الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
About Us
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام


السؤال
زوجة تعاني من القسوة ومن مظاهر ظلم كثيرة من زوجها فهو يأخذ راتبها فما توجيهكم ونصيحتكم له ؟

الجواب :
هذه من الأمور التي نأسف لها كثيراً أن تصدر من رجال لا يخشون الله تعالى ولا يتقونه ، ولا يبالون بحلاله وحرامه .
أولاً أكل مال الزوجة بغير رضاها وبغير إذنها هو حرام حرام حرام . فكل أولى بماله ، الزوج أولى بماله ، والزوجة أولى بمالها ، وعلى الزوج أن ينفق على امرأته ، وليس على المرأة أن تنفق على زوجها ، على الزوج نفقة المرأة من طعام وكسوة وسكنى وغير ذلك ، وليس على المرأة أن تنفق على زوجها .
فكون المرأة ترزأ في مالها من قبل زوجها أمر يتنافى مع ما يجب أن يكون من المعاشرة بالمعروف ، والله تعالى يقول ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)(النساء: من الآية19) . يؤمر الرجل أن يعاشر المرأة بالمعروف ( وخيركم خيركم لأهله ) ، والنبي صلى الله عليه سلّم يقول ( وأنا خيركم لأهلي ) ، فليس من الخيرية أن يضايق الإنسان امرأته .
أولاً عليه أن يعاملها معاملة لطف ومعاملة بر ومعاملة مرحمة ، وأن يتحمل إساءتها ، وأن يعفو عن هفواتها ، وأن يتلطف بها في المعاملة ، لا أن يكون قاسياً عنيفاً شديداً ، ومع هذا أيضاً عليه أن لا يرزأها شيئاً من أموالها ، فأخذ شيء من أموالها إنما هو من أكل الأموال بغير حق ، والله تبارك وتعالى يقول ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:188) ، وهذا من أكل أموال الناس بالإثم ، وفيه إثم عظيم ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول : القليل من أموال الناس يورث النار .

السؤال
هل يجب العدالة بين الزوجات في الممارسة الجنسية ؟

الجواب :
في الأصل أن الرجل مطالب أن يعدل في كل شيء ، أن يعدل حتى في النظرة ، حتى في الجلوس مع نسائه ، بل يروى عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى أنه قال : عندي امرأتان وإني لأعدل بينهما حتى أني أعد القبل . أي يقبّل هذه بقدر ما قبّل الأخرى ، لا يؤثر واحدة على الأخرى في التقبيل بحيث يقبلها أكثر مما قبل ضرتها ، وهكذا ينبغي أن يكون .

والعلماء منهم من شدد في أمر الممارسة الجنسية إلى حد أن قال بأنه ليس له أن يواقع إحدى نسائه أكثر من مرة إلا بعدما يواقع الأخرى ، إن واقع هذه لا يعود إلى مواقعتها مرة ثانية إلا بعدما واقع ضرتها وهكذا .
ومنهم من قال بأن هذا أمر فيه حرج لأن الرغبة تختلف بين وقت وآخر وبين حالة وأخرى ، فقد يكون عند هذه ولا تكون الرغبة عنده متوفرة ، وعندما ينتقل إلى الأخرى يكون قد استعاد نشاطه وتكون الرغبة عنده متوفرة ، فلذلك مع عدم حرمان تلك من المواقعة لا يلزم أن تكون القسمة بينهن في المواقعة بينهن على السواء .
وينبغي للإنسان في مثل هذه المواقف أن يستبرئ امرأته التي ربما أضر بشيء من حقوقها حتى تكون العلاقة بينهما علاقة صلح ووئام ووفاق ما بينهم لئلا يتحمل تبعة من التبعات .
ونحن دائماً نوصي بالعدل بقدر المستطاع ، على الإنسان أن يعدل فيما يستطيعه ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك )


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى




دلالات تربوية في نماذج قرآنية حذرة(9)

حوار النملة مع النمل

ـ المخلوقات غير الإنسان، كيانات لها إحساس ومشاعر لا تقل شأنا عن الإنسان
ـ أسلوب التعامل مع القوة غير المتكافئة ينبغي أن ينحني منحنى آخر غير منهج المواجهة.
ـ الوحدة والتعاون أساس درء المخاطر الخارجية وحماية النفس من الشر والضرر

الشيخ الدكتور / مبارك بن مسلم الشعبني
خبير وعظ بوزارة الأوقاف والشئون الدينية
ومحاضر بمعهد العلوم الشرعية

قال الله سبحانه في محكم التنزيل: ?وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)?1.
يورد ابن كثير: أن سليمان ( كان يوما في جولة مع جنده، وفي طريقهم أتوا على وادي النمل، فسمع صوت نملة تنصح زميلاتها بدخول المساكن خشية تحطيم سليمان وجنوده لها، عن غير قصد منهم بذلك. ففهم ذلك سليمان ( منها، فتبسم ضاحكا من قولها، وقال: ? رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)?، أي "ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي؛ من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك والإيمان بك، وأن أعمل عملا تحبه وترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين"2.

دواعي الحذر في هذا الحوار(أي الضرر المتوقع)
إن الضرر المتحدث عنه في هذا الحوار هو سحق سليمان ( وجنوده للنمل وهم في طريقهم، من حيث لا يشعرون. يقول سبحانه على لسان النملة وهي تنصح زميلاتها الأخر، مبينة لهم الضرر الذي سينجم: ?يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)?، أي "لا يكسرونكم بأن يطؤوكم"3.
أسلوب توقي الضرر(الحذر)
إن الأسلوب المستخدم لتوقي الضرر هنا هو الابتعاد عن مصدر الخطر؛ وذلك بالدخول إلى المساكن والتحصن فيها، وعدم الظهور إلا بعد انتهاء الخطر. فتركيبة بنية النمل ضعيفة لا تقوى ولا تتحمل وطء المارة، الذين قد يطؤونه من غير قصد. فالنمل قد أدرك الحال التي هو فيها من حيث عدم قدرته على المقاومة، مما جعله ينهج هذا النهج بأن يبتعد عن مصدر الضرر، ما لم يستطع دفعه. فقد أدرك النمل أن أسلوب التعامل مع القوة غير المكافئة ينبغي أن ينحى منحى آخر غير منهج المواجهة. فهو هنا يجسد دور الضعيف الذي لا يعبأ به بالرغم من أنه في واديه وبلدته. يقول سبحانه موضحا حذرهم وتحذيرهم لبعضهم:?يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)?.
يقول جلال الدين المحلي:"قالت ملكة النمل وقد رأت جند سليمان: ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم، أي لا يكسرنكم، سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. ?فتبسم ضاحكا من قولها?"4.

- الدلالات التربوية لهذا الحوار
من الدلالات التربوية التي يلحظ في إشارات تحذيرية يمكن استخلاصها من الحوار؛ الآتي:
1. المخلوقات الأخرى غير الإنسان، كيانات لها إحساس ومشاعر لا تقل شأنا عن الإنسان؛ وصفها الله لنا في كتابه ومن خلال هذه الآية:?يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)?، وصفها بأنها ذات مشاعر وأحاسيس، بل وعواطف، وذلك حين نصحت صاحباتها بالابتعاد عن الضرر والأذى، ومراعاة لمشاعرها أوقف نبي الله سليمان جنده عن المسير حتى دخلت مساكنها. فضلا عن أنها أمم مثل البشر في أحوال أخرى عديدة، يقول سبحانه:? وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)?5؛ أي" طوائف متخالفة، وكل من هذا الطوائف أحوالها محفوظة، وأمورها مقننة، ومصالحها مرعية جارية على سنن السداد، ومنتظمة في سلك التقديرات الإلهية، والتدبيرات الربانية، حالها حال الإنسان في كل ذلك"6. ورب العزة والجلال بين لنا أنها تعبد الله بطريقتها التي لا نعلمها: ?تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44)?7. وقوله سبحانه: ?أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)?8 ؛ فضلا عن أنها تُلهَم العلم وربما تكتسبه، فقد علمت النمل أن القادم إلى واديهم هو الملك سليمان وجنوده دون سواه. وقد حدد للمرء ماهية ما يقتل ويباد؛ وهو الضار به، والمؤذي له. وحتى ما أمرنا بذبحه؛ سن لنا الشرع الحنيف أن نحسن ذبحه وقتله، بطريقة أطنبت فيها كتب الفقه الإسلامي شرحا وتفصيلا. وهذه المخلوقات هي في ذاتها آية من آيات الله الدالة على قدرته سبحانه، والدالة على مدى فضل الله سبحانه على الإنسان الذي كرمه على كثير ممن خلقه في هذه الحياة، مصداقا لقوله جل شأنه: ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)?9. وبالتأمل والاعتبار يجد الإنسان قدره العظيم، ومن ثم مسؤوليته الكبيرة الموكولة إليه والملقاة على عاتقه.
2. الكائنات الحية ذوات الجنس الواحد كائنات متآلفة ومتراصة، متحدة فيما بينها ضد كل ما يحدق بها من مخاطر وأضرار. وفي هذا الحوار يلحظ اهتمام نملة، ربما تكون موكلة بمهمة استشعار الخطر، كعمل مخطط له ومنظم فيما بينها، يلحظ اهتمامها بالأخريات من زميلاتها النمل؛ في درس لبني البشر لأن يكونوا كذلك في الوحدة والتراص والتعاون في ما يواجههم من مخاطر خارجية، ليتعاونوا فيما بينهم في درئها، وحماية أنفسهم من شرها وضررها10.
3. هذا الحوار يلحظ فيه إخلاص النملة لزميلاتها النمل، فهي لم تبرح مكانها هربا من الضرر القادم، إلا من بعد ما قدمت ما عليها من نصح وإرشاد. والإسلام الحنيف يأمر عباده المسلمين أن يكونوا متحابين ومخلصين النصح والعطاء لبعضهم، ولا يترجم هذا الحب والعطاء على حقيقته المطلوبة، إلا حينما يؤثر المرء أخاه على نفسه، ويحب له ما يحبه لنفسه. يقول الله سبحانه واصفا المؤمنين بحق:?وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (10)?11.
4. خطورة الضرر ومفاجأته تستدعيان تقديم الإعلان عن أسلوب السلامة واتقاء الضرر، ومن ثم الإعلان عن السبب؛ ففي الحوار ما يدل على ضرورة الإخبار عن الأسباب التي استدعت الاستنفار المفاجئ، حفاظا على كرامة الزميلات عن أن يكن مأمورات دون مبرر، فتبيين العلة دليل على قوة الاحترام والتقدير بين النمل. هذا فضلا عن أن ذكر السبب يجعل المرء مسؤولا بعد ذلك عن نفسه إن وقع له ما يضر، من بعد ما أخبر بطبيعة الخطر القادم، ويكون بعد ذلك جانيا على نفسه بنفسه.
5. في الحوار تنبيه على أهمية اتخاذ المرء ما يحميه من الأضرار والمكاره. والنمل يلحظ في هذا الحوار أنه اتخذ لنفسه مسكنا يؤويه ويحميه من المخاطر والأضرار.
6. ضرورة إيجاد مبرر بمن يحسن فيه الظن؛ ففي الحوار يلحظ أن النملة لم تتهم سيدنا سليمان ( بتعمد الإضرار، وإلحاق الضر بالنمل، بل أردفت كلامها ونصحها قائلة:?وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)?، وهي عبارة فيها "ثناء على سليمان وجنوده، يتضمن تنزيههم عن تعمد القبيح والإضرار"12. وحسن الظن أمر أمر به الإسلام أتباعه في هذه الحياة، فقد أخبرهم من أن إساءة الظن، واستخدام منهج الشك دون مبرر، فيه إثم، يقول سبحانه:?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)?13؛ فالله ( نهى المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءا. وقد نهى رسول الله ( عن إساءة الظن بالمسلم في أحاديث عديدة منها قوله (: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك"14. وعنه (: "من أساء بأخيه الظن، فقد أساء بربه"15. وعنه ( قوله: "إن الظن يخطىء ويصيب"16. وأخرج ابن ماجة، عن ابن عمر، قال: رأيت النبي ( يطوف بالكعبة، ويقول: "ما أطيبك، وأطيب ريحك؛ ما أعظمك، وأعظم حرمتك؛ والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك؛ ماله، ودمه، وأن يظن به إلا خيرا"17. وقوله (: "لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا"18.
7. على الضعيف أن يتجنب ما لا يستطيع مقاومته وصده، حتى لا يهلك نفسه. ولدرء المخاطر القادمة عنوة يتخذ وسائل أخرى فيها نوع مسالمة حتى يحدث الفرج وتزول الشدة. والنمل هنا يمثل الطرف الضعيف أمام قوة عاتية. ومن المخاطر التي لا يمكن للمرء مواجهتها، خاصة إن رأى في نفسه ضعفا، هي تلك المخاطر التي تتهدد دينه وصلاحه. فرب العزة والجلال ذم وأوجب النار على من لم يستخدم الوسائل المتاحة في دفع الضرر عن دينه ونفسه بحجة عدم قدرته على المقاومة. وهو بإمكانه سلوك طريق آخر يضمن صلاحه وبقاء دينه، يقول سبحانه على لسان الملائكة تخاطب صنفا ممن سقطوا ضحايا لغزو لم يستطيعوا مواجهته، يتمثل في فساد المناطق التي كانوا فيها وتأثروا به ففسدوا: ?إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99)?19، يقول الطبري في تفسيره: إن الملائكة تسأل من لم يقوا أنفسهم الانحراف والظلم، بأن يخرجوا عن مكان الظلم والظلمة، فحجتهم أننا مغلوب على أمرنا وهم قادرون على الخروج غير مقبولة عند الله، إلا ممن هم ضعفاء وعجزة ممن يعلم عن حالهم الله سبحانه فأؤلئك يعذرهم سبحانه. ? فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99)?، فيقبل عذرهم للعجز الذي هم فيه عن النقلة عنها20.
8. وصف الإنسان الصالح بصفات هو لها أهل، ومدحه وإطراؤه بها في ظهر الغيب، لا يزيده إلا شكرا لله ويقينا به سبحانه -إن علم بهذا الإطراء- وذلك بخلاف الفاسد وضعيف الإيمان الذي لا تزيده عبارات الثناء إلا تيها وتكبرا. وفي هذا الحوار يلحظ أن سيدنا سليمان، وفور سماعه تحذير النملة للنمل، مع وصفها لسليمان وجنوده بأنه لا يتعمد القتل، ولا سفك الدماء، ولكن قد يحدث ذلك دون علم منهم عند مرورهم، "وأنه ذو تقوى وتحفظ من مضرة الحيوان"21، فأثر هذا الإطراء في نفسه ( فدفعه إلى شكر الله سبحانه على كرمه وامتنانه بأن أرضى عنه خلقه،يقول الشرقاوي: "هذا التحذير وما فيه من التماس العذر له ولجنده، دفعه لأن يشكر الله سبحانه على وافر نعمه"22. فرضا الناس - خاصة الصالحين منهم- بقدر ما هو نعمة يدفع المرء قدما إلى الخير، هو في الوقت ذاته قد يكون نقمة؛ وذلك لما قد يحدثه هذا الرضا من زهو وغرور، إن لم تكن النفس مشربة بالإيمان واليقين، وإن كل ما في هذه الحياة خيرها وشرها إنما هو فتنة وبلاء.
9. المؤمن وبمجرد استحضاره ذكر نعمة من النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، عليه أن يشكر الله عليها بذكره سبحانه واستغفاره؛ وفي هذا الحوار يلحظ شكر سيدنا سليمان ربه على نعمه، بما فيها نعمة تفهيمه لغة النملة، وما صرحت به من إطراء عليه ينبئ عن رضاها عنه، كملك موكل بخلق الله آنذاك. فقال الله تعالى على لسانه شاكرا:?رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)?.
10. الكون ميدان فسيح للعلم، وما توصل إليه العلم لا يعد شيئا مما يخبرنا الله به في كتابه؛ فالإنسان تمكن من رصد ذبذبات وأمواج الهواء وسخرها في خدمته في نقل الأصوات، ولكن ها هو ذا يظل عاجزا عن رصد وترجمة أصوات من أخبرنا الله تعالى إمكانية مخاطبتهم للإنسان، ليظل المرء في حيرة إعجاز رباني، لا يسعه إلا أن يقر بعجزه واستسلامه، ويحاول البحث لعل الله يكرمه، كما أكرمه الطيران في الهواء والغوص في الماء، وصنع مواد لا تحرقها النار، وما شابهها من علوم يفتح الله بها على عباده.
11. إضافة إلى ما أخبرنا الله به من تحذير النمل ونصحه، يكشف لنا أهل العلم عنها دقة تنظيمها في العيش والقيادة والبناء والتواصل، والاحتياط للشدائد. في تعليم عملي للإنسان في هذه الحياة. يقول الغزالي:"إن النملة تجمع قوتها، وتتعاون على ذلك لوقت عجزها عن الخروج والتصرف بسبب حر أو برد. وألهمت الحزم وإدراك العواقب. إذا عجز بعضها عن حمل ما يحمله أو جهد به، أعانه آخر فيه فصارت متعاونة على النقل. ثم ألهمت حفر البيوت مبتدئة بإخراج التراب. وتقسم البذرة نصفين خشية الإنبات. ولا تتخذ من البيوت إلا ما علا الأرض، خشية السيول والغرق. وإذا ابتل شيء من مدخراتها تخرجه لتيبسه"23. فالنمل"من ضمن أهم خصائصه اليقظة والحذر. كما أنه الوحيد من بين المخلوقات الحية-عدا الإنسان-الذي يقوم بدفن موتاه. وتحرص جماعاته المختلفة على الالتقاء في صعيد واحد لإقامة سوق تجتمع فيه جماعاته لتبادل السلع وللتعارف. ومن مظاهر مجتمعها المترابط قيامها بمشروعات جماعية، مثل إقامة الطرق الطويلة في أناة ومثابرة تثيران الدهشة"24.


1 سورة النمل، الآيات (17- 19 ).
2 ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 360.
3 الواحدي، تفسير الواحدي، ج 2، ص 801.
4الجلالين، تفسير الجلالين، ج1، ص 496.
5 سورة الأنعام، الآية (38).
6 أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، ج 3، ص 131.
7 سورة الإسراء، الآية (44).
8 سورة النور، الآية (41).
9 سورة الإسراء، الآية (70).
10 توجد الكثير من المخاطر الخارجية التي تهدد البشرية على هذا الكوكب-وإن كانت في الأصل من نتاجها، ولكن باتحادها في إزالتها، والحد منها، سوف يسلمون من الضرر-، ومن تلك المخاطر والأضرار: تآكل طبقة الأوزون الهامة في حماية الأرض من الإشعاعات الضارة، فضلا عما تسببه من زيادة الحرارة ، مما يؤدي إلى ذوبان الجليد، مما يعني غرق أجزاء كبيرة من الأرض ودمارها، أو حتى احتراقها بتلك الحرارة- والعياذ بالله-؛ وهذا الضرر علاجه وأسلوب تداركه يكمن في التعاون الدولي في الحد من مسبباته، والتقليص منها. كذلك أزمة الأسلحة البيولوجية والكيماوية، ومخلفات المصانع، وأزمة شح المياه العالمية، وأزمة الأمراض المعدية، والمجاعة، والتصحر، ونفوق الأسماك، وغيرها من المخاطر والأضرار التي تتهدد الكيان البشري، المسؤول عن عمارة الكون صلاحا وإصلاحا، والمحتاجة إلى تضامن كامل وشامل بين الناس جميعا.
11 سورة الحشر، الآيتان (9، 10).
12 الثعالبي، تفسير الثعالبي، ج 3، ص 158.
13 سورة الحجرات، الآية (12).
14 البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ( وسننه وأيامه، كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، رقم الحديث 4849، ج5، ص 1976.
15 أخرجه الديلمي، شهردرا بن شيرويه الديلمي الهمذاني ( ت 509هـ)، الفردوس بمأثور الخطاب، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 ، 1986م، رقم الحديث 5825، ج 3، ص 583.
16 ابن ماجه، محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني ( ت 275هـ)، سنن المصطفى ( ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الرهون، باب تلقيح النخيل، رقم الحديث 2470، ج2، ص 825.
17 ابن ماجه، سنن المصطفى ( ، كتاب الفتن، باب الكف عمن قال لا إله إلا الله، رقم الحديث 3932، ج2، ص 1297.
18 المحاملي، الحسين بن إسماعيل الضبي (ت 330هـ)، أمالي المحاملي، تحقيق د. إبراهيم القيسي، المكتبة الإسلامية، عَمان، دار ابن القيم، الدمام، ط1، رقم الحديث460، ج 1، ص 395.
19 سورة النساء، الآيات (97، 99).
20 انظر: الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 5، ص 233.
21 الصابوني، صفوة التفاسير، ج 2، 405.
22 الشرقاوي، المرأة في القصص القرآني، المجلد الثاني، ص 495.
23 الغزالي، أبو حامد، أسرار المخلوقات، تحقيق محمد عبد الرحمن، وسعيد أيوب، د.ت، ص 68 .
24 أبو الوفا، شفاء العليل في عبر القرآن الكريم، ج 1، ص 52.

أعلى






النيرات المنيرات
أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها
موقف زينب رضي الله عنها من حديث الإفك

كان لزينب موقفا طيبا مع عائشة في حديث الإفك أثلج صدر عائشة رضي الله عنها فقد قالت فيها خيرا ودافعت عنها وقد ذكرت لها عائشة هذا الموقف النبيل بقولها : فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة بنت جحش فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارنى بدينها لأختها فشقيت بذلك .
تقواها وتصدقها رضي الله عنها

كانت زينب صالحة تقية صادقة التدين حتى أن السيدة عائشة شهدت لها بذلك قائلة : لم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد اتزانا لنفسها في العمل الذي يتصدق به ويتقرب به إلى الله عز وجل وعن عائشة أيضا أنها أثنت على زينب بنت جحش فقالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف: إن الله زوجها ونطق به النبي صلى الله عليه وسلم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا أسرعكن لحوقا بي أطولكن باعا فبشرها بسرعة لحوقها به زوجته في الجنة . كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: إن زينب أواهة أي خاشعة متضرعة كذلك كانت رضي الله عنها تتصدق على المساكين ما تصنعه بيدها وتحسنه وقيل: كانت مأوى المساكين ويروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أصبح أميرا للمؤمنين أرسل إليها عطاءها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اثني عشر ألف درهم فتصدقت به على ذوي قرابتها وأيتامها ثم قالت: ( اللهم لا يدركني عطاء لعمر بن الخطاب بعد هذا) وقد اشتهرت بكثرة الصدقات حتى لقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا. فكانت رضي الله عنها أول من لحق به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق .
روايتها الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روت زينب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عنها أحد عشر حديثا وذكر الذهبي أن أحاديثها في الكتب الستة بالإضافة إلى كتب المسانيد وقد روت عنها عدد من أمهات المؤمنين والصحابيات وزينب بنت أبى سلمة رضي الله عنهن جميعا .
وفاتها رضي الله عنها
توفيت زينب رضي الله عنها بالمدينة سنة عشرين من الهجرة ولها من العمر خمسون عاما أو يزيد وصنع لها نعش ويقال : إنها أول امرأة صنع لها النعش. هذا,وقد ذكر أن زينب رضي الله عنها أوصت أن تحمل على سرير النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل عليها نعش كما أوصت أن تحمل على سرير أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا يخرج على زينب ذو رحم من أهلها ونادى مناد بذلك وقد ذكر القرطبي في تفسيره أن عمر قال ذلك مراعاة للحجاب الذي نزل بسببها رضي الله عنها وعن آل البيت جميعا .
إعداد/أم الزبرجد الشيبانية.


أعلى





علّمني ممّا علمت رشداً

ـ طلب العلم فريضة لا يجوز طلبه لمباهاة ولا للمماراة ولا جاه، فمن طلبه لذلك فهو خاسر هالك.
ـ العلم حياة القلب من الجهل ، ونور البصر من الظلمة ، وقوة البدن من الضعف
ـ يجب على العالم مجانبة العجب ، فإنه بكل قبيح وبالعالم أقبح .
ـ لا يزال العالم عالما ما دام يتعلم ، فإذا رأى أنه استغنى فقد جهل.
إعداد فهد بن علي السعدي
قبل أن ندخل في صلب الموضوع نعطي نبذة مختصرة عن ضيف اللقاء، هو العلامة المحقق أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، ولد سنة 305 هـ تقريباً في بلدة كدم من أعمال الحمراء، وقد اجتهد في طلب العلم حتى نال بغيته منه، وتتلمذ على يد عدة مشايخ، منهم أبو عبدالله محمد بن روح وأبو الحسن محمد بن الحسن وغيرهما، ترك لنا مؤلفات جمّة، صارت العمدة في المذهب بعد ذلك، منها كتاب الاستقامة وكتاب المعتبر وغير ذلك، وقد عمل للإمامين الرضيين سعيد بن عبدالله وراشد بن سعيد، وكان إلى سنه 362 هـ على قيد الحياة، وبعد أن عرفنا شيئاً عن ضيف اللقاء نقول: إنّه كانت لدينا أسئلة عديدة، وقد أجاب عنها شيخنا ضيف اللقاء من خلال كتبه إجابة المحقق المجتهد، الخبير الفطن، فإلى تلك الأسئلة والأجوبة في ذلك اللقاء الشيّق .

** شيخنا أبا سعيد ما حكم طلب العلم ؟
* طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، لا يجوز طلبه لمباهاة ولا لمماراة ولا لذكر في الناس ولا لعظم قدر ولا جاه، فمن طلبه لذلك فهو خاسر هالك.
** بعد أن عرفنا حكم طلب العلم هلا بينتم لنا شيخنا فضــل العلم وفضل طلبه ؟!
* العلم حياة القلب من الجهل ، ونور البصر من الظلمة، وقوة البدن من الضعف، يبلغ العبيد (به) منازل الأحرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، به توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العقل والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، رضاً لما يطلب، وما انتعل عبد ولا تخفف ليغدو في طلب العلم إلا غفر الله له حيث يغدو عتبة باب بيته، وعمل قليل في علم خير من عمل كثير بلا علم، وقيل :- السائحون هم طلبة العلم ، وقيل :- أحبّ العباد إلى الله تعالى الغرباء في طلب العلم ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وبلغنا أن أعمال البرّ كلها مع طلب العلم كتفلة في بحر لجيّ، والعلماء ورثة الأنبياء وملح الأرض ومصابيح الدجى والإدلاء عند العمى والمشهورون في الأرض والسماء، وهم أمناء الله على وحيه وشهداؤه على خلقه ما لم يركنوا إلى الدنيا .
** بعد أن أوضحت جزاك الله خيراً فضل العلم ومكانة صاحبه، هنا سؤال يطرح نفسه، هل الجهاد على العيال وطلب الحلال أفضل أو التعليم والاتصال بالإخوان مع ترك المكسبة ؟
* معي أنّ هذا شيء يختلف الناس فيه، فكل منهم يذهب إلى معنى في مخصوص ما يخصّه إلا أنّه إذا كان ذلك كلّه فضيلة فلا أعلم شيئاً أفضل من طلب العلم، وأما إذا كان طلب المعاش فريضة، وطلب العلم فضيلة، فالفرض أولى من الفضيلة، وإذا صحّ للعبد قوت يومه يجري درراً من حالٍ قد علمه وعرفه، ولو كان يوماً بيوم، فإذا خلص ما يقوت به نفسه وعياله ، وخاف عدمه كان ذلك عندى أولى من طلب علم فضيلة، وقد يقال: أولى من طلب العلم فريضة إذا كان يقدر على الفريضة في حضرته، فيشتغل بها عن طلب قوته ذلك، ويضرّ به ذلك في قوته كان له أن يقعد على ذلك ما يخاف من ذلك مع الدينونة بالسؤال عمّا يلزمه متى قدر على ذلك .
** شيخنا المحقّق يشدّ طالب العلم سؤال مهمّ طالما حيّره، يقول السؤال:- ما أفضل للمتعلم إذا قام بما يجب عليه من العلم أن يتعلم من العلم الأصول في الدين أم الحلال والحرام من المسائل والأحكام ؟
* لا أحبّ أن يتعرى من أحد ذلك إن أمكن، ذلك أن يأخذ من كلّ فنّ شيئاً كان ذلك أعجب إليّ في هذا الزمان للحاجة، وإن كان لا يمكن ذلك ولا بدّ من الانفراد لأحد ذلك فالأصول أحب إليّ إلا أن يكون في موضع الحاجة، وكانت الحاجة من أهل زمانه إليه أكثر من ظواهر العلم، كان تعليم ذلك على هذا المعنى واعتقاده معونة أهل الحاجة إليه بما أمكنه وبلغ إليه أحبّ إليّ .
** وما أحبّ إليك ـ شيخنا الجليل ـ أن يعتقده المتعلّم للعلم بعد عقد النية لله ولوجه الله ؟
* أحبّ إليّ أن يكون اعتقاده في ذلك تعبداً لله واستعداداً لما يعنيه من ذلك قبل أن يعنيه ، ولما يلزمه قبل أن يلزمه له لما لزمه قبل أن يعلمه، لئلا يترك طاعة بجهل، ولا يدخل في محجور بعلم ولإرشاد من قدر على إرشاده من أهله، وممن قدر عليه في نيته أن يرشده إلى هدى أو يستنقذه من ردى، ومعناه أحسب أنّه قيل:- تعليم العلم من المتعلم اللازم يقصد إليه بعينه .
** شيخنا العالم ماذا يجب على المتعلم نحو معلّمه ؟ فإننا نرى كثيراً ممن يدّعون أنّهم طلبة علم يسيئون الأدب مع مشايخهم .
*اعلم أنّ الذي يجب على المتعلم لمعلمه أشياء كثيرة ، وإنما نذكــر منها طرفاً :-
1 ـ إذا أتى مجلس معلمه فإنّه يسلّم على أهل المجلس عامة ثمّ يفرده بالسلام خاصة .

2ـ أن يجلس بين يديه متذللاً ، وبوجهه عليه مقبلاً ، ويقلّ النظر إليه ويتواضع له ، وليعظمه ويجلله .
3 ـ لا يسأله من أول ما لقيه بل يعاود مرة بعد مرة، ثم يسأله التعليم، فإن أجابه شكر، وإن منعه عذر، فربّما كان ذلك من العالم نظراً في أمره واستبراء لرغبته .
4 ـ وليعاوده صابراً، ولا يضجر لنظره في مراده، وليرفق له في أقواله، وليتملق إليه في أفعاله، وذلك بالتودّد إليه والتلطف معه تلطفاً شديداً .
** شيخنا الفاضل :- نرى في هذا الزمان من يطلق عليهم علماء وهم مع ذلك يأتون ما لا يتلائم مع هذه المنزلة التي أنزلوا إياها ؟ فما الأمور التي ترى أن يتحلىّ بها العالم ؟
* 1ـ يجب على العالم مجانبة العجب، فإنه بكل قبيح وبالعالم أقبح .
2 ـ لا يتحرى بعلمه الأغنياء ولا وجوه الناس، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من باع علماً وأخذ عليه ثمناً أو كتمه أهله أو أعطاه غير أهله لا يزال في سخط الله حتى يتوب من ذلك " .
3 ـ ينبغي له إذا سأله المتعلم أن يجيبه، فإن عاوده متفهماً أن يفيده ويلبيه ولا يضجره، فربما لم يفهم عنه الجواب في أول مرة، فان بان له أنه يسأله متعنتا أو عانتا أو طالب رخصة أو متأولا صمت عنه ولم يجبه ، فإن المتعنت يريد الأذى، ويقصد الامتحان فجدير أن يقف المسؤول عن الجواب .
4 ـ لا يكتم علما سئل عنه إلا أن يكون تقية ، فإن من كتم علما يعلمه ألجمه الله بلجام من نار .
5 ـ يجب عليه أن يتوسم المتعلم بفراسته، وليعلم حقيقة حاله ومبلغ طاقته، ليعطيه ما يحتمله ولا يزيده فيذهله، ففي ذلك راحة للعالم واستراحة للمتعلم، ولا يبخس الذكي ولا يزيد البليد
6 ـ ليكن حسن الخلق متواضعا رفيقا للمتعلمين ، محتملا لتكرار المتفهمين ، واسع الصدر ، كثير الصبر ، عديم الضجر ، حليما كريما شفيقا ؛ لأنه بمنزلة المتطبب الذي يعالج الأمراض ، فينبغي الرفق في معالجته.
7 ـ ليكن كثير الصمت والوقار والسكينة ، فإن المتعلمين منه والمتحملين عنه يحتذون طريقته ، ويأخذون خلائقه ، فليكن إلى أسنى الخصال منهاجا ، ومن غي الضلال سراجا ، ويجب عليه أن يوقر المتعلم .

** بعد هذا اللقاء الطيب والرحلة الشيقة التي كانت كلها فوائد ونصائح في طلب العلم ، نطلب من شيخنا ضيف اللقاء أن يختم هذا اللقاء بتوجيه بعض النصائح إلى طلبة العلم ؟
* ذكر شيخنا عدة نصائح : ـ
ـ من تشجع بعلم كمن تورع بعلم .
ـ لا يزال العالم عالما ما دام يتعلم ، فإذا رأى أنه استغنى فقد جهل.
ـ ينبغي لطالب العلم والحكمة أن يذاكر كل شخص رآه ، فإنه يكون عنده على إحدى ثلاث خصال، إما أن يكون هو أعلم منه فيكون في ذلك موضع ربحه، وإما أن يكون الشخص أعلم منه فيكون قد وافق غنيمته، وإما أن يكون سواء فيكون موضع تجارته يعطي ويأخذ إذا صدقت نيته في ذلك.
ـ تواضعوا لمن تعلمونه ولمن تتعلمون منه .
ـ أولى الناس بالقرآن والعلم من عمل به لا من قرأه وعلمه ولم يعمل به .
ـ لا يدرك العلم إلا بإحكام الأثر ومحكمات الكتب والسير وصحيحات الرواية والخبر .
ـ وفي نهاية هذا اللقاء نتوجه بالشكر أجزله وأعطره إلى شيخنا المحقق أبي سعيد الكدمي رحمه الله .


أعلى







صور من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

لو رجعنا بالذاكرة إلى جميع كتب العلم وكتب السيرة لوجدنا أن أفضل من وصفهم الله بالحكمة , هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد استجاب الله تعالى لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام عندما دعا ربه ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) وقال تعالى ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) سورة الجمعة 2 ولقد امتن الله تعالى على رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن منحه الحكمة منذ الصغر من فترة صباه ظهرت عليه علامات الحكمة ومن المواقف التي نذكرها هنا : حضوره صلى الله عليه وسلم , حلف الفضول وكان عمره عشرين عاما ,في هذا الحلف اجتمع القوم وتعاهدوا على أن يكونوا يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدوا إليه حقه ولقد كان هذا الحلف أكرم حلف سُمع به ولقد شارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا قبل البعثة النبوية المشرفة بعشرين عاما وقال عنه بعد البعثة ( لقد شهدتُ مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم , فلو دُعيت به في الإسلام لأجبت ) وهذا لأن من الحكمة أن تقف في وجه الظلم , ومن الحكمة أن تقف بجوار المظلوم ونحارب البغي ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده من الحكمة البالغة , وحسن الفطنة , ورجحان العقل ما جعله مثالا أعلى في الحكمة الراشدة فكان يحث الناس دائما على أن يكونوا متعاونين في رد الحقوق إلى أهلها وعدم تشجيع الظالمين على ظلمهم , ومن أعظم المواقف التي ظهرت فيها حكمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبل البعثة موضوع بناء الكعبة , ووضع الحجر الأسود مكانه فلقد اختلفت القبائل واختصموا , وكانت كل قبيلة تريد أن تحظى بشرف حمل الحجر الأسود ووضعه في مكانه , ووصل الأمر إلى أن تكاد الحرب تشتعل بينهم , لولا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي أشار عليهم إلى أن يحكموا أول شخص يدخل عليهم , ويشاء رب العالمين أن يكون أول الداخلين عليهم هو سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ,فلما رآه الجميع قالوا : هذا الأمين رضينا حكمة وبالفعل كان الحل عند الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وكان الحل أن أمر بثوب فجيء بالثوب فأمر زعيم كل قبيلة بأن يرفع الثوب من طرفه , ثم رفعه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ووضعه في مكانه فكان هذا الحل بمثابة انتهاء مشكلة كادت أن تؤدي إلى نشوب حرب بين العرب في هذا الوقت , ولكن الله سلم ببركة حكمة النبي المجتبى صلى الله عليه وسلم , وإذا كانت حكمة رسول الله قد ظهرت قبل البعثة فإنها بعد البعثة قد ذادت واكتملت أكثر وأكثر فقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار المظلوم ودافع عنه ورد له حقه , وتتجلى حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة فلقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خطة الهجرة بحكمة بالغة وبصيرة راشدة : أولا سمح لأصحابه بالهجرة إلا أبا بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أما أبو بكر فلكي يكون رفيقا له ومؤانساً وصديقاً أما علي كرًم الله وجهه فلكي ينام مكانه , ويرد الأمانات إلى أهلها ثانيا : الهجرة تحتاج إلى الانتقال والمشقة وهذا يحتاج دابة قوية فجاء أبو بكر الصًديق براحلتين وقام على أمرهما ثالثا : الطريق يحتاج إلى رجل خبير يعرف كل الطرق المؤدية إلى المدينة فاستعان , بأحد الخبراء وهو عبد الله بن أُريقط مع أنه كان غير مسلم . رابعا : علم رسول الله صلى الله عليه وسلم , أن قريشا لن يهدأ لها بال عند سماعها الخبر , فكان لابد من أن يختبئ في الغار عدة أيام حتى تهدأ ثورة قريش خامسا : كيف سيتعرًف على أخبار مكة ؟ وكيف يتعرف علي الخطط التي تدبرها له ؟ فكان هنا دور عبد الله بن أبي بكر الصديق لينقل الأخبار في الليل , وقبل الفجر يعود إلى مكة كأنه كان نائما فيها سادسا : علم رسول الله أن أهل مكة يعلمون اقتفاء أثر الأقدام على الرمال , فكان هنا دور عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ليرعى غنمه , فتمحو أثر الأقدام , وفي نفس الوقت يحلب لهم اللبن , وأسماء بنت الصدًيق تجهز لهم الطعام , طوال فترة بقائهم في الغار , ثم كان الأمر لعلي بن أبي طلب كرًم الله وجهه بأن ينام مكان الحبيب صلى الله عليه وسلم : هل هناك أخي المسلم حكمة وتدبير بمثل هذه الحكمة البالغة لمثل هذه الرحلة الشاقة العسيرة والله إنها لحكمة خير خلق الله أجمعين وكل هذا كان يتوجيه من الله رب العالمين فمن هذا الموقف يتبين لكل مسلم أن سيد الخلق وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم هو أحكم الحكماء على مر الدهور , وأيضا تتجلى لنا حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد هذه الغزوة يتبين لكل مسلم ومسلمة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم قائد للحروب وأعظم من يتولى إدارة الجيش في أصعب اللحظات حيث ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى أحد , وهو جبل كثير المسالك والشعاب تقطعه عدة وديان وعندما وصل رسول الله إلى المكان المحدد لهم عبء جيشه , وهيأهم صفوفا للقتال , وكان عدد المسلمين في أول الأمر عند خروجهم من المدينة ألفين من الجنود , إلا أن عبد الله بن أبي , انسحب بثلث الجيش وهم في الطريق , وقال : ما ندري علام نقتل أنفسنا ؟ المهم أن رسول الله أدار المعركة بحكمته المعهودة , واختار مائة وخمسين من الرماة , وجعلهم على الجبل ونصحهم قائلا : ( احموا ظهورنا , فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ,وإن رأيتمونا قد غنمنا , فلا تشاركونا ) والغزوة مشهورة في كتب السيرة , كل ما يهمنا هنا , أن نذكر مدى حكمة رسول الله وشجاعته , في تنظيم الصفوف , ولو كان الرماة سمعوا لأوامره صلى الله عليه وسلم لانتصر المسلمون نصرا مؤزرا , ولكن مخالفة الرماة لأمر رسول الله ونزولهم ليشاركوا في جمع الغنائم : كان هو السبب في هزيمة المسلمين : فنفهم من هذه المواقف كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم , من أعظم الحكماء بل هو بالفعل أحكم الحكماء على ظهر هذه الأرض وإن شاء الله تعالى للحديث بقية عن حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ندعو الله تعالى أن يجعل هذه الكلمات البسيطة دافعا ومشجعا لكل مسلم ومسلمة , أن يتسلحوا بسلاح الحكمة في أقوالهم وأفعالهم وفي كل تعاملاتهم الدنيوية فينتج عن ذلك الخير الكثير من , الحكمة ومن يؤته الله الحكمة فهنيئا له , لأنه قد أوتي خيرا كثيرا . اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . اللهم آمين , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
إبراهيم السيد العربي


أعلى




أضواء حول الرسول صلى الله عليه وسلم

عبد الرحيم جاد الرب
كلما أهل هلال شهر ربيع الأول تاقت النفوس إلى شمائله الشريفة صلوات الله وسلامه عليه وسنعيش أخي القارئ الكريم مع هذه الأضواء النورانية وبعض الشمائل المحمدية فمن قواعد الإيمان الأساسية أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا بينه نبي الله في كتابه الكريم : ( لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم جدير بهذا الحب ، أليس هو النبي الذي رفع الله ذكره وأعلى قدره ، وقرن اسمه باسمه ، إذ يقول : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) التوبة : 62 أليس هو الذي حذر الله من مخالفة أمره ، إذ يقول : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور آية 62 . أليس هو الذي قرن الله طاعته بطاعته ، فقال : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) النساء 80 . أليس هو الذي قرن الله محبته باتباع هديه والسير وراءه فقال : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) آل عمران آية 31 . لقد أحبتك القلوب يا رسول الله القلوب المؤمنة وعرفت لك قدرك وأجلت فيك إخلاصك وصفاءك ونقاء سريرتك وهل ننسى يوم نزلت السوق فسمعت عبدا ينادي وسيده يعرضه للبيع والعبد يقول : من أراد شرائي فلا يمنعني من الصلاة وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه أحد الناس وظل العبد يحافظ على الصلاة وراءك ولا تفوته تكبيرة الإحرام في فريضة ، ولما بلغك أنه مريض ذهبت بنفسك لتعوده ولما توفي صليت عليه لتكون صلاتك شفاعة له في الآخرة .. لا ننسى في يوم ميلادك يوم دخلت على ثوبان ذلك الغلام المتواضع الفقير ، فرأيته يبكي فسألته : ما يبكيك يا ثوبان ؟ قال يا رسول الله ، إنك إن غبت عني اشتقت إليك فتبكي عيناي فإذا تذكرت الآخرة وإنني لن أكون معك في الجنة حيث أنت في أعلى درجاتها ازداد بكائي عندئذ هبط أمين الوحي جبريل بقول الله تبارك وتعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ) النساء : 69 . وهذا مشهد تمتلئ له النفس روعة وجلالا لصدق الحب الذي امتلأت به قلوب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم روى الإمام مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سل ) فقلت : أسالك مرافقتك في الجنة ، قال : ( أو غير ذلك ؟ ) قلت : هو ذاك ، قال : فأعني على ذلك بكثرة السجود ) أجل يا رسول الله ، أعد على سمع الناس هذه العبارة النبوية الشفافة الطاهرة : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين). وكيف لا نحبه وهو الذي أعاد انسجام الكون القارئ الكريم : لقد أراد الله عز وجل بولادة هذا النبي العظيم ، أن يدمغ الباطل الذي استفحل أمره ، وأن يقضي على الوثنية والجاهلية ، وأن يقيم معالم الحق والهداية ، ويطهر الأرض من شرورها وآثامها ، وبهذا تكون ولادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خيرا عميما على المجتمع الإنساني بأسره ، ورحمة عامة للبشرية قاطبة ، وهداية قويمة للناس أجمعين ، وصدق الله العظيم حيث يقول : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) سورة الأنبياء ، الآية :[ 107 ] كان العالم قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، يهيم في تيه من الجهل والأوهام ، ويعيش في جو من الفوضى والاضطراب ، حيث لا دين يمنعه ، ولا قانون يردعه ، ولا منصف يوقفه عند حده آلهتهم الحجارة والأشجار ، ورسولهم الهوى والشيطان ، ودينهم المادية والأنانية ، ومبدأهم الوحشية والعصبية يعبدون الأصنام ويُعرضون عن الله بارئ الكون وخالق النَسَم ، وضلوا ضلالا بعيدا وفي الجملة فإن العالم أجمع ، كان يسبح في بحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض ، وإن الأرض كانت في حاجة إلى مصباح منير ، وهاد رشيد يخرج الإنسانية من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ، ومن ضلال الباطل إلى هداية الحق ، ومن
مزالق العمى إلى مدارج الرشاد، ومن الحيرة إلى المعرفة ، فطهرنا الله من الشرك ودنايا الأخلاق ، وزالت ببعثته الأحقاد والخصومات صل الله وسلم وبارك عليه.


أعلى


 

من أعلام عمان

الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي

يدخل الأبناء على أبيهم كعادتهم ملقين عليه تحية الإسلام .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبي.

الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أهلا بكم تفضلوا.
بعد جلوس الأبناء يبدأ الأب حديثه قائلا:
اليوم يا أحبائي ضيف جلستنا من بوشر الواقعة في محافظة مسقط.
خالد: ومن هذا العالم الذي سكن بوشر يا أبي.
الأب: إنه المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي - رحمه الله تعالى وينتهي نسبه إلى الإمام الصلت بن مالك.
سارة: متى ولد الشيخ سعيد؟
الأب: سؤال جيد يا سارة .
لقد ولد عالمنا كما تذكر معظم المصادر عام ألف ومائتين وست وثلاثين للهجرة .
عمر: إذا سمحت يا أبي حدثنا عن نشأته.
الأب: نشأ الشيخ سعيد يتيماً في كفالة جده الشيخ أحمد بن صالح حيث توفي أبوه وهو صغير فنشأ نشأة صالحة وتربى على الأخلاق الحميدة وتلقى علمه على يد الشيخ سعيد بن عامر الطيواني والشيخ حماد بن محمد البطاشي والشيخ ناصر بن جاعد الخروصي.
خالد: لقد وصفت الشيخ سعيداً بالمحقق فما سر هذا الوصف؟
الأب: السبب في ذلك بسيط حيث كان- رحمه الله- يتحقق من المسائل ويدقق فيها قبل الإجابة عليها.
وهناك حادثة تدل على ذلك حيث تقدم إلى المحقق اثنان متخاصمان فتكلم المدعي ورد المدعي عليه فسكت الشيخ طويلا حتى تعب الرجلان من الانتظار وكان الشيخ صالح بن علي - رحمه الله - بجانبه فقال له: أيها الشيخ أراك لم تحكم بين هذين فرد الشيخ سعيد : إن في المسألة عشرة أقوال ولا بد لي من ترجيح أحدها .
خالد : ما شاء الله على هذا العالم وأمثاله وليس كما يفعل بعض الجهلة في زماننا هذا حيث يفتون بغير علم فيفترون على الله الكذب ويضللون العامة بضلالهم .
سارة : هل كان الشيخ سعيد غنياً؟
الأب: نعم كان غنياً حيث ورث الأموال عن جده الشيخ أحمد إذ لم يكن له وريث غيره. لكن في اعتقادكم يا أبنائي ماذا فعل بهذه الأموال؟
عمر: كما يفعل معظم الناس في زماننا هذا حيث ينفقونها في شراء الطعام والملابس وسائر ملذات الدنيا.
الأب: أبداً يا عمر أنى للشيخ سعيد (رضوان الله عليه) أن يفعل ذلك وهو الزاهد في هذه الحياة بل أنفق معظم ثروته من أجل إقامة إمامة عادلة في عمان وكذلك في سبيل العلم وخاصة للمنقطعين لطلبه.
خالد: أبي لأنت ذكرت أنه كان زاهداً فحدثنا عن هذا الجانب من حياته.
الأب: كان زاهداً الشيخ المحقق ينطلق من البعد عن كل ما يشغله عن ذكر ربه والتأمل في مخلوقاته حيث نجده داعياً إلى ذم الدنيا وترك ملذاتها وهذا ما نلحظه في شعره ومن ذلك قوله:

وأرنو إلى الدنيا بعين تفكر
فلم أرني أرنو إلى غير خسران
فوجهت وجهي تاركا كل مظهر
إلى المظهر الأعلى صرفت عناني


عمر: إذن كان- رحمه الله - شاعراً.
الأب: هذا صحيح فهو يتمتع بقريحة شعرية فذة لكنه لم يكن في شعره يهيم في كل واد أو يقول ما لا يفعل بل كان شعره يدعو إلى الاستقامة على طريق الخير كما أنه في شعره شديد التعلق بالله تعالى متصلا به ومن ذلك قوله :

أعاين تسبيحي بنور جناني
فأشهد مني ألف ألف لسان
وكل لسان أجتلي من لغاته
إذا ألف ألف من غريب أغان
ويهدي إلى سمعي بكل لغية
هدى ألف ألف من شتيت معان
وفي كل معنى ألف ألف عجيبة يقصر عن إحصائها الثقلان


خالد: إني أتعجب مما وصل إليه علم المحقق الخليلي وكأنه يتكلم عن الخلايا التي أكتشفها العلم الحديث وكيف أن جسم الإنسان مؤلف من مليارات الخلايا.
سارة: زدنا عن هذا العالم الجليل فإني أحس بالرغبة لمعرفة المزيد عنه.
الأب: كان الشيخ سعيد بن خلفان متواضعاً للصغير والكبير يقضي حاجات الناس رفيقاً بهم قائماً على إصلاح ذات البين بينهم واسع الصدر إلا إذا انتهكت محارم الله .
خالد: ما أعظم هذه الشخصية وأمثالها! أدعو الله تعالى أن يجعلني مثلهم أسير على طريقهم كما ساروا على طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم ونهج الصحابة (رضوان الله عليهم ).
عمر وسارة: ونحن كذلك يا خالد.
الأب: أبارك فيكم حبكم للعلماء لذلك عليكم بالجد والاجتهاد والتزام منهج الله في أمور حياتكم حتى تنالوا خيري الدنيا والآخرة.
ويواصل الأب حديثه قائلا: ومما يذكر عن هذا الشيخ أنه كان يتلقى العلم على يد شيخة سعيد بن عامر الطيواني وكان عمره آنذاك ست عشرة سنه فتغيب عن الدراسة فترة فافتقده أستاذه وذهب إلى بيته ليسأل عنه فلما عاد إلى أمه أخذت تلومه وتوبخه لانقطاعه عن الدراسة لكنه عاد إلى أستاذه وقدم اعتذاره لكن يا أبنائي في اعتقادكم بم أعتذر هذا الفتى لتغيبه عن حلقة العلم؟!
عمر: أعتقد أنه كان مريضا .
سارة: أما أنا فأظنه قد مل من الدراسة وأراد لأن يلهو كما يلهو الفتيان في سنه .
الأب: وأنت ياخالد أراك شارد الذهن .
خالد: نعم يا أبي ..فأنا لا أعتقد أن مثل هذا الشيخ سعيد بن خلفان - رحمه الله- يمل من الدراسة ولعل السبب يكون راجعاً إلى رغبته في تغيير معلمه إلى شيخ أخر.
الأب: أبداً .. كل ما قلتموه ليس بصحيح هذا لو كان الشيخ سعيد كبعض فتيان زماننا الذين يتهربون من العلم وينتحلون الأعذار الكاذبة أما الشيخ سعيد فقد عاد إلى أستاذه وهو يحمل مؤلفاً أسماه ?مقاليد التصريف ?كتبه بلغة بسيطة سهلة الاستيعاب وهو عبارة عن منظومة في علم الصرف.
خالد: هكذا علماؤنا دائماً لا يضيعون أوقاتهم في اللهو فهم يتذكرون قول الرسول صلى الله عليه وسلم :(لا تزول قدما ابن ادم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه ؟وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأب: أيضاً له مؤلفات أخرى كثيرة أعدد لكم بعضاً منها:
1. تمهيد قواعد الإيمان.
2. إغاثة الملهوف.
3. مظهر الخافي .
4. بعض الأجوبة المتفرقة والرسائل الصغيرة.
5. سمط الجوهر الرفيع في علم البديع.

سارة : أراك توقفت يا أبي هل أنهيت كلامك عن هذا العالم؟
الأب: بقي لي أن أقول لكم إن حياة الشيخ المحقق سعيد بن خلفان -رحمه الله- قد انتهت بقتله مع ابنه محمد من قبل أحد الحاقدين عليه لكن أجره عند ربه تعالى حيث يقول (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).
الأبناء: جزاك الله خيراً يا أبي . نستودعك الله.
الأب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المرجع: سلسلة من أعلام عُمان للناشئة

 

 

أعلى


 


(وقل اعملوا...)*

*احترام البيئة*
أيها القراء الأكارم:
الإنسان المسلم يحترم الطبيعة ويقدرها, وهذا الاحترام يبعثه في نفس الإنسان أمران:
الأول: أن آيات الكون بما تحمل من الدلائل, تطبع في عقل الإنسان وضميره أنه لا حد لقدرة الخالق وحكمته وعلمه ... والموارد الطبيعية هي خلق الله, وآثار رحمته, وفضله بين أيدينا, وهي من أعظم النعم التي من الله بها على بني آدم , وهي أمانة ووديعة عندنا, لذلك كانت جديرة بالاحترام, قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا).
*الثاني: أن الإنسان صاحب رسالة عالية في الحياة خالطت فكره ووجدانه, فهو يحبها ويحيا لها ... وهو يعلم أن تلك الطبيعة بما حوت مسخرة له, لتكون عونا له على أداء رسالته ... ويحمله ذلك كله على احترام الطبيعة.
والنتيجة الاقتصادية التي تترتب على ذلك كله أن هذا الاحترام يمنع الانسان من الاستهانة بالطبيعة أو العبث بها .
ويدعوه لحبها, ولا سيما أن الله عز وجل وجه أنظار الناس إليها, وما فيها من أسرار كونية, ومنافع اقتصادية, قال تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين* وفي أنفسكم أفلا تبصرون* وفي السماء رزقكم وما توعدون).
وتعاليم الاسلام تبعث في نفس الانسان احترام موارد الطبيعة مهما كانت منفعتها قليلة, والمسلم لا يفرق بين مورد اقتصادي كبير أو قليل, فالكل نعمة من الله عز وجل, والكل يستحق التقدير, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله تعالى يوم القيامة يقول: يا رب, إن فلانا قتلني عبثا, ولم يقتلني لمنفعة). فالقتل هو القتل بالنسبة للعصفور, ولكن اعتراضه أن يقتل في غير منفعة ... ويرشدنا الحديث إلى ضرورة الاهتمام باستغلال الموارد الطبيعية المتاحة بالشكل السليم, وعدم استغلالها في مجالات لا تخدم التنمية الاقتصادية ولا تحقق العائد الأكثر فائدة عند استخدام الأصل الرأسمالي في موقع لا يتلاءم مع طبيعته التي وجد لها. ويوجهنا أيضا إلى عدم استغلال الموارد الطبيعية فيما لا فائدة فيه, والعمل على خلق السلوك القويم تجاه الموارد البيئية بعدم إهدارها, والعناية بها, لأنها لم تخلق إلا لخدمة الإنسان ومنفعته.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept