيمنة والإخفاق.
انكشفت الدولة العربية تماما ، وتعرت أمام مواطنيها وفي مواجهة العالم
الخارجي ، وباتت أقل قدرة على التحكم في أدواتها التقليدية من أجل
البقاء والهيمنة ولم يصمد بنيانها في وجه موجات الضغط الخارجي المتلاحقة
التي بعثرت أعمدتها ومنذ وقوع الغزو والمنطقة تعيش على وقع الاضطراب
والارتباك السياسي، امتدت آثاره وتداعياته إلى ما هو أبعد من ذلك
ممثلاً في تهديد القيم والأفكار .
فلم تعد الدولة هي مركز التأثير والتعبئة لمواطنيها، على غرار ما
كانت تفعل في الماضي ، حيث بدأ ينافسها في ذلك جماعات ووحدات وتيارات
"فرعية" إما دون الدولة أو فوقها ، تنضج معها ولاءات وانتماءات
أفقية لا تقف عند حدود الدولة وإنما تتعداها لما هو أبعد .
وبقدر ما أنهت حملة نابليون بونابرت ، ذلك التوازن "التاريخي"
بين السلطتين الدينية والسياسية إبان الحكم العثماني، أنهى الغزو
الأميركي للعراق التوازن "الهش" بين السلطة والأمة الذي
حاولت الدول العربية إقامته طيلة خمسين عاماً ونيف.
إذا كان تفكك الدولة العثمانية ، قد فجّر أعظم أزمات الهوية التي
عرفها الوطن العربي في تاريخه كله ، وذلك حسب برهان غليون في مؤلفه
"المحنة العربية .. الدولة ضد الأمة" وذلك على المستوى
"القومي"، فإن غزو العراق وما نجم عنه من اختلالات سياسية
وثقافية لا نزال نعيش تداعياتها حتي الآن، قد فجّر "الهوية"
الذاتية على مستوى "القطري" بل والفردي، ووضع "الإنسان"
العربي أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بتكييف علاقته بمن حوله ، ليس
فقط خارج حدود الوطن، وإنما، وللأسف، داخله أيضا .
الآن لم يعد الحديث يجري عن أمة عربية أو إسلامية يمكن أن تكون رافعة
للطموحات والآمال القومية على غرار ما كان عليه الحال عقب السقوط
المدوي للدولة العثمانية، فمعظم الحديث ينصرف الآن إلى روابط طائفية
أو عرقية أو مذهبية تمثل بديلاً وظيفياً للقيام بتلك المهمة ولكن
في مستوياتها القطرية.
الآن انكشف المرض العضال مرض "الهوية المصطنعة" التي حاولت
الدول العربية بناءها طيلة العقود الخمس الماضية على وهم تحدي العالم
الخارجي من جهة، وتحقيق التنمية الشاملة من جهة أخرى، ولم يصمد بنيانها
المعنوي أمام تصارع المصالح الطائفية - السياسية الضيقة التي تلتهب
منذ سقوط العراق، وتننظر الانفجار على غرار الحال في لبنان وفلسطين
والسودان .
وفضلاً عن تشرذم مكونات الهوية العربية تحت وطأة التحديات الثقافية
والتقنية في حقبة العولمة ، ساهمت الأزمات التي تعرضت لها المنطقة
العربية منذ احتلال العراق وحتى الآن، في انحسار مشاعر الانتماء
والولاء للفكرة العربية "الجامعة"، وبات المكون "الهوياتي"
القطري هي المحدد الرئيسي في صياغة الشخصية العربية.
وبات تسييس الهوية إحدى أدوات الاستقطاب الإقليمي في المنطقة، يعضده
فشل الدولة العربية في بلورة هوية ذاتية تتأسس على مشروعها السياسي
والتنموي، ما حدا بالبعض إلى الخروج عن "طوع" هذه الدولة
باعتبارها أقل قدرة على إنجاز شعور الهوية.
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany@yahoo.com
أعلى

أميركا وإيران .. مأزق متوقع من التفاعلات
على المراقب الحذق أن يعترف بأن الحديث المتزايد
الذي تتناقله وسائل الإعلام عن ضربة أميركية محتملة للجمهورية الإسلامية
هو ليس ضربا من الخيال بيد أن عليه أن يسلم كذلك بأن هذا ليس بالأمر
الهين ، وبأن الذي يكبل أيدي الرئيس الأميركي جورج بوش هو الخوف
من التفاعلات المتلاحقة والشائكة التي لا يمكن التكهن بها في حال
توجيه مثل هذه الضربة أهم هذه التفاعلات هو تحول هذه العملية من
"ضربة" قوية خاطفة، إلى حرب شاملة لا يمكن لأحد أن يكون
بمأمن منها عبر الإقليم وربما عبر العالم بأسره .
لذا يكون جهد استقراء الحيرة والمعاناة التي يعيشها البيت الأبيض
حيال هذا الموضوع ممكناً : فعلى الرغم من أن إسرائيل تحاول الظهور
بمظهر لا يختلف كثيراً عن بقية دول الإقليم الشرق أوسطي عبر التعبير
عن "الخشية" أو "القلق" من برنامج طهران النووي،
فإنها سراً تمثل أقوى قوة ضغط على الرئيس الأميركي باتجاه توجيه
ضربات تقنية عالية من نوع قصف السجادة carpet bombing في لحظة واحدة
وإلى جميع المنشآت النووية الإيرانية والمعسكرات عامة بيد أن الرئيس
بوش يدرك جيداً أبعاد مثل هذه الضربة وهو لا يمكن أن يتكهن سوى بالرأس
المرئي أو المتوقع من جبل الجليد المختفي تحت المياه الباردة إنه
يتمنى أن تكون هذه الهجمات عبر سلاح الجو والأساطيل من الخليج كافية
لأن يتخلى الإيرانيون عن برنامجهم النووي بهدوء وسكينة، بيد أنه
يعرف جيداً سيكولوجية القيادة الإيرانية، ناهيك عن معرفته بالسيكولوجية
الجماعية للشعب الإيراني عامة، وهي من النوع الانتقامي الثأري الذي
لن يستقر له بال إلاّ بعد تكبيد الخصم ما يعادل أو يزيد من الخسائر
والدليل هو الحرب العراقية الإيرانية التي شهدت لأول مرة في العصر
الحديث أسلوب حرب كان من المتوقع ألا يكون موجوداً، يتمثل في دفع
مئات الآلاف من الشبان وحتى الصبيان نحو الدبابات بلا سلاح وبلا
دروع، باعتبار مفهوم الجهاد ، أو الحرب المقدسة .
هذا الجدل يعني أن الموضوع لن ينتهي بمجرد ضغط الزر الأحمر الذي
يطلق الصواريخ الذكية والقنابل نحو نقاط معينة في إيران ، ذلك أن
قرار الضربة عن بُعد إنما يعني وضع أكثر من مائة وخمسين الف جندي
أميركي "رهائن"، ليس بأيدي الإيرانيين فحسب، بل بأيدي
جميع القوى التي تحارب أميركا في الشرق الأوسط، من القاعدة إلى الإسلاميين
الشيعة، ومن إيران إلى دول الجوار الأخرى التي ستسمح بمرور ما لا
يعد ويحصى من الميليشيات إلى العراق من أجل المشاركة بالوليمة التي
تمثلها القوات الأميركية المتمركزة في العراق .
ومن ناحية ثانية، فإن إعلان مثل هذه الحرب الضروس لا يمكن إلاّ أن
يدفع بالقيادة الإيرانية، كما حدث للحكام في بغداد عبر حرب الخليج
الثانية، إلى اعتبار جميع دول إقليم الشرق الأوسط التي عبّرت عن
قلقها حيال البرنامج النووي أهدافاً للسلاح الإيراني، بغض النظر
عن مواقفها وتوازن هذه المواقف، خاصة وأن القيادة الإيرانية (في
حال الطوارئ الساخنة) ستعد كل من دعا إلى وقف إيران لبرنامجها النووي
"حليفاً" للولايات المتحدة ولسواها من الدول الغربية،
الأمر الذي سيمهد لمحاولات إيذاء دول الجوار عامة عبر هذه الذريعة
لهذه الأسباب سيدرك الرئيس بوش بأنه من غير الممكن صناعة وتسويق
تحالف إقليمي، على غرار التحالف الذي قام ضد النظام السابق ببغداد،
من أجل القضاء على أحلام إيران النووية فإذا ما كان مثل هذا التحالف
ممكناً في 1990-91 بسبب الأبعاد القانونية والأخلاقية لاحتلال العراق
دولة عربية جارة ، وإذا كان شبيهة ممكناً ، ولكن باستتار ، باعتبار
سوء الأوضاع في العراق عام 2003، فإنه لا يمكن أن يكون محتملاً اليوم
مع إيران بسبب الذراع العسكرية التي تعمد طهران إلى استعراضها بين
الفينة والأخرى وبطرائق استفزازية ربما تطال الحليف الأول للولايات
المتحدة، إسرائيل .
إن المعضلة المتجسدة أمام الرئيس الأميركي يمكن تلخيصها في أن القوات
الأميركية لو لم تكن موجودة في العراق، لكانت الهجمة عن بعد على
المنشآت الإيرانية قد حدثت قبل وقت طويل ، حتى لو كانت هذه الهجمة
ستكلف بعض دول الجوار كثيراً وسبب ذلك هو أن الموازنة بين تحالف
أميركا مع إسرائيل من ناحية، وصداقتها مع دول الإقليم من الناحية
الثانية، سيجعلان الرئيس بوش بفضل التحالف الأول على الصداقات الأخرى
سرائيل أهم لدى أميركا مقارنة بجميع الدول "الصديقة" أو
الموصوفة بـ"المعتدلة" .
أما تأمل فكرة بناء "جدار ناري" على طول الحدود العراقية
الإيرانية من أجل منع جموع حرس الثورة والمتطوعين الإيرانيين من
دخول العراق لمهاجمة القوات الأميركية، بحسب المدرسة الإيرانية في
حرب الجموع الغفيرة، فإنه تأمل قد ينطوي على مغامرة مميتة : فإذا
ما تمكنت العشرات من هؤلاء الإيرانيين من اختراق جدار النار المفترض
عبر حدود يزيد طولها على الألف ميل ، سيكون من الممكن للآخرين الدخول
للعراق لتصفية حساباته بعد حدوث أية ثغرة، كل حسب ما يشتهي. فإذا
كانت الميليشيات والمنظمات الإرهابية الجذرية في انتظار مثل هذه
اللحظة التاريخية كي تفتح بعض الدول حدودها مع العراق لمرورها، فإن
"زائر الموت الثاني" سيأتي من تركيا، تلك الدولة التي،
بدورها، تنتظر "على أحر من الجمر" المناسبة المواتية لمهاجمة
شمال العراق من أجل القضاء، ليس فقط على قوات التمرد الكردي التركي
هناك، بل كذلك من أجل القضاء على كامل الحلم الكردي بشئ من الاستقلال
أو الحكم الذاتي الذي بدأ الأكراد يقطفون ثماره الأولى في كردستان
العراق إن تركيا تدرك جيداً أن ما حققه أكراد العراق من منجزات قومية
وثقافية وسياسية لا ينبغي السماح له بالتواصل والامتداد شمالاً وشرقاً
لأنه سيكون دافعاً لأكراد الأناضول، من بين سواهم من أكراد إيران
وسوريا، نحو تحقيق ما يوازيه من منجزات مقاربة أو مشابهة، وهي منجزات
يعدها الأتراك باباً نحو تفتيت وحدة الدولة التركية وعتبة نحو تحقيق
حلم كردستان الكبرى، موحدة وثانية، سيكون العراق هو مسرح الحروب،
كما كان عهده منذ فجر السلالات !
أ.د.محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
aldaami@yahoo.com
أعلى
الابتكار... والريادة الاقتصادية للولايات المتحدة!
على مدى عدة قرون، كان الناس يعتقدون بأن النمو
الاقتصادي يحدث نتيجة للتفاعل بين رأس المال والقوة العاملة أما
اليوم، أصبحنا ندرك أن ثمة عنصراً رئيسياً يفوق هذين العنصرين وزناً
وأهمية وهو عنصر الابتكار ويمثل الابتكار سر زعامة الولايات المتحدة
الاقتصادية، وأساس قوتها التنافسية في الاقتصاد العالمي. والحقيقة
أن الاستثمار الحكومي في البحث العلمي، وقوانين احترام الملكية الفكرية
الصارمة، وأسواق رؤوس الأموال الفعالة ... من بين الأسباب التي أدت
إلى تفوق أميركا في تحويل الأفكار الجديدة إلى مشاريع تجارية ناجحة
لعقود من الزمن. والواقع أن أكثر هذه العوامل أهمية هو قوتها العاملة؛
فالعلماء والمهندسون الذين يتخرجون في الجامعات الأميركية - التي
تعد الأفضل في العالم- هم من ابتكروا تكنولوجيات رائدة مثل "المعالجات
الدقيقة" فأسسوا الشركات وخلقوا ملايين فرص العمل المجزية ويجب
ألا تحملنا هذه الحقائق على النظر إلى وضعنا كمركز للأفكار الجديدة
في العالم باعتباره من المسلَّمات؛ ذلك أن دولاً أخرى انتبهت أيضاً
إلى الدور بالغ الأهمية الذي يلعبه الابتكار في تعزيز القوة التنافسية
.
ونحن لا نقصد بذلك القول : إن الأهمية الاقتصادية المتزايدة لدول
مثل الصين والهند.. أمر سيئ وسلبي، بل على العكس من ذلك، فالعالم
يستفيد عندما يكتسب المزيدٌ من الأشخاص المهارات اللازمة لتشجيع
الابتكار والنهوض به غير أننا إذا كنا نريد الحفاظ على قوتنا التنافسية،
فإننا بحاجة إلى قوة عاملة تضم أذكى العقول في العالم وألمعها .
وثمة خطوتان رئيسيتان لبلوغ هذا الهدف، تتمثل أولاهما في ضرورة وجود
مدارس جيدة وقوية داخل الولايات المتحدة حتى ينضم الشباب الأميركي
المتخرج إلى القوة العاملة، متسلحاً بمهارات الرياضيات والعلوم التي
يحتاجها من أجل النجاح في اقتصاد المعرفة أما الخطوة الثانية، فتكمن
في ضرورة رفع القيود والتعقيدات على عمل العلماء والمهندسين المولودين
خارج الولايات المتحدة في الشركات الأميركية. والواقع أن التربية
تشكل دائماً بوابة حياة أفضل في هذا البلد، كما أن مدارسنا الابتدائية
والثانوية لطالما كانت الأفضل في العالم غير أن طلاب المدارس الثانوية
الأميركية احتلوا المرتبة الرابعة والعشرين في اختبار دولي للرياضيات
في عام 2003 شمل 29 دولة مصنِّعة وعليه، فلكي نحافظ على قوتنا التنافسية
في الاقتصاد العالمي، يتعين علينا أن نلتزم بأجندة وطنية طموحة للتعليم
وهنا يمكن القول إنه يتعين على الحكومة والشركات الأميركية لعب أدوارا
مهمة؛ إذ يتعين على الشركات أن تدافع عن سياسات تعليمية قوية، وتعمل
مع المدارس على تشجيع الاهتمام بالرياضيات والعلوم، وتوفر تعليماً
ينسجم مع احتياجات الشركات أما الحكومة، فعليها أن تعمل مع المتخصصين
في التربية والتعليم لإصلاح المدارس وتحسين جودة التعليم.
وإضافة إلى ذلك، يقتضي الحفاظ على القوة التنافسية للولايات المتحدة
إصلاح قوانين الهجرة على نحو يمكّنها من الاستفادة من الموظفين أصحاب
المهارات العالية المولودين خارج الولايات المتحدة على اعتبار أن
الطلب على المهارات التقنية المتخصصة يتجاوز عرض العمال المولودين
في الولايات المتحدة ممن يتحصلون على شهادات علمية عالية، علماً
بأن العلماء والمهندسين من بلدان أخرى هم من يسدون الفراغ الحاصل
.
بل إن الموضوع بلغ حد الأزمة؛ فإذا كان توظيف علوم الكمبيوتر يعرف
نمواً يقدر بنحو 100000 وظيفة سنوياً، فإن الدراسات تُظهر وجود تراجع
كبير في أعداد الطلبة الذين يتخرجون وفي حوزتهم شهادات تخصص في علوم
الكمبيوتر ومما يُذكر هنا أن الولايات المتحدة تخصص 65000 تأشيرة
مؤقتة من فئة "H-1B" كل عام لتعويض هذا النقص، وهو ما
لا يكفي لسد المناصب التقنية الشاغرة والواقع أن قوانين الإقامة
الدائمة تفاقم هذه المشكلة وتزيد من تعقيدها؛ حيث ينتظر الموظفون
المؤقتون خمس سنوات أو يزيد للحصول على "البطاقة الخضراء"
وهي فترة لا يستطيع الموظفون خلالها تغيير وظائفهم، ما يحدُّ من
فرص مساهمتهم في نجاح الجهة التي تُشغّلهم، وفي النمو الاقتصادي
الأميركي بصفة عامة لقد تعثر حل هذه المسألة العام الماضي عندما
كان الكونغرس يسعى إلى حل مشكلة أمن الحدود والهجرة غير القانونية
وهنا أود مناشدة المشرِّعين أن يدعموا، حين ينكبون على مناقشة هذه
المواضيع المهمة من جديد، إصلاح برنامج تأشيرات "H-1B"
بحيث يصبح باستطاعة الشركات الأميركية توظيف العلماء والمهندسين
الذين ولدوا في الخارج، بعدما تعذر عليها إيجاد الكفاءات التي تحتاجها
في الداخل.
والحقيقة أن إصلاح برنامج "البطاقة الخضراء" على نحو يصبح
من السهل معه الاحتفاظ بالمهنيين من ذوي المهارات العالية في البلاد،
لا يقل أهمية عن برنامج إصلاح التأشيرات؛ ذلك أن هؤلاء الموظفين
مهمون وضروريون بالنسبة لقوة الولايات المتحدة التنافسية، وبالتالي
علينا أن نرحب بمساهمتهم في نمو الاقتصاد الأميركي كما علينا أن
نشجع الطلبة الأجانب على البقاء في الولايات المتحدة بعد تخرجهم
وتجدر الإشارة هنا إلى أن نصف المرشحين لنيل شهادة الدكتوراه في
علوم الكمبيوتر بالولايات المتحدة يأتون من الخارج وغني عن البيان
أنه ليس من مصلحتنا القومية تعليمهم داخل الولايات المتحدة، وإرسالهم
بعد ذلك إلى أوطانهم بعد اتمام دراساتهم.
وخلال السنوات الثلاثين الماضية، كان الابتكار الأميركي وراء ظهور
عصر المعلومات الرقمية أما اليوم، فإذا كانت الولايات المتحدة تحرص
على الاحتفاظ بزعامتها الاقتصادية في العالم، فعلينا أن نخلق جميعاً
بيئة مواتية تُمكن الجيل الجديد من تحقيق الابتكارات، وذلك بغضِّ
النظر عن مكان ولادته فالمشكلة في الولايات المتحدة لا تكمن في الموهبة،
وإنما تكمن في الإرادة السياسية.
بيل غيتس
رئيس شركة مايكروسوفت الأميركية لإنتاج برمجيات الحاسب.
خدمة واشنطن بوست خاص ب(الوطن)
أعلى
لا تشن حرب اخرى
يواصل الرئيس بوش اشهار السيف في وجه ايران
معلنا بشكل واضح ان اسلحة ايرانية تقتل القوات الاميركية في العراق
ويبدو انه يرسخ ذريعة لعمل عسكري محتمل.لكن القليلين يحاولون منعه
حيث تؤكد نانسي بلوسي وهيلاري كلينتون ان بوش ليس لديه صلاحية لتوسيع
الحرب بشكل يتجاوز حدود العراق.
وقد حذرنا الرئيس بوش بان الانسحاب المبكر للقوات الاميركية من العراق
يمكن ان يؤدي الى حرب اقليمية اكبر وانه علينا ان نتخذ خطوات لتجنب
ذلك.اذا لماذا يبدو انه يستعد لحرب مع ايران وربما سورية؟
في يناير الماضي اتهم بوش الايرانيين بالسماح للارهابيين وعناصر
المقاومة باستخدام اراضيهم في التحرك الى داخل وخارج العراق وتقديم
دعم مادي للهجمات على القوات الاميركية غير ان الادارة لم تظهر اي
دليل على ذلك حتى في مؤتمر صحفي عسكري في بغداد بعد ذلك بشهر.وعندها
اعلن الجنرال بيتر باسي رئيس هيئة الاركان المشتركة انه لايوجد دليل
بان القيادة العليا في ايران وافقت على نشر هذه الاسلحة في العراق.
ومع ذلك فان الادارة تصور ايران بانها بعبع بنفس الشكل الذي تعاملت
به مع العراق في2002.وهناك ثلاث تطورات حديثة تعزز مصداقية تهديد
بوش لايران: اولا على عكس توصيات لجنة بيكر-هاميلتون اسقطت ادارة
بوش ايران وسوريا من قائمة الحكومات الشرق اوسطية التي سوف تستخدم
معها كل الموارد الدبلوماسية الاميركية من اجل حشد الدعم للعراق.
ثانيا اعلن بوش انه امر بنشر مجموعة ثانية من حاملات الطائرات في
الخليج ونصب منظومات دفاع صورايخ باتريوت في المنطقة.واعلنت بي بي
سي مؤخرا ان القيادة المركزية الاميركية قد اعدت بالفعل خطة لهجوم
جوي مكثف على ايران.
وثالثا اعتقلت القوات الاميركية مواطنين ايرانيين في العراق دون
موافقة من الحكومة العراقية.ففي ديسمبر الماضي اعتقلت القوات الاميركية
ضابطين ايرانيين كبيرين ادعا كل منهما ان له وضع دبلوماسي وتم الافراج
عنهما في بعد.وفيما بعد اعتقلت القوات الاميركية خمسة مسئولين ايرانيين
ادعوا انهم كانوا ينشاون قنصلية في كردستان.
وانكر كل من وزير الدفاع روبرت غيتس والمتحدث باسم البيت الابيض
توني سنو ان الادارة تحضر لهجوم جوي على ايران غير ان الاعلان عن
ارسال حاملات طائرات اضافية ونصب صورايخ باتريوت في المنطقة يشير
الى خلاف ذلك.
حيث تسيطر القوات الاميركية بشكل كامل على المجال الجوي في العراق
وهناك قليل من الاهداف المناسبة للهجمات الجوية ومن ثم فانه لاتبدو
هناك اي حاجة لحاملة طائرات اخرى.
ويخبرنا بوش بانه سوف يتم نشر صورايخ باتريوت في دول الخليج"لطمأنة
اصدقائنا وحلفائنا."لكن طمأنة هؤلاء ضد ماذا؟ فالدول الوحيدة
في المنطقة التي لديها صواريخ متوسطة المدى والتي يمكن ان تهدد هذه
البلدان هي ايران وسورية.وفي لهجة مشددة بشكل غير عادي العام الماضي
حذرت ايران دول الخليج بانها ستنتقم منها اذا هاجمت الولايات المتحدة
ايران من قواعد في اراضيها.وارسال حاملات طائرات اضافية ونشر صورايخ
باترويت يؤكدان ان الادارة تعد لذلك.
احد الاثار الجانبية الكارثية لهجوم جوي اميركي على ايران هو انه
بالتاكيد سوف يؤدي الى هزيمة مهمتنا في العراق.فالقوات البرية الاميركية
منتشرة بالفعل على اخرها وتستطيع ايران ان تهدد المصالح الاميركية
في العراق وفي انحاء المنطقة.
عقب المناورات العسكرية الايرانية الاخيرة في الخليج بما في ذلك
تجربة اطلاق صاروخ متوسط المدى مضاد للسفن حذر المرشد الاعلى للثورة
الايرانية آية الله علي خامنئي بانه"اذا هاجمت الولايات المتحدة
ايران فان الدولة سوف ترد بضرب المصالح الاميركية في كل انحاء العالم."
تسعى المهمة الاميركية في العراق الى اقامة حكومة موحدة وفعالة وديمقراطية
ومستقلة هناك وعلى الرغم من ان هذا الهدف ربما يكون خيالي الا انه
من المؤكد انه سيتم التضحية به في حال توسيع الحرب.
الاهم من حيث الاساس ان قرار الحرب في اكتوبر 2002 يوفر صلاحية لاستخدام
القوات المسلحة الاميركية فقط للدفاع عن الامن القومي للولايات المتحدة
ضد التهديد المستمر الذي كانت تشكله العراق وهي مهمة محددة بشكل
ضيق وتم انجازها في الاسابيع القليلة الاولى من الغزو الاميركي في
ربيع 2003.
ولم يتم الاشارة الى اي بلد اخر في هذا القرار وانه يمكن ان يتخذ
تفسيرا مشوها بشكل استثائي لاجازة حرب مع اي بلد اخر غير العراق.ومن
ثم فانه ليس للرئيس اي صلاحية في توسيع الحرب.
ويمكن للكونغرس والصحافة ان تخدمنا بشكل جيد اذا شككتا في دواعي
الادارة في نشر مزيد من القوات العسكرية الاضافية في المنطقة وعما
اذا كانت تعتقد انها بحاجة الى صلاحية اضافية لشن هجمات خارج حدود
العراق ام لا.
وليام نيسكانين
رئيس معهد كاتو.خدمة ام سي تي خاص بـ(الوطن).
أعلى
إعادة فتح ملف سياسة الاحتواء في أميركا
الاحتواء يعود ..
فعلى مدى الاثنى عشر شهرا الماضية , أشار المعلقون وهم كثيرون ومتفاوتون
مثل جورج ويل من نعهد ماساشوستس التقني وباري بوسطن أستاذ العلوم
السياسية وتوماس فريدمان , أشاروا جميعا إلى أن احتواء إيران مسلحة
نوويا قد يكون مفضلا على مهاجمتها .
وفي الشهر الماضي , انضم كينيث بولاك من مؤسسة " بروكينغز "
إلى دراسة تنادي بالعودة إلى سياسة الاحتواء في العراق - حتى بالرغم
من أنه كان واحدا من أكثر المؤيدين لغزو أميركا للعراق في عام 2003
على أساس أن الاحتواء كان فاشلا .
وحتى " مجموعة دراسة العراق " بإشراف جيمس بيكر اقترحت
في تقريرها في شهر ديسمبر الماضي أن الولايات المتحدة يجب أن تعمل
مع إيران وسوريا لاحتواء الصراع العراقي .
إن الاحتواء هو فكرة من أيام الحرب الباردة , عبر عنها وأوضحها المؤرخ
والدبلوماسي جورج كينان في مقالته الشهيرة بمجلة " فورين آفيرز
" ( شؤون خارجية ) في الأربعينيات المعنونة " مصادر السلوك
السوفيتي " . وقد دفع كينان , الذي كان مرابطا في السفارة الأميركية
بموسكو , بأنه طالما أن الاتحاد السوفيتي لم يهاجمنا , فيجب ألا
نهاجمه - ولكننا يجب أن نعتمد بدلا من ذلك على الترهيب والترغيب
الاقتصادي وعلى الاستخبارات والدبلوماسية وعلى دعم صحة وحيوية الديمقراطيات
الرأسمالية للفوز في الحرب الباردة .
صحيح أن السوفييت - كما كتب كينان - كانوا تواقين إلى زيادة مجال
نفوذهم , ولكن سياسة الولايات المتحدة يجب أن تكون مبنية مع ذلك
على " احتواء طويل المدى وصبور ولكن حازم ويقظ للاتجاهات التوسعية
الروسية " . فمع الوقت - كما أعتقد كينان - سينهار النظام السوفيتي
سيئ الأداء , والذي أفرط في التوسع فيما يتجاوز حدوده , سينهار من
تلقاء نفسه .
وقد أثبت التاريخ أنه على حق..
ولكن ذلك كان آنذاك وهذا هو الآن . فالاحتواء ( والذي كان أيضا سياستنا
تجاه الرئيس العراقي صدام حسين خلال سنوات كلينتون ) سقط إلى إزدراء
وكره في التمهيد والحشد لحرب العراق , عندما نبذته إدارة بوش على
أساس أنه غير كاف لمواجهة تهديدات عالم ما بعد 11/9 . وحاجت إدارة
بوش بأنه إذا قامت " القاعدة " بهجوم وإذا كان الإرهابيون
النوويون يتجولون ويجوبون المعمورة وإذا كانت الحكومات المارقة تزودهم
بالأسلحة , فإن الإجراءات الجذرية الوحيدة - وهي حرب استباقية وقائية
وتغير نظام بالقوة - يمكن أن تحمينا .
وهذا كان المعادل الحديث لسياسة " الصد والرد " ( دفع
السوفييت إلى الخروج من أوروبا الشرقية ) والتي اقترحها جون فوستر
دولاس ودوايت أيزنهاور في حملة انتخابات عام 1952 ( ولكنهما تخليا
عنا على أساس أنها غير عملية عندما جاءا إلى الحكم في السنة التالية
) .
فما هي إذاً الحقيقة ؟ وهل الاحتواء منبوذ ومهمل في الواقع كما الحال
لدي إدرة بوش ؟
بدلا من إتباع نموذج كينان وإثارة وتحريض خصومنا وأعدائنا ضد بعضهم
بعضا , تشجهم إدارة بوش على صنع قضية عامة مشتركة عند كل منحنى أو
اتجاه . والكلام عن " محور الشر " في خطبة حالة الاتحاد
لعام 2002 هو مثال زاعق على ذلك . إن الإغضاب والإبعاد الذي لا معنى
له لإيران عندما كان المعتدلون لهم اليد العليا هناك وكانوا يتعاونون
في أفغانستان لم يحقق منطقا أو معنى للولايات المتحدة .
وأعتقد كينان أن السبيل لكسب القلوب والعقول هو إظهار تفوق الرأسمالية
الديمقراطية على الأرض . ومن ثم كان دعمه ل" خطة مارشال "
لتدعيم النجاح الديمقراطي في أوروبا بأسرع ما يمكن .
وهذا أيضا هو الدواء لوقتنا الحالي .
لقد كان كينان مقتنعا بأن المحاجة مع السوفييت كانت مضيعة للوقت
. وكان يجب أن تركز الولايات المتحدة - كما كان يعتقد - على ما يفعله
أعداؤنا وليس ما يقولونه , مفترضا أنهم سيتصرفون استجابة لمصالحهم
, وليس لحججنا ودفوعنا . وذلك يجدي .
ولنفكر في ليبيا كنموذج , حيث استجاب معمر القذافي لحوافز ( وعوائق
) الاحتواء بالرغم من قدحه وذمه ضد الغرب .
وبدلا من أن يكون العراق نموذجا بالنسبة للموقف من إيران , يجب أن
تكون ليبيا هذ النموذج . ولكن حلفاء الإدراة الأميركية يرون الأمر
على نحو مختلف ويدفعون نحو المعادل الحديث للصد والرد , مقترحين
أننا يجب أن نهاجم إيران لوقف برنامج أسلحتها النووية .
ومن الصحيح أن مبادئ كينان تحتاج - في بعض النواحي - إلى أن تعدل
في عالم لم يعد ثنائي القطب والذي يمكن أن يكون فيه خصوم وأعداء
كثيرون يعملون في أماكن مختلفة . وهذا يتطلب إنشاء تحالفات أمنية
إقليمة . كان كينان يعارض إنشاء " الناتو " على أساس أنه
سيعسكر الصراع مع السوفييت بلا ضرورة . ولكن - كما يدفع الكولونيل
الأميركي جوزيف نانز من كلية الحرب الأميركية - بأننا نحتاج الآن
إلى تنظيمات مثل الناتو في كل قارة لاحتواء الجماعات الإرهابية والصراعات
الطائفية في الدول الفاشلة .
كان كينان لديه أيضا وقت قليل بالنسبة لمنظمات دولية مثل الأمم المتحدة
, معتقدا أنها يجب أن تجنب وتطرح جانبا في أي صراع حقيقي بين الولايات
المتحدة والاتحاد السوفيتي . ولكن في العالم المعولم للقرن الحادي
والعشرين , تكون مثل تلك المنظمات الدولية جوهرية لحفظ السلام وفرض
القانون الدولي وشرعنة التدخل عندما يتطلبه الاحتواء .
لقد مات كينان عن عمر يناهز 101 عاما . ولكن عقيدته ومبدأه في الاحتواء
يجب ألا تدفن معه .
إن الاحتواء ليس منبوذا مهملا. ولكن مبادئ بوش كذلك .
إيان شابيرو
أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز " ماكميلان " للدراسات
الدولية بجامعة يال الأميركية
خدمة " لوس أنجلوس تايمز " - خاص بـ" الوطن "
أعلى