الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
About Us
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام


* في العمران المتصل من أين يبدأ السفر ؟
** إن كان العمران متواصلا ، والمراد بالعمران المباني أو الشجر الكبير كالنخل ونحوه فإن الحساب يبدأ من انتهاء العمران ، بحيث يبدأ الإنسان يحسب مسافة القصر بعد نهاية العمران ، اللهم إلا إن كان العمران يتخلله فاصل وذلك كالأودية ، فإن الأودية يمكن أن يعتبرها الإنسان فاصلة ، وقيل بأنه لا بد من أن يكون مع الوادي خراب ، حتى يبدأ اعتبار الفاصل بعد الوادي والخراب ، أي يبدأ باعتبار الحساب بعد الوادي والخراب باعتبار ذلك الوادي مع ما معه من الخراب فاصلا .
ورخص جماعة من العلماء أن يعتبر منطقة معينة هي المنطقة التي يوطنها ولو كانت متصلة بغيرها ، بل هناك من أهل العلم من أباح أن يوطن الإنسان ولو داره أي بيته ، ثم بعد ذلك يعتبر ما خرج من ذلك فاصلا ، يعتبر ما خرج من ذلك بداية لحساب مسافة القصر .
ونحن الذين نعول عليه أن العمران إن كان متواصلاً فإنه يبدأ الحساب من نهاية العمران ، لا يبدأ من قبل نهايته ، ولا نرغب في الأخذ برأي من يرى بأنه من الممكن أن يعول الإنسان على توطين داره أو نحو ذلك لما في ذلك من التضييق ، تضييق الوطن ، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك ، بل كان يبدأ الحساب بعد الخروج من المدينة المنورة ، وكان يقصر الصلاة حتى يدخل المدينة المنورة فإذا دخلها أتم ، فلذلك نرى التعويل على هذا ، والله تعالى أعلم .
* ذكرتم أن العمران قد يفصل بينه وبين عمران آخر واد ، هذا الوادي الآن كما تعلمون بدأت معالمه تختفي حيث رصفت فوقه الطرق وأنشئ في بعضها مباني فهل يعتبر الوادي فاصلا ؟
** أما إن أنشئت مبان فإن حكم الفصل الذي يكون للوادي ينتهي بذلك .
* والطرق ؟
** أما الطرق لو اعتبرناها عمرانا لاعتبرنا القارة كلها بمثابة القرية الواحدة أو المدينة الواحدة لأن القارة الواحدة قد تربط بينها جميعاً شبكة من الطرق .
* هل تتبع المرأة زوجها في صلاة السفر ؟
** نعم ، تتبع المرأة زوجها في صلاة السفر بعد أن يتزوجها وتخرج من بلدها الذي فيه ، أما إن كانت مقيمة مع والدها فإلى أن تنتقل إلى الزوج .
* صدمت شخصاً بغير عمد بدراجة نارية أثناء قطعه للطريق فسقط على الأرض فسببت له خدوشاً بسيطة،ما قيمة هذه الخدوش في الجبهة وخروج الدم الخفيف منها ؟
** هذه الخدوش منهم من قال فيها حكومة ، ومن جعل فيها شيئا فشيئا من الأرش المقدر المحدد ولكن الذي نراه أن يتفق مع هذا الرجل ويصطلح معه ويدفع إليه ما يرضيه وبهذا تنتهي هذه المشكلة إن شاء الله ، وليحذر في المستقبل من الإسراع بالدراجة وليحسب حسابه لكل من يمر في الطريق ولكل راكب أو ماشٍ ، والله تعالى الموفق .
* الإمام الذي يصلي بالناس إذا ثبت عنه أنه أتى عرافاً هل تصح الصلاة خلفه وقد ورد أنه لا تقبل منه الصلاة أربعين يوما ؟
** الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ذلك لأن الله تعالى أنزل على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم قوله
(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65) ، فالإنسان أياً كان لا يمكن أن يعلم الغيب اللهم إلا أن يوحى إليه من قبل الله ، ولذلك استثنى الله تعالى رسله ، وبيّن أن ذلك بطريق الوحي لا لأنهم بأنفسهم يعلمون الغيب ، فإن الرسل هم أيضاً كغيرهم من الناس لا يعلمون الغيب ، ولذلك قال الله تعالى ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (الجـن:26-27) ، ذلك الرسول إنما يوحي إليه الله تعالى وحياً ينبئه بالغيب وإلا فالرسول بذاته لا يعلم الغيب ، كيف والنبي صلى الله عليه وسلّم الذي هو أفضل الرسل جميعاً والذي وصفه الله تعالى بقوله
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) أمره الله تعالى أن يعلن أنه لا يعلم من الغيب شيئا ، فقد قال الله تعالى له ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف: من الآية188) ، فالآية الكريمة هي نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن يعلم الغيب ، ولئن كان هو كذلك فسائر الرسل أيضاً لم يكونوا يعلمون الغيب .
* بعض الشباب عندما يمشون خلف جنازة لا يقومون بحملها وأخذ دورهم في ذلك وعندما يقال لهم : لماذا لا تصنعون ذلك قالوا السنة تقتضي عدم حمل الجنازة إنما المشي خلفها فقط ، فهل هذا الكلام صحيح ؟
** هذا كلام الجهلة الذي لا يفرقون بين التمرة والجمرة ، ولا يفرقون بين الضب والنون ، ولا بين الجدي والحمل ، أما أهل العلم فلا يقولون ذلك .

كيف لا يسن للإنسان أن يحمل الجنازة ؟ ولماذا كان حضوره ؟ مع أن الحضور إنما كان هو لأجل الحمل ، والنبي صلى الله عليه وسلّم نفسه شارك في حمل الجنائز ، فكيف يعتذر الإنسان عن حمل الجنازة ! فهل شرع الحضور لأجل المشي فحسب ؟ أو أنه شرع الحضور لأجل المشاركة في الحمل والناس مأمورون بالتعاون على البر والتقوى ، ومن البر أن تُحمل الجنازة ، ويوصل الميت إلى مكان دفنه وإلا فكيف لو كل واحد تنصل من هذا الأمر وتبرأ منه وتركه كيف يمكن أن يوصل الميت إلى القبر ، أو أنه يُخص ذلك بأناس معينين ما دليل هذه الخصوصية ؟ إنما هذا التصرف تصرف أرعن وهو يدل على حماقة هؤلاء وجهلهم ، والله المستعان .
* ما حكم صلاة من يلبس ثوبا مجسداً للعورة ؟
** من شرط الثوب ألا يشف ولا يصف ، فكونه يصف ويشخص العورة ، فإذا كان مشخصاً للعورة فهو ثوب لا يجوز فيه الصلاة ، ولا تجوز إمامة من لبسه .


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى




في ذكرى مولد الرحمة

ـ الدكتور السرحني : العالم بأسره كان يعيش قبل الإسلام في ظلام دامس إذ كان غارقاً في فتن كقطع الليل المظلم بين ساجد للصنم وشارب للخمر .
ـ سفينة الحياة البشرية كانت بحاجة ماسة إلى منقذ حكيم وقائد رباني يتولى قيادتها ويأخذ بدفتها ليوصلها إلى شاطئ السلام وبر الأمان ومرفأ الوئام ، حتى بعث الله نبيه محمد عليه السلام .
ـ رحمته صلى الله عليه وسلم تتجلى بوضوح منذ ولادته حتى وفاته مع المسلمين وغيرهم حتى مع أعدائه .
حاوره ـ أحمد الجرداني
يعد مولد الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهم حدث في تاريخ العالم على الإطلاق منذ أن خلق الله الكون، وسخر كل ما فيه لخدمة الإنسان، وكأن هذا الكون كان يرتقب قدومه منذ أمد بعيد.
فقد أنبلج النور في (12 من ربيع الأول) من عام الفيل 23 من أبريل سنة 571 ميلادية) حيث شرف هذا الكون ميلاد سيد الخلق وخاتم المرسلين محمد ـ صلى الله عليه وسلم .
وفي ذلكم اليوم كانت مكة المكرمة على موعد مع حدث عظيم كان له تأثيره في مسيرة البشرية وحياة البشر، وسيظل يشرق بنوره على الكون، ويرشد بهداه الحائرين، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وفي هذا الخضم والأمواج التي تعصف بالأمة الإسلامية كانت لنا هذه الوقفة مع الدكتور الشيخ / يوسف بن إبراهيم السرحني لينثر لنا عبق العطور من سيرة سيد المرسلين..


ما هو حال العالم قبل مولد النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ ؟
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد : فإنني أشكركم على هذا اللقاء وأهنئ نفسي وأهنئكم وأهنئ كل مسلم بهذه المناسبة الجليلة مما لا شك فيه أن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ ولقد بين الله تعالى لنا في كتابه العزيز حالة الناس قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } وقال في شأن العرب : { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب
والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }، فالعالم بأسره كان يعيش قبل الإسلام في ظلام دامس إذ كان غارفاً في فتن كقطع الليل المظلم ، فالناس يعيشون في انحطاط من القيم وفساد من الأخلاق وضلال من التصور ، فهم بين ساجد للصنم
وشارب للخمر وسادر في غيه لا يدري إلى أين يسير أولا يعلم إلى أين يتجه ،
وبالجملة فإن سفينة الحياة البشرية كانت حائرة تتقاذفها أمواج الفتن والشرور من كل حدب وصوب فهي بحاجة ماسة إلى منقذ حكيم وقائد رباني يتولى قيادتها
ويأخذ بدفتها ليوصلها إلى شاطئ السلام وبر الأمان ومرفأ الوئام ، فاصطفى الله تعالى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم لإنقاذ الإنسانية ؛ فأخرجها من الظلمات إلى النور ومن الغي إلى الرشد ومن الضلال إلى الهدى ومن جور الإنسان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، فكان عليه الصلاة والسلام كما قال عنه ربه سبحانه وتعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } .
رحمته ـ صلى الله عليه و سلم ـ تتجلى على العالم ، كيف ذلك؟

كان النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ يؤرقه كثيراً أن يرى على الأرض بائساً أو محروماً ، أو يرى في الأرض خراباً أو فساداً ، أو يشاهد إساءة إلى إنسان أو طير أو حيوان أو نبات أو جماد 'فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير . هذه هي حقيقة نبينا صلى الله عليه و سلم ، وهذه هي حقيقة رسالته ، فما من ذرة من ذرات هذا الكون الواسع الفسيح المترامي الأطراف إلا وهي مغمورة بهذه الرحمة ومشمولة بهذه النعمة ، والناظر في سيرته وسنته صلى الله عليه وسلم يجد أن رحمته تتجلى بوضوح منذ ولادته حتى وفاته في كل مواقفه وخطواته مع المسلمين وغيرهم حتى مع أعدائه ، ومن صور تلك الرحمة عتق ثويبة بمناسبة ولادته عليه الصلاة والسلام ، وعندما أرسل إلى البادية عمّ الخير والخصب في حي بني سعد ، وعندما اختلفت قريش في رفع الحجر الأسود ووضعه في مكانه حكم صلى الله عليه وسلم بينهم فكان السبب في فض النزاع وإخماد نار الفتنة التي كادت تشتعل بين قبائل قريش ، وعندما دخل مكة المكرمة فاتحاً منتصراً خاطب أهلها الذين آذوه وأخرجوه قائلاً : " ماذا تظنون أني فاعل بكم " قالوا : خيراً أخ كريم
وابن أخ كريم ، قال عليه الصلاة والسلام : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ، ولنتأمل هذا الحديث الشريف بقوله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " ، وعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد رحمهما الله قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المشي في الزرع وقال : " لا يمشي فيه إلا ثلاثة : ساقيه أو ناقيه أو واقيه " قال الربيع : الواقي : الحافظ ' والناقي الذي يخرج منه الكلأ ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه وهم في ساحات الجهاد أن يرحموا الشيوخ
والضعفاء والنساء والأطفال ، ويوصيهم بعدم تخريب العامر أو إفساد الزرع أو قطع الشجر أو إتلاف الثمر فهو بقلبه العمر بالرحمة والشفقة أن يحافظ على عمارة الكون وازدهار الحياة وإسعاد الكائنات كافة وهو بهذا يحقق رسالة الإنسان في الأرض كما قال سبحانه وتعالى(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )
هل لنا وقفة مع أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟
المتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله عز وجل قد زكى عقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { ما ضل صاحبكم وما غوى } وزكى لسانه فقال : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } و زكى فؤاده فقال : { ما كذب الفؤاد ما رأى }
وزكى بصره فقال : { ما زاغ البصر وما طغى } وزكاه كله فقال : { وإنك لعلى خلق عظيم } وبهذه التزكية الربانية الخالدة الكاملة استحق النبي صلى الله عليه
وسلم أن يكون شاهداً على الناس كافة يقول رب العزة والجلال : { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } ويقول : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً } ويقول : { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } وفي ذات يوم سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : يا رسول الله لقد خالط العرب
والعجم فلم أجد أحداً من الناس أحسن منك أدباً فمن أدبك ؟ فقال صلى الله عليه
وسلم : " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، ويقول صلى الله عليه وسلم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، وقد سُئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : " كان خلقه القرآن " ، فكان صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا حقاً ولا ينطق إلا صدقاً ، إذ ترجم تعاليم القرآن الكريم في سلوكه وتصرفاته فكسب الناس بأخلاقه الكريمة وشمائله المحمودة ، يقول الله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }
هناك مواقف حمى بها الله تعالى ـ نبيه صلى الله عليه وسلم ـ ؟
لقد حمى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من كيد الكائدين ، وحقد الحاقدين ،
وحسد الحاسدين ، من المشركين واليهود والمنافقين ؛ حماه وهو في مكة المكرمة من شر المشركين ، يوم أن دبروا مكيدة لقتله ليلة الهجرة ، وحماه من شرهم ، في هجرته وهو في الغار وفي الطريق ، يوم أن تتبعوا أثره ، ورصدوا الجوائز المغرية لمن يأتي برأسه حياً أو ميتاً ، وحماه وهو في المدينة المنورة من شر اليهود ، يوم أن دبروا خطة للتخلص منه بإلقاء صخرة على رأسه من فوق سطح منزل نعم حماه الله تعالى من شرهم فرادى وجماعات ، حيث باءت جميع محاولاتهم بالفشل ولم يتمكنوا من النيل منه ، وكتب السيرة مليئة بالأمثلة على ذلك ، و الأدلة على هذه الحماية الإلهية من كتاب الله تعالى كثيرة منها : قوله تعالى
: { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } وقوله : {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } وقوله : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف تعلمون} و قوله تعالى :
{ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم } وكفى بهذه الآيات الكريمة أدلة قاطعة ، وبراهين ساطعة ،على حماية الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم .
إذا ما هو واجب المسلمين وهم يحتفلون بهذه الذكرى؟
حق للمسلمين أن يحتفلوا بهذه الذكرى الغالية وغيرها من الذكريات النبوية الخالدة
وأرى أن الاحتفال الحقيقي اللائق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة رسالته إنما يكون : أولاً بالرجوع إلى كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم ، ويتم ذلك بالعناية بتلاوته وحفظه ،
والتدبر في آياته وإبراز إعجازه ، والعمل بتعاليمه وأحكامه ، فهو النور والشفاء ، فيه حل لكل مشكلة ، وشفاء لكل مرض ، فعندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأن زماناً سيأتي فيه فتن كقطع الليل المظلم سئل وما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " كتاب الله " ، ومما يقتضيه الرجوع إلى كتاب الله تعالى أن نتسمى بما جاء في القرآن الكريم وأن ننبذ كل تسمية ما أنزل الله بها من سلطان ، فنحن المسلمين المؤمنين وقد خصنا الله تعالى بهذين الاسمين وكفى ،
وهذان الاسمان الشرعيان الكريمان قد اشتقهما الله لنا من إسمين من أسمائه الحسنى، فهو سبحانه السلام المؤمن يقول عز وجل : { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون } .
ثانياً : اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة ، والاقتداء به ، فهو القدوة الحسنة والمثل الأعلى ، يقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول } ويقول : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً } ولقد بين الله تعالى حقيقة طاعة النبي عليه الصلاة والسلام فقال : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } ، إن محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليست عاطفة تتأجج بين الحنايا فحسب ، لا تكاد تشتعل حتى تخبو ، وإنما هي اتباعه لأن من شأن المحب إن كان صادقاً في حبه لمحبوبه أن يتبعه في كل ما يأتيه وما يذره ، وهذه المحبه تنشأ إما بسبب ما يتصف به المحبوب من صفات حميدة ، وإما بسبب ما يسداه من معروف وما يقدمه من جميل لمحبه ، والنبي صلى الله عليه
وسلم قد جمع بين الأمرين فكان أهلاً لئن يُحب .
ثالثاً : الحرص على التفقه في دين الله تعالى فإن ذلك علامة الخيرية يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من أراد الله به خيراً فقهه في الدين " ، فبالفقه يعبد الله على بصيرة ، أيضاً الحرص على كسب كل علم نافع ، فبالعلم ترقى الأمم وتصنع الأمجاد وتبنى الحضارات وتتحقق السعادة في الدارين" .
رابعاً : الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالحسنى يقول الله تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } ويقول : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ، فالقول الحسن والكلام الطيب كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة ، ويؤلف بين الأرواح النافرة ؛ لأنه يدخل إلى القلب برفق ويتعمق في المشاعر بلطف ، وينزل على الفؤاد برداً وسلاماً ، والنفوس جبلت على حب من أحسن إليها وقد أجاد من قال : " لذيذ الألفاظ مغناطيس القلوب " .
وتقتضي الدعوة إلى الله على بصيرة إنزال الناس منازلهم ومخاطبتهم على قدر عقولهم وبلغة عصرهم والاعتراف بالطرف الآخر واحترامه ، إضافة إلى ضرورة الاستفادة من الوسائل العصرية والتقنيات الحديثة ، فإن ذلك يوفر كثيرا من الجهد
والوقت والمال .
القرآن الكريم يدعو إلى الاعتراف بحوار الآخرين كيف ذلك؟
إن الحوار مع الآخر من وسائل الاتصال الفعّالة والأدوات الناجعة فهو أداة ذات تأثير بالغ ، من شأنه تقريب النفوس وترويضها ، فالحوار الذي يوصل إلى معرفة ما عند الغير ويؤدي إلى الاقتناع والاحتواء هو الذي يعترف بالآخر ويحترمه ، والقرآن الكريم يدعو إلى الحوار وقد أولاه عناية بالغة في مواطن الدعوة والتربية إذ فيه جذب لعقول الناس وراحة لنفوسهم هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن القرآن الكريم في حواره مع الغير يقاسم الطرف الآخر ويعترف به ، ويحاوره بسعة بال ورحابة صدر وأخلاقيات عالية ، فأسلوب الحوار في القرآن يمتاز بالسهولة
والبعد عن التعقيد كما يمتاز باتساع دائرته ووضوح براهينه وأهدافه وتتعدد قضاياه وموضوعاته وتنوعها ؛ وهو حوار قائم على احترام الآخر وعلى الصدق وتحري الحقيقة الناصعة وإبراز الدليل الساطع بغية الوصول إلى الموضوعية ، وقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ما دعا إليه القرآن ، فحاور الآخرين في ضوء ما قرره الكتاب العزيز من ضوابط الحوار، وتأتي ضرورة الحوار في هذا العصر من كون العالم أصبح قرية صغيرة بسبب الطفرة المذهلة التي حدثت في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات بحيث لا يمكن لأي أمة من أمم الأرض أن تعيش بمنأى عما يحدث في العالم ويدور حولها ، والأمة الحريصة على هويتها واستقلال شخصيتها والحفاظ على خصوصياتها ومقوماتها هي التي تعمل بجدية على عدم الذوبان في هذا البحر اللجي من العولمة الزاحفة وذلك بأن تسعى جاهدة على تنشئة أبنائها وإعدادهم للتعامل والتفاعل مع هذا الطوفان الجارف تأثيراً وتأثراً إيجابيين ، وتأتي الأمة الإسلامية في مقدمة الأمم في هذا الشأن لهداية البشرية وتقديم ما عندها من خير للغير ، وفي الوقت نفسه تستفيد مما عند الآخرين بما يجعلها في مقدمة الركب البشري وطليعة الأمم المتحضرة .

أعلى






خير يوم طلعت عليه الشمس

أمة محمد صلى الله عليه وسلم ـ أمة مرحومة ، أكرمها الله سبحانه وتعالى ، وجعلها خير أمة أخرجت للناس ، يقول عز من قائل : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آل عمران/110) ، ويقول سبحانه( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ( البقرة/143) ، ويقول سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج/77 ـ 78) ، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خير أمتي قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي، ويعملون بأمري ولم يروني، فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة " ، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال " ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : " إن الله حرم الجنة على الأنبياء كلهم حتى أدخلها ، وحرمها على الأمم حتى تدخلها أمتي " . صلى الله عليه وسلم
لقد ميز الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بمزايا ، وخصها بخصائص متعددة ، ومما خص الله سبحانه وتعالى به هذه الأمة أن اختار لها يوم الجمعة عيدا أسبوعيا ، يتفرغون فيه لعبادة الله عز وجل، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة ، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، هذا يومهم الذي اختلفوا فيه ، فهدانا الله إليه، والناس فيه لنا تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ " ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس ، وأنه سيد الأيام وأعظمها عند الله تعالى، وأنه أعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى، فعن أبي هريرة قال : خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار ، فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيما حدثته أن قلت له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم ـ عليه السلام ـ ، وفيه تاب الله عليه، وفيه أهبط من السماء إلى الأرض، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة ليلة الجمعة حتى تطلع الشمس إشفاقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، قال كعب : في كل سنة يوم، قلت: بل في كل جمعة يوم ، فقرأ كعب التوراة، فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أبي هريرة قال : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال:" فيه سويعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم ، يصلي يسأل الله شيئا إلا عطاه إياه " ، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تقليلها بيده .
وفي هذا اليوم المبارك فرض الله سبحانه وتعالى صلاة الجمعة، وأمر بالسعي إليها، ونهى عن الاشتغال بما يشغل عنها، يقول عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ( الجمعة/9 ـ 11) ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه " ، وقد ورد أن:" من تركها جحودا لها أو استخفافا بها، وعليه أمير بر أو فاجر؛ فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له ، ألا ولا بر له، ألا ولا جهاد له حتى يتوب، ومن تاب تاب الله عليه" ، فيجب على كل مسلم وجبت عليه الجمعة أن يحرص كل الحرص على السعي إليها ، والمواظبة عليها، وعدم التخلف عنها ؛ فإن حضورها خير من الدنيا وما فيها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما" ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم :" من صلى الجمعة كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام " ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ؛ كفارة لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر" ، وقد ورد : " من اغتسل يوم الجمعة ، ولبس أحسن ثيابه ، ومس من طيب أهله ، ثم صلى ما كتب له ، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام" ، وورد : " من غسّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر، ودنا من الإمام فأنصت ؛ كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها ، وذلك على الله يسير " .
عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحضر الجمعة ثلاثة نفر : فرجل حضرها بلغو، فذلك حظه، ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل سأل الله ، إن شاء أعطاه ، وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ، ولم يتخطّ رقبة مسلم ، ولم يؤذِ أحدا، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله عز وجل يقول: ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ( الأنعام/160) ، فاحرصوا كل الحرص على أداء هذه الشعيرة ، وتمسكوا بآدابها وسننها ، وأخلصوا أعمالكم لله عز وجل ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ( الكهف/110) .
الشيخ حمود بن حميد الصوافي

أعلى





الرسول المربي

إعداد : مبارك بن عبدالله العامري

الرسالة منهج تربية إلاهية للمجتمع البشري، والرسول هو الذي يصطفيه الله عزوجل ويجتبيه وينزل عليه وحيه، ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر كامل الإنسانية في تكوينه، ولادة ، طفولة ، وشبابا ، ورشدا ، وكهولة ، وحياة ومماتا اختاره الله واجتباه من بين الناس الذين أرسل إليهم ، وقد كملت خصائصه العقلية ذكاء وفطنة، إلى جانب كماله الأخلاقي ، سلوكاً في الاستقامة والأمانة وصدق الله العظيم إذ يقول في نبيه الكريم (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) وقال عليه السلام عن نفسه ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) .
كان صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى الخالد في تربية الجيل الأول المعاصر له في جميع فئاته العمرية ومجالاته العملية ، رباهم بالقرآن وشحذ عزائمهم بالإيمان ، كان عليه الصلاة والسلام يتتبعهم خطوة خطوة ، فيزيل الران من قلوبهم ويمسح الغبار من نفوسهم ، ينظفهم من بقايا الجاهلية ويبني فيهم مباديء الإسلام والحنيفية، وقد عبر الصحابة عن أنفسهم رضوان الله عليهم عن هذا المعنى بقولهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغنا ويملأنا ، وبعده عليه الصلاة والسلام توالت التربية جيلا بعد جيل لأن العلماء ورثة الأنبياء وقد ورثوا رسالة النبي التربوية بكل جدارة وإخلاص، مقبلين على كتاب الله وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلهمون منها سبل الحق ومباديء العدل .
المعجزة الكبرى للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكتاب الرباني الذي أنزله الله عليه قرآنا يتلى ، يهدي به الله من يشاء من عباده وينير الطريق لكل من يريد الهداية ، وكان عليه السلام في مسيرته الدعوية يتخذ القرآن حجة للناس ودليلا ، وهداية ونورا مبينا ، ومعجزة تخرس الألسن وتبكت الأفواه ، وتقف أمامها العقول مذعنة مستسلمة لعظمته معترفة بعجزها عن محاكاته متمثلة قوله عزوجل (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الاسراء:88) .
كان حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضحة صريحة في جميع مراحلها ، في فتوته وشبابه وفي كهولته ، في حياته العادية قبل البعثة وفي رحلاته إلى الشام ، وبعد نبوته ، قبل الهجرة وبعدها ، وهي حياة تمثل سيرة إنسان، كامل لا توجد فيها مراحل منسية أو مهملة غامضة ، وقد تم تسجيل حياته عليه السلام من مصادرها القريبة الصادقة، فقد رويت إما عن أمهات المؤمنين في بيت الزوجية وهو قسم هام من حياته عليه الصلاة والسلام ، أو عمن تربى في أسرته كعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد إلى جانب بقية الصحابة الذين كانوا معه في أكثر ساعات النهار لا يفارقونه أبدا ، وهذه مفخرة علمية منهجية في توثيق المعلومات الصحيحة عن النبي المجتبى والرسول المصطفى صلوات الله عليه وسلامه وهو ما لم يتوفر لنبي مثله .
يمثل الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ قمة التكامل الإنساني فهو المبعوث رحمة للعالمين ، وهو المعلم والمربي ، وهو المبلغ الأمين والكامل لرسالة الله عزوجل بكل ما تحمله الرسالة من أبعاد توجيهية وإرشادية في مختلف شؤون الحياة ، وقد أمره المولى تعالى بالتبليغ فكان خير مستجيب ، وخير مطيع ، وخير منفذ لشرع الله عزوجل قال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67) فكان عليه السلام المبلغ الأمين والمربي بالقول صدقا وبالعمل إخلاصا .
كان ـ صلى الله عليه وسلم يقوم بدور المربي متخذا من القرآن منطلقا وقاعدة لعمله التربوي والدعوي ، كان يشرح للناس آيات الذكر الحكيم ، ويبين لهم مقاصدها ويوصل للناس مضامينها بفهم سليم وإدراك عميق وإلى ذلك تشير كثير من الآيات منها (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل:44) .
فهو عليه السلام يستقبل الوحي من ربه ليسري في أعماقه ويستوعب معانيه وأحكامه عبره وعظاته ثم يبلغ ذلك لأتباعه قولاً وتوجيها والتزاما في سلوكه وأفعاله تأسيا واقتداء فهو الأسوة الحسنة ، والقدوة المثالية والنموذج الذي لم يسبقه مثيل صلوات الله عليه وسلامه .
كان وظيفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي تكوين صالح للفرد وبناء أسرة متكاملة العناصر واضحة المعالم وإرساء مبادىء سامية تلتقي عليها البشرية وتلتف حولها على مدى الأزمان ، كان عليه السلام إماما في الصلاة ، وقاضياً في إرساء العدل بين الناس، وقائداً في ميدان الجهاد وسياسة الأمة ، ومعلما ينضح من العلم بكل أنواع ومربيا يقوم السلوك ويهذب النفوس وينظم المجتمع ويرعى الأجيال بمنهج رباني مبين قال عبدالله بن رواحه :
وفينا رسول الله يتلوا كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقــــــــع
يبيت يجافي جفنه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

* المرجع : السيرة النبوية


أعلى






الرسول وتقدير المرأة

عندما يوافينا المولد السعيد، ويهل علينا شهر ربيع المجيد تحيا قلوبنا نحن المسلمين، ونولد من جديد ونعتبق الذكرى بشذاها الفريد، ونستشعر ان اجسادنا قد ضخ فيها دم فريد، ونعيد قراءة شيء مما قدمه الرسول صلى الله عليه وسلم وخصوصا في جانبنا نحن النساء، فنجد الكثير والكثير مما يعرف دين ولا ذكر في سيرة نبي حيال المرأة وتكريمها وتقديرها شيء اكرم ولا اكبر ولا اوسع مما كرم الاسلام به المرأة ولا افضل مما اتى به رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.
هو القائل في حديثه الشريف: (النساء شقائق الرجال) وهذا يعني ان للمرأة منزلة ومكانة تعدل منزلة ومكانة الرجال، فهي شقيقته واخته ، تتقاسم معه المهمات، وتتشارك معه في الوظيفة والرسالة والهدف ، فهي زوجة وأم واخت وابنة وعمة وخالة وهي كذلك مجاهدة صابرة وعاملة محتسبة وشهيدة مخلصة، ان الاسلام أعلى من قدر المرأة ومكنها من ان تدلي برأيها، وتسهم في الدلاء بدلوها، تبيع وتشتري وتعقد الصفقات وتقيم الشركات وتعطي وتهب وتوكل وتنوب وتنيب وترث وتورث وتقبل وترفض وتقول: لا. وتقول بمحض مزاجها وكامل عقلها: نعم. لا تكره على شيء ولا تدفع الى قبول شيء انما هي اميرة نفسها ونسيج وحدها لها اعتبارها القانوني وانسانيتها التي كفلها لها الشرع الحنيف.
ففي مجال البر بالمرأة نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله رجل: يارسول الله، من أبر؟ قال: (أمك وأباك، واختك واخاك ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب ورحم موصولة).
وانظر في الحديث تلمح تقديم الانثى على الذكر امعانا في تكريم المرأة وتنبيها على قدرها ومكانتها.
وفي باب الوفاء واحترام المرأة ما روي من ان امرأة من جهينة جاءت الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله، ان امي نذرت ان تحج، ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها! قال: نعم، حجي عنها ، أرايت لو كان على امك دين، أكنت قاضيته اقضوا الله فالله احق بالوفاء.
وعلى حين نجد العرب قديما يئدون البنات، ويشعرون حيال النساء بالعار، ويكاد الواحد منهم اذا رزق ببنت تزهق روحه، وتذهب نفسه حسرات وقد حكى القرآن الكريم طرفا من تلك المعاملة القاسية، والسلوكيات النابية حيث يقول: (واذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون ام يدسه في التراب) عقب الله تعالى بقوله(ألا ساء ما يحكمون) وقال ـ جل جلاله ـ: (واذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم) وقال (واذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) جاء رسول الاسلام فعدل دفة المجتمع حيال المرأة وحقق لها كل أمانيها فيقول: (اعدلوا بين ابنائكم، اعدلوا بين ابنائكم)، ثم تتالت الاحاديث وتتابع الخير دفاقا، والقول رقراقا يقول الرسول العظيم: (من عال جاريتين (أي ابنتين) حتى تبلغا جاء يوم القيامة انا وهو كهاتين وضم اصابعه: السبابة والوسطى. رواه مسلم.
اما رواية الامام احمد فجاء فيها: (من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن، وسقاهن وكساهن من جدته (أي من ماله)، كن له حجابا من النار). واما الامام الحميدي فيروى عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم قال: من كان له ثلاث بنات او ثلاث اخوات، او بنتان او اختان، فأحسن صحبتهن، وصبر عليهن، واتقى الله فيهن دخل الجنة).
فالمرأة هنا ابنة او اختا سبب في دخول الرجل الجنة ومزلفة الى رضا الله وليست موءودة او مقتولة، او مدفونة حية كما كان يفعل الجاهليون قساة القلوب.
حتى ان احد الآباء من الصحابة لما سمع : (من كانت له ثلاث بنات..) الحديث وكانت له ثنتان فقط، فقال: يارسول الله: وثنتان؟، فقال الرسول: وثنتان). بمعنى ان الرجل كان يرجو ان يرزق بثلاث فتيات حتى يدخل تحت جلال الحديث، ولكنه آسف على ان رزق باثنتين فقط، فانظر كيف طهر الرسول افئدة العرب ومحا ما فيها من ظلم للمرأة، واحتقار لآدميتها ونسف لأقدارها صلى الله وسلم عليك ياسيدي يارسول الله من كل النساء المسلمات والمؤمنات من يوم ان خلق الارض ورفع السموات الى يوم يبعث الخلق بعد الممات.
والاسلام خص البنات بمزيد عناية وكثير رعاية، حيث ان التقاليد العربية والموروثات الجاهلية رسبت الكثير في قلوب الآباء، فجاء الاسلام ورسوله العظيم ليعيد التوازن بين شقي المجتمع: رجالا ونساء، فقال بكل وضوح (من كانت له انثى فلم يئدها ولم يؤثر ولده عليها ادخله الله الجنة) رواه ابوداود. وقد تكون المرأة ـ وهي التي يحكي انها الجانب الضعيف المهيض الكسير ـ سترا وحجابا وحاجزا من النار للرجل يوم القيامة، ففي الحديث المتفق عليه ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال (من ابتلي من هذه البنات بشيء (أي رزق) فأحسن اليهن كن له سترا من النار)، وفي الحديث المتفق عليه الذي يبين مدى محبة الرسول للمرأة وهي طفلة، ويوضح مدى الرعاية ما رواه ابو قتادة رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت زينت (يعني حفيدته) فإذا سجد وضعها ، واذا قام حملها)، وفي رواية لمسلم (وهو يؤم الناس).
نعم، الاسلام كرم المرأة طفلة وصبية وشابة وزوجة وأما واختا وابنة، ومطلقة ، حية ، وميتة، فحق للمرأة ان ترفع هامتها، وتنصب قامتها وتقول: اني مسلمة واني افخر باتباع خير البرية وسيد الإنسانية، لقد قال الله ـ جل جلاله ـ في كتابه العزيز: (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) فالغاية تحقيق السكن بمفهومه السامي الواسع، سكن في المشاعر والاحاسيس سكن في الروح، سكن في اللقاء، سكن في النظرة سكن شامل كامل، فلم يحدد القرآن نوع السكن، انما اطلقها لتشمل كل معاني السكن، وجعل السبيل الى تحقيق السكن هو المودة والرحمة، ونكر اللفظتين لتشملا كل اصناف الرحمة وألوان المودة الزوجية، فسبحان الله الذي جعل السعادة والمودة والرحمة والسكن هي الهدف والمقصد بحيث يتحقق الدفء المطلوب الذي يدفع الى تنشئة الرجال، وبناء الأسود الأشاوس لتحمل اعباء الحياة وتكاليف الدعوة بكل حزم واقتدار.
ان المرأة المسلمة أمست تقدس الحياة الزوجية، لانها تشكل نصفها، وباتت ليلها ساجدة لربها ان جعل وزنا لحياتها، ووهبها حب زوجها إياها، وتوقيره لها، حتى صارت تتسامى وتشعر بقدرها مع زوجها، وأنهما معا يقودان دفة الحياة الزوجية والاسرية حتى قالت احداهن بكل فخار:
أنوثتي تتسامى في رجولته حتى كأنني هو أو كنت إياه
وقالت الأخرى عن نعيمها مع زوجها تعبر عن كمال اسلامها وتمام النعمة فهي وزوجها نفس واحدة:
فإذا ابصرته أبصرتني وإذا ابصرتني أبصرتنا
قال ـ تعالى ـ عن الامتزاج الكامل والروح الواحدة: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) وقال الرسول العظيم : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) (رواه النسائي وابن ماجه والحاكم).
فعد الخيرية الحقيقية لأولئك النفر الذين يكونون مصدر خير ونفع لأهليهم يجلون نساءهم، ويكرموهن قولا وعملا، ولعل التعبير بأفعل التفضيل (خيركم) يدل على ان من كان كذلك فهو أخير الناس، وأحسنهم فعالا واقربهم الى الله وأفقههم لدينه، واعلمهم بربه.
ولذلك نجد السيرة العاطرة تحدثنا بما يهز النفس، ويدفع على الإكبار والإعظام لرسول الاسلام صلى الله عليه وسلم اذ روت السيدة عائشة حبيبة رسول الله عندما سئلت عن صنيع رسول الله في بيته ؟ قالت: كما يصنع احدكم، يشيل هذا، ويحط هذا، ويخدم في مهنة اهله، ويقطع لهن اللحم، ويقم البيت (أي يكنسه) ويعين الخادم في خدمته) رواه الطبراني. الى هذا الحد من التسامي في المعاملة ومساعدة الزوجة، وهو في شواغله صلى الله عليه وسلم وليس هذا فحسب، فإنما اشترع مشورة المرأة في امور بيتها وزواج اولادها فقال عليه الصلاة والسلام (آمروا النساء في بناتهن) أي خذوا رأيهن فيما يتعلق بتزويج بناتهن، فهن أعلم بمصالح البنات وما ينفعهن لان البنت تكون أقرب الى امها وبخاصة في هذه الأمور ذات الحساسية المفرطة والمشاعر الخفية والحيية، حتى في مجال الترفيه والمداعبة كان للمرأة نصيب ليس بالهين في سلوك الرسول العظيم، فهذه عائشة ـ رضي الله عنها ـ سمعت اصوات اناس من الحبشة وغيرهم يلعبون بالحراب في يوم عاشوراء فقال لها الرسول: أتحبين ان ترى لعبهم) قلت: نعم. فارسل اليهم فجاؤوا وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البابين، فوضع كفه على الباب وقد يديه، ووضعت ذقني على يديه، وجعلوا يلعبون، وانظر وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسبك، واقول: اسكت. مرتين او ثلاثا. ثم قال: ياعائشة، حسبك؟ فقلت: نعم ، فأشار اليهم فانصرفوا) متفق عليه، فانظر كيف ادخل السعادة على قلبها ولم يحرمها امرا كان في ذاتها، بل ترفق بها ووضع يده لتريح ذقنها عليها رقة منه وحنانا زائدا، وكلما قال لها: يكفي، هل مللت النظر، فتقول: انتظر علي، لم اشبع من ذلك. حتى وفت حظها ، فقالت: نعم يارسول الله. حقا انها الحياة الزوجية السعيدة الجميلة التي تحبها كل زوجة، وتنتظرها كل انسانة احبت زوجها، وأملت فيه الكثير من العطف والشفقة، والحنو والحدب، وانتظرت معه حياة تخيلتها في بيت ابيها، وتمنت ان تتحقق لها السعادة في اسنى معانيها واسمى مراميها.
حتى مسألة الحب والعاطفة احترمها الاسلام واكدها رسوله العظيم ـ عليه ازكى صلاة وأتم تسليم ـ يروى ان مغيثا وكان عبدا في بني مخزوم وكانت بريرة أمة تعمل في خدمة عائشة رضي الله عنها ، وشاءت الأقدار ان تجمع بين مغيث وبريرة تحت سقف واحد في زواج كان الحب فيه من طرف واحد، فمغيث موله بحب بريرة، وبريرة لا تريد مغيثا (والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء) ويأتي اليوم الذي تعتق فيه بريرة ويصبح لها الحق في الانفكاك من رباط الزوجية من رجل قلبها في غطاء عن حبه، وتصر بريرة على فراق مغيث الذي ملأ حبها عليه اقطار قلبه، وينطلق مغيث الى العباس عم النبي، يرفع شكواه اليه ليوسط الرسول الكريم لعله يشفع له عند بريرة، ويرق له قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم فيقول الرسول لعمه العباس: الا تعجب ياعماه من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟! ثم يكلم النبي بريرة في شأن مغيث قائلا: لو راجعته..فإنه ابو ولدك! قالت: يارسول الله تأمرني؟ قال: (لا انما انا اشفع). قالت: لا حاجة لي فيه . (رواه البخاري وابن ماجه) فقل لي بربك اي دين يعطي المرأة كل هذا الحق، ويقيم للعواطف الانسانية كل هذا الوزن، انه دين الاسلام وانه رسول الله العظيم .
وكان آخر ما أوصى به الرسول ثلاث وصايا ، كان يتكلم بهن حتى تلجلج لسانه، وخفي كلامه، جعل يقول: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم..لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله في النساء فإنهن عوان في ايديكم (يعني كالأسيرات) اخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله) رواه النسائي وابن ماجه) وكان من تأدب الصحابة مع ازواجهم ان قالت احداهن تصف سلوك زوجها الكريم معها وحسن عشرته لها. والله لقد كان ضحوكا اذا ولج، سكيتا اذا خرج، آكلا ما وجد، غير مسائل عما فقد.
وروى ابوداود والنسائي وابن ماجه عن معاوية القشيري قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: ما تقول في نسائنا! قال: اطعموهمن مما تأكلون واكسوهن مما تكسون، ولا تضربوهن ولا تقبحوهن). واذا طلبت احدانا من زوجها ان تذهب الى المسجد أقر الاسلام هذا المطلب الكريم، وخصوصا اذا لم يكن الزوج قائما بتعليمها وتبصيرها بشؤون دينها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تمنعوا إماء الله ) (يعني نساءكم) مساجد الله).
وحافظ على علاقتها الخاصة مع زوجها وحذر من نشر سرها، ومثل لمن يفعل ذلك بأنه من اشر الناس يوم الفزع الأكبر، يروي الامام مسلم ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ان من اشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي الى امرأته، وتفضي اليه ثم ينشر سرها). وقدر الاسلام عواطف المرأة ومكامن مشاعرها، واعطاها الحق الكامل في اختيار شريك حياتها، ففي حديث الطبراني وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رجلا قال: يارسول الله عندنا يتيمة قد خطبها رجلان: موسر ومعسر، هي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم ير للمتحابين مثل النكاح). وهذا يعني انه اقر زواجها بمن تحب وهو المعسر تحقيقا لدخيلة نفسها ونزولا على رغبتها الشخصية، بل ان حبيبنا صلى الله عليه وسلم كان يأخذ رأي نسائه في الملمات وعظام الأمور، ويعمل به ويستحسنه فعندما حيل بين المسلمين وبين الكعبة ومنعوا من العمرة عامهم هذا رفض المسلمون لبعض الوقت الاحلال كما امرهم الرسول فدخل رسول الله على أم سلمة محمر الوجه غاضبا يقول: (هلك المسلمون يا أم سلمة! فقالت ام سلمة (مشيرة برأيها) يارسول الله، لو نحرت لنحروا (اي افعل ولا تكلمهم فهم في غيظ من قريش الذين حرموهم نعمة العمرة وأمروهم بالعود من قابل)، فنحر الرسول هديه، فنحر الصحابة بنحره، وحلق الرسول رأسه، ودعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة) اخرجه البخاري والدارقطني. فكان رأيها بمثابة وائد للفتنة ومعيد للأمور الى نصابها وقد اثنى القرآن على ملكة اليمن بلقيس، تلك المرأة الحكيمة عندما قالت: (ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا اعزة اهلها أذلة) عقب القرآن مزكيا رأيها بقوله: (وكذلك يفعلون).
اما تقدير المرأة أما فقد ورد في كتاب الله وسنة رسول الله، وكلنا يحفظ حديث السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك؟. قال: ثم من؟ قال: أبوك. فانظر مرتبة الأم وتعددها وسبقها للأب، كم هي منزلة الأم في دين الله. وأوصى بها ولو مشركة بأن يصلها أولادها وان يكرموها فهذه اسماء رضي الله عنها ـ قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومرتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع ابيها، فاستفيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك. (رواه البخاري).
وهذا الرجل الذي اصاب ذنبا كبيرا وأراد التوبة منه، فجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يارسول الله، إني اصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك أم؟ قال: لا. قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها) رواه الترمذي.
فبر الخالة وهي في مقام الأم وبمنزلتها، بمثابة طريق للمغفرة وسبيل من سبل العفو والصفح ويعترف الاسلام بطهارة الأم ونقائها وبخاصة يوم ولادتها وليدها فيمثل بهذا اليوم لكل من حج فلم يفسق ولم يفعل شيئا من نواقض الحج يقول ـ فيما يرويه البخاري ومسلم ـ عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه). نعم ، كيوم ولدته امه حيث النقاء والصفاء والطهر والعفاف.
ان هذا الميلاد الشريف للرسول العظيم يذكرنا بما قدم للمرأة من حقوق، وبما اخذته من مكانة وأعطيته ومن منزلة، فقد نقلها الاسلام من الذل والمهانة، وحياة الاستعباد والاحتقار الى السمو والارتقاء والشموخ والعزة، الى حياة الكرامة والانسانية الكاملة، اعطى فوفى، ووهب فأجزل، فجزى الله خيرا رسول الاسلام العظيم والحمد لله على نعمة الاسلام ونور الايمان وان نساء الارض ليسجدن شكرا لله المنعم المتفضل، والكريم الوهاب، ويفترش الجباه على الواحد الأحد على كريم عطائه وواسع نعمائه على نعمة هذا الدين، ونعمة رسوله العظيم، الذي وجدت المرأة فيه خير رسول وأكرم نبي، ورأت في دينه خير الأديان وأتمها، فهي تحدث بذلك حياتها، وتستشعر مدى عظم المنة، فالحمد لله على هذا الميلاد السعيد، وهنيئا لنساء الارض ورجالها بعودة المولد الشريف وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الذكرى العاطرة والسيرة الطاهرة وعلى آله وصحبه اجمعين والحمد لله رب العالمين.

* مها محمد بشير حسين نافع
ماجستير من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة


أعلى




من جوانب العظمة في الشخصية المحمدية
(قراءة متأنية في سيرته الشريفة)

تطالعنا ذكرى المولد الشريف، فتهش لها النفوس، وتطيب لها الأفئدة، ويدبّ في القلوب نسيم جديد، ويضخّ فيها دم فريد، ملؤه الفخار بالانتساب إلى امة الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتجد المسلم شامخ الجبين مرفوع الهامة، ينظر إلى الحياة نظرة حب وأمل، ودأب ونشاط لا يعرف الملل، ذلك لأنه أمام ذكرى عاطرة وسيرة طاهرة، وأحداث بالخير ماطرة، وعلى جنبات الكون عظمتها لما دونها ساترة، وأعين الناس لجلالها ناظرة، وعن كل ما سواهها كليلة فاترة، فجوانب العظمة في صاحبها ـ عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ـ أجل من أن تحصى، وأكبر من أن تستقصي، ومن ثم ، فنحن نبحث في شيء منها، فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ له أياد على الكون كله نعد منها ولا نعدّدها، فمقامه الشريف لا يعلمه إلا الله، ولا يدرك كنهه سواه، جل في علاه، فلله الشكر على نعماه بإرسال محمد رسول الله.
تتعدد جوانب العظمة في شخصية الشريف بين جوانب خلقية واجتماعية وإنسانية وروحية ربانية، وتربوية سلوكية، ووجدانية عاطفية، وصحية وبيئية، وفكرية تنظيمية، وغيرها من جوانب الكمال التي يحار فيها الانسان عندما يتأمل سيرته، ويتصفح بحب سنته، فتعالوا نعش ونحي بتقليب صفحات حياة النبي الكريم صاحب الخلق العظيم ونتعايش مع الحدث، ونتعرف كيف نحتفل بذكرى المولد بصورة تسعد رسولنا، وتبرز مدى حبنا، وصدق اتباعنا، وحسن اتسائنا.
* فإذا رميت بطرفك تستجلي مناحي العظمة في الجانب الاخلاقي طالعت الرسول متفرداً وحده فوق قمة كل خلق، تتصاغر دونه الأخلاق، ويندى جبين الصفات الحميدة، نبي تجمعت فيه كل كمالات البشر ثم أخذ كل فرد من اتباعه شيئا منها، وحاول ـ بصدق ـ السير في طريقها، متخذا إياها نبراساً، وهداية في حياته الشخصية والأسرية، فقد ولد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أسرة زكية المعدن نبيلة النسب جمعت خلاصة ما في العرب من فضائل، وترفعت عما يشينهم من أوضار حتى قال الرسول عن نفسه:(إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار من خيار) ، ولما سئل ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أي الناس أكرم؟ قال: ...... فعن معادن العرب تسألونني! قالوا: نعم قال: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا). ويكفيه فخراً وعظمة أن الله ـ سبحانه ـ هو الذي تولى تربيته وتأديبه فقال:(أدبني ربي فأحسن تأديبي)، ثم زكاه الله قلبا وقالبا حواسّ وإحساسا فقال مزكيا سلوكه واعتقاده وفكره:(ما ضل صاحبكم وما غوى)، وزكى لسانه ومنطقه فقال:(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، وزكىّ تعليمه وفهمه فقال:(علّمه شديد القوى) وزكّى فؤاده وذاته فقال:(ما كذب الفؤاد ما رأى)، وزكى بصره فقال: (ما زاغ البصر وما طغى) وزكّى إحساسه وحدبه وعطفه ورحمته وحرصه على أمته فقال:(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، وزكى سلوكه وفعله ووصفه بأنه قدوة القدوات ومحط الأنظار والعيون في الغدوات والروحات، في الخلوات والجلوات، فقال:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)، وزكى مصدر إرساله وطهارة لسانه فقال:(رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة)، وزكى ذاته في التوراة والانجيل، وأعلى قدره في الديانات الأخرى فقال:( ... الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) وزكّى سلوك من اتبعه وناصره وآزره فقال: (فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه اولئك هم المفلحون)، وعاد فزكاه كله بأخلاقه الكريمة فقال:(وإنك لعلى خلق عظيم)، والناظر في تلك الآية يقف من خلال كلماتها على قدر خلق النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فالله يبدؤها بالقسم، وبالتوكيد بحرف التوكيد إن، ثم بلام التوكيد (اللام المزحلقة)، واستعمال الجملة الاسمية، اربعة مؤكدات: القسم، والتوكيد بإن، والتوكيد باللام، واستعمال الجملة الاسمية التي تفيد الثبات والاستمرار، فالخلق العظيم له ثابت مستمر معه، متشرف به، ثم استعمال لفظ (على) الذي يفيد الاستعلاء، فالرسول فوق الخلق، والخلق دونه، فالرسول يعلو على كل خلق، ويفوق كل صفة حميدة وسلوك نبيل، وتنكير (خلق) يفيد الشمول والعموم، فخلق الرسول فوق كل خلق يمكن أن يتوق إليه الانسان (يا من لها الاخلاق ما تهوى العلا وما يتعشق الكرماء!)، ووصف الخلق بأنه (عظيم)، وهي على ما تحمله من عظمة وجلال صفة مشبهة تفيد الثبات والدوام، فالخلق شامل، والعظمة فيه شاملة كاملة جامعة مانعة تامة غاية ما يكون التمام، وإذا علمت أن هذا الوصف وصف رب وقسم إله أيقنت بكمال خلق الرسول وجلال صفاته، فالمزكي هو الله الذي خلق، والمقسم هو الرب الذي برأ، فكم بربك يكون جانب العظمة في أخلاقه الشريفة؟ فهو في الأخلاق سماء ما طاولتها سماء، هو فوق دونه الفوق، ليس فوقه إلا من خلقه، إنه في الخلق الأسوة الحسنة التي تقود الإنسانية كلها ولا تقاد ومن ثم حفظها المسلمون بعيونهم وقلوبهم وأحاسيسهم ومشاعرهم، فقد ملكت عليهم كل حياتهم وحركاتهم وسكناتهم فهم يعيشون بها ولها ومعها. قال عن الصدق: (إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا...) وقال عن الإتقان والإخلاص:(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)، وقال عن الرفق:(يا عائشة إن الرفق اذا ما دخل شيئا زانه، ولا انتزع منه إلا شانه)، وقال عن الرحمة: (الراحمون يرحمهم الرحمن) (ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء)، وقال عن الرحمة بالأم وتوسيدها منزلتها عندما سأله احد الصحابة: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم أي؟ قال: أمك قال: ثم أي؟ قال أمك: قال: أبوك؟ وهو الذي رحم بكاء الطفل ووجد أمّه عليه وقدر حنانها، وحدبها عليه حيث قال: (إني لأقوم الى الصلاة وأريد أن اطول فيها فأسمع بكاء الصبي، فأتجاوز في صلاتي (يعني أقصرها ولا أطيل) كراهية أن اشق على أمه ). وهو الذي أعاد مجاهدا خرج إلى الجهاد وأبواه يبكيان عليه إلى والديه، حيث جاء الرجل صادقا يقول:(يا رسول الله، جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان. فيجيبه الرسول: ارجع اليهما فأضحكهما كما ابكيتهما، ورجل آخر يسأله: يا رسول الله، إني اشتهي الجهاد ولا أقدر عليه؟ فيسأله الرسول: هل بقي من والديك أحد؟ فيقول الرجل: نعم، فيردُّ الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (قابل الله في برّهما .. فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد)، وفي خلق العفو والصفح يأتيه أعرابي جلف، يقول: أعطني يا محمد من مال الله، فليس المال مالك ولا مال أبيك، فيقوم عمر بن الخطاب ليضرب عنق الرجل الذي لا يعرف قدر الرسول، فيمنعه الرسول ويأخذ الأعرابي ويعطيه عطاء كبيراً فيبتسم الأعرابي ويقول: جزاك الله من أهل وعشيرة، لقد أحسنت وأجزلت، واطلق سيقانه للريح وذهب إلى قومه يقول: (أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة أبدا) ورجل آخر يدخل المسجد فلا يجد بقعة في الأرض كلها يبول فيها غير المسجد النبوي، فقام الناس ليقعوا فيه. فيقول لهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ:(دعوا الرجل لا تزرموا عليه بوله، ثم أفيضوا عليه سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء) هذا يعلمهم أن يعفوا ويصفحوا ويحلموا وخصوصا مع من لم يدرجوا في الحياة العامة، ويختلطوا بها ويتعاملوا مع أهلها كالاعراب ونحوهم.
وفي الوفاء وحسن العهد يقول:(إن حسن العهد من الايمان)، ويتذكر حبّه خديجة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ ويرسل الصدقات واللحوم إلى صدائق خديجة، فتغار أمّنا عائشة ـ رضي الله عنها ـ فيهدأ من نفسها، ويقول: (يا عائشة، إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد، إن حسن العهد من الإيمان) ثم يسكب دموعه الغاليات، وعندما يسمع صوت أختها هالة بنت خويلد يتذكر صوت خديجة ويهش لها ويقول:( اللهم ، هالة بنت خويلد!) ، ويتذكر الأيام الطيبة لأختها خديجة، أعلى الله قدرها ووسّدها نزلها في الجنان والفراديس.
في الرحمة بالاطفال كان يداعبهم ويكنيهم ويخاطبهم على قدر عقولهم، فهذا عمير الطفل البريء والذي ربط عصفورا بخيط ليلعب به ، فمر عليه الرسول في يوم تال يداعبه بقوله: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ يسأل عن حال عصفوره، ويأتي بالسجع الذي يناسب أحاسيس الطفل ويلائم جوه وزمنه، اما الحسن والحسين فقد جاءه احدهما وهو يخطب على المنبر، وهو يمشي الهوينى يتعثر في الصفوف يبكي جده رسول الله فنزل الرسول وهو يخطب وحمل الطفل وصعد إلى المنبر وهو يحمله يقول: لقد خشيت على ابني (يقصد حفيده) وعاجلته لبكائه، صدق الله حيث يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة).
فجانب العظمة في أخلاقه الشريفة ضرب فؤاد الوضوح، وغطّى قمم الجبال وعمّ السفوح، وصار الناس بجلالها تغدو وتروح.
أما عن جوانب العظمة الاجتماعية فحدّث عنها ولا حرج ، اذ تشهد احاديثه العظام عن بناء مجتمع مثالي عزّ على البشرية أن تأتي بمثاله أو تحوم حول خياله، وعد أي عمل يوطد أركان المجتمع هو طاعة لله، وعبادة حقيقية لله ـ عز في علاه ـ ، فأول شيء اهتم به بعد الهجرة المؤاخاة بين المهاجرين والانصار ووضع القوانين والضوابط لعلاقة المسلم بالناس والمجتمع وعلاقة المسلم مع غير المسلم المعروف باسم العهد النبوي لأهل الذمة، الذي جاء فيه (ومن آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة، وسنّ ضوابط الجوار وحدود الجيرة، وأقسم قائلا:(والله لا يؤمن) قالها ثلاثا، ففزع الصحابة، وقالوا: من هذا يا رسول الله لقد خاب وخسر؟! قال:(من لا يأمن جاره بوائقه)، فعاد الناس إخوانا متحابين، على أتقى قلب رجل واحد، بل كان الرجل منهم يشتري في بيته ما يتوقع جاره أن يطلبه منه، حتى أمسى الرجل يمرض ويصفّر وجهه اذا لم ير اخاه، حبا وأخوة، وهو الذي جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أحب فلانا، فقال الرسول: هل أعلمته؟ قال: لا، قال: فاذهب فأعلمه أنك تحبه في الله. إن الرسول حريص على تمتين أواصر الاخوة، وترسيخ المحبة في القلوب حتى ينشأ المجتمع الاسلامي قوى الاركان متين البنيان، ومن ثم تقرأ وتعجب لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(التمس لأخيك سبعين عذرا فإن لم تجد فاتهم نفسك)، وعد من قبيل عدم الكذب أن المرأة الزوجة اذا سألت زوجها عن حبه إياها، فأجابها بأنه يحبها ويجلها ويحترمها، وانها عنده أسنى من البدر وأبهى من القمر، وأطهر من المطر (وهو لا يكنّ لها ذلك كله) فلا يعد ذلك كذبا، لأنه يقوي رباط الأسرة ويدفع باتجاه استمرارها قوية، وكذلك اذا سألها زوجها عن شعورها ناحيته.
وهو الذي ارشدنا إلى قضاء حوائج الناس وحّبب الينا خدمتهم وتقديم النفع لهم فقال: (من مشى لأخيه في حاجة قضيت أم لم تقض كان خيراً له من اعتكاف شهر في مسجدي هذا) ، وهو القائل ـ عليه الصلاة والسلام ـ:(خيركم من تعلم القرآن وعلّمه) اي علّمه غيره من المسلمين، وهو القائل:( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ..) وهو القائل:( ... أن تسعى في قضاء حاجة اخيك بكلتا ساقيك)، وهو الذي عرّفنا معنى الرباط الأخوي الاجتماعي حيث قال: (من دعا لأخيه بظهر الغيب وكّل الله اليه ملك يدعو له بمثل ما قال)، وهو القائل:(من كان في حاجة اخيه كان الله في حاجته، ومن فرجّ عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه، وحمل الناس حملا على نفع غيرهم والارتقاء بمجتمعاتهم وابتنائها على جلال الاخوة وكمال الود يقول:(ان لله عبادا اختصهم بقضاء حوائج الخلق، حببّهم في الخير، وحبّبب الخير اليهم اولئك الآمنون من عذاب الله يوم القيامة)، حتى إن السيدة خديجة لمحت ذلك فيه، وأوضحتها له عندما دخل عليها مرتجفا يقول: زملوني زملوني دثروني دثروني. قالت: (والله لا يخزيك الله أبدا، انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتغيث الملهوف وتعين على نوائب الدهر) فذكرت كل ما من شأنه تقوية روابط المجتمع المصغّر (الأسري) والمكبّر، وابرزت اسهاماته في كل ما يحدث حوله من صلة رحم وودّ قرابة، وإعانة الضعيف الفقير وإغاثة اللهفان وإجابة الصريخ وتقديم يد العون لكل محتاج، افلا يدل ذلك كله على جانب العظمة من وجهة النظر الاجتماعية، سواء في دائرتها المصغرة، او في بعدها الاجتماعي الواسع او الكوني الكبير؟!
إن استجلاء جوانب عظمته الاجتماعية يتسع ليشمل حياة انسان اراد ان يكتب عنه او يحاول استيفاء او يجول حول حماه الشريف.
* اما جوانب عظمته الانسانية، فحياته كلها دليل عليها، وبرهان لها، ويكفي ان تطالع كتابا بعنوان:(إنسانيات محمد) لخالد محمد خالد (إصدار دار المعارف المصرية) او البعد الانساني في الرسالة الاسلامية لعدنان سعد الدين (إصدار دار عمان الاردنية، او كتاب (من هو محمد صلى الله عليه وسلم) لعالمنا فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله (إصدار أخبار اليوم المصرية) او غيرها من عشرات الاصدارات التي توقفت امام الرسول الانسان، الذي يفيض قلبه عطاء ويذوب انسانية، ويتدفق كمالا وحدبا على هذه البشرية وحبا في ان ترتقي في معراج السماء لتدرج في سلم الكمال، إن رسالته إنسانية (وارسلناك للناس رسولا) (قل يا أيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا)، فبقدر عالمية رسالته بقدر إنسانية قلبه، وشمول فؤاده العالمين، لقد بلغ حرصه على الناس كل الناس ان كاد يقتل نفسه حتى حكى القرآن هذه الصفة الكريمة قال: (لعلك باخع نفسك الا يكونوا مؤمنين ..) (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)، إنه كادت نفسه تتقطع ألما وحسرة على بعد الناس عن ربهم حتى اخبر عنه فقال:(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، هل تجد إنسانية أسمى من ذلك، من نفس تذوب وتذهب حرصا على الناس، وإشفاقا عليهم، وحبا في هدايتهم، وسعيا وراء قربهم من مولاهم والارتقاء بسلوكياتهم. وكانت جنازة قد مرّت أمامه، فقام لها، فأخبره الصحابة أنها ليهودي. فقال: أليست نفسا منفوسة؟! (أي اليست آدميا مكرّما عند الله، حتى ولو كان يهوديا أو غير مسلم فهو محترم حيا وميتا) ثم يحمل إلى مولاه، فينظر في عمله امحسن ام مسيء، ولما قتل خالد بن الوليد امرأة في المعركة خرجت مع قومها حزن الرسول حزنا شديدا وقال: (ما كانت هذه لتقاتل)، أي لابد من احترام آدميتها وأنوثتها، وان نرحم ضعفها، وهو الذي وضع ضوابط الحرب، وأنه لا يجهز على جريح، ولا يقتل رسول قوم (اي سفيرهم)،ولا تقطع شجرة او تخلع نخلة ولا يقتل رجل في ديره او صومعته يكون عابداً لله ولو خالفنا في الدين، ولا يقتل صبي ولا امرأة، اروني إنسانيات تصل إلى حد رحمة الأعداء او المخالفين في الدين مثل إنسانيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. إن رجلا نصرانيا جاءه يقول: يا رسول الله، ابني يحتضر وهو في لحظات الموت الأخيرة فاحضر وفاته، فقام على الفور وأتى الصبي، فقال له: اشهد أني رسول الله، فنظر الولد إلى أبيه كأنه يرجوه ان يسمح له، فقال والد الصبي المحتضر: اطع ابا القاسم، فشهد الولد لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله، فتهلّل وجه النبي حتى صار أجمل من البدر ليلة التمام وقال: الحمد على الذي انقذ بي نفسا من النار: نعم، الحمد لله. هو الذي اوصى بإقالة عثرة الناس وقبول أعذارهم والعفو عن مسيئهم اذ ندم قال: ـ فدته نفسي وأبي وأمي ـ:(من أقال نادما اقال الله نفسه يوم القيامة) وقال: من اتاه اخوه متنصّلاً (اي معتذرا متأسفا على فعله) فليقبل ذلك محقا كان او مبطلا، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض ..)، الله اكبر يا رسول الله، من من أهل الارض يبلغ معشار خلقك او يحوم حول عفافك وطهرك أما عن جوانب عظمته الربانية والروحية ، فماذا تجد من اللسان حيالها غير الخجل ، حيث يتزحر ويتلعثم عن انتقاء أكمل الجمل وابهى الالفاظ ليعبر عن شيء من هاتيك العظمة وذاك الجلال ان جانب التعبد لو تأملناه وجدنا قلبا نابضا بحب الله ، ولسانا رطبا بذكر مولاه ، على كل أحواله لا ينساه ، وفي كل احيانه يلهج بهواه وهداه ـ عز في علياه وتقدس في سماه .
فالرسول في صلاته وصيامه وحجه وذكره وتسبيحه وتكبيره ودعائه وقيامه واستغفاره دفاق الهوى ذراف العبرة ، بكاء الفؤاد ، سيال الدمع لربه ـ عابد ليله ونهاره ، صبحه ومساءه ، في خلوته وجلوته ، لايفتر ولا يمل بل ينشط ولا يكل ؛ ولذلك أمر بالاستمرار على ذلك إلى ان يأتيه الموت : (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ، ومن ثم كان أكثر الناس اقبالا على الله ، كان المسلم الاول في عبادته إذا تعبد ، في ذكره إذا ذكر ، في دعائه إذا دعا ، في سجوده إذا سجد .
يحن إلى الصلاة وينتظر وقتها بفارغ الصبر حتى إذا حان وقتها قال لداعي السماء بلال : (ارحنا بها يا بلال) وما أعظم الفارق بين من يقول : (ارحنا بها) ، ومن يقول : ارحنا منها .
هي بالنسبة له عبادة حب لا مجرد أمر ، كان يجد فيها غذاء قلبه وحياة روحه وانشراح نفسه وقرة عينه وصفاء صدره ، وكل شـأنه (وجعلت قرة عيني في الصلاة) .
كان يحرص على صلواته الخمس في مواقيتها في جماعتها بخشوعها وركوعها وسجودها ، في إسباغ وضوئها ، وتمام هيئاتها ، ثم له موعد بليل مع مولاه حيث تبتل اللحى ويكثير الدمع في محراب الحق ، حين يخلو كل حبيب بحبيبه ويناجي كل خليل خليله ينصب قدميه ويشد قامته ، ويظل ليله عابدا خاشعا باكيا خاضعا ، ما شغلته متاعبه عن مثوله بين يدي إلاله العظيم والرب الكريم ، يخفف القيام عليه أحماله ، ويريح فؤاده ، ويصله بالقوي المتين الرؤوف الرحيم ، اسمع المناجاة الروحية ومحبة الله العلي يقول حبيبنا محمد ـ اللهم صل على محمد وآل محمد ما بقيت في الكون روح : (اللهم لك الحمد ، انت نور السموات والارض ، ولك الحمد أنت قيام (وفي راوية قيوم) السموات والارض ، ولك الحمد أنت رب السموات والارض ومن فيهن ، أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق ، والنار حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت إلهي لا إله إلا أنت) حديث الروح ، يمتلئ تواضعا وانكسارا واعترافا ، ويفيض ذلا وجلالا واعترافا شمل كل شيء شريعة وعقيدة ، دنيا وآخرة ، حياة ومماتا ، تلك هي عظمة محمد في علاقته بمولاه ـ عز وجل ـ له تسع نسوة لهن مطالب وحاجات وتطلعات ، ويؤم المسلمين في المشارق والمغارب ولهم حاجات والام وآمال وتطلعات وثمة جبهات تقف له بالمرصاد تريد اقتلاع جذوره وهدم دعوته (جبهة وثنية وأخرى يهودية وثالثة نصرانية بيزنطية ، ورابعة مجوسية متربصة ، وناهيك عن الطابور الخامس من المنافقين الحقدة ، ومتاعب الحياة وهموم الدعوة ، كل ذلك لم يشغله في ليله ونهاره عن واجب العبادة ، يقف حتى تتورم منه القدم ، ويصوم حتى يجف من البدن ، ويسبح حتى يملأ الكون تسبيحه ، لا يمل ، لا يضجر ، لا يسأم ، كيف يسأم ، وهو يحيا بذلك ، وكيف يمل وهي روحه التي تسري في جنبيه ، وكيف بالله يضجر ، وهو يتذوق السعادة ألوانا وأطيافا وتحكي حِبه عائشة سلوكه مع ربه تقول : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ـ من طول القيام ـ فقالت له زوجته عائشة ـ مشفقة عليه ـ : لم تصنع هذا ، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال أفلا أكون عبدا شكورا) أي ان هذه المغفرة لا بد ان تقابل بالشكر والحمد ، وهي ما يجعلني ازداد في الاقبال على الله وفاء بحقه ، وقياما بحبه . عبادته عبادة الخشية ، وعبادة المحبة ، وعبادة الود والوفاء ، كانت تهز كيانه هزا حتى الادعية التي وردت عنه تملأ القلب بالخشوع وتنهال عن تأملها الدموع ، وما أحوجنا ان ننضر ألسنتنا ووجوهنا بها قراءة وحفظا ودعاء .
ان الحديث عن جوانب العظمة في علاقته بربه يطول ويحلو فيه الحديث ؛ لأن الرسول بلغ فيه قمة الطاعة وكمال الوصال وتمام الاتصال ، فحدث عن هذا الجوانب من جوانب عظمته ولا حرج .
أما عن جوانب العظمة في السلوك والتربية فهو الذي أرسى معنى التربية بكافة أشكالها وشمول أصنافها : التربية السلوكية ، التربية الفكرية ، التربية النفسية ، التربية الاجتماعية ، التربية العقدية ، وبشكل عام التربية الاسلامية على تباين مشاربها وتعدد جوانبها ، ونضرب أمثلة على هذه الطرائق من التربية ، فها هو ذا يقبل الحسن والحسين فيأتيه أحد الاعراب ، فيراه وهو يقبل حفيده ، فيقول : (أو تقبلون أطفالكم ، والله اني لدي عشرة أولاد ما قبلت واحدا منهم أبدا ، فيلتفت إليه الرسول ويقول : لا تنزع الرحمة إلا من شقي) وفي رواية : (وما أفعل لك وقد نزع الله الرحمة من قلبك) ، فيعلمه ان هذا سلوك غير حميد ، ويدفع الاولاد إلى العقوق ، ويقذف في قلوبهم الجفاء والغلظة ، وينزع من أفئدتهم الرحمة لذويهم .
وهذا الرجل الذي جاء يستأذن الرسول في الزنا ، فقال له بكل أبوة وحنو : يا أخا العرب ، أترضاه لأمك فيسارع الرجل منكرا : لا والله يا رسول الله ، فيقول الرسول : وكذا العرب لا يرضونه لأمهاتهم ، ثم يعاود مربيا له : أترضاه لأختك ؛ فيقول الرجل : لا والله يا رسول الله فيقول : وهكذا لا يحبونه لأخواتهم ، ثم يسأله : أترضاه لابنتك ؛ فيفزع الرجل وتهديه فطرته قائلا : لا والله يا رسول الله ، فيقول : وكذا العرب لا يقبلونه على بناتهم ، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له قائلا : (اللهم طهر قلبه وحصن فرجه) يقول الاعرابي : فو الله ما شيء أبغض إلى من الزنا ببركة دعاء رسول الله ، واني لأحس برد يديه يرطب قلبي .
تربية اجتماعية ونفسية وعقدية سامية انتشل من خلالها حظ الشيطان الذي تربع على قلب الرجل حتى جاء يطلب السماح في الزنا .
وهذا مثل آخر حقن فيه دماء ، وافرغ حفائظ ، واعاد الامور إلى نصابها ، في احدى الغزوات التي حقق المسلمون فيها نصرا مؤزرا ، اعطى الرسول المهاجرين ولم يعط الانصار شيئا ، والانصار هم الذين دفعوا مهجهم وسالت دماؤهم ذودا عن الاسلام ورسوله ، وباعوا انفسهم لله ، فكثرت قالة الانصار ، فبلغ ذلك رسول الله ، فصعد المنبر واثنى على الله ، ثم قال : (يا معشر الانصار ، ما قالة بلغتني وجدة وجدتموها في انفسكم من لعاعة (بقية) من الدنيا تألفت بها قلوب قوم ليسلموا ، ووكلتكم إلى ايمانكم ؟! ألا تقولون يا معشر الانصار . قالوا : ماذا نقول يا رسول الله لله المنة والفضل ، قال : بل قولوا يا معشر الانصار أتيتنا طريدا فآويناك ، عائلا فأغنياك ، فقيرا فواسيناك ، فقال القوم : يا رسول الله ، لله المنة والفضل ، قال الرسول : يا معشر الانصار ، أما ترضون ان يرجع الناس بالشاء والبعير ، وتعودوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟! فو الله لو لا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلك الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ، اللهم ارحم الانصار ، وأبناء الانصار ، وأبناء أبناء الانصار وسكت الرسول مستعبرا ، فأجهش الانصار بالبكاء وسمع منهم النحيب حتى اخضلت لحالهم وقالوا : رضينا برسول الله قسما وحظا . وانتهت الفتنة في مهدها ، انها التربية النبوية المطهرة التي تقتلع الضغائن من الافئدة وتطهر القلوب من الحقد والضيق وترسم معالم أمة متحضرة ، وشعوب متآلفة متمدنة ، تتألق نورا وعفافا ، وتناطح الجوزاء وحدة والتفافا ، فما رؤى الرسول في كل أقواله وافعاله وتقريراته ، حديثه وصمته إلا مربيا صادق القول كريم الفعال سامي الخصال يتصاغر أمام جلال تربيته الرجال في جميع الاعصار والامصار.
ان أحد الصحابة أحب ان يزيد ولدا من أولاده عطية ليست لبقية اخوانه ، وجاء يشهد عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : اشهد يا رسول الله اني نحلت ولدي هذا فرد الرسول المربي يقول : أكل ولدك نحلتهم هذا قال : لا ، قال : إذا لا تشهدني فاني لا أشهد على زور ، ورجع الرجل عن نحلته ولده بسبب تعليم رسول الله إياه ، وعاد الحق إلى أهله ، والرجل إلى صوابه ورشده .
وهذه المرأة التي كانت تنادي طفلها تقول : تعال ، اعطك وتمد يدها . فرآها الرسول فسألها : ما تعطيه ؟ قالت : ثمرة في يدي يا رسول الله . فقال : (أما إنك إذا لم تعطه عدت عليك كذبة) فسبحان الله ، كم يكذب كثير من الآباء والامهات على أطفالهم عندما يقولون : تعال أو تعالي وليس في أيديهم شيء ، انها تربية سامية ، وللارتقاء بسلوكيات الناس رامية ، وللصعود بأذواقهم وأرواحهم عالية وتأيته فاطمة (سيدة نساء أهل الجنة وحبيبة قلبه وحبة فؤاده) وقد أثرت الرحى في يدها الشريفة حيث عمل البيت وخدمة الخيل وحمل الجرار (بأبي هي وأمي) ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ جاءت تستأذنه في خادمة تساعدها ـ وهو مطلب مشروع ـ فيدلها معلما ومربيا : (يا فاطمة إذا أويت إلى فراشك فسبحي الله ثلاثا وثلاثين ، واحمديه ثلاثا وثلاثين ، وكبريه ثلاثا وثلاثين ، فذلك افضل لك من خادم) فيوجهها إلى حياة الطاعة ولذة العبادة التي تمحو كل ألم ، وتزيل كل تعب ، وتخفف كل بلية ونصب ، تربية سياسية وفكرية وثقافية ونفسية واجتماعية وعقدية سلوكية تنضح بها جنبات السيرة النبوية في كل صفحاتها البيض ، فتأخذ بأيدي الفرد والمجتمع والدولة والكون إلى اسمى الغايات وأكمل الاهداف وارقى المقاصد واسنى الطرائق والآمال .
أما جانب العظمة العقلية والفكرية والتنظيمية فقد كانت أخص ما يتمتع به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث ورد أن جميع ما كان يقوم به الرسول كان عن شورى واجالة نظر ، وتأمل فكر ، ما عهد عليه تسرع ولا جاء أمر اعتباطا ، وانما كان في كل أموره منظما دارسا للعواقب مستجمعا الاسباب ، ثم يعتمد على الله ـ جل جلاله ـ فمثلا في حادث الهجرة نجد العقلية الهادئة والنظرة الثابتة والتخطيط الحاذق واستغلال كل الطاقات واستثمار كل القدرات بشكل واع ، فالشباب من رجال والنساء مثلوا والعرب والموالي كان لهم دور ، والشيب كان لهم دور ، والحيوان والطير ، والجماد والنبات ، كل عرف مهمته ، واحسن فهم دوره ، ولو عدت لكتاب سيرة تستجلي ذلك طالعتك السيرة معلمة بوضوح عظمة تفكير الرسول وعمق فهمه وثاقب نظره ، وشمول رؤيته ، وكذا حادث بدر او غزوة بدر ، وارسال كتيبة الاستطلاع والمخابرات الحربية والممثلة في علي والزبير وسعد وعثورهما على سقاة قريش ، وسؤال الرسول عن عدد ما ينحرون كل يوم فعلم من ذلك كم عدد القوم ، وعرف اشراف قريش الذين اتوا في بدر ، ثم اشعال الحماس واستنهاض العزائم واستحثاث الخطا حتى اطمأن إلى كل من المهاجرين والانصار ، ثم استعمال ما يسمى بالبرمجة العصيبة ، وهي الطريقة التي تبرمج الانسان إلى عمل ما عندما يوضح له العاقبة المآل مثلا يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاصحابه عندما اقترب جمع المشركين : (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والارض) فتتقد الحواس وتشتعل القلوب وينطلق واحد كعمير من الحمام الذي ألقى ثمرات كانت في يده يقول :
ركضا إلى الله بغير زاد ..
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر الرشاد
فما زال يقاتل حتى قتل!
وكان قبل ذلك عندما سمع كلام الرسول قال : بخ بخ ، قال الرسول : ما حملك على قول بخ بخ ؟
قال : (لا والله يا رسول الله إلا رجاء ان اكون من أهلها) قال : فانك من أهلها .
وهكذا ، دفع الرجل ببركة القول النبوي إلى الشهادة في سبيل الله وبات يومه في جنة الله ـ جل في علاه .
تلك بعض من جوانب العظمة في شخصية نبينا العظيم ـ صلى لله عليه وسلم ـ ويبقى انها غيض من فيضه ، وقطر من بحر عظمته وسمو سيرته ، اردت ان ابين شيئا منها في مولده الشريف الذي نحيا دائما بذكراه ، صلى الله عليم وسلم ما سرى دم في عرق ، وما شدا شحرور على فرع وما سبح انسان ربه ، وما صمت آخر عن ذكره وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .
* د. جمال عبدالعزيز أحمد
* كلية العلوم ـ جامعة القاهرة ـ معهد العلوم الشرعية


أعلى

 

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept