كلمة ونصف
نحو تطوير العلاقات العامة
في ظل التنافس الذي تشهده الاسواق بين الشركات
والمؤسسات في العالم في ترسيخ صورة ايجابية عنها لدى العملاء يتزايد
الاهتمام بالعلاقات العامة كإحدى المهارات الرئيسية لتحقيق وظائف
الشركات ، للوصول إلى المجتمع وتدعيم الاتصال الداخلي للمساهمة في
تهيئة البناء والبيئة الملائمة للعمل في الشركات والجهات الحكومية
.
فاليوم كل الجهات والمؤسسات تتطلب علاقات عامة ، لتوضيح اهدافها
ودورها وخدماتها للجماهير وتدعيم الروابط مع المجتمع ، وإيجاد حلول
لكثير من الازمات التي تحصل بين الحين والآخر ، وغيرها من المهام
التي تحتاج إلى العلاقات العامة .
فالكثير من دول العالم تستعين بشركات العلاقات العامة الدولية لرسم
صورة ايجابية عنها في العالم ، وادارة علاقاتها ، واسداء النصائح
لها في كيفية التعامل ، ودول أخرى تستعين بشركات علاقات عامة للترويج
لعلامة تجارية ووضع الاستراتيجيات لبلورة صورة ذهنية جيدة لها .
فالعلاقات العامة مفهومها تطور ، لم تعد كما يفهم البعض تخليص معاملات
واستقبال إلى غير ذلك من أمور ، بل صارت مهمتها أكبر من ذلك وأهم
في بناء جسور بين المؤسسات وجمهورها ، إلا ان العلاقات العامة لا
يمكن ان تعمل بمعزل عن البيئة المناسبة ، وبعيدة عن صاحب القرار
في المؤسسات وموضعها ذو أهمية في مجال عملها ، وموقعها من متخذي
القرارات في الجهات والمؤسسات يعطيها دفعة قوية نحو ترجمة أهدافها
وبلورة مجالات عملها .
ان اوضاع العلاقات العامة في البلدان العربية مازال دون المستوى
المطلوب ، نتيجة لتدني الوعي بأهمية هذا الجانب ودوره في الارتقاء
بالعمل ، وتهيئة الظروف الملائمة نحو الانطلاقة والتعاطي مع الواقع
بشيء من الايجابية .
ان العمل على النهوض بالعلاقات العامة التي توصف بهندسة العلاقات
الانسانية ، يتطلب تغير المفاهيم ، ومنح الصلاحيات ووضوح الرؤية
لترجمة أهداف المؤسسات والشركات والجهات على نحو صحيح ، ومفيد للغاية
، نتطلع إلى العمل في مناخات مؤاتية تنهض بالعلاقات العامة على نحو
يخدم طموحاتنا وتطلعاتنا في ان نرى مؤسسات قريبة من المجتمع وفاعلة
فيه.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى
باختصار
الصومال وإثيوبيا وأميركا
لم يكن اغراء لاثيوبيا
دخولها في لعبة جهنمية في الصومال بعدما اختارها الاميركي لتكون
كبش الفداء البديل عنه. ففي الصومال عشيقة جغرافيتها تطور الحدث
ليصبح حرب تحرير بعدما كان مجرد تقاتل بين قوى داخلية. دخول اثيوبيا
اضاف الى اللعبة الداخلية حدثا خارجيا سرعان ما قيل ان القاعدة ملأت
هواء الصومال بانفاسها وانها تداعب الوضع الداخلي بتلك القوة المؤدلجة
بعد بعث التيارات المتقاربة معها مثل بقايا المحاكم الاسلامية وغيره.
كان يصعب التصديق بان الصوماليين صمتوا امام الامر الواقع. هم تراجعوا
امام الغزو الاثيوبي لاسباب لوجستية لكنه كان معروفا كيف تنام القواعد
السرية امام العاصفة حسبما تدرس ذلك في كليات الميدان، وكيف عليها
ان تختار التوقيت كي لا يتم حصدها بالكامل اذا لم تتقن لعبة الاختفاء
والاختباء.
ولكن الصومال التي غرقت الولايات المتحدة في اوحالها في السابق تعنى
اليوم بصراع مكشوف مع جارتها اثيوبيا التي يؤكد وزير خارجيتها ان
ثلثي قوات بلاده خرجت من تلك البلاد المشتعلة.. لكن ماذا نفعل بالثلث
الباقي (؟). اما ان يخرج على عجل سالما معافى واما ان تضطر اثيوبيا
من اجل حمايته زيادة عدده فتكون قد وقعت بما هو ادهى. ومنذ بداية
دخولها الى المدن الصومالية بات معروفا ان اثيوبيا مدفوعة دفعا دون
ادنى خيار من قبلها وهو ما قد يأخذها في وقت قريب الى متغيرات اما
انقلابية في الداخل كما هي عادتها واما سياسية في تغيير الوجوه التي
تتحمل تبعات ما فعلت.
الصومال متروكة اذن على نار التقاتل كيفما وقع، حظها العاثر هو موقعها
الجغرافي الأخاذ اضافة الى الخامات التي تتربع فوقها، تماما مثل
دارفور الذي تتنبه الولايات المتحدة الى اهميته النفطية وتعقد الآمال
على تعقيد مسيرته بشتى الطرق كي تتوصل في النهاية الى خيارها بوضع
يدها عليه مباشرة.
اميركا تبحث اليوم عن خامات الارض وعن سياسات تبث فيها مصالحها بالطول
والعرض. قد لا ترضى بخروج القوات الاثيوبية، ربما تعمد الى تغيير
سياسي في ذلك البلد تكون فيه اثيوبيا لعبة تغيير سياسي من اجل ابقاء
قواتها. لا يهتم الاميركي عادة بمن يستلم السلطة اذا كانت لديه البدائل
في داخل البلاد التي يحركها عن بعد. ثمة حرية في حركته تتيح له اختيار
الانسب في اللحظات المناسبة، ومن المفيد في هذه الحال ان اثيوبيا
التي علقت في صنارة الصومال سوف ينهشها التغيير، في حين تستمر الفصائل
الصومالية بالضغط العسكري الذي لا يتوقف على القوات الاثيوبية المتقهقرة.
ليس مهما للولايات المتحدة ان يغير الصومالي مهما كان انتماؤه على
الاثيوبيين طالما ان ابقاء الوضع الصومالي مفتوحا على المآسي هو
المطلوب. تلك السياسة كامنة منذ امد بعيد وهي ضمن خيارات لم تتخل
عنها لكنها لا تريد ان تتورط في مستنقعها وحالها في افغانستان والعراق
ماثل في يأسها منه.
ستظل تلك المواقع مسرحا لهذا النوع من المعارك التي يتداخل فيها
الداخل بالخارج، كما يتداخل فيها الداخل بالداخل. انها علامات عدم
اسقاط الحرب كي تبقى مفتوحة لاجل مناسب للولايات المتحدة ولمشاريعها
التي هي محطات على ما يبدو وان كان اساسها مازال حتى اليوم عبئا
عليها في اكثر من موقع.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
اصداف
مفهوم الاحتلال بعد قمة الرياض
بوصفه حال العراق، بانه احتلال لا يقبل اللبس، حسم العاهل السعودي
الملك عبدالله بن عبدالعزيز الكثير من الامور، ووضع المصطلح في مكانه
السليم، خاصة ان مسألة الاحتلال، في أي زمان ومكان، لا تحتاج الى
الكثير من العناء والاجتهاد، واضافة الى المكانة الكبيرة، التي يحتلها
العاهل السعودي، فان كلامه الهام، اطلقه في محفل كبير، هو مؤتمر
القمة العربي، الذي عقد في الرياض بدورته التاسعة عشرة، ولابد ان
نتوقف كثيرا عند هذا التحديد المنطقي، الذي جاء وصفه بـ(الاحتلال
الاميركي للعراق)، ولا شك ان ذلك يحسم الخلاف حول مسألة في غاية
الوضوح، فبعد الان، كيف يخرج من يتحدث عن الذي جرى للعراق، خارج
سياق الاحتلال.
كما ان المنطق والعقل والفقه السياسي يقول، ان الاقرار الرسمي في
مؤتمر القمة العربي بوجود احتلال اجنبي على ارض العراق، منذ اربع
سنوات، يوجب على الجميع التعامل مع القضية العراقية من زاويتين اساسيتين
هما:
الاولى: لابد من الاعتراف بالمقاومة العراقية، ممثلا شرعيا للعراق،
لانها حملت لواء الحرب ضد المحتل الذي استباح هذا البلد ومارس مختلف
انواع الاهانة والاذلال لأهله، وعمل على تفكيك بنيته الدينية والاجتماعية،
وعبث بمرتكزاته الثقافية والحضارية. وحاول اثارة الفتنة بين طوائفه
واعراقه، وسعى لتقسيم العراق، وللرد على كل ذلك انطلقت المقاومة
العراقية، لتوقف هذا المشروع الاحتلالي الهائل، وتمنع ادواته المحلية
من تنفيذ بنوده ومراحله، وتمكنت من الحاق الهزيمة به، وما قرار سحب
القوات الاميركية، الذي اتخذه الكونغرس واقره مجلس الشيوخ، الا التأكيد
على حجم الانتصار، الذي حققته المقاومة في العراق، على المشروع الاحتلالي
الاميركي، وانطلاقا من المبدأ الذي يؤكد مشروعية المقاومة اينما
وجد الاحتلال، فان مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في الرياض، اعطى
العناوين الكبيرة الاولى للاعتراف بالمقاومة العراقية، وما تبقى
من مسؤولية يقع على جامعة الدول العربية، التي يفترض ان تبلور هذا
الاعتراف بآلية تنقلها الى ارض الواقع.
الثانية: ان الاقرار بان الواقع العراقي هو احتلال اميركي من قبل
رئيس مؤتمر القمة العربية، يعني ضرورة التعامل من جميع المفردات
المرتبطة بمفاصل سياسية بالاحتلال من هذا المنطق، وبما ان المنطق،
يقول ان الاحتلالات عبر التاريخ، لم تفعل شيئا الا بما يعمل على
تعزيز وجودها وتنفيذ مشاريعها، فلا بد من اعادة تقييم للواقع العراقي
من هذه القناعة، ويتطلب ذلك موقفا حاسما من الدول العربية وجامعة
الدول العربية من افرازات الاحتلال، وفي مقدمة ذلك العملية السياسية
والدستور، والحكومة التي ولدت من رحم الاحتلال.
ان المرحلة اللاحقة لانعقاد القمة العربية، هي مرحلة اختبار حقيقي،
فاذا ارادت الدول العربية ان تكون تفاعلية بالاتجاه الايجابي، فعليها
ان تسحب أي شكل من اشكال الدعم لحكومة بغداد الحالية، وان تقف بكل
ثبات وقوة لانهاء مسرحية العملية السياسية، التي صنعها وصاغ فقراتها
الاحتلال، الذي يتهئ لاعلان هزيمته امام المقاومة العراقية.
وليد الزبيدي
* كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى
في
الموضوع
..باسم العرب جميعا
اختتمت قمة الرياض
العربية أعمالها بنقاط إيجابية عديدة، يتعين الترحيب بها والعمل
من أجل البناء عليها. فمن ناحية تبدو الرئاسة السعودية جادة في الاضطلاع
بمسؤولياتها، وعملت على تحقيق التضامن بين الدول العربية، استعدادا
لمعالجة القضايا المطروحة. وفي هذا السياق تحدث العاهل السعودي الملك
عبدالله بن عبدالعزيز، عن أن (اختلاف القادة العرب هو سبب خلافاتهم
وضعف أمتهم)، وضرب مثلا في هذه المصالحة بتحسين أجواء علاقات بلاده
مع سوريا. ونجح هذا الإنجاز في التهيئة لالتزام القمة ـ في بيانها
الختامي ـ بمبادرة السلام العربية، التي أقرتها قمة بيروت عام 2002،
بناء على ما تقدم به خادم الحرمين الشريفين، عندما كان وليا للعهد
في بلاده.
وعندما تطرق خادم الحرمين الشريفين إلى الموقف في العراق، أدان (الاحتلال)
الذي يعاني منه هذا البلد العربي، وترتب عليه ضعف الحكم فيه، مما
أثار النزعات الطائفية هناك، حتى تحولت إلى مواجهات مسلحة بين جماعات
تفتقر إلى الانضباط، ونجح بعض هذه الجماعات في اختراق مؤسسات الحكم
وأجهزة الأمن الجديدة، مما أصبح يهدد بحرب أهلية وانهيار الحكم وتفتيت
وحدة العراق. وألقى الملك عبدالله بن عبدالعزيز بمسؤولية ذلك على
الاحتلال الأميركي، فإذا بواشنطن تعبر عن عدم رضائها عن ذلك، وتطلب
(إيضاحات) من السعودية عن ذلك. والشيء الغريب في هذا السياق، أن
الحديث بهذه الطريقة عن الموقف جاء أيضا على لسان الرئيس العراقي
جلال الطالباني، لكن الولايات المتحدة الأميركية لم توجه إليه أية
ملاحظة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الرئيس الأميركي ضغوطا من الكونغرس، تربط
المصادقة على تمويل تواجد القوات الأميركية في العراق، بوضع جدول
زمني لسحب هذه القوات من هناك، بعد فشل خطة أمن بغداد الأخيرة، مع
إحساس دول عربية وأخرى مجاورة للعراق، بأن فشل الاستراتيجية الأميركية
هناك، تفتح المجال أمام احتمالات تفجير الموقف هناك، وامتداد آثاره
الكارثية إلى المنطقة كلها. والغريب في الأمر، هو أن الرئيس الأميركي
الذي لا يستطيع فرض موقفه على الكونغرس، ويتجاهل تصريح الرئيس العراقي
الذي تخضع بلاده للاحتلال، ربما لأن الوضع الدستوري لمنصبه (شرفي
احتفالي)، ومعظم السلطات الأساسية من اختصاص رئيس الوزراء، لكنه
يحاول احتواء الموقف العربي الذي عبرت عنه رئاسة القمة، ليس فقط
لأن ذلك يؤثر على بقايا التحالف الذي نفذ غزو العراق، ومازال يفرض
الاحتلال على أرضه، وإنما لأن هذا التقييم الحاسم جاء على لسان العاهل
السعودي نفسه، ويمكن أن يترك أثره على موقف الكونغرس أيضا، وإضعاف
موقف الرئيس في مواجهته.
وفي التقييم النهائي لهذه النقطة من أعمال القمة العربية، يبدو الحال
وكأنه بادرة لشرخ في العلاقة الأميركية ـ السعودية، لأن واشنطن لم
تكن تتوقع ذلك من أقرب حلفائها العرب، لكن ما جرى يوضح جدية السعودية
في الاضطلاع بمسؤولياتها في رئاسة القمة. إضافة إلى الخروج بقرار
آخر يتمسك بمبادرة السلام العربية، باعتبارها الأساس الوحيد المقبول
لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولم يرض ذلك الولايات المتحدة الأميركية
أيضا، لأنها لا تريد المبادرة العربية أساسا للسلام، وإنما أساسا
(للتفاوض) حتى يمكن الالتفاف حولها، سواء كان ذلك بالتلاعب، تقديما
وتأخيرا، في بنودها، أو بتجاهل بعضها وفرض تعديله بما يتفق مع أطماعها
في الأرض الفلسطينية، بما يمكنها من تحقيق تطبيع العلاقات مع الدول
العربية، مع تأخير التطرق إلى القضايا الأساسية، التي تمثل جوهر
الصراع الإقليمي المتمثل في مشكلة الشعب الفلسطيني.
وإذا كانت الإدارة الأميركية أعربت عن عدم رضائها بسبب الموقف السعودي
الجديد، ترى دوائر عربية ودولية عديدة أن المملكة العربية السعودية
نجحت في اختبار المصداقية، الذي فشلت فيه إدارة الرئيس بوش، فلا
يمكن لرئيس القمة العربية أن يقبل الحصار الظالم الذي يعاني منه
الشعب الفلسطيني، فهو أمر غير مقبول للعرب جميعا، فضلا عن أن رئيس
القمة بذل جهودا كبيرة وناجحة ـ مع غيره من القادة العرب ـ لتهيئة
الأجواء لوفاق فلسطيني، على طريق التوفيق مع الموقف الدولي. ويتعين
الآن على الموقف الدولى الإقرار بهذا الإنجاز العربي، والتحرك لفك
الحصار عن الشعب الفلسطيني، لكن الإدارة الأميركية ـ تماشيا مع الموقف
الإسرائيلي وتسليما به ـ ترفض ذلك حتى الآن، وتمارس ضغوطا على الدول
الأخرى للسير في ركابها. ومن ثم خسرت واشنطن معركة المصداقية في
الوطن العربي، وتسبب ذلك في حرج كبير لأصدقائها ـ وعلى رأسهم المملكة
العربية السعودية ـ فاضطروا للتعبير عن استيائهم من ذلك بطرق مختلفة،
حتى حان الوقت للتعبير عنه من فوق منصة رئاسة القمة العربية.
وينطبق الشيء نفسه على الموقف السعودي مما يجري في العراق أيضا،
فقد ذهب الاحتلال الأميركي في سياسة (اجتثاث البعث)، إلى الحد الذي
هدم قواعد الدولة العراقية، فانهارت كافة مؤسسات السلطة هناك، ولم
يتبق إلا الكيانات الطائفية الضيقة الأفق، التي هيمنت على بنية المؤسسات
الجديدة، كما أطلت بوجهها البغيض في صورة أعمال العنف المتبادل بين
جماعات مسلحة، كان أساس تشكيلها هو مقاومة الاحتلال. وكذلك تعقدت
مهمة إعادة بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية، على النحو الذي
روجت له الولايات المتحدة الأميركية، وأثبتت الأيام أنها فشلت فيه،
ومن ثم طرح البعض تساؤلات عما إذا كانت هناك نية صادقة لدى واضعي
السياسة في واشنطن، لتطبيق ذلك الشعار، أم أنهم استخدموا العراق
(حقل تجارب) لما أسموه (فوضى بناءة)، فإذا بها تتحول إلى فوضى تخريبية.
لا يستطيع أحد أن يتهم السعودية بالصمت تجاه ما جرى على يد الأميركيين
في فلسطين أو العراق، ولا بشأن الحصار والضغوط التي يعاني منها السودان،
بسبب الأحداث الكارثية في دارفور، ولا بسبب التدخل الذي يعوق المصالحة
في الصومال، ولا بسبب التدخل الآخر في لبنان ومحاصرة سوريا، ولا
بشأن إثارة القلاقل في دول الجوار العربي، التي يؤثر ما يجري فيها
على العرب أنفسهم. فقد عبرت السعودية عن رفضها ذلك كله في السابق،
والشيء الوحيد المختلف الآن، هو أنها تعبر عنه الآن باسم العرب جميعا،
في إطار العمل لتوحيد المواقف وتحقيق التضامن العربي، وهذا ما يزعج
الإدارة الأميركية، التي لم تستمع إلى ما قاله خادم الحرمين الشريفين
في لقاءاته مع رئيسها، لأنه في الوقت الحاضر يعزز موقف الكونغرس
الذي يتحداه.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى
نافذة من موسكو
هل حان موعد الضربة؟
منذ يومين ذكرت مصادر إعلامية روسية استنادا
إلى الاستخبارات الروسية أن الولايات المتحدة الأميركية قد أكملت
استعداداتها تقريبا لشن عملية عسكرية محتملة ضد إيران. وتقول هذه
المصادر إن واشنطن حددت قائمة بالأهداف المهمة في إيران، وقامت بإجراء
تدريبات على خطة ضربها في المناورات الأخيرة. بجانب ذلك تشير معلومات
الاستخبارات العسكرية الروسية إلى أن القوات الأميركية المرابطة
في الخليج أكملت بالفعل استعداداتها لتوجيه ضربات صاروخية لإيران.
والأكثر من ذلك تتكهن المصادر الروسية أن تكون الضربات الصاروخية
الأميركية لإيران في النصف الأول من شهر أبريل الجاري. وما يعزز
هذه التكهنات، بغض النظر عن الموعد الدقيق للعملية الحربية ضد طهران،
أن المعلومات الآتية من واشنطن تؤكد أن التواجد العسكري الأميركي
في منطقة الخليج حاليا وصل إلى نفس المستوى الذي كان عليه في شهر
مارس 2003 عندما اجتاحت القوات الأميركية العراق. وكان موقع Debka
على شبكة الإنترنت، وهو موقع مقرب من المخابرات الإسرائيلية، قد
أشار في الثلاثين من مارس إلى أن العملية العسكرية الأميركية ضد
إيران ستبدأ في السادس من أبريل وستستمر لمدة 12 ساعة يتم خلالها
إطلاق مئات الصواريخ والقنابل على الأراضي الإيرانية بهدف تدمير
منشآت نووية يشتبه بأن لها صلة بسعي الإيرانيين إلى صنع السلاح النووي.
ويعتبر البعض في روسيا أن احتجاز البحارة البريطانيين يمكن أن يمثل
ذريعة لشن هذه العملية العسكرية. ويرى نائب رئيس أكاديمية العلوم
الجيوبوليتيكية بموسكو، الجنرال المتقاعد ليونيد ايفاشوف أن الولايات
المتحدة مستعدة لشن عملية عسكرية على إيران في حال وقوع أي استفزاز.
وذكر ايفاشوف في مؤتمر صحفي أمس أن الوضع الحالي المتعلق باحتجاز
البحارة البريطانيين في إيران قد يصبح الفتيل الذي يشعل نار الحرب.
وأشار ايفاشوف إلى أن الكونغرس الأميركي أطلق يد جورج بوش لشن حرب
على إيران في الوقت الذي تلقت فيه القوات الأميركية تعليمات بشأن
الاستعداد للحرب. ويعتقد الخبير العسكري الروسي أن النفط هو سبب
الحرب المحتملة، وخاصة أن تقديرات الخبراء تشير إلى أن احتياطات
النفط المتبقية في الولايات المتحدة وكندا لا تكفي لأكثر من 10 سنوات.
وأكد ايفاشوف أن خيار الحرب يصب في مصلحة الولايات المتحدة لأنها
تعطي محفزا لتطوير الاقتصاد الأميركي. ويمكن للمتابع للأحداث في
روسيا أن يشعر بأن المسئولين الروس باتوا يعتقدون بأن الهجوم الأميركي
على إيران يتمتع بدرجة عالية من الاحتمالية. وكان مصدر رفيع المستوى
في الخارجية الروسية قد عبر عن ذلك مؤخرا. ويرى بعض الخبراء العسكريين
الروس أنه لتعطيل البرنامج النووي الإيراني ينبغي على الولايات المتحدة
توجيه صواريخها إلى عشرين موقعا من المواقع النووية الرئيسية في
إيران. ويعتقد هؤلاء الخبراء أن بوش يحتاج إلى انتصار سريع على إيران
ليعزز مواقع الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2008.
وهناك إجماع أو شبه إجماع على أن الهجوم الأميركي سيقتصر على ضربات
صاروخية وجوية ولن يتطور إلى هجوم بري. وإذا صدقت كل هذه المعلومات
فعلينا أن ننتظر فجر السادس من أبريل الذي حدده البعض كموعد للهجوم
الأميركي.
د.هاني شادي
أعلى
كل
يوم
أعيدوا قراءة البيان الختامي .. جيدا !
بانتهاء قمة الرياض توقفت رهانات المتفائلين
والمتشائمين ، وظهرت حسابات البيدر ، بعد حسابات الحقل ، ولم يكن
البون شاسعا بينها .
والآن يطرح الكثيرون السؤال التقليدي :
وماذا بعد القمة ؟
حسب رأي المتشائمين يبدو السيناريو متشحا بالهموم والسواد والاحباطات
!!! بينما يرفع المتفائلون الرايات الخضراء ، ويفرشون السجاد الاحمر
، وتبدو الاحلام الوردية على أبواب التحقق ، ولم يبق أمامنا إلا
ان نصفق طربا ، ويتقدم الشعراء المداحون من المنصة ، وينتهي المشهد
بصرخة الخليفة المعروفة : يا غلام ! املأ فاه درا أو ذهبا !!! لكن
أسعار الذهب مرتفعة جدا هذه الأيام ! لكن .. لا هؤلاء ، ولا أولئك
، هم أهل الحقيقة !
فالقمة التي انتهت اجتماعاتها الرسمية ستكون مستمرة بشكل آخر عبر
المشاورات والاتصالات واللجان الفرعية لتنفيذ القرارات أو لمتابعة
التنفيذ او للترويج للمبادرة والقرارات الاخرى التي اتخذتها القمة
.
وسيقال ان المبادرة أجهضت منذ البداية الاولى بتجاهل اسرائيل وأميركا
لها في قمة بيروت !! وسيقال ان اولمرت (فقأ الدمل) .. وأعفانا من
الركض في أورقة الامم المتحدة ووزارات الخارجية الاميركية والاوروبية
والآسيوية وغيرها ، بعد ان أكد ان المبادرة التي يصر على تسميتها
بـ(السعودية) هي مجرد كلام إذا لم يسبقها التطبيع الكامل ! وانظرو
كيف يتعامل اولمرت وحكومته المحتلة مع يد العرب الممدودة إليهم بالسلام
والتي تحمل شجرة الزيتون كلها لا أحد اغصانها !!
صبعا هناك كلام كثير على ان اسرائيل سوف تقبل المبادرة ، وان الغزل
بشأنها قد بدأ وان التصريحات الاسرائيلية سوف تبدأ بالتغير والتحول
، ونحن لا نجد مسوغات منطقية لما يذهب إليه هؤلاء المحللون ، سامحهم
الله !
وإذا كان الاوروبيون قد وجدوا ان المبادرة العربية مشجعة وكذلك هو
رأي الصينيين والروس ، فإن الاميركيين راوحوا مكانهم وتحدثوا عن
أنها بحاجة إلى دراسة مع انهم يعرفونها ويحفظون بنودها عن ظهر قلب
، وليسوا بحاجة إلى ذلك .
وبانتظار الدراسة ، وبانتظار تحول الموقف الاسرائيلي سوف يمر وقت
طويل !! غير ان العين الاميركية سوف تظل على الدور العربي في مواجهة
الارهاب ودفع مخاطر الملف الايراني ، وهذا يعني ان المسألة العراقية
هي التي تأخذ مكان الصدارة في الاجندة الاميركية ، ولكنها معطوفة
على المصالح الاميركية والاسرائيلية ، ولا تتصل بأي نسب إلى الاهداف
والمصالح العربية الغائبة والمغيبة تماما عن الساحة .
وأما لبنان ، فوفاق أهله أولا ، وبعد ذلك يأتي الدور العربي الذي
اصطدم بخلافات المرجعيات اللبنانية ، والذي لم يجد الامين العام
للامم المتحدة أمامه إلا ان يتجاوزه لتعود المسألة إلى (التدويل)
من جديد . وهو ما يعني ان الحل سيكون مؤجلا أيضا ، وهذا يرشح الازمة
للامتداد والتفاقم .
ونسأل : أين نجحت القمة وأين أخفقت ؟!
ونعيد النظر في البيان الختامي المطول ، فلا يسعفنا ، لكننا نرتاح
إلى بعض الجمل المفيدة المبثوثة في ثناياه عن استعادة القرار العربي
، وراية العروبة ، ورسالة الامة ، ووحدة موقفها وصفها .. وتعزيز
التضامن ولا أقول ترميمه ، والعلاقات العربية التي جرت استعادتها
جزئيا ، وعلينا ان ننتظر أو ان نعيد قراءة البيان جيدا !! فهناك
من يحب قراءة (الممحو) من بين السطور !
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
الولايات المتحدة والصين.. وهاجس فقدان الصدارة!
في مقالة له نشرت في صحيفة (يو اس تودي) الأميركية،
طرح أنطوان فان آغتميل، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي الأول
لشركة (ايرجينغ ماركتس مانجمنت) سؤالاً لعله اليوم، وفي المستقبل
القريب، السؤال الأهم أو الأكثر إلحاحاً بالنسبة للنخب السياسية
والاقتصادية والعسكرية، وحتى الثقافية، الأميركية، بل يمكن القول،
أنه، وفي هذه الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة، سوف يعتبر سؤالاً
مصيرياً، لا سيما بالنسبة للمحافظين الجدد تحديداً، بالإضافة إلى
من يجاورهم من اتجاهات يمينية في الخارطة النخبوية الأميركية. نعني
هؤلاء الملتاثين بالنزوع الإمبراطوري المستشري في زمن تفرّد الولايات
المتحدة بأحادية القطبية، الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، وفي ظل
تضخم إحساسها الذي نجم عن هذه النهاية بقدرتها على الإطباق على عنق
العالم متى شاءت وسهولة تصرفها بمصائره.. السؤال الذي طرحه آغتميل
نيابة عن هؤلاء جميعاً هو:
(كيف يمكن للولايات المتحدة أن تبقى على صدارة العالم)؟
لم يطرح الرجل هذا السؤال من فراغ، وليس آغتميل أو من هم مثله من
الاقتصاديين هم أول من طرحه، بل سبقهم إلى طرحه سواهم في شتى الحقول
الأخرى وفي مقدمتها بالطبع المستويات السياسية والعسكرية أيضاً،
كما أن الإجابة عنه قد غدت هاجساً، بل هي في حكم الضرورة بالنسبة
للقوة العظمى الوحيدة المهيمنة على قرار العالم، خصوصاً في الأونة
الأخيرة، حيث المكانة والهيبة والمصداقية وبالتالي السطوة الأميركية
تتراجع، أمام أنظار واشنطن وأبصار أصدقائها قبل أعدائها في العالم،
بعد أن غدت مشاريع هيمنتها الكونية وسياساتها الاستباقية تتعثر في
أصقاع عدة من الكرة الأرضية، أولها في حديقتها الخلفية التقليدية
أميركا اللاتينية، وثانيها في آخر بؤر حروبها الكونية الملتهبة في
العراق وأفغانستان.. ثم أن تململ المراكز الكونية الدولية الناشئة
الطامحة لدور أكبر في العالم يتوازي مع ثقلها قد غدا أمراً ملموساً،
بدءاً بالحليف التقليدي لها المتمثل في القارة الأوروبية العجوز،
أو الاتحاد الأوروبي العملاق اقتصادياً والقزم سياسة دولية أو دوراً
كونياً، مروراً بروسيا المستعيدة عافيتها ببطء بعد تراجعها الدرامي
عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاء بالعملاقين الناميين بشكل
لافت الصيني والهندي، وهكذا.
آغتميل، ومن موقعه الاقتصادي يحاكم موقع بلاده الكوني، لذا يعترف:
لم تعد الولايات المتحدة المركز الاقتصادي في العالم. وإذ يلاحظ
أن تحولاً في المشهد العالمي لا سيما المتعلق بدول (العالم الثالث
السابقة)، وحيث لا يفوته أن الاقتصاديات الجديدة فيه تختطف إليها
الأبصار وتحظى بالاهتمام، يقر بأن الاقتصاد العالمي أخذ يشهد تحولاً
بعيداً عن ما دعاه العالم المتقدم، ينحو باتجاه الأسواق الناشئة
في أسيا وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وعليه
يدعو بلاده إلى ما يطلق عليه (الإبداع وليس الحمائية) باتجاه ما
أسماه (الاقتصاد الجديد)، وهذا يتطلب في رأيه حملة (تنافسية قومية)،
ولا يستبعد أن هذه المسألة بالذات سوف تكون أحد القضايا الأساسية
للحملة الرئاسية الأميركية القادمة...
وحيث لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد فإن هم آغتميل الاقتصادي هذا
توازيه، كما ألمحنا، هموماً أميركياً في مجالات عديدة أخرى. فالبنتاغون
مثلاً يشاركه القلق حول إمكانية نجاح الاستراتيجية التي تم تبنيها
عام 2002، والقاضية بعدم السماح لأي دولة في العالم باللحاق بالولايات
المتحدة أو التفوق عليها في المجال العسكري.. إذن مكانة الصدارة
الكونية الأميركية تهتز اليوم ومسألة الحفاظ عليها مستقبلاً أصبحت
هماً له تداعياته الكونية التي نشهد راهناً بعضها في نتائج هذا الجموح
الذي ساق الإدارة الراهنة إلى اعتماد القوة المنفلتة أو بالأحرى
البلطجة وسيلة للحفاظ على هذه الصدارة المهتزة، والتي يمكن القول
أنها بفضل مثل هذه السياسات الخرقاء قد باتت اليوم أكثر اهتزازاً.
في هذه العجالة، لنأخذ مثلاً واحداً من أمثلة كونية عديدة تقلق النخب
الأميركية التي بدأت تستشعر إرهاصات بداية العد العكسي للهيمنة الإمبراطورية
الأميركية على العالم، ألا وهو الصين، ونكتقي بالإشارة إلى الاصداء
الأميركية التي أعقبت إعلان بيكين مؤخراً زيادة موازنتها العسكرية
للعام الجاري 17,8%، وهو الأمر الذي حدا بواشنطن، التي سارعت إلى
التعقيب قائلة أن هذه الزيادة (لا تتماشى مع سياسة بيكين للتنمية
السلمية)، إلى إرسال نائب وزير الخارجية جون نيغروبونتي إلى بيكين
حاملاً معه هذا القلق داعياً الصينيين إلى ما دعاها الشفافية في
الأنفاق العسكري.
قبل وصول نيغروبونتي إلى بيكين كان قد أعلن المتحدث باسم البرلمان
الصيني: أن ميزانية الدفاع الوطني الصيني للعام الحالي ستكون 350
مليار يوان صيني، أي بزيادة 17,8% عن العام الماضي. وقال روبرت غيتس
وزير الحرب الأميركي معلقاً على هذا الإعلان: أعتقد أن الصينيين
ينفقون على جيشهم أكثر مما يظهر في الموازنة، هناك أمور تتعلق بالقدرات
العسكرية للصين تشكل مصدراً للقلق... وبعد عودة نيغروبونتي لا حاجة
للقول ان الصينيين لم يكونوا أكثر شفافية وأن قلق غيتس لم يتبدد!
قد يكثر المنافسون للولايات المتحدة مستقبلاً الذين سوف ينازعونها
حتماً صدارة العالم. لكن الصين أو التنين الأصفر المنطلق هذه الأيام
حول العالم سيظل بالنسبة لها مصدر القلق الأول أو التحدي الاستراتيجي
الأكبر، الذي لا تتحول انظارها عنه متحسبة لما ستؤل إليه هذه المنافسة،
لا سيما وهي تلاحظ غير مسرورة أن هذا العملاق الاقتصادي والبشري
بات المرشح الأقدر على منافستها على النفوذ إقليمياً ودولياً في
المستقبل القريب. فالصين، التي أصبحت تغرق العالم بمنتجاتها قليلة
التكلفة، تشهد للعام الخامس عشر على التوالي فائضاً ومعدلات نمو
اقتصادي هائلة. إذ أن الفائض التجاري للعام المنصرم قد بلغ 177 بليون
دولار، ومن المتوقع أن يغدو 200 بليون هذا العام، وأصبح لديها أضخم
احتياطي من العملة الأجنبية بلغ أكثر من 1000 بليون. بل يقول الاقتصاديون
ان هذا البلد مطرد النمو بشكل لا مثيل له يعاني تخمة أو مشكلة إيجاد
الآلية المناسبة لاستخدام هذه الفوائض المالية المتراكمة والمتدفقة
عليه. بل وصل حد محاولة تقليص الحوافز المغرية لتدفق الاستثمارات
من الخارج.
هذا النمو، الذي أرسى دعائمة الراحل دنغ هيساو بينغ، أو أبو سياسة
الانفتاح التدريجي وطرق سبل نقل التكنولوجيا من الغرب إلى بلاده،
قد بلغ مستوى تشعر فيه الصين اليوم بعدم حاجتها إلى مزيد من المهادنة
أو ممارسة التقية في تعاملها مع الولايات المتحدة، أو انتهاج ذات
السياسة المتبعة من قبلها في الساحة الدولية خلال العقد ونصف المنصرمين،
لذا ها هو قد جاء الوقت المناسب لتتوازى فيه القوة الاقتصادية الفتية
بما يناسبها من النفوذ السياسي الكوني الذي تحدو أصحابه قناعة تترسخ
بقدوم عصر مقبل من تعدد الأقطاب لا محالة... إذن النمو الاقتصادي
الصيني هذا لا بد له من رديفٍ أو نمو آخر، يتمثل في نشاط سياسي ودبلوماسي
صيني يتصاعد في شتى بقاع المعمورة، الأمر الذي نلمسه بوضوح هذه الأيام،
ويتابع الأميركان تعاظمه في حديقتهم الخلفية المتمردة عليهم في أميركا
اللاتينية، والمثال الكوبي والفنزويلي وسواه شاخص للعيان، وصولاً
إلى أفريقيا السوداء المهملة من الغرب التي تشهد أوغالها اليوم المزيد
من المشاريع والاستثمارات التنموية الصينية.
وعليه، يأتي هنا دور المجال التقني فالعسكري، فالبلد الممتلك لأكبر
جيش في العالم، والذي غدا لديه طائرات حربية متطورة من نوع ديان
10 المقاتلة، التي تقابل طائرات الـ(إف16) الأميركية، نجح في إسقاط
قمر صناعي قديم خاص به بصاروخ من ترسانته المتطورة باستمرار، الأمر
الذي كان وسيظل مثار قلق لدى الغرب بأسره ومعه الجارة اليابان الأشد
قلقاً. وليس هذا فحسب مصدر القلق في هذا المجال، بل إن توجه الصين
لإنتاج طائرة ركاب عملاقة تحمل أكثر من 150 راكباً تنافس الإيرباص
الأوروبية ونجاحها في إيقاف عمل قمر تجسس أميركي عليها بأشعة ليزر
زاد من منسوب هذا القلق الغربي والأميركي تحديداً... لعل هذا وراء
المحاولات الأميركية الحثيثة لدفع اليابان نحو ولوج مرحلة سباق تسلح
مع الصين بغية محاصرتها، وذلك بتشجيع طوكيو على السير باتجاه إلغاء
المادة السابعة من دستورها التي تحول دون تطوير قدراتها العسكرية.
وربما سوف تحاول واشنطن نفس هذا مع كلٍ من أستراليا وكوريا الشمالية
في المستقبل القريب.
لن يتوقف القلق الأميركي عند الصين وحدها وسوف يتعاظم الهم الأميركي
الناجم عن خشية فقدان الصدارة الكونية، وسوف تزداد الهواجس مع أي
إرهاص قد يشي ببوادر أو حتى احتمالات، تكتل صيني روسي هندي... عندها
سوف تصبح هذه الصدارة ليست مهتزة فحسب وإنما ستغدو حتماً في مستقبل
الأيام غير البعيدة في خبر كان.. آغتميل من زاويته الاقتصادية دق
ناقوس الخطر!
عبداللطيف مهنا*
* كاتب فلسطيني
أعلى
العودة إلى البند الرابع عشر
قد تكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها
الدعوة إلى اعتماد النزاهة في التعامل مع الموضوع النووي في منطقة
الشرق الأوسط بهذا الوضوح، لقد وردت الدعوة ضمن الكلمة التي ألقاها
الرئيس محمد حسني مبارك خلال قمة الرياض وضمن كلمات زعماء عرب آخرين،
والتفسير المنطقي لها هو أنها تمثل مطلباً تشخيصياً لموضوع خطر يتعلق
بالأمن العام للمنطقة بعد أن تم التعتيم عليه بأغطية الانتقائية
والمعايير المزدوجة والتلاعب في المواقف منذ صدور القرار الدولي
(687) لعام 1991 الذي عالج موضوع ما عرف حينها بالبرنامج النووي
العراقي، ثم جاء ما يعرف بأزمة الملف النووي الإيراني لتضع المنطقة
أمام أسئلة إضافية.
لقد تضمن البند (14) من القرار (687) نصاً واضحاً يدعو إلى إخلاء
منطقة الشرق الأوسط من جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل بما فيها
السلاح النووي، بعد إنهاء ملف أسلحة الدمار الشامل على وفق المواد
8 و9 و10 و11 و12 و13 من ذلك القرار.
والحال أن قوى دولية معنية بسلام شرق الأوسط أصرت على تضمين البند
(14) ضمن القرار المذكور، ومنذ ذلك الحين ساد التلاعب في الآليات
المطلوبة لتنفيذه، فقد كان التعامل بشأن ذلك غير شفاف وغير نزيه،
إذ لم يتحرك الموقف الدولي قيد أنمله باتجاه النظر في الملف النووي
الإسرائيلي، على الرغم من أن البند الوارد في ذلك القرار (687) كان
يقصد أصلاً الترسانة النووية الإسرائيلية، وكل ما حصل ان زار الدكتور
محمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إسرائيل لمراجعة
الموضوع، غير أن الإسرائيليين وضعوا البرادعي في طائرة سياحية حامت
حول مفاعل ديمونة، مما دفعه إلى القول ان الإسرائيليين نظموا له
سفرة سياحية حول ذلك المفاعل.
لقد ظل نقص النزاهة بشأن هذا الملف العنوان الأكثر ديمومة في مضمار
ظاهرة التغاضي وتغيير الموضوع والقفز على الحقائق، واحدث غصة في
الموقف العربي العام خاصة مع الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية
ضمن محاولة مقصودة هدفها تعطيل الذاكرة العربية السياسية بمنعها
من التعامل الميداني مع ذلك البند على الرغم من انتهاء كل متعلقات
الملف النووي العراقي سواء أكان ذلك من خلال تقارير لجنة الرصد والتحقق
التي شكلها مجلس الأمن بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، أو من خلال
قناعة من أن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل وان عذر المخاطر
النووية العراقية الذي كان وراء شن الحرب عليه لم يكن سوى تصنيع
مخابراتي فحسب وقد تم الاعتراف بذلك أخيراً.
وهكذا أيضاً فان الدعوة إلى التعامل بنزاهة مع الملف النووي يرتبط
أيضا بالمرحلة الحالية الخاصة بأجواء موضوع الملف النووي الإيراني
في اطار مخاوف عربية بعضها مشروع لضمان علاقات إيرانية عربية قائمة
على الشفافية، وفي اطار مخاوف عالمية عامة من حصول سباق نووي مفتوح،
إذا أخذنا بنظر التشخيص القول ان التكنولوجيا التي يملكها الإيرانيون
الآن لمعالجة الوقود النووي قد قطعت أشواطاً كبيرة مما يجعلها قاب
قوسين أو أدنى في أن تكون دولة نووية.
وتقتضي النزاهة هنا ان يعالج العرب مخاوفهم إزاء الحالتين النوويتين
الإسرائيلية والإيرانية مع ملاحظة التأكيد بأنه لا يجوز وضع الحالتين
على حد سواء في تحريك تلك المخاوف لاعتبارات سياسية وتاريخية، ولأن
الأصل في المخاوف العربية هو من الخزين النووي الإسرائيلي.
وبمقتضى تلك النزاهة أيضاً، ينبغي أن يدرك العالم بأن ما يطلبه العرب
عموماً ليس سوى تطبيق اتفاقيتي حظر انتشار الأسلحة النووية وحظر
التجارب النووية في منطقة الشرق الأوسط، وهم بهذا لم يطلبوا سوى
تطبيق البند (14) من قرار مجلس الأمن الدولي (687) فهو البند الوحيد
الذي ما زال نائماً على وسادة الأمم المتحدة بدون ان يوقظه أحد،
أليس في ذلك تدليس سياسي مقصود.
عادل سعد*
* كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
قمم عربية .. وقمم أوروبية !
تتقاطع معظم الاستطلاعات التي تجريها معاهد
مؤسسات وصحف ومراكز عربية ، والمصاحبة في العادة لمؤتمرات القمة
العربية ، ومنها المؤتمر الأخير الذي عقد في الرياض ، في ان 90%
ممن تستطلع اراؤهم من المواطنين العرب ، لا يعلقون أية آمال على
هذه القمم ! هذه النتيجة ، تدعو إلى التأمل والتفكير .
نقارن بين قمتين عقدتا في نفس الفترة .. الاولى .. القمة الاوروبية
التي عقدت في 25/3/2007 وحضرها زعماء (27) دولة اوروبية احتفالا
بمرور (50) عاما على قيام أول تجربة اوروبية على صعيد العمل الجماعي
الاوروبي ، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ، وما استطاعت انجازه من
خطوات فعلية تضامنية على كل تلك الاصعدة ، برغم ان هذه الدول عانت
حروبا طويلة فيما بينها ، وهي متعددة الاثنيات ، واللغات والتاريخ
والمصالح .
الثانية .. هي القمة العربية الدولية التي جرى افتتاحها في الرياض
في 28/3/2007 وهي واحدة من سلسلة من القمم العربية التي بدأت في
العام 1946م والتي لم تغير الواقع العربي ، وما يعانيه من اشكالات
وخلافات بين الدول العربية .. ولا نقول عن الانتقال بالواقع العربي
إلى مستويات افضل ! مع العلم ان تاريخ بدء انعقاد القمم العربية
يزيد بعشرسنين عن القمم الاوروبية ! المقارنة على صعيد تحقيق النتائج
بين القمتين يأتي لصالح القمم الاوروبية والتي بين كل مؤتمر قمة
وآخر .. تزيح من الطريق اشكالات جديدة على صعيد تحقيق التكامل الاوروبي
، الذي أخذ يقترب من مستويات متقدمة ، هي أقرب إلى الوحدة الاندماجية
، ولكن مع وجود الانظمة السياسية المختلفة في هذه الدول .
وحول الوضع العربي والقمم العربية ، نقول والاسى والمرارة والحزن
يعتصرنا .. بداية ، من الذي سمى قمة الرياض ، بالقمة التاسعة عشرة
؟ لأن القمم العربية ابتدأت في الانعقاد في انشاص عام 1946 ، وفي
بيروت على 1956 ، وفي القاهرة يناير 1964 ، وسبتمبر 1964 في الاسكندرية
، وسبتمبر 1965 في الدار البيضاء ، وسبتمبر 1967 في الخرطوم ، وديسمبر
1969 في الرباط ، وسبتمبر 1970 في القاهرة ، ونوفمبر 1973 في الجزائر
، واكتوبر 1974 في الرباط ، واكتوبر 1976 في الرياض .. ثم تليها
19 قمة عربية .. آخرها قمة الرياض 2007 .
صحيح ان جامعة الدول العربية ابتدأت في التأسيس لارقام القمم العربية
منذ عام 1964 ، حين دعا الرئيس جمال عبدالناصر القادة العرب ، من
أجل الرد على المخططات الاسرائيلية لتحويل مياه نهر الاردن .. كما
انها ألغت بعض القمم الاخرى ، واعتبرت قمما أخرى غير محسوبة في الاجتماعات
الدورية .. ولكن في الواقع الفعلي فإن ثلاثين قمة عربية جرى عقدها
منذ عام 1946 حتى الآن ولو استعرضنا بشكل عام مفاصل رئيسية في هذه
القمم لوجدنا :
ـ بعد القمة التي عقدت في انشاص عام 1946 ، كانت نكبة فلسطين في
عام 1948 ، وكان العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 .
ـ بعد قمتي العام 1964 و1965 ، كانت هزيمة عام 1967 ، واحتلال اراضي
دول عربية اضافة إلى احتلال اسرائيل لباقي أجزاء فلسطين .
ـ بعد قمة 1967 بالخرطوم ، والتي عقدت بعد حرب عام 1967 مباشرة ،
والتي عرفت بقمة اللاءات الثلاث .. لم تمضِ فترة طويلة حتى تحولت
اللاءات إلى نعم .
ـ بعد قمة الجزائر في عام 1973 ، والتي عقدت بعد حرب اكتوبر ، ورغم
وضع الدول العربية للمرة الاولى شروطا للسلام تقضي بانسحاب اسرائيل
من جميع الاراضي المحتلة ومواصلة الحظر النفطي .. إلا انه تم عقد
مؤتمر جنيف للسلام ، الذي أسس لمفاوضات بين بعض الدول العربية واسرائيل
.
ـ بعد القمم العربية منذ عام 1974 ، وحتى عام 1979 ، وقعت مصر اتفاقية
كامب ديفيد ، وجرى نقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس .
ـ بعد قمتي 1980 ، 1981 ، قامت اسرائيل بحربها على لبنان في عام
1982 .
ـ بعد قمة الدار البيضاء 1989 ، والتي شهدت عودة مصر إلى جامعة الدول
العربية ، وقمة بغداد 1990 ، جرى احتلال الكويت من قبل العراق .
ـ بعد قمة القاهرة الاستثنائية في عام 1990 تكرس الانقسام العربي
.
ـ بعد تلك القمم جرى توقيع اتفاقيات اوسلو ، تلتها فيما بعد اتفاقية
وادي عربة .
ـ في قمة بيروت عام 2002 تم اقرار مبادرة السلام العربية ، التي
رفضتها اسرائيل وشارون مباشرة ، وقامت بإعادة اجتياح لمناطق السلطة
الفلسطينية وحصار الرئيس عرفات في مقره .
ـ بعد قمتي 2003 ، 2004 قامت اسرائيل بحربها العدوانية على لبنان
في عام 2006 .
ـ قمة الرياض عام 2007 اعادت طرح مبادرة السلام العربية بكافة عناصرها
(وهذه مسألة ايجابية في كونها لم تعدل) وقررت تشكيل لجان لتفعيلها
، وأكدت على الدعم العربي لجهد المصالحة العراقية ، ودعوة القوى
اللبنانية للحوار ، وغيرها من القضايا ، ان بالنسبة لما يجري في
الصومال ، وفي السودان ، وفك الحصار عن الحكومة الفلسطينية وغيرها
وغيرها من القضايا .
وما نأمله ان تجد هذه القرارات طريقها للتنفيذ الفعلي ، وليس اضافة
إلى ارشيف جامعة الدول العربية .
من جانب آخر .. اتفاقية الدفاع المشترك موقعة بين الدول العربية
منذ عام 1964 ، كذلك بدأت في نفس الفترة تقريبا : السوق العربية
المشتركة ، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية .. إلا أن المواطنين
العرب يفتقدون أية صيغ فعلية للعمل الجماعي العربي المشترك (باستثناء
دول مجلس التعاون الخليجي ، التي استطاعت القيام والاتفاق على خطوات
جمعية فيما بينها) !
لا نقلل من أهمية الفعل السياسي الجماعي العربي في عصر التجمعات
الجيوسياسية على صعيد العالم أجمع .. ونأمل ان تكون قمة الرياض في
ضوء ما قيل فيها وماصدر عنها ، بداية لتجاوز اخفاقات الماضي ، والانطلاق
نحو تأسيس مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك . يحقق لهذه الامة
ما تصبو إليه من تقدم وتطور ويرسي أسس وحدتها .
د. فايز رشيد *
* كاتب فلسطيني
أعلى
فلنعد للأودية مساراتها حتى نأمن غوائلها
مجرى الوادي الرئيسي الذي يفصل شرق مدينة فنجاء
عن غربها, له شهرة كبيرة من حيث اتساعه وعمقه, وغزارة مياهه الجارية
طوال العام أثناء مواسم الخصب, وأخيرا عدد روافده, فبعد أكثر من
نقطة التقاء تصبح عشرات الأودية وقد اجتمع شملها على مدخل هذه المدينة
مشكلة في مسار مشترك رسمته يد الطبيعة وخططته المياه المتدفقة عبر
العهود الغابرة بما يتوافق مع مستوياتها ومناسيبها وبحيث لا تفيض
عن مستوى الضفتين إلا في أيام الفيضانات الاستثنائية كما نقلته وأكدته
صفحات التاريخ وأفاض به الرواة في بلادنا المصنفة ضمن حزام المناطق
الجافة, (مشكلة) واديا مهيبا يدخل في النفس الرهبة والخوف عندما
يكون في أوج قوته واندفاعه الذي لا يعرف الوهن والتردد, من أعلى
الجسر كانت الصورة كما شاهدتها ومعي المئات من الأشخاص الذين يطلقون
لأبصارهم العنان مشرعة نحو الأمواج الهادرة التي تتلاعب بمئات الأجسام
الصلبة والثقيلة من مخلفات الأشجار والنخيل والخزانات وغيرها كما
تتلاعب الريح بقصاصات الورق, كان لسان حال الجميع يتساءل في خوف
ووجل عن حال مدينتي الخوض والسيب عندما يغمرهما هذا الكم الهائل
من المياه, والتصور المتخيل لمناسيب المياه المتصاعدة في حالة تواصل
الأمطار بنفس المستوى لساعات أو معاودتها الكرة مرة أخرى وربطها
بالنتائج الكارثية التي ستحدث بعد أن عبثت يد التخطيط بمسار الأودية
ولم يرأف المخططون بحال الناس الذين تحولت سعادتهم بالأمطار إلى
ألم وحزن, ولم يقدر الذين رسموا مسار الشوارع بأن الفتحات التي خصصوها
لتصريف مياه الأودية بالكاد تحتمل مياه شعبة عادية فكيف لها أن تستوعب
المياه المتدفقة من قمم الجبل الأخضر وما جاورها من جبال شاهقة تتداخل
مع السلسلة الممتدة حتى ولايتي بهلاء والحمراء, والمحاذية للقمم
المغذية لأودية المنطقة الداخلية التي تصب في بحر العرب (وادي بني
رواحة) الذي يشق مدينة سمائل متجها إلى بلدة (سرور) ليلتقي بـ(وادي
العق) المحاذية جباله العالية لولاية المضيبي, والذي لا يقل شأنا
في علو قممه وعدد روافده ومنسوب مياهه, ولا في همته ونشاطه واندفاعه
عن زميله, ومن بلدة سرور إلى قلب ولاية بدبد مرورا بنقطة التجمع
في فنجاء يجتمعان بزملاء كثر انطلق بعضها من جبال مشرقية على حدود
ولاية الطائيين (واديا منصح ونداب) وأخرى مغربية (واديا الجيلة والفرفارة),
ومن الصعب حصر مجمل الأودية التي تصب في مجرى الوادي الرئيسي, فأنى
لواد هذا شأنه من حيث عدد المنابع والروافد والمسارات التي تغذيها
شلالات هادرة تنطلق من سلسلة جبلية عملاقة أن تستوعب مياهه بضع فتحات
ومسارات لم يراع المخططون في تصميمها مناسيب المياه على حقيقتها
وصورها المعهودة والمعروفة عند كبار السن الذين خبروا الأودية وعاصروا
أفعالها واستقوا الدروس من غدر مياهها الهادرة, في زمن لم تزاحم
فيه على مساراتها شوارع ولا مخططات سكنية أو تجارية ولا منشآت صناعية,
ومن أراد أن يستزيد مما ورد في التاريخ العماني عن أفعال هذا الوادي
وغيره من الأودية, فعليه العودة إلى ما سجله الإمام نور الدين السالمي
في تحفته التاريخية الجزء الأول الصفحة 163حيث يذكر أنه وفي (سنة
إحدى وخمسين ومائتين, كان بصحار وبعمان السيل الكثير, وانهدم دور
كثير ومات فيه ناس كثير, وأغرق السيل عامة عمان, وبلغ الماء مواضع
لم يبلغها قبل ذلك فيما بلغنا.. نزل أمر فظيع عجيب في بدبد والباطنة
وسمائل ودماء وصحار أمر عظيم جليل... فجاءهم دوي وظلمة وهول مفظع
وأمر مطلع... واستهلت السماء فأدفقت عليهم من الماء فبينما هم كذلك
في شدة من الغرق وخوف من الفرق ومنهم من أيقن بالمنية والحتف إذ
جاءتهم السيول فأحدقت بهم وغرقت النساء والرجال, فغرق الرجل وعياله
وتخرب منزله وماله فأصبحوا في ليلة واحدة أصواتهم خامدة ومنازلهم
هامدة... وخربت المواضع والعمران حتى أنه ليمر بها الإنسان فتأخذه
لمنظرها رهبة...), وقد ذكر الشيخ السالمي بأن الناس لم يتعرفوا على
أملاكهم في ولاية سمائل إلا من خلال الأطلال وبقايا النخيل التي
خلفتها الأمطار (وعرفت نخلة صنها من سمائل, وقد قيست الأموال عليها...),
وقد أوردت كتب التاريخ قصصا مماثلة لأعاصير وفيضانات شهدتها عمان
خلال العهود السابقة, ومن نقطة التجمع انطلقت المياه الهادرة محافظة
على انضباطها وتوازنها داخل خط سيرها الذي ألفته وألفها, فلم تفض
المياه عن الحواشي ولم تعبث بالمساكن ولا بالسيارات, ولم تفسد على
إنسان سعادته بالخصب والحياة, وفي ختام المطاف (مرحلة ما بعد السد)
وحتى منطقة المصب (الشرادي), صنعت المياه ما لم يكن في الحسبان وكانت
الصور والتحقيقات التي نقلتها وسائل الإعلام المحلية عن معاناة السكان
وعن العبث الذي أصاب الشوارع والمنشآت والمتنزهات والفوضى التي لحقت
بالمكان والتي ما زالت تئن من هول المأساة شارحة الحقيقة ومؤكدة
على أن الاعتداء على مسارات الأودية يكلفنا خسائر فادحة في الأرواح
والممتلكات الخاصة والعامة خاصة إذا كانت كهذا الوادي من حيث الغزارة
والعمق وعدد الروافد, وقد وصفت صحيفة محلية ما حدث في ولاية السيب
بـ(سونامي مصغر) ويجسد العنوان فعلا حقيقة ما حدث بعد أن غيرت المياه
العديد من المعالم والآثار ورسمت لنفسها مسارات جديدة بعدما ضاقت
مساراتها المعهودة.
لقد عاشت محافظة مسقط في صباح يوم الأحد الموافق 18من من مارس 2007م,
يوما عصيبا، فالساعة الماطرة بدءا من السابعة وحتى الثامنة كانت
كافية لإغراق الشوارع والمناطق السكنية والأحياء التجارية ومحطات
الوقود وغيرها بمياه الأودية الجارفة المحملة بأكوام من الطمي والمخلفات
الزراعية والصناعية وغيرها مما أخذته المياه في طريقها, حدث ذلك
بسبب الأخطاء المرتبطة بالتخطيط وافتقار المخططين إلى نظرة تخطيطية
بعيدة النظر تراعي المكونات الجغرافية والبيولوجية للسلطنة من حيث
الطبيعة الجبلية وحجم الأودية والمنحدرات التي تشكل في مجملها مياها
جارفة في المواسم الممطرة, وعدم استفادة الجهات المختصة من التجارب
السابقة التي شهدت فيها السلطنة بعض الأمطار الغزيرة في التخطيط
الذي أعقب سقوط تلك الأمطار ومزاحمة الأودية في مساراتها أو إغلاق
هذه المسارات كليا... كل ذلك أدى إلى تفاجؤ المواطنين وهم في طريقهم
إلى أعمالهم داخل سياراتهم أو في منازلهم بالمياه تحاصرهم في مشاهد
تراجيدية توزعت بين الألم والخوف في نفوس أولئك الذين تضررت مساكنهم
وأعطبت سياراتهم وهم كثر, وأثارت الدهشة والاستغراب لدى المتفرجين
والمراقبين الذين لم يحلموا يوما بمشاهدة تلك المناظر العجيبة على
الطبيعة حيث تتحرك تجمعات المياه على غير هدى تتلاعب بالسيارات وقطع
الأثاث والوثائق الرسمية وتعيث فسادا بالشوارع ومحطات الوقود والمحلات
التجارية التي جعلت منها مجاري للمياه بعد أن فقدت مجاريها الأصلية,
فصوبوا عيون كاميراتهم لالتقاط الصور التذكارية التي حولت مباشرة
إلى عشرات المواقع الالكترونية, وصيغت العديد من الرسائل المعبرة
عن المأساة التي تلقفتها ملايين الأجهزة النقالة..
تظل شواطئ المحافظة الممتدة من مدينة مسقط وحتى حدود ولاية السيب
المحاذية لمنطقة الباطنة مصب مئات الأودية الهادرة التي ينطلق بعضها
من خارج محافظة مسقط وبعضها تتشكل وتنطلق من قمم الجبال المحيطة
بها وما البرك المائية الممتدة على طول هذا الشاطئ إلا دليلا على
ذلك, والملاحظ أن الشوارع والأرصفة بمختلف استخداماتها الترفيهية
والخدمية التي تقام على الشاطئ لا تأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار,
فالأودية الكثيرة التي تخترق أراضي مطار السيب الدولي على سبيل المثال
يعيقها عن استكمال مسارها الختامي شارع الثامن عشر من نوفمبر الذي
تصطدم به قبل أن تتوزع على تلك الأراضي مشكلة بركا عملاقة على طول
مسار الشارع تظل أشهرا طويلة قبل أن تجف, وأتمنى أن تؤخذ حقيقة هذه
الأودية التي جرفت عشرات السيارات وشلت حركة المرور لساعات طويلة
واجتاحت محطة الوقود وما فيها من مبان ومحلات تجارية وأن يستفاد
من دروس هذه الأمطار بتخصيص المسارات الكافية للأودية في إطار المنظومة
المرتبطة بمشروعي الموج والمطار اللذين يجري العمل فيهما حاليا.
إن ما أثار استغرابي حقيقة أن عددا من المواقع الالكترونية التي
يديرها متخصصون عمانيون في علوم الطقس كانت تصدر نشرة يومية تتابع
من خلالها مسار المنخفض قبل دخوله إلى أجواء السلطنة, وتصدر تحذيرات
حول قوة الأمطار المصاحبة له وتوقعت تلك التحذيرات حدوث أضرار في
الممتلكات ودعت الصيادين وأصحاب المركبات إلى أخذ الحيطة والحذر,
في حين أن المديرية العامة للأرصاد الجوية لم تصدر في نشراتها ما
يتضمن تنبيها مسبقا حول كميات الأمطار المصاحبة للمنخفض وهو ما يتم
تصحيحه كما لمسناه بالنسبة لمنخفض الوسطى وصلالة وإن كانت تلك النشرات
فيها من الغموض واللبس ما أربك المواطن. وقد بذلت شرطة عمان السلطانية
وسلاح الجو السلطاني جهودا مخلصة في عمليات الإنقاذ والتحذير والتوعية
من مخاطر الأودية وفي تنظيم حركة المرور, ولم تقصر بلدية مسقط في
العمل على شفط وتصريف البرك والتجمعات المائية وفي عمليات التنظيف
والإعادة ولم يكدر جهودها الكبيرة المقدرة والملموسة التي تقوم بها
في خدمة المواطن ومدينته إلا ما تكشفه الأمطار من أخطاء في التخطيط
تتطلب تصحيحا عاجلا وعلى أكثر من مستوى لكي نكون على استعداد لمواسم
أمطار قادمة بإذن الله كما تظهر المؤشرات, وذلك حتى يتحقق الهدف
المنشود لتصبح أمطار رحمة لا أمطار نقمة.
سعود بن علي الحارثي*
* كاتب عماني
Saud2002h@hotmail.com
أعلى