وداعاً مَيْ غَصُّوُب
عبدالله حبيب *
"تصرخ المؤلِّفة من مقاعد
المشاهدين: "لكن هذا ليس السيناريو الأصلي!. أوقفوا العرض!.
هذا ليس السيناريو الذي وضعته!". (يتوقف العرض وتنطفئ الأضواء.
ارتباك على الخشبة وفي الكواليس. همس بين المُمَثِّلين المُشَوَّشين.
جميعهم يهرولون خارج الخشبة وهم في ضياع)".
ـ من مسرحية "قَتَلَةُ الكِتاب"
لمي غصوب ـ
ـ1ـ
لم تكن خاتمة السيناريو بهذا الشكل هي ما نريد أيضاً، فحين بلغت
أوج عطائها ونضجها وتدفقها الحيوي وهي لما تكمل الخامسة والخمسين
من العمر بعد، أبى الموت إلا أن يخطفها فجأة. بلى، ففي 17 فبراير
الماضي توفيت مي غصوب في لندن على إثر اعتلال صحي مفاجئ وعملية
جراحية لم تكلل بالنجاح. لقد تمكن الموت بصورة مباغتة من تلك
التي كانت تصرخ احتجاجاً ضد "قَتَلَة الكِتاب". وبهذا
صار الغيظ والحزن مضاعَفين.
ـ2ـ
في 2007، خلال زمن الوضاعة والسفالة والحضيض الإنساني والأخلاقي
هذا (ولا داعي للحديث عن الباثولوجيا الفكريَّة بعد) نشر أحد
المواقع الإليكترونية العربية (لا أدري هل أسميه "إسلاميَّاً"
أو "إسلامويَّاً" أو "متأسلِماً" أو "إسلامجيَّاً"
أو "إسلامليَّاً" أو "أنا فقط سأذهب إلى الجنَّة
وأنتم جميعاً إلى الجحيم خاسئين، نجسين، خالدين، مؤبَّدين")..
نشر هذا الموقع، إذاً، مقالاً مُسِفَّاً، مقذعاً، مريضاً، حقوداً،
رقيعاً، تافهاً، سقيماً، سوقيَّاً، دنيئاً، رخيصاً، بغيضاً،
لاإنسانيَّاً، حقيراً، بائساً، مُنْحَطَّاً، مقيتاً، جالباً
لتمزق الأوردة، والشرايين، والرئة، والمصارين، وقرحة المعدة
(ضمن صفات وأوصاف ومخاطر صحيَّة أخرى لمن قرأه)، وصف فيه مي
غصوب بأنها الناشرة و"الكاتبة اللبنانية العوراء".
أما في منتصف ثمانينيَّات القرن الماضي، فكان مثقفون عرب "تقدميون"
و"حداثيون" و"علمانيون" و"طليعيون"
و"تجريبيون" يخرجون من مكتبة الساقي في لندن بعد أن
يكونوا قد ابتاعوا ما شاءوا من الكتب وتحدثوا إلى مي غصوب باحترام
وثقة و"زمالة" في شتى مناحي الفكر والثقافة والحياة..
كانوا يخرجون من هناك، إذاً، إلى المقاهي والحانات القريبة من
المكتبة في جلسات ثرثرة وأكل لحم الإخوة أحياء طويلة نُكِبْتُ
بحضور بعضها. وكان مقدار لا بأس من التعليقات الساخرة التي لم
تكن تفتقر إلى البذاءة وقلة الذوق والأدب على أكواب القهوة أو
كؤوس الجعة يدور حول حقيقة ان مي غصوب لها، عمليَّاً، عين واحدة
فقط، ولذلك فإنها تكثر من استدارة وجهها لدى الحديث إليك، أو
تتجه بوجهها إلى الناحية المعاكسة تماماً لمكان وجودك أمامها.
أما في سبعينيَّات الحرب الأهلية اللبنانية الجهنمية، والتي
لم يعايش معظم أولئك الكتاب العرب اللندنيون الجهابذة فصولها
الدمويَّة، وحين بدأ اليمين اللبناني حملة "تطهير"
ضواحي بيروت الشرقية، وتعرض مخيم تل الزعتر لحصار وقصف جائرين
تسببا في موت الكثيرين عطشاً ونتيجة لانعدام الإسعاف الأولي،
وأدى إلى ذبح أكثر من ألف وخمسمائة فلسطيني أثناء مغادرتهم المخيم
المدمَّر المنكوب عُزَّلاً، فقد كانت مي غصوب، الشابة "المسيحية"،
تحارِب دفاعاً عن المخيم وحق أهله في الحياة وفي الوجود. وأثناء
نقلها أحد الجرحى إلى المستشفى تحت نيران القصف المسعورة أصيبت
بشظية قذيفة أفقدتها إحدى عينيها.
أظن الآن انني أغمط مي غصوب لأنها منذ ذلك الحين كانت ترى العالم
بعين واحدة فقط، ولهذا كانت بصيرتها نافذة وغير مُشَوَّشَة.
وفي هذا ما يُغْنِي ويَصِحُّ.
حقاً: "إن كنت لا تدري فتلك مصيبة/ وإن كنت تدري فالمصيبة
أعظم".
ـ3ـ
كتب أدونيس بتأثر ملحوظ في رثائها: "لا أبكي على ميت، غير
انني بكيت على مي غصوب". أما عباس بيضون فقد رأى إلى الأمر
بهذه الطريقة: "لكن هل جاء الوقت لنتكلم عنك هكذا يا مي،
أن نقول من أنت وأن نتعب حتى نجمع شتات صورتك؟. أليست الحقيقة
الأبسط هي اننا لا نستطيع أن نحصيك، وان علينا أن لا نعد أنفسنا
بتثبيتك؟. أليست الحقيقة الأبسط اننا لن نقدر أن نمتلك بأي صورة
ننشئها لك، بأي برواز نضعك ؟". بلى، فهذه الطاقة الحيوية
المتجددة تضيق بها الصور ولا تتسع لها البراويز: ناشطة سياسيَّة،
وكاتبة، وباحثة، ومترجمة، وناشرة، وفنانة تشكيليَّة، ونحَّاتة
(بالتخصص الأكاديمي في معهد مورلي واستوديو هنري مور)، ومؤلِّفة
مسرحيَّة، وفوق هذا كله، وقبله، وبعده، ولأجله، وبسببه، إنسان
من الطراز الرفيع.
ولدت مي غصوب في لبنان في 1952 ودرست جامعيَّاً الأدب الفرنسي
وتخصصاً آخر سيبدو ناشزاً للوهلة الأولى إلا لمن يعرف خصوبة
إمكانياتها وتعدد طاقاتها: الرياضيات. وبعد ان غادرت بلادها
في 1979 على إثر مأساة الحرب الأهلية التي كانت مرتبطة خلالها
باليسار شكَّلت باريس ولندن وبيروت مثلثها الإنساني والثقافي
وإن كانت العاصمة البريطانية قد استأثرت بالنصيب الأوفر من إقامتها
وعملها. وستظل الثقافة العربية المعاصرة مدينة لمي غصوب لدورها
في تأسيس ورعاية وتطوير مكتبة ودار الساقي التي تجرأت على الكثير
من "التابوهات" و"الممنوعات"، وأتاحت النشر
لكتَّاب موضوعين على القوائم السوداء، والتي سيبقى اهتمامها
الخاص بالثقافة البصريَّة تغريداً خارج السرب الثقافي والنَّشري
العربي.
من أعمالها "الرجولة المتخيَّلة: الهوية الذَّكريَّة والثقافة
في الشرق الأوسط الحديث" (كتاب محرر بالاشتراك مع إيما
سنكلير ويب، 2002)، "ما بعد الحداثة: العرب في لقطة فيديو"
(1992)، "مغادرة بيروت: النساء والحروب في الداخل"
(بالإنكليزية، 1998)، "المرأة العربية وذكورية الأصالة"
(1990). كما أشرفت على كتب جماعية كان آخرها "لبنان لبنان"
(عن دار الساقي بالإنكليزية) الذي شاركت فيه أسماء من الوزن
الثقيل مثل حنيف قريشي، وإلبيرتو مانغويل، وهارولد بنتر، وبول
أوستر، وجون لوكاريهو، وأورهان باموك، ونايبول، وهو الكتاب الذي
حوَّلتْ ريعه إلى ضحايا الحرب التي شنتها الدولة العبرية على
لبنان في صيف العام الفائت، ولا ننسى بالطبع كتاباتها في صحيفة
"الحياة".
من ترجماتها إلى الإنكليزية فصل من رواية "مدن تأكل العشب"
لعبده خال. وفي الترجمة والتعريب أو قريباً منهما فإن مي غصوب
على حد علمي من أوائل من لم يكابروا فتبنَّوا إلى العربيَّة
مفردة "جندر" كما هي في أصلها الأجنبي (gender) حيث
لا تستطيع في لغتنا كلمة "جنس" من حيث هو ذكورة أو
أنوثة نقل تضمينات الأدوار والتبعيَّات الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية الثقافية للهوية الجنسية المباشرة بالمعنى الفيزيولوجي،
أي تلك التي تتضمنها مفردة "جندر". ومن أعمالها المسرحيَّة
"قَتَلَةُ الكِتاب" الذي ينتمي إلى مدرسة "العرض"
(performance)، وتدور أحداثه في منزل مهجور يحرق فيه القتلة
الكتب أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. وقد شاركت مي غصوب في
العديد من لجان التحكيم والمؤتمرات والفعاليات الثقافية والنسوية
العربية والعالمية، وحملات مناصرة القضايا الفلسطينية واللبنانية
والعربية وتلك الخاصة بالعالم الثالث.
ـ4 ـ
التقيت بمي غصوب للمرة الأولى في
نوفمبر أو ديسمبر من 1985 ولا بد أن تكون آخر مرة رأيتها فيها
قد حدثت في 1987 حيث تركت حينها مركز الامبراطورية الشمطاء غير
آسف بعد إقامة قصيرة وبائسة وكئيبة بين ذينك العامين. بعد 1987
كانت علاقتي ببريطانيا، ولا تزال، علاقة مسافر "الترانزيت"
في مطار هيثرو أو مطار غاتوِك في النهار اللندني غالباً. وفي
كل مرة لي هناك في صالات "الترانزيت" كنت أتعمد عدم
الاتصال الهاتفي بأي من أصدقائي ومعارفي القلائل في بريطانيا.
عوضاً عن ذلك، كنت أتذكرهم وأرسم سيناريوهات سينمائية لكل منهم
وما يمكن أن يقوم به أو ما يفعله في تلك اللحظة التي لا يعرف
فيها اني موجود، من الناحية التقنيَّة، في هذي البلاد. وفي مقدمة
تلك السيناريوهات السينمائية كان السيناريو الخاص بمي غصوب:
اين يمكن أن تكون هذي إلا في مكتبة دار الساقي بين أكداس الكتب
ورفوفها؟!.
قبل توجهي إلى بريطانيا للمرة الأولى في 1985 كان بعض الأصدقاء
من أهل القراءة والكتابة قد نصحني بضرورة زيارة مكتبة الساقي
في لندن. لم يقولوا لي عن مي غصوب أو موقعها في الدار والمكتبة.
بهذه النصيحة الثمينة المعلقة في ذاكرتي مثل تميمة بعنق طفل،
إذاً، دلفت إلى مكتبة الساقي ذات ظهيرة لندنيّة عاصفة، ماطرة،
وقاسية البرودة. وكانت مي غصوب هناك في المكتبة. وسأتذكر إلى
الآن وغداً وبعده الإنطباعين التاليين عن تلك المرأة التي أراها
للمرة الأولى.
الإنطباع الأول: يا لبساطتها الشَّفَّافة، فهذه أنثى عربيَّة
لا تنفق وقتاً أكثر من الحد الأدنى للتأنق والتجمُّل وإجراء
"المكياج". كان من الواضح لي منذ الوهلة الأولى ان
هذه المرأة اللاهثة تعيش حالة سباق عنيف مع الزمن ومع نفسها،
ولم تكن تهدر الوقت لأنها لم تكن تريد للزمن أن ينتصر عليها
في أي لحظة.
تكررت زياراتي للمكتبة لاحقاً، وتكرر بذلك حديثي إلى مي غصوب
ذات الجسد الضئيل المحشور حشراً كما بطريق الصدفة أو الخطأ في
تلك الثياب العمليَّة والمرتَجلة، والتي عادة ما ترتديها النساء
الغربيات اللائي يقمن بمهن تتطلب جهوداً ذات طابع جسدي في المراكز
الميتروبوليتانية الكبرى. والحقيقة ان مي غصوب كانت تقوم بذلك
النوع من العمل بالفعل؛ فمن الصعب عليَّ ان أتذكر مرة واحدة
قابلتها فيها من دون أن أراها وهي تنقل صناديق أو أكداساً من
الكتب بين المخزن والرفوف مثل عتَّال حقيقي. والحقيقة انه في
حوار أجرته معها قناة الجزيرة في العام المنصرم قالت ان مما
جعلها تتجه إلى النحت (بما في ذلك النحت على الحديد الذي كانت
تقوم به في الفناء الخلفي لبيتها) هو رغبتها في أن تجعل كامل
جسدها يعمل وليس رأسها فقط: "بأحب النحت لأني بأحب أغطس
بأحب أشتغل بإيدي يعني شوية مثل ما هو حلو الناس بيحبوا يطبخوا
أوقات بيحبوا مش عندنا شوي مشكلة بالعالم العربي إن شي الواحد
بيصير مثقف أو مفروض يصير مثقف لازم ما يشتغل بيديه أو هاي موجودة
ببعض الثقافات يعني هي برأيي غلط الشغل بالإيدين أولاً أساسي
لأنه إحنا عندنا جسم مش بس رأس وفكر".
الشئ الثاني (المرتبط بما قبله) والذي لم يَطَل اللقاء الأول
فحسب بل استمر لعدة لقاءات لاحقة هو ان مي لم تكن لتترك أي انطباع
بأنها أحد مالكي مكتبة ودار الساقي التي أسستها بشراكة صديقها
أندريه كاسبار وزوجها الكاتب السوري حازم صاغية، او أنها غير
ذلك. كانت كل تصرفات مي وتعليقاتها تقود إلى استنتاجي الساذج:
"هذه بائعة كتب مثقفة فعلاً!. هاه!. إنها تعرف الكتب بثلاث
لغات!".
ـ 5 ـ
(أ)
فيما يخص تواصلاتي مع مي غصوب ومعرفتي القصيرة بها لا بد لي
من أن أتذكر أنها لامست حساسيتي الشخصية في جانب يعنيني تماماً،
إذ أنها كانت- في تجربتي معها- من ذلك النوع من البشر الذين
يمكن أن تقيم معهم ما أسميه "علاقة برزخيَّة". أقصد
أنها كانت من ذلك الصنف من الناس الذي يسمح لك بأن تكون علاقتك
بهم طيبة وودية اختيارية (أي ديموقراطية)، بمعنى انها ليست علاقة
براغماتيَّة، أو مهنيَّة، بالضبط (والمفارقة هنا ان هذا وارد
طبيعيَّاً من الناحية العمليَّة نتيجة عملها في المكتبة وإدارتها
لها)، لكنها أيضاً ليست علاقة تدَّعي القرب والصداقة والحميميَّة
من غير صدق ولا داع ولا دعوى. لقد كان في حضور مي غصوب إحساس
بالحريَّة والاختيار، وهذا أمر يريحني كثيراً حين يمكن التأتي
عليه في العلاقة بين بني آدم. ينبغي أن نحترم إنسانيتنا، وأن
لا نتجاهل بعضنا البعض، وأن نساعد بعضنا البعض، وليس علينا أن
نكون أصدقاء أو أعضاء في نفس القبيلة بالضرورة. أحب هذه المسافة
الودودة التي تجعلك تعرف الأشخاص والأشياء من خلال النظر إليهم
والعبور بهم وليس الإقامة لديهم أو فيهم. لهذا مسَّ شغافي ما
كتبه بيار أبي صعب في تأبينه لمي غصوب عن انحيازها "إلى
الزائل والعابر"، هذا على الرغم من أن الرجل كان يتحدث
عن الجانب الثقافي وليس الإنساني في حياة الراحلة، لكني وجدت
في مقولته لمسةً ولو غير مباشرة أو غير سياقيَّة بالضبط مما
كنت أحاول قوله. نادرون جداً هم البشر الذين يجعلك حضورهم تحسُّ
ذلك الإحساس العميق بالحريَّة.
لم أكن حينها، إذاً، أقيم في لندن، بل في كيمبريدج وكوفينتري
لأسباب تخص دراستي، ولم تكن ميزانيتي أو برنامجي ليسمحا لي بالسفر
الى لندن في كل عطلات نهاية الأسبوع. ولذلك اقتصر الجزء الأكبر
من تواصلنا على الهاتف، وذلك حين أريد اقتناء كتاب ما من المكتبة
أو طلب البحث عنه أو استيراده. وفي هذه الحالات كنت أتشرف بمكالمات
ودودة من مي غصوب تخبرني فيها عن امكانية تحقيق طلبي من عدمها.
ولكن...
(ب)
... ولكن حدث مرة ان كنت في مكتبة الساقي معها ومع بائع كتب
يعمل في المكتبة حين اقتحم المكان شخص عربيٌّ يبدو انه من "زُوَّار
صيف لندن" الأشاوس في 1986، وكان مدجَّجاً كدبَّابة ببذلة
استعراضيَّة ذات ثلاث قطع، وكان من الواضح أن سعر تلك البذلة
المتغطرسة وسعر الخواتم والأساور وساعة وأسنان الذهب المتنمطق
بها أخونا يكفي لشراء المكتبة البريطانية كاملة، بل ونقلها إلى
بيروت أو مسقط أو حتى "جُزُر الواق الواق إذا اشتدَّ بك
ألم الشوق والفراق!".
الشخص الجليل المهيب هذا فاجأنا جميعاً بمنهجيَّة عبقريَّة حديثة
مستحدثة في البحث عن الكتب، فقد قال ببساطة: "أنا أريد
أشتري كتابا لونه أصفر في السياسة!". وبعد أن علت رموش
عيوننا وحواجبنا ورؤوسنا والشَّعر كلُّه المنتشر على مسامات
أعضائنا، حاولنا نحن الثلاثة بكل ما أمكن من جهود في طاقة البشر
العاديين، البسطاء الطيبين المخلصين، أن نقنع صاحبنا هذا انه
مع الاحترام الشديد لهذه الطريقة البحثيَّة المُبْتَكَرة الفريدة
فإنه لا يمكن الاهتداء إلى أي كتاب من دون معرفة اسم المؤلف،
أو عنوان الكتاب. وقد تفيد، أيها المُحْسِنُ الكريم، معلومات
ثانوية من قبيل اسم الدار الناشرة وتاريخ النشر، سواء أكان الكتاب
هذا في "السياسة" أو "الإقتصاد السياسي"،
أو "التاريخ والجغرافيا"، أو "الفلك والنجوم"
أو "التخسيس والرشاقة والقيافة" أو حتى "علم
الغباء" (والأخير هو إسهامي الوحيد المتواضع في تاريخ تطور
المفردات في اللغة الإنكليزية حيث ارتجلتُ كلمة stupidology).
لكن صاحبنا الهُمام أصرَّ بوجهٍ متجهم وفيما يشبه اللهجة التَّحَرِّياتيَّة
على انه "أنا عندي خبر أكيد ان هذا الكتاب موجود عندكم
هنا في مكتبة الساقي ولازم أشتريه!". للأسف الشديد لم نستطع
مساعدته أكثر من هذا. وهو أيضاً لم يستطع مساعدتنا، أو مساعدة
نفسه، أو مساعدة نظرية النشوء والإرتقاء، أكثر من ذلك.
وبهذا فإنني في كل مرة لاحقة لهذه الحادثة الكونيَّة المثيرة
كنت أتشاقى على مي غصوب بطلب "كتاب لونه أزرق في الفن التشكيلي!"
مثلاً، فترد بشئ من قبيل: "للأسف لا يوجد لدينا ذلك الكتاب،
ولكن لدينا كتاب لونه بُنِّي في النقد الأدبي!"، ونضحك!.
وبقايا هذه الضحكة القديمة المتبوعة بدمعتين حارقتين إنما تهرع
إلى قبرك الليلة يا مي غصوب، فاقبليها مشكورة.
* أديب عماني
* من مسرحية قتلة الكتاب
أعلى
البحث عن المستقبل في العادات والتقاليد الصينية القديمة
لوس أنجلوس - من ديفيد بيرسون
* عندما كامنت لوسي هوانغ طفلة, كانت تسخر من فكرة أنها
من المفترض أن تكون قوية الشكيمة وعنيدة وجريئة لأنها
ولدت في "عام النمر" . وكانت تكره قيام والديها
الأميركيين التايوانيين من الجيل الأول بجعلها تذهب إلى
مدرسة صينية أيام السبت في حين كان كل أصدقائها من غير
الصينيين بالأساس يذهبون للعب.
ولكن هذا أسبوع, تحتفل وهي المرأة العاملة البالغة من
العمر 32 عاما بالعادات والتقاليد والطقوس الخاصة بالسنة
الصينية الجديدة بحيوية واستمتاع شديدين.
قامت بقص شعر رأسها قبل السنة الصينية الجديدة وليس بعدها,
وهو ما يمكن أن يعني أو يرمز إلى التعلق بالحظ الجيد.
وقامت بتنظيف منزلها في سان مارينو حتى لا تبعد أي حظ
جيد ناشئ بعد السنة الجديدة. وقد آلت على نفسها ألا تتجادل
مع أي أحد حتى لا تأتي ولا تسيطر أي إرداة شريرة على هذا
العام وهو " عام الخنزير " - والذي تشير وتوضح
هوانغ - وهي حامل الآن - بشغف أنه من المفترض أنه عام
بشر مضاعف في أن يكون لها طفل. إن تيقظ وانتباه هوانغ
للتقاليد الصينية التي كانت تجدها مربكة في وقت من الأوقات
تحقق من خلال وظيفتها: إدارة شركة للمعدات والتجهيزات
التي تطلبت سفرا كثيرا إلى مصانع بالقرب من شنغهاي. وقالت
هوانغ: اعتدت أن يكون 95 % من الناس المحيطين بي أميركيين
.. والآن 95 % منهم صينيون بسبب عملي. لقد بدأت التعلم
عن ممارساتهم وتجاربهم وخبراتهم. وكسبت إحساسا بالهوية.
وفي معظم الجاليات العرقية, تتجه طقوس ومعتقدات البلد
القديم إلى التلاشي لدى الأجيال المتعاقبة المتأمركة.
ولكن في الجالية الصينية الأميركية, هناك شيء ما مختلف
يحدث.
لقد جذب التقدم الاقتصادي الصيني وأغرى كثيرا من الأميركيين
من أصل صيني إلى عالم التجارة والمال والأعمال مرة أخرى
في الوطن الأم. وعلى طول الطريق , يعيد أناس مثل هوانغ
اعتناق التقاليد القديمة بإحساس جديد بمعنى جديد.
يقول يونغ شين, وهو أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا:
في الماضي, حافظ كثير من الأميركيين الصينيين من الجيل
الثاني والجيل الثالث على عاداتهم وتقاليدهم لأنهم كانوا
معزولين عن التيار السائد في المجتمع. أما الآن فهم لديهم
خيار لأن يصبحوا متأمركين. ولكنهم يرون أن هناك فوائد
مرتبطة بكونهم صينيين بسبب نمو الاقتصاد الصيني. وتعد
ساوث كاليفورنيا هي الشريك التجاري الصيني الرئيسي, إذ
تبلغ التجارة 159مليار دولار سنويا (بما في ذلك هونغ كونغ
وماكاو) . وهناك أعداد لا يمكن وصفها لما يسمى "السلاحف
البحرية" - وهم الأميركيون الصينيون الذين سافروا
إلى ديارهم المنحدرين منها على أمل أن ينالهم جانب مالي
من أموال وثروات الصين وهناك عدد متزايد من الكتب تعلم
الطقوس والعادات والتنقاليد الصينية, وكثير منها يستهدف
رجال الأعمال الذين يحاولون الارتباط بثقافة الوطن الأم
. وبالطبع ما زال هناك أولئك الأميركيون الصينيون الذين
يرون معتقدات وخرافات السنة الجديدة - مثل ليكن لديك طفل
هذا العام, أو لا تتزوج ذلك العام - على أنها أشياء بسيطة
ترجعهم إلى الوطن الأم. وهناك آخرون يرون الاتجاه والميل
الجديد للطقوس الصينية بشك وارتياب, مدفوعين درجة أقل
بالتقدير الثقافي عن الميل الطامح إلى تحقيق مال في الصين.
ولكن من الواضح أن إحياء ونهضة تحدث. يقول كينغ أونغ,
الذي يدير مركز " وينغ هوب فونغ " وهو مركز
طب أعشاب صيني رائد في المنطقة, يقول إنه لاحظ زيادة في
الزبائن الأميركيين الصينيين الشباب في الوقت الذي تصل
فيه الموجة الاقتصادية في الصين إلى الذروة. ويقول تيدي
زي, وهو منتج سينمائي مخضرم في هوليوود والذي تشمل أحدث
أفلامه فيلم " البحث عن السعادة " , إنه قد
تعلم على أيدي والديه المهاجرين من شنغهاي أن التمثل والاستيعاب
هو الهدف النهائي وأنه قضى معظم حياته محاطا بنظرائه من
غير الصينيين. وبعد مغادرة منزل الطفولة والصبا في كاتسكيلز
في نيويورك, تخلص ومحا زي مؤقتا ذاكرة التقاليد الصينية
التي حدثه عنها والداه. وقال وهو البالغ من العمر 49 عاما:
لم احتفل قط في حياتي بالسنة القمرية الجديدة.
إن نفي جذوره تدخل في القرارت التي اتخذها في تربية أولاده.
فعلى ضوء خيار إرسال بناته إلى مدرسة صينية أو مدرسة باليه,
اختار مدرسة الباليه. وإحدى البنات تتحدث الفرنسية بطلاقة,
بالرغم من أنه يتمنى الآن لو أنها كانت تتحدث أيضا اللغة
الصينية بطلاقة. ولكن زي يقضي الآن أسبوعين من كل شهر
في آسيا . وقد تعلق بالصين في السنوات الأخيرة, معتقدا
أنها "الحد النهائي" بالنسبة لهوليوود. وبدأ
شركة أفلام هناك تعمل مع معبد "شاولين", الشهير
رهبانه المعروفين بفنونهم القتالية. وقال زي: في السنوات
الثلاث الأخيرة بدأت التعلق والتمسك بتراثي .. لقد برزت
للعيان كأميركي صيني.وأضاف: إن العالم مكان متغير ولم
يعد هناك وقت أفضل لتكون أميركا صينيا .. كان شيئا طيبا
بالنسبة لي . ولكنه عظيم أيضا بالنسبة للتجارة والأعمال
.
* خدمة " لوس أنجلوس تايمز " - خاص بـ"
الوطن "