أعلى
اليوم .. اجتماع مسئولي الإعلام الخارجي بمجلس التعاون
بالرياض
الرياض ـ العمانية:
يعقد بمقر الأمانة العامة لمجلس التعاون اليوم الاجتماع
السابع عشر لمسئولي الإعلام الخارجي بدول مجلس التعاون
لدول الخليج العربية. وقال الدكتور مرزوق بشير مرزوق
مدير عام الاعلام بالامانة العامة لمجلس التعاون
فى تصريح له إن الاجتماع سيناقش العديد من المواضيع
المتعلقة بالتعاون المشترك في مجال الاعلام الخارجي
من بينها تنفيذ قرارات الاجتماع السادس عشر لوزراء
الاعلام المتعلقة باستمرارية أيام مجلس التعاون
في أوروبا والبرنامج التنفيذي لايام مجلس التعاون
المقترح اقامته في هولندا أواخر شهر أكتوبر القادم.
وأكد مدير عام الاعلام على أهمية استمرار اقامة
هذه الايام لما لها من مردود ايجابي على مستوى التواصل
بين النخب الخليجية والاوروبية موضحا أنها حققت
نجاحا ملحوظا من خلال التجارب السابقة والتي أقيمت
في باريس وبروكسل وبرلين حيث شملت برامجها محاضرات
وندوات في مجال الاقتصاد والاستثمار وحوار الحضارات
بين العالمين الاسلامي والغربي بالإضافة إلى الدور
السياسي والاقتصادي والثقافي للمرأة في دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية.
أعلى
نور الدين السالمي "أمة في رجل"
حمزة السالمي لـ(أشرعة):أنجز خلال حياته الموجزة
أضعاف ما ينجزه العظماء في أضعاف عمره
حاوره ـ إيهاب مباشر:نشأ
في بلدته الحوقين وترعرع فيها، وعندما بلغ اثنتي
عشرة سنة كفَّ بصره وقد عوضه الله بذكاء حاد وحفظ
شديد، ذكر عن نفسه تحدثا بنعمة الله عليه أنه وقعت
أمام عينه حادثة وهو صغير وعندما أخبر والديه وعند
التحري عن عمره في ذلك الوقت، تبين أنه كان (أربعة
أشهر) .. ربع القامة تعلوه سمرة ليس بالسمين المفرط
ولا بنحيف الجسم، مكفوف البصر نير البصيرة مدور
اللحية سبط الشعر .. شديد الغيرة في ذات الله تعالى،
لا تأخذه فيه لومة لائم، يقول الحق وينطق بالصدق،
يرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول البال بأمته
يفرح بما ينفعها ويحزن لما يضرها. كان خطيبا منطقيا
يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل حسب ما
يقتضيه المقام بأبلغ بيان وأفصح لسان .. عاش حياة
ملؤها العلم ونصرة الدين والحق وإقامة العدل، عاش
48 سنة وبضعة أشهر عالما وقائدا ومؤلفا ومعلما ومتعلما
ووالدا. كان ضريرا يحتاج إلى قائد يهديه السبيل،
فأصبح يهدي الشعب السبيل. أنجز خلال حياته الموجزة
هذه أضعاف ما يستطيع العظماء أن ينجزوه في أضعاف
عمره إن رُزِقوا ذلك العمر، إنه بحق (أٌمَّةٌ في
رجل) .. إنه العلامة نور الدين السالمي .. التقت
(أشرعة) أحد أحفاده حمزة بن سليمان بن محمد (شيبة
الحمد) بن عبد الله (نور الدين) السالمي .. الموظف
بدائرة الدراسات العليا والبحث العلمي .. بمعهد
العلوم الشرعية بمسقط .. الحاصل على شهادة البكالوريوس
في مجال الفقه والدعوة من معهد العلوم الشرعية بمسقط
.. فتحدث عن حياة جده الإمام نور الدين السالمي
وآثاره العلمية .. وكان الحوار التالي ..
نــسبه
* هلاَّ أخبرتنا عن نسب الإمام نور الدين السالمي
؟
** هو الإمام عبد الله بن حميد بن سُلُوم (بضم السين
وضم اللام مع تخفيفها) بن عبيد بن خلفان بن خميس
السالمي. والسالمي نسبة إلى سالم بن ضبة بن أد بن
طابخة (عمرو) بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن
عدنان. أما والد الإمام فهو الشيخ حميد بن سلوم
السالمي، وكان رجلا وجيها وفاضلا ذا تقوى وورع،
وهو أول أساتذة الإمام حيث درس على يديه القرآن
الكريم.
ولا يعلم تاريخ مولد الشيخ حميد ولم يذكر عنه شيء
سوى أنه توفي في عام 1316هـ وهو في طريقه إلى الحج
عن غيره.
وقد رثى الإمام والده بمرثية بليغة جدا قال فيها:
لهفي على شيخ نشأت بحجره زين الصنائع .. رجب الجميل
مهذب حَسَن الشمائل والطبائع .. طلق المحيا في الشدائد
صدره في الضيق واسع .. قد طالما أسدى عليَّ من الجمائل
والمنافع .. كم قد أضر بنفسه ليكون لي واقٍ ونافع
.. كم حُرِمَت عيناه طعم الغمض والمغرور هاجع ..
قد كان بالأولاد براً شاكرا لو كنت قاطع .. فنُعي
إليَّ وليتني ما كنت ذاك النعي سامع .. أبتاه إني
كنت في اللقيا قبيل الموت طامع .. فنأى بك الأجل
المقدر في بعيدات المواضع .. قضت المنية والرضى
بقضائها أن لست راجع .. جاورت بيت الله لمّا صرتُ
عنه غير شاسع .. في جدةٍ جاورت حوا والمهيمن خير
جامع .. فقضيت نحبك في اغتراب يالخطب فيك فاجع ..
أخذت مصائبهم فؤادي والحشا مني نوازع .. لولا التيقن
في اللحاق بهم لأسبلت المدامع .. وأسلت ماء حشاشتي
لكنني لا شك تابع .. فعسى المهيمن أن يداركني بعفو
منه واسع .. وعساه يمطر رحمة من فضله تلك المضاجع
.. متوسلا بمحمد هادي البرية خير شافع .
أما والدة الإمام فهي امرأة من بني كاسب واسمها
(موزة)، وقد توفيت والإمام صغير لم يتجاوز الخامسة
من عمره وخلفته هو وأخته الأكبر عنه (زوينة).
ثم تزوج الشيخ حميد بامرأة أخرى رزقه الله منها
ولدين هما: حسن وراشد.
أما حسن فقد توفي بعدما جاوز الحلم ولم يتزوج. وأما
راشد فقد بقي بعد وفاة الإمام السالمي مدة ليست
بالقصيرة.
وأخت الإمام السالمي الوحيدة، هي زوينة أكبر منه
بالعمر وقد فقدت بصرها في صغرها وتوفيت بعد الإمام
السالمي عام 1935م تقريبا.
كنيتــه وألقابه
* وماذا عن كنيته وألقابه ؟
** جرت العادة على أن يكنى الشخص بأكبر أبنائه الذكور،
فكان الإمام يكنى بأكبر أبنائه وهو محمد، فيكنى
بـ(أبي محمد) ، واشتهر بهذه الكنية فتراه يذكر بها
في معظم مؤلفاته. ويكنى أيضا بـ(أبي شيبة). (وشيبة
الحمد) هو لقب ابنه (محمد) وقد ذكر هذه الكنية أبو
مسلم البهلاني في مرثيته للإمام حيث يقول:
يا أبا شيبة من أرجو لها حسبي الله إذا عز وجل ..
يا أبا شيبة عزَّ الملتقى وقطين الرمس مقطوع النقل
.. يا أبا شيبة عزت حيلة عن دفاع الموت أو وصل الأجل
.
وكان يلقب بألقاب عديدة اشتهر بواحد منها حتى طغى
على اسمه فأصبح يذكر فقط بلقبه وهو (نور الدين)،
ويقال إن (قطب الأئمة) الشيخ محمد بن يوسف أطفيش
هو من لقبه بهذا اللقب.
ميلاد الإمام السالمي
* اختلفت الروايات حول ميلاد نور الدين السالمي
.. هل تذكر لنا تلك الروايات .. وما يترجح لديك
منها ؟
** ولد الإمام السالمي في بلدة الحوقين، وهي موطن
آبائه، وهي من أعمال ولاية الرستاق في التقسيم المدني
الحديث والقديم.
واختلفت الروايات في ولادة الإمام السالمي إلى خمسة
أقوال، نذكرها حسب التسلسل التاريخي: (الأولى) أنه
ولد عام (1283هـ/1866م): وذكرت هذه الرواية استنادا
إلى ما ذكره الإمام السالمي في رسالة وجهت إليه
وطُلب فيها ذكر عمر المجيب فذكر (من عبدالله بن
حميد السالمي البالغ من العمر ثلاثا وأربعين (43)
سنة تقريبا الساكن القابل من شرقي عمان سنة 1326هـ)
فبإنقاص عمر الإمام في ذلك الوقت مع السنة المذكورة
يظهر أنه ولد في هذه السنة المذكورة. و(الثانية)
أنه ولد عام (1284هـ/1867م): وقد ذكر هذه الرواية
عبد الرحمن بن سليمان السالمي عند تحقيقه لكتاب
الإمام السالمي (روض البيان على فيض المنان في الرد
على من ادعى قدم القرآن).
و(الثالثة) أنه ولد عام (1286هـ/1869م): وقد ذكر
هذه الرواية الكثير وأظنها تداولت نقلا عن بعضهم
البعض، بل صارت الرواية الأشهر لمولد الإمام، ولا
أعلم مستند أصحاب هذا القول. و(الرابعة) أنه ولد
عام (1287هـ/1870م): وذكرت هذه الرواية عرضا في
بعض الكتب، وهي السنة التي قتل فيها الشيخ المحقق
سعيد بن خلفان الخليلي، وتم الاستناد عليها لهذا
السبب وهو أنه لا يموت عالم إلا ويولد عالم مكانه
يحمل شعلة العلم وهذا ليس بدليل.
و(الخامسة) أنه ولد عام (1288هـ/1871م): وذكرت هذه
الرواية استنادا إلى ما ورد أن الإمام السالمي ألف
أول مؤلف له وهو (شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل)
عام 1305هـ وهو ابن سبعة عشر عاما، فبالمقارنة بين
عمره ووقت تأليفه يظهر أنه ولد في السنة المذكورة.
وعلى ما يترجح لي من الأقوال المعروضة أعلاه الرواية
الثانية، وذلك أنه ولد في عام 1284هـ، يؤيد هذا
القول ما كتبه الإمام السالمي عن عمره في رسالة
وصلته من الشيخ سليمان باشا الباروني، وقد طلب منه
في آخرها ذكر عمر مجيب الرسالة فأجاب: (من عبدالله
بن حميد السالمي البالغ من العمر ثلاثا وأربعين
43 سنة تقريبا الساكن القابل من شرقي عمان سنة 1326هـ)
، فإذا كان الإمام السالمي قد توفي في الخامس من
شهر ربيع الأول 1332هـ، فيكون قد عاش بعد كتابته
لهذه الرسالة 6 أو 7 سنوات وذلك لعدم ذكر الشهر
الذي كتبت فيه هذه الرسالة، فيكون عمر الإمام السالمي
وقت وفاته 49 أو 50 عاما على حسب ما ذكر في رسالته،
ولكن ذكر ابنه (شيبة الحمد) في كتابه (نهضة الأعيان)
أن الإمام السالمي توفي وله من العمر 48 عاما وأشهرا،
فبإنقاص عمره من سنة وفاته يتبين أنه ولد عام (1284هـ/1867م)
وهذا هو الأرجح على ما يتبين لي، وذلك لأن الإمام
السالمي ذكر عمره في رسالته بقوله: (43 سنة تقريبا)
وهو احتمال أن يكون عمره 42 سنة وبضعة أشهر وعادة
يكون التقريب للعدد الذي أمامه، فلو كان مثلا 42
سنة وشهرين فكثير منهم يقرب للعدد الذي أمامه فيكون
43 سنة.
نشأته
* عود على بدء، إلى نشأته في بلدة الحوقين .. هل
تذكر لنا شيئا عنها؟
** نشأ الإمام نور الدين السالمي في بلدته الحوقين
وترعرع فيها في كنف والده ـ رحمه الله ـ وتوفيت
عنه والدته وخلفته صغيرا هو وأخته، وعندما بلغ اثنتي
عشرة سنة كفَّ بصره وذلك بسبب مرض يصيب العين يعرف
الآن بمرض (التراخوما)، عوضه الله بذكاء حاد وحفظ
شديد، ذكر عن نفسه تحدثا بنعمة الله عليه أنه وقعت
أمام عينه حادثة وهو صغير وعندما أخبر والديه وعند
التحري عن عمره في ذلك الوقت، تبين أنه كان (أربعة
أشهر) .
صفاته
* ماذا عن سماته وأخلاقه ؟
** أما صفاته الخَلقية فقد (ذكرها ابنه وملازمه
في حياته) (شيبة الحمد) في كتابه: (نهضة الأعيان)
بقوله: كان ربع القامة تعلوه سمرة ليس بالسمين المفرط
ولا بنحيف الجسم، مكفوف البصر نير البصيرة مدور
اللحية سبط الشعر به أثر جدري أصابه في بندر جدة
على أثر رجوعه من حج بيت الله الحرام فعاقه عن زيارة
قبر الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وعن صفاته الخُلقية: أنه كان شديد الغيرة في ذات
الله تعالى، لا تأخذه فيه لومة لائم، يقول الحق
وينطق بالصدق، يرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول
البال بأمته يفرح بما ينفعها ويحزن لما يضرها. كان
خطيبا منطقيا يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل
حسب ما يقتضيه المقام بأبلغ بيان وأفصح لسان.
كان جوادا سخيا قلَّ ما أكل طعاما وحده، يقدم للضيف
ما حضر بلا تكلف ولا بطر. وكان كثير التفقد والتعرف
على حاجة إخوانه وتلامذته ليواسيهم. وكان عظيم الهيبة
لا ينطق أحد في مجلسه إلا أن يكون سائلا أو متعلما
أو ذا حاجة جدية.
فترات حياته
* حياة نور الدين السالمي كانت حافلة بالعلم والعمل
وقد تميزت كل حقبة فيها
باهتمام معين منه سواء بالعلم أو العمل أو الدعوة
.. ألا تخبرنا عن فترات حياته ؟
** نعم .. كما ذكرت، فحياته كانت حافلة بالعطاء،
سواء في العلم أو التدريس أو الدعوة، ولذا قمت بتقسيمها
إلى فترات وكل فترة تختص بجانب من عطائه، فقد كان
في فترة من فترات حياته مشغولا بطلب العلم والأخرى
كانت حول عمله بالتدريس والكثير من فترات حياته
المليئة بالعلم والعمل وهو ما سأفصله فيما يلي :
الفترة الأولى: رحلته في طلب العلم (1284هـ- 1314هـ)
درس أول الأمر القرآن الكريم على يد والده - حميد
بن سلوم - ولم يتم حفظ القرآن الكريم كما هو يتوارد
في أذهان كثير من الناس، ومن ثمَّ هاجر إلى الرستاق
للتعلم في مدرستها الشهيرة القائمة في مسجد البياضة،
وكان بها مشاهير العلماء القائمين بالتدريس فيها
وكانت تدرس بها شتى العلوم من نحو وصرف وفقه وعقيدة،
فدرس بها وترعرع تحت لبناتها، وفي أثناء دراسته
في الرستاق عام 1301هـ/ 1884م ألف أول مؤلف له وهو
(شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل) وكان عمره
في ذلك الوقت سبعة عشر عاما.
ثم خرج من الرستاق في رحلته لطلب العلم إلى نزوى
عام (1306هـ- 1888م) فتعلم فيها على يد الشيخ محمد
بن خميس السيفي، ومن ثم خرج من عنده إلى قرية الفيقين
بمنح فتعلم على يد الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي،
فقابله في ذلك الوقت في قرية الفيقين الشيخ سلطان
بن محمد الحبسي وهو زعيم قبيلة آل حبس في ذلك الوقت،
فأعجب به وبنباهته فطلبه لتعليم أبناء بلدته فرفض
(نور الدين) لأنه يرى نفسه متعلما وليس معلما وبعد
إلحاح شديد وافق على طلب الشيخ الحبسي فاستقر في
بلدة المضيبي معلما لأبنائها، وتزوج منها، واستقر
في المضيبي مدة من الزمان يعلم في مسجدها المعروف
بمسجد (الحساب)، وخرج من بعد ذلك في رفقة الشيخ
سلطان الحبسي لزيارة الشيخ صالح بن علي الحارثي
ولكن هذه الزيارة تحولت إلى استقرار للإمام السالمي
في بلدة القابل للتعلم تحت يد الشيخ صالح بن علي
الحارثي مع رفضٍ من قبل الشيخ سلطان الحبسي لهذا
الموقف، ولكن بعد اقتراح نور الدين السالمي بإنابة
ابن عمه محمد بن شيخان السالمي مكانه في التعليم
في بلدة المضيبي وافق الشيخ الحبسي على الأمر وانتقل
ابن شيخان للتعليم في بلدة المضيبي واستقر الإمام
السالمي في بلدة القابل لتكون الأساس في إنشاء مدرسته
العلمية الشهيرة.
كان استقرار الإمام نور الدين في قرية القابل عام
1308هـ وكان عمره آنذاك 24 عاما فأخذ بالتعلم تحت
يد شيخه صالح بن علي، وأخذ بالتدريس والتأليف أيضا،
فالشيخ صالح بن علي لم يكن يتفرغ كثيرا للتدريس
لكثرة خروجه للجهاد وإقامة العدل فبوجود الإمام
نور الدين أصبح له سندا في إقامة مدرسة علمية تدرس
شتى العلوم فقد ذُكر أنه كان يدرس بها التفسير والحديث
والفقه وأصوله، والعقيدة والنحو. وأيضا تفرغ للتأليف
فأكثر من المصنفات العلمية وما ذلك كله إلا بتشجيع
من شيخه صالح بن علي فقد كان أثر شيخه صالح بن علي
كبيرا في نفس تلميذه الذي جعله يقوم بتحمل الأعباء
من بعده.
الفترة الثانية: الإمام السالمي قائدا (1314هـ-
1331هـ)
أثَّر استشهاد الشيخ صالح بن علي الحارثي عام 1314هـ
على نفسية تلميذه الإمام السالمي تأثيرا كبيرا فلقد
طُبعت شخصية هذا الرجل في نفس تلميذه، فرثاه بمراث
كثيرة تدل على أثر شيخه عنده وعظم فقده لديه، فأصبح
الحمل بعد موت الشيخ صالح ثقيلا وأصبح الإمام السالمي
يحمل لواءين لواء العلم والتدريس والتأليف ولواء
إقامة العدل الذي خلفه له شيخه الجليل، فحمل اللواءين
معا، فكان يؤلف ويعلم وتزداد مدرسته صيتا وشهرة
وفي الوقت نفسه يحاول إقامة العدل في بلاده ونبذ
الجور والظلم، وكان الحدث المهم في تلك الفترة من
حياته هي رحلته المشهورة للحج حيث سافر في عام 1323هـ
لأداء فريضة الحج ومرّ مرورا بمسقط وقابل السلطان
فيصل بن تركي ومن ثمَّ سافر إلى جدة بحرا ومنها
إلى مكة واستقر بها وأدى فريضة الحج وقابل فيها
علماء أجلاء من علماء المسلمين وحدثت بينهم مناظرات
ومداولات، فقصد بعد أدائه الفريضة راجعا إلى عمان
وقد أتى من هناك بكتب كثيرة من كتب المذاهب الإسلامية
الأخرى للاطلاع عليها.
الفترة الثالثة: (1331هـ-1332هـ)
لم تفتر همة الإمام السالمي بعد رجوعه من الحج بل
زادت نشاطا وقوة في التأليف وتحصيل العلوم وفي نظرته
البعيدة لإقامة إمامة شرعية واستمر على هذا الطريق
يدعو العمانيين ويجمع القبائل إلى أن يسرَّ الله
له ذلك الطريق عندما اجتمعت القبائل على يديه في
نصب إمام لهم عام 1331هـ في (تنوف) وهو الإمام سالم
بن راشد الخروصي، فبذلك أقام أول أسس الدولة وبعد
ذلك أقيمت حدود الله - سبحانه وتعالى - ومن بعدها
أقيمت صلاة الجمعة التي انقطعت مدة طويلة بسبب غياب
الإمام الشرعي، فعندما رأى أنه قد أتم مهمته في
هذه الحياة اشتاق إلى لقاء ربه عز وجل فأصبح يتمثل
بقول ابن مقرَّب العيوني:
طبت يا موت فإن شئت فزر
ولم يزل يردد شطر هذا البيت في حال قعوده وقيامه
حتى فارقت روحه جسده الطاهر.
الفترة الرابعة: وفاته (1332هـ)
لم تخلُ وفاة الإمام السالمي من كونها في سبيل العلم
ونشره، وسببه أنه حدث خلاف بينه وبين شيخه ماجد
بن خميس العبري في مسألة (أوقاف القبور) وكان الإمام
السالمي يرى أنها لا تصح وذلك لأن عامة الناس أصبحوا
يعمرون القبور بالقراءة ويهجرون المساجد وأفتى أن
هذه الوصية باطلة من أساسها وأن مرجع تلك الأموال
إلى ورثة الموصي إن وجدوا وإلا فمرجعه إلى بيت مال
المسلمين لعز دولة المسلمين، ويرى الشيخ العبري
أن ما هو وقف فهو وقف إلى قيام الساعة لا يزول،
فحدث الخلاف وكان ذلك كله عن طريق المراسلة فكادت
أن تشب الفتنة لولا أن تداركها الله بلطفه، فعزم
الإمام السالمي الذهاب إلى (حمراء العبريين) لإقناع
شيخه بوجهة نظره وقوله كي لا يشب الخلاف ويطول النزاع
وتحدث الفرقة.
وفي يوم 18 من شهر صفر 1332هـ توجه إلى مقابلة الشيخ
ماجد العبري وفي طريقه ذلك وقت غروب الشمس دخلوا
قرية بني صبح فصدعه جذع شجرة - قدَّر الله ألاَّ
يراه أحد- فأرداه من فوق ناقته فسقط على ظهره، ولبث
مريضا بهذه القرية، ولم يهدأ بال الإمام السالمي
حتى رأى شيخه العبري فأقنعه بوجهة نظره، فرجع الشيخ
العبري عن تخطئة قول الإمام السالمي فارتاح بال
الإمام السالمي بذلك، ثم حُمل الإمام على الأكتاف
إلى بلدة تنوف في يوم 26 من شهر صفر من العام نفسه.
فمكث مدة قليلة ثم توفي إلى رحمة الله في ليلة الخامس
من شهر ربيع الأول عام 1332هـ الموافق 21 يناير
1914م ودفن في بلدة تنوف وقبره معروف بها رحمه الله
رحمة واسعة.
عاش حياة ملؤها العلم ونصرة الدين والحق وإقامة
العدل، عاش 48 سنة وبضعة أشهر عالما وقائدا ومؤلفا
ومعلما ومتعلما ووالدا. كان ضريرا يحتاج إلى قائد
يهديه السبيل، فأصبح يهدي الشعب السبيل. أنجز خلال
حياته الموجزة هذه أضعاف ما يستطيع العظماء أن ينجزوه
في أضعاف عمره إن رُزِقوا ذلك العمر، إنه بحق (أٌمَّةٌ
في رجل)
جمع العالم في حيزومه .. أَتُرى العالم في القبر
نزل
زوجاته
* وماذا عن زوجاته ـ رحمه الله تعالى ـ ؟
** تزوج الإمام نور الدين السالمي ست زيجات وهن
ما سأذكرهن على ترتيب زواجهن به: (الأولى) غثنى
بنت علي الفرقاني: وكانت امرأة ذات خط جميل كتبت
بعض مؤلفات الإمام، وطلقها الإمام بعد أن رزق منها
ابنة واحدة اسمها زيانة . و(الثانية) رياء بنت عليَ
بن مسلم الحبسي: تزوجها وقت استقراره في بلدة المضيبي
للتعليم، توفيت بعده في عام 1959م تقريبا، ورزق
منها ولدين هما: محمد وحمد وابنة واحدة اسمها مياء.
و(الثالثة) سعدة بنت سعيد بن مسلم الراشدي: تزوجها
الإمام السالمي وتوفيت عنده ولم يرزق منها أحد،
وتزوج من بعدها أختها غاية. و(الرابعة) غاية بنت
سعيد بن مسلم الراشدي: من بلدة الخضراء، توفيت عام
1953م تقريبا، ورزق منها ولدين وهما سليمان وسالم.
و(الخامسة) رياء بنت سليم بن مسلم المحروقي: من
بلدة سناو، توفيت عام 1956م تقريبا، رزق منها الإمام
ولدا واحدا واسمه سعيد. و(السادسة) العفيفة: وهي
من قبيلة العفيفي ولم يحضرني اسمها بالكامل، تزوجها
الإمام وقت إقامته في نزوى لاحتياجه لامرأة ترعى
شؤونه ولم يدخل عليها دخول الأزواج وذلك لصغر سنها،
فقد زوجه إياها والدها والإمام لم يكن يعرف عمرها،
فلما علم تركها في عصمته ترعى شؤونه، ولم تلبث في
عصمته وقتا كثيرا، فقد توفي الإمام بعد زواجه منها
ببضعة شهور فقط، ومن ثم تزوجت من بعده، ولم أعلم
سنة وفاتها.
أبناؤه
* حدثنا عن أبناء الإمام نور الدين السالمي .
** رزق الإمام نور الدين السالمي بالعديد من الأبناء
منهم خمسة ذكور وبنتان
ونذكرهم حسب أعمارهم وهم :
(الأول) محمد (شيبة الحمد) : وهو أكبر أبنائه الذكور،
ولد 26 من ذي الحجة عام 1314هـ وتوفي عام 1405هـ
الموافق 15 ديسمبر 1985م وله من العمر 92 عاما وله
من الأبناء أربعة ذكور وابنة واحدة. (الثاني) سليمان
: ولد في 22 رمضان المبارك عام 1319هـ وتوفي قبل
عام 1930هـ تقريبا وله من العمر 25 عاما تقريبا
في تنزانيا وقد خلف ابنة واحدة . (الثالث) حمد (أبو
حميد) : ولد يوم الخميس 11 من رجب عام 1322هـ وتوفي
ليلة 23 من شعبان عام 1385هـ ـ 1965م وله من العمر
63 عاما وقد خلف من الأبناء ستة ذكور وخمس إناث.
(الرابع) سالم : ولد في 11 محرم 1326هـ وتوفي في
22 من أغسطس 1999م وله من العمر 92 عاما تقريبا
وقد خلف من الأبناء سبعة ذكور وعشر إناث. (الخامس)
سعيد : ولد في 2 من ذي الحجة 1331هـ، وكان عمره
وقت وفاة والده ثلاثة شهور ويومين، وتوفي في 2 من
أكتوبر 1994م وله من العمر 83 عاما وقد خلف من الأبناء
خمسة ذكور وبنتا واحدة.
أما البنتان فهما (الأولى) زيانة : وهي أكبر أبنائه،
لم أعلم تاريخ مولدها، وزوجها والدها بالإمام سالم
بن راشد الخروصي وأنجبت له ولدين وهما يحيى وعبد
الله وتوفيت بعد ولادتها لابنها عبد الله بأربعين
يوما. و(الثانية) مياء: لم أعلم تاريخ مولدها وتوفيت
عام 1930م تقريبا وهي في العشرينيات من عمرها، توفيت
في عصمة القاضي سعود بن عامر بن خميس المالكي (ت
1403هـ).
شيوخــه
* برزت أسماء كبيرة لشيوخ أجلاء تلقى عنهم نور الدين
السالمي علمه .. هل تذكرهم ؟
** تلقى العلم عن مشايخ أجلاء عُرفوا بالفضل وسعة
العلم منهم:
الشيخ صالح بن علي الحارثي: وهو أشهر شيوخه على
الإطلاق وقد حط الإمام رحاله في بلده واستقر عنده
لتلقي العلم، ولد هذا الشيخ عام 1250هـ وكان ممن
نصبوا الإمام عزان بن قيس (ت1287هـ)، تلقى العلم
عن شيخه الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي(ت 1287هـ)،
وقد استشهد هذا الشيخ في عام 1314هـ، بعد أن أصابته
رصاصة في رجله اليسرى، عند إغارته على بعض الأعداء.
وتلقى العلم أيضا عن الشيخ ماجد بن خميس العبري:
وقد ولد هذا الشيخ الجليل في عام 1252هـ ببلدة الحمراء
وكان من العلماء الأجلاء في زمانه ووقته وقد عُمِّر
كثيرا وقد توفي عام 1346هـ وله من العمر 94 عاما.
وتلقى العلم أيضا عن الشيخ راشد بن سيف اللمكي:
وهو من العلماء المشهورين في زمانه وكان عليه مدار
الفتيا في الرستاق، ولد عام 1262هـ بالرستاق ونشأ
بها، له مؤلفات مفيدة، وقد توفي عام 1333هـ، وله
من العمر إحدى وسبعون سنة.
والشيخ عبد الله بن محمد الهاشمي: هو أحد مشايخ
الإمام. وهو من الرستاق، معاصر للشيخ العالم راشد
بن سيف اللمكي. كان أحد العلماء الجهابذة، والقضاة
القائمين بالرستاق. أدرك الإمام عزان بن قيس. ممن
ينظم الشعر. وتلقى أيضا العلم عن الشيخ محمد بن
خميس السيفي: من العلماء الأفذاذ وكان عليه مدار
القضاء بنزوى، ولد عام 1241هـ، وقد جمع جوابات الشيخ
أبي نبهان والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في مجلدات
قبل أن تأتي عليها حوادث الزمن ، وتوفي عام 1333هـ
وله من العمر 92 عاما. والشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي:
أحد مشايخه الأفذاذ ولد عام 1242هـ، وكان يقطن بلدة
الفيقين من بلدة منح وتوفي هذا الشيخ عام 1320هـ.
تلامذتــه
* وماذا عن تلامذته ؟
** كان نتاج مدرسة الإمام السالمي عظيما ويكفيك
من قامت على أيديهم عظائم الأمور من قضاة وولاة
عدا المدرسين والعلماء، وسنذكر بعضا ممن درسوا وتخرجوا
على يديه من العلماء منهم : الإمام سالم بن راشد
الخروصي. والإمام محمد بن عبد الله الخليلي. والشيخ
عامر بن خميس المالكي. والشيخ أبو زيد عبد الله
بن محمد بن رزيق الريامي. والشيخ ناصر بن راشد الخروصي.
والشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي. والشيخ أبو
الخير عبد الله بن غابش النوفلي. والشيخ حمد بن
عبيد السليمي. والشيخ سيف بن حمد الأغبري.والشيخ
سعيد بن حمد الراشدي. والشيخ سالم بن حمد البراشدي.
والشيخ عامر بن علي الشيذاني. والشيخ محمد بن شيخان
السالمي. والشيخ سليمان بن حامد البراشدي. والشيخ
قسور بن حمود الراشدي. والشيخ أبو الوليد سعود بن
حميد بن خليفين.
مؤلفاته
* هل تستطيع أن تعدد لنا مؤلفات الإمام نور الدين
السالمي ومآثره العلمية والأدبية ؟
** للإمام نور الدين السالمي العديد من المؤلفات
والمآثر العلمية والأدبية، وكما ذكرت فقد أنجز خلال
حياته الوجيزة أضعاف ما ينجزه العظماء في أضعاف
عمره، ونذكرمن هذه المؤلفات:
(بلوغ الأمل في المفردات والجمل) منظومة في النحو،
تربو على 300 بيت، نظم فيها قواعد الإعراب لابن
هشام وزادها زيادات أخرى. ألّفها سنة 1301هـ، ثم
نقحها سنة 1315هـ. و(شرح بلوغ الأمل في المفردات
والجمل) شرح متوسط، وضعه بأمر من شيخه راشد بن سيف
اللمكي بُعَيْد سنة 1305هـ، ثم أعاد النظر فيه سنة
1315هـ. و(المواهب السنية على الدرة البهية في نظم
الآجرومية) شرح فيه منظومة العمريطي للمقدمة الآجرومية
في النحو. انتهى منه في 9 ذي الحجة 1306هـ. و(رسالة
في الأدلة على نجاسة الدم المسفوح) كتبها سنة 1310هـ.
و(الرد على المعترض في مسألة نجاسة الدم المسفوح)
فرغ منها في 8 ذي الحجة 1310هـ. و(مناظرة حمد بن
راشد بن سالم الراسبي في العقيدة ، تَمَّت سنة 1311هـ.
و(غاية المراد في علم الاعتقاد) قصيدة لامية صغيرة،
تتكون من 76 بيتا، وَضَعَها قبل أنوار العقول. و(أنوار
العقول) منظومة في علم العقيدة، تربو على 300 بيت،
أنشأها في حدود سنة 1312هـ. و(بَهْجَةُ الأنوار)
شرحٌ مختصر لمنظومة أنوار العقول، بدأ به قبل الشرح
المطوّل، ثم نقَّحَهُ سنة 1314هـ. و(مشارق أنوار
العقول) شرح مُوَسَّع للمنظومة السابقة، فرغ منه
سنة 1313هـ. و(رَوْض البيان على فَيْضِ المَنَّان
في الرَّد على من ادّعى قِدَمَ القرآن) شرحٌ لقصيدة
الشيخ سعيد بن حمد الراشدي المسمّاة (فيض المنّان)،
فرغ منه سنة 1313هـ، طبع بتحقيق الأستاذ عبد الرحمن
بن سليمان السالمي نشر مكتبة السالمي عام 1995م.
و(شَمْس الأُصول) منظومة في أصول الفقه، تربو على
الألف بيت، وضعها في حدود سنة 1314هـ. و(طلعة الشمس)
شرحٌ متوسّط لمنظومة شَمْس الأصول، فرغ منه سنة
1314هـ. و(رسالة في التوحيد) يُسَمِّيها بعضُهم
(صواب العقيدة) ألّفها بطلبٍ من أخيه سعيد بن حمد
الراشدي المتوفَّى في 24 شوال 1314هـ، فتاريخ تأليفها
قبل ذلك. و(الشَّرفُ التّام شرح دعائم الإسلام)
شرحٌ لكتاب الدعائم لابن النّضر، وهو مفقود، ويقال:
إن الإمام السالمي عندما اطلع على شرح القطب للدعائم
اكتفى به ومزق شرحه، ألفه قبل سنة 1314هـ. و(الحق
الجليّ في سيرة شيخنا الوليّ صالح بن علي) حَرَّره
بعد وفاة شيخه المذكور في 6 ربيع الآخر 1314هـ.
و(طريق السّداد إلى عَلَم الرشاد) شرح قصيدة في
أحكام الجهاد نظمها سعيد الراشدي لَمْ يكتملْ. و(الحجج
المقنعة في أحكام صلاة الجمعة) فرغ منه في 15 صفر
1315هـ. و(مَدارج الكَمَال بنظم مختصر الخصال) منظومة
مطوّلة في الفقه، تربو على ألفي بيت أنشأها سنة
1316هـ. و(الحجّة الواضحة في ردّ التلفيقات الفاضحة)
ردٌّ على بعض من ادّعى الاجتهاد من أهل زمانه، فرغ
منه سنة 1317هـ. و(تلقين الصبيان ما يَلْزَمُ الإنسان)
رسالة فقهية صغيرة للناشئة، فرغ منها في 1 ربيع
الأول 1318هـ. و(إيضاح البيان في نكاح الصبيان)
رسالة انتهى منها في 24 ذي الحجة 1319هـ. (مَعَارِجُ
الآمال على مَدَارج الكمال) شرحٌ موسَّعٌ للمنظومة
في ثمانية مجلّدات ضخام، ابتدأ به سنة 1319هـ، وكَتَبَ
سابع أجزائه في رجب 1323هـ قُبيل ارتِحَاله إلى
الحج، ثم تركه وعاد إليه بعد ذلك، فحَرَّرَ الجزء
الثامن في جمادى الآخرة 1331هـ ولَمْ يتمّ الكتاب.
و(فاتح العروض والقوافي) منظومة متوسّطة في علمي
العروض والقوافي، منظومة تربو على 300 بيت، أنشأها
في حدود سنة 1321هـ. و(المنهل الصافي على فاتح العروض
والقوافي) شرحٌ للمنظومة السابقة، أتَمَّه في غرة
ذي الحجة 1321هـ. و(حلّ المشكلات) أجوبةٌ على أسئلةٍ
لتلميذه أبي زيد الرّيامي، شرع فيه أواخر سنة 1321هـ.
و(رسالة إلى عبدالله بن سعيد الجعلاني في أمر أهل
جعلان) فرغ منها سنة 1322هـ . و(اللُّمعة المرضيّة
من أشعة الإباضية) رسالة صغيرة في التعريف بالمذهب،
حرّرها سنة 1323هـ . و(كشف الحقيقة لمنْ جَهِلَ
الطريقة) منظومة في أصول المذهب الإباضي، أنشأها
بعد عودته من رحلة الحج، وتتكون من 300 بيت تقريبا.
و(شرح مسند الإمام الربيع بن حبيب) في ثلاثة أجزاء،
بدأ به في 15 رمضان 1324هـ بعد عودته من رحلة الحج،
وانتهى من آخر أجزائه في 20 جمادى الآخرة 1326هـ.
و(تصحيح الجامع الصحيح) وهو شبهُ تحقيقٍ لمسند الإمام
الربيع، فرغ منه في 3 رجب 1326هـ. و(سواطع البرهان)
رسالة في بعض تطوّرات عصره في اللباس ونحوه جوابًا
لأهل زنجبار، كتبها قبل سنة 1328هـ. و(بَذْل المَجْهُود
في مُخَالفة النصارى واليهود) رَدٌّ على من اعترض
على الرسالة السابقة من أهل زنجبار، فرغ منه في
24 محرم 1328هـ. و(تعليقاتٌ على رسالة (إنْ لَمْ
تعرف الإباضية لقُطب الأئمّة) سنة 1328هـ. و(تعليقاتٌ
على كرسي الأصول في الولاية والبراءة للمحقق الخليلي).
و(تعليقاتٌ على (خزائن الآثار) لموسى بن عيسى البَشَرِيّ).
و(جوهر النظام في عِلْمَي الأديان والأحكام) أرجوزة
واسعةٌ في العقيدة والفقه والآداب، تربو على 14
ألف بيت، شرع في نظمها في رحلة الحج سنة 1323هـ،
وأتَمّها سنة 1329هـ. و(تحفة الأعيان في تاريخ عُمان)
وهو في جزأين فرغ منه في مطلع عام 1331هـ. و(تتمة
تحفة الأعيان) حررها قبيل جمادى الآخرة سنة 1331هـ.
و(ديوانُ شِعْر) في الحماسة والاستنهاض والرثاء.
و(مجموع المناظيم) مختارات شعرية له، جَمَعها وعَلَّقَ
عليها. و(الأجوبة والفتاوى) طُبِعَ بعضُها سابقًا
بعنوان (العقد الثمين) في 4 أجزاء، وجمع بعد ذلك
وطبع في 7 أجزاء بعنوان (جوابات الإمام السالمي)
. و(مُرَاسَلاتٌ ومكاتبات مع أهل عصره من العُلماء
والحُكَّام) أكثرها مخطوط .
أعلى

كل سبت ..
إصدارات ما بعد العاصمة الثقافية !!
ان اللفتة الكريمة التي
تفضلت بها وزارة التراث والثقافة من خلال طباعة
إصدارات الكتاب العمانيين خلال عام مسقط عاصمة الثقافة
العربية كان لها الأثر البالغ في توطيد العلاقة
بين المؤسسة الثقافية وبين الكاتب والمبدع العماني
او الكتاب الذين كتبوا عن السلطنة تاريخيا او نقديا
عن إبداع الكاتب العماني، وأصدرت وزارة التراث والثقافة
خلال العاصمة الثقافية العديد من الإصدارات المتنوعة
في شتى المجالات الأدبية، ولاقت هذه الإصدارات القبول
من قبل القارئ العماني خلال معرض مسقط الدولي للكتاب
في دورته الأخيرة برغم الاستهانة في قيمة الإصدار
العماني المادية، ولكن كان لذلك اثر إيجابي في تنشيط
حركة تداول المنتج الإبداعي العماني لدى القارئ
واعتقد انه احد أهم الأهداف المؤسسة الثقافية.
قبل بدء العام الثقافي لمسقط العاصمة الثقافية 2006
م كان هناك من يراهن على جديد الحراك الثقافي وربما
هذه المراهنة أتت من المثقف نفسه والمثقف نفسه أول
من فرض نفسه بأن يكون أداة للفشل في تلك الشهور
وهذا ما حز في النفس ، ولا نبرئ انفسنا بأننا كنا
الافضل دائما ! ، ولكن - كان هناك تساؤل عن مدى
قدرة السنة الثقافية على العام من الحراك الثقافي
في السلطنة ومدى استمرارية المشاريع والنتاجات الأدبية
خلال العام المنصرم مثلا والأعوام القادمة ! ، وكانت
الإصدارات الأدبية أو مشروع وزارة التراث والثقافة
في إصدارات الكتاب العمانيين احد الرهانات على التواصل
وكان كل ما هو متاح للتأكيد على أهمية تواصل هذا
المشروع يبشر بالخير .. ولكن؟ ما مدى تطبيق ذلك
على ارض الواقع وما هي آليات تواصل المبدع مع هذا
المشروع في الوقت الحالي ؟.
في الحقيقة ما لاحظته شخصيا ان ما تم تقديمه خلال
الربع الأخير من العام الثقافي من إصدارات أدبية
بدأ مهملا كثيرا من الوقت وأصبحت العبارات التي
تتكرر ونسمعها دائما (بعد أسبوع) و(المناقصة) !!
وإذ نقدر الدور الذي تقدمه دائرة الآداب والفنون
بوزارة التراث والثقافة نتقدم بالتساؤل لمن يهمه
الأمر .. هل للمناقصة دور في معرفة أهمية الجانب
الإبداعي للكاتب؟ وهل لها إجراءاتها التي تستمر
اكثر من 4 اشهر ؟؟ أم أن ما تقدم به بعض الكتاب
في الربع الأخير من العام الثقافي وما تلاه لا يرقى
لمستوى بعض (الخواطر) التي تم إصدارها في ما سبق
ذلك الربع؟ .. أم ان اللجان التقويمية أصبحت أكثر
حرصا على النتاج بعد العاصمة الثقافية وأصبح هناك
مقررون مباشرون لكل إصدار يتم التقدم له ؟ .. وأأو
هذه التساؤلات في الحقيقة تحيرنا سواء ككتاب او
شعراء تقدمنا او من هم على نيّة التقدم للإصدارات
لأنه حينما تنظر إلى ما تم توثيقه وطباعته ونشره
في شتى المجالات الأدبية خلال العاصمة الثقافية
و ما انت بصدد التقدم به او تقدمت به فعلا وبين
الانتظار الذي يود بعض الكتّاب الا يصل لمرحلة الإذلال
يجد الكاتب نفسه او - يعتقد - بأنه أقل مستوى فنيا
فيصاب بالإحباط وهنا قد يلجأ ربما لسحب مجموعته
ويعيدها حيث ما كانت في الأدراج او البحث عن مصدر
آخر للتمويل من أجل طباعة مجموعته وهذه لن تتحقق
لسبب أن الكاتب أصبح معلقا في ثلاث عبارات سابقة
لا تؤكد الإفراج عنه ومجموعته المنتظرة ! ، لذا
نتمنى من المسؤلين توضيح سبب مقنع لعبارة (الأسبوع
القادم مناقصتكم تكون جاهزة .. ) وتحديد موعد حقيقي
إن كانت النية (مسألة الوقت) الطويلة، او الإفراج
عن الإصدارات غير المرغوبة حتى يتمكن أصحابها من
البحث عن مآرب أخرى، كما نتمنى التأكيد أو التوضيح
عن مدى تواصل مشروع إصدارات المبدعين العمانيين
في سلسلة إصدارات او تحديد الآلية الجديدة التي
سيتم العمل بها لصالح المشروع، حتى يتم العمل كما
يقال ( اللي أوله شرط .. آخره نور) ونتمنى النور
لإصدارات الربع الأخير وما يليه من عام العاصمة
الثقافية 2006 حتى تصبح كل اعوامنا ثقافة لا تتوقف
عند حدود الزمان .. مع خالص الشكر والتقدير ،،،
ومضة ..
هم هدّموا هالذات فيني من الحلــــــم
وتكسرت أحلــــى / ــــمــ / ـــن الحلم والذات
..
كثير من كلّي .. وما لي بقى : ظــلم !
غير الوجع واللي رحل من مســـــا / فــــــات
وبين الذوات اللينة والغباء علــــــــم
يتكاثر بكل الجسد ذا ( حكااااااا يااااااااااااااات
)
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
بديعة
أبداً،
لم أرها من قبل ذابلة كلّ هذا الذبول.
حزينة، تدفع الخُطا، والابتسام دفعاً.
تدنو كأنها تؤوب، مطفأة، واهنة، يقودها إليَّ الممر
الطويل الضيق المعتم، وأنا واقف خلف قضبان شباكي
الصغير، في زنزانتي التي ألفتها وألفتني منذ سنين.
كنت قد جئت إلى هنا بالضرب، والركل، والسُّباب،
جئت زحفاً بعدما ورّموا جسدي وأنهكوه، وما كانت
نجاتي.. إلا حين صرت خلف هذا الباب الحديدي الصدىء.
تواريت عنهم، وتواروا عني، وظللت وحيداً أتلهى بجروحي،
وأفتش عن الأسباب التي حملتني إلى هنا.
في البداية لم أعثر على أي سبب؛ لكن مجريات التحقيق
بيّنت أنهم حسبوني على جماعة عبدوش، وأنا بريء..
لا علاقة لي به. كان الرجل قد أعدّ قائمة بأسماء
من هم في حكم الولاء له، وكان اسمي مع الأسماء.
لكنني لم أرَ عبدوش إلا بالصور، ولم أعرف عن نياته
شيئاً؛ كلُّ ما عرفته أنه أُخذ فجأة مع كثيرين،
وكنت من بينهم. وقد أدركت تهمتي هذه بعد أسئلة عديدة،
وبعد حفلات شرسة من الضرب المُدمي المُهين.
دائماً.. كانوا يسألون ببشاعة، وتندر، وقرف: عبدوش..
يا كلب؟ قولة واحدة راحت ترنّ في أذني كجرس الموت
الأخير.
إنها تدنو مثل نهر دفوق، فتبتهج روحي وتصفق لهذا
القبول الحميم. تقترب ببطء شديد كأنني أشدُّها إليّ
بأنفاسي المتعبة. وحين تصل.. تواقفني مواجهة، لا
يفصلها عني سوى صاج الحديد، أرمي لها كفيَّ من الشباك
كأني أرمي لها نفسي؛ فتتشابك أصابعها بأصابعي وتتنهد.
أُمسّد على شعرها، وألمس وجهها بيباس أصابعي. أضغط
على خديها، وقد انحنت على كفيَّ كصفصافةٍ.. ما أجملها!!
أُوجعها، فلا تتألم. أفرش بصري على وجهها الشاحب
المضاء بصُفرةٍ كابية، فأرى عينيها تترامشان بجفول،
وشفتيها تتراجفان بارتباكهما الحيران. أهتف لها
ببحة الصوت:
* "آخ.. تأخرت"!!
(كانت قد مضت سنوات كثيرة ولم ألمسها. كنت أراها
من خلف الأسيجة كالضباب، وكانت تراني كالشبح، نتوحّد
بالصوت للحظة أو للحظات.. ثم يأخذوني وتمضي).
ولا تجيب. تُفلت دمعها، فيتلامع وجهها ويشفُّ كالطيف.
تبدو أجمل ألف مرة من شبّاك خشبي ناحل يحمل عشاً
وفراخاً، وآنيةَ فخارٍ فيها حبقٌ كثير. تبدو ملجومة
بصمتها ودمعها الحنون.
أهزّها، فتتساقط همهماتها خرساء بلا رنين. بصري
يجول في وجهها حائراً مثل نحل طريد، يفتش فيه عن
ملاذ صغير، أنسى نفسي قربها، وكفُّها حشو كفي، فأسمعها
تقول:
* "لم أحب سواك"!
وتغصُّ، (أعرف ذلك) فأغصُّ، تبدو كمن يفتح جرحاً
جديداً، ثم تضيف:
* "طلقني أرجوك.."!!
انتبه إليها للحظة، ثم تدور بي الأرض، فأهوي خلف
بابي، كأنما أصابني طلق. أهجسُ.. تعرف أنها هي الدنيا
الباقية؛ هي القليل الكثير، وتقول عند أول مواجهة:
* "طلقني " !! فما الذي حدث؟! ومن سيبقى
لي سواها؟!
(كنتُ وحيداً، وكانت وحيدة.. غريبين في المدينة
الكبيرة. التقينا في العمل مصادفة. عرفت أنها مقطوعة
من شجرة، وعرفتْ أني وحيد تماماً في مدينة موحشة
باردة. واتفقنا على الزواج. ورحنا مثل طيرين نؤثث
غرفتنا الصغيرة التي استأجرناها في بيت العجوز أم
شامان.. هنا مفرش الوليد، وهنا مكان الضيف، وهناك
قرب شبّاكنا الوحيد سنشرب قهوة الصباح، وهنا بجوار
العتبة سنزرع النعناع وعيدان القصب، (تمجد اسم الله
كم أحبتِ النعناع)!! وحين تزوجنا، لم يأت الوليد،
لم نعرف صخب الطفولة الرائع، ولا بهجتها النادرة،
ولم نقطع الأمل. كنت أصبّرها وأنكسر لها، وكانت
تساعدني على الأيام الحرون. لكن، وعندما اقتادوني
فجأة إلى هنا.. قُطع كلُّ شيء؛ ولم يبق لي سواها،
والآن تأتي، بعد كل هذا الغياب الطويل، لتقول لي:
* "طلقني"!! )
وتعيدني إليها مرة أخرى، حين تناديني برهيف الصوت:
* "راجي"!!
أتقاوى على نفسي، فأقف خلف شبّاكي الصغير، أوازيها،
أتساوى وإياها، نصيرُ مخلوقين راعشين دامعين، يهمهمان
جاهدين فيخونهما الكلام، والحارس السمين قربنا ناشط
في مراقبتنا، يحصي علينا أنفاسنا. أنظر إليها. أغيب
في وجهها الألوف الذي أعرفه منذ ألف عام، وتغيب
هي في حزنها العميم. ثم تقول:
* "اسمعني يا راجي!
ماعاد بيني وبين وقوعي الأخير
سوى كفٍ واحدة"!
وترامقني بعينيها البليلتين، لكأنها تودعني، أو
لكأنها تؤبّنني، وتشرق بدمعها، وتضطرب؛ ودون أن
أعرف أو أسمع شيئاً آخر، أو أن أقول أية كلمة، تدير
لي ظهرها، وتمضي، فأحسُّ كأنها أمي تضيع في العتمة
المديدة، أناديها ملتاعاً:
* "كفٌّ واحدة.. فقط"؟!
فلا تجيب. تمضي كرعشة الحلم، مرتبكة، مبللة بأحزانها،
فلا تلتفتُ أو تستدير. وأهوي في مرقدي خلف باب الحديد
طيّ حيرتي وقلقي راجياً الله أن أنام، أو أن أغيب
عن الوعي كي لا أحترق أكثر بمشهد الإياب الأخير،
وتطردني الأفكار وأطردها في الحيرة الوارفة. أشعر
كأن الأشياء؛ كلّ الأشياء تنأى وتؤوب. ولم أدرِ
إن كنت قد نمت أو أن الغيبوبة أخذتني، أو أنني سهوت؛
ما أدريه حقاً أنني وجدت قربي مغلفاً مليئاً بالأوراق!!
من جاء به، وكيف وصل إليَّ؟! لا أدري. أحار به للحظات
فقط، أقلّبه بين يديَّ، ثم أفتحه باللهفة الراجفة.
أشمُّ رائحة بديعة. أعرف أوراقها. أراها بين السطور
راكضة كاليمام. يا إلهي، إنه خطُّها (منذ متى لم
أره؟!)، وهي ذي (حبيبي، نعناعي الجميل).. كلماتُها.
أدفن بصري فيها، وأقرأ:
* "تعال لكي نبكي مرة أخرى.. معاً!
بعدما بكينا كثيراً.. أنت في وحدتك، وأنا في وحدتي،
أنت الذي معي في كلّ شيء كأنفاسي، أنت الأقرب إلى
قلبي من أصابع يدي. ثق، مهما حاولت، لن أستطيع إخراجك
من روحي، فقد عشتك طيفاً كلّ تلك السنين الماضية،
ولم تغب. لم أقوّ على الكلام من قبل.. كنت صامتة،
محتاجة إلى كل هذا الوقت للوصول إليك.
أعترف بأنني بتُّ بعدك مثل الدائخة الشرود، لا شهية
لي ولا روح، وباتت الحياة خراباً بلا رونق بلا بريق.
وراودني الخاطر مراتٍ أن أطوي صفحة الأحزان، وأبدأ
من جديد، ولم استطع!! طيّرت كل كلام صديقاتي بأن
أنساك؛ وكيف لي؟!.. فصورك الموزّعة في كل أنحاء
غرفتنا الصغيرة، وثيابك، أحذيتك، وفرشاة أسنانك،
صوتك الذي يرنُّ، أنفاسك التي تشيع، كنزتك الصوفية
التي لم تكتمل (لم أعرف أين سأضع خطي اللون الكحلي)،
كتبك.. كلُّها كانت حواجز جميلة تفصلني عن الآخرين
وتبعدني. كانت رهافتك الآسرة سياجي وأنا أضرب هنا
وهناك بحثاً عنك!!
لكن ما حدث رويداً رويداً مع مأمور سجنك خلال السنوات
الماضية، ما كان بإرادتي أبداً!! فقد زلزلني ما
حدث، وتعذبت كثيراً.. من أجلك! صدقني، على الرغم
من كل وسامته الرَّاعبة، لم يلفت انتباهي، كان في
نظري سجّاناً ليس إلا، واحداً من كثيرين عرفتهم
من أجل الوصول إليك!!
للوهلة الأولى فوجئت بوجوده في حقل الأحزان الذي
يضمّك، كان أخّاذاً بأناقته، ولطافته، وجماله؛ بل
كان ناعماً كالخيال. أحسست بأنه رجل في المكان الغلط.
وكدت أشهق من كل هذا الجمال الرجولي الحاضر في كائن
واحد.
في البداية ماطلني كثيراً قبل أن يعترف لي بأنك
موجود عنده. حوّم حولي كثيراً محاولاً الاحتكاك
بي مثل دبور جائع طائش. وأدركت بحسي الأنثوي أنني
رقتُ له من المرة الأولى. كانت نظراته العطشى قد
اخترقتني بصمت، لذلك جئت إليه في المرات التالية
وأنا في هيئات مزرية للغاية، لكن العجيب أن استلطافه
لي كان يزيد كأنني أخفقت في التورية. سايرته مرة
ودخنت سيجارة تحت إلحاحه المحيّر المربك (وأنت تعرف
كم أكره التدخين) وشربت القهوة عنده مرات في الجلسة
الواحدة (وأنت تعرفني لا أشربها إلا مرة واحدة في
الصباح، اعذرني، إني أفصّل.. كي تفهمني تماماً)!!.
وأعطاني العديد من الصحف والمجلات؛ وفي إحدى المرات
وجدت فيها رزمة من النقود الكثيرة، فأعدتها إليه،
وارتبك، شعرت بتذمره الواضح، كأن المصيدة أخطأتني،
لكنه شكرني (كاذباً بالطبع) على أمانتي. وأذكر أنه
مدّ يده مرة نحو شعري ورفعه عن جبيني، فهاجت الروح،
وذعر هو !! كنتَ معي، وقلبي يهتف اسمك "راجي
...راجي"!! لكن وحالما عدت إلى البيت، كان
أوّل عمل قمت به أن قصصت شعري، فبدوت مثل صبي ذاهب
إلى خدمة العلم. ومرة، حكّ إبهامه بظهر يدي، فكويتها.
(ها أنت ترى إنني أعترف)، وفي مرة أخرى، تجرأ أكثر
ولامس بإصبعه خدي وهو يثني على جمالي، فأحدثت فيه
تلك الندبة السوداء. وواعدني مرة على اللقاء في
أحد المطاعم الصغيرة التي لم أعرفها من قبل لأنه
سيزفُّ لي خبراً مهمّاً عنك، فوافقته دونما تردد.
كنت عطشى لسماع أي خبر عنك!! فذهبتُ إلى العنوان.
وأنا أحسّ بأن كلّ الناس يعرفون موعدي هذا معه،
كنتُ أظنُّ نفسي بأنني تلك العنزة البيضاء التي
راحت تشقُّ عتمة جبل جلعاد!! (كان المطعم صغيراً،
فخماً، وحميماً أيضاً). أكلت وشربت معه بكل الشهية
التي فقدتها طوال السنوات البعيدة الماضية، بعدما
قال لي بأنك موجود عنده (خمس سنوات مرت كأنها الزمن
كله.. مرّت، وأنا أسأله عنك، فيقول لي إنني أبحثُ
لك عنه. ويؤكد الآخرون بأنك عنده. كانوا صادقين،
وكان كاذباً بالضبط)! وأخبرني بأنه لا يستطيع أن
يتصرف إلا حسب ما تمليه عليه الأوامر. وعلى الرغم
من كلَّ هذا فرحتُ فرحاً لا يصدق لأنك حيّ. أنت
لم تمت. يا إلهي (أي خبر هذا؟!) ثمة شيء ما، لا
أستطيع وصفه، بدأ ينمو في داخلي. أنت حيّ!! أحسُّ
الآن أن الحياة تعود إليَّ مرة أخرى تركته، وهرعت
نحو آخر طرف المطعم الصغير، إلى مقربة من الفتاة
والشاب اللذين كانا يعزفان الموسيقى الجميلة الهادئة،
وشرعت أرقص. لم تكن الموسيقى مناسبة، لكنني رقصت.
ولكم حزنتُ لأنه هو من كان يصفق لي. كنتُ بحاجة
لمن يرقص معي، فأخذت الشاب العازف.. ورقصت معه بجنون؛
وظلت صديقته تعزف لنا.. ولم أنتهِ من الرقص إلا
عندما وقعت على الأرض. تقيأتُ كلّ ما شربت وأكلت،
وغبت عن الوعي. ولم أعد إلى نفسي، إلا وأنا في بيته
(ربما في أحد بيوته)!! كيف جئت؟ ومتى؟ ولماذا؟!
لا أدري!!
المهمّ، أنني وجدت نفسي عارية أو أكاد، ليس عليّ
سوى ثوب رقيق شفيف لا يستر شيئاً، وبقربي فتاة تلبس
مريولها الأبيض. عرفت منها أنها ممرضة أحضرها للعناية
بي في غيابه. وسألتني بسذاجة لماذا أنا عصبية لا
أهدأ إلا بالحقن المنوّمة. وأنها تخاف عليّ، إذا
ما أمضيت أسبوعاً آخر تحت تأثير المنوّم، أن أصاب
بالاختلاطات المختلفة، وصرخت بها:
* "لي أسبوع هنا.."؟
فتمتمت بخوف واستغراب:
*"نعم مدام"!!
مدام!! تصوّر، يا راجي، أنا مدام. كم كانت تضحكنا
هذه الكلمة، لأن فيها أنفاس الآخرين. وضبطت أعصابي،
ورجوتها أن تنصرف، فأنا بخير، لست بحاجة إلى أيّ
شيء، ولتأتِ في الغد. فوافقتني، هزّت رأسها، ومضتْ
فعلاً. وبعدها. (حبيبي هل أرهقتك؟! ارمِ الأوراق
جانباً، وأكملْ بعد حين. سامحني).
وحين هممت بالخروج، تفقدت جسدي، وصرخت.. كنت منهوبة!!
أجل.. (لن أخبىء عنك شيئاً)، ولم يرتسم أمامي في
تلك اللحظة سوى طيفك؟ كنت تنظر إليّ بأسى، وكنت
ممرورة، وأخذني البكاء. أصبت بحالة من الذعر (أنا
التي نذرت جسدي لك .. أنهبُ في غفلة من حواسي. يا
إلهي كيف حدث هذا؟! وكيف لي أن أحدثك، أو أن أنظر
في عينيك؟! لابدّ أنك سمعت صوت طائر الوقواق يملأ
أجواء زنزانتك لحظتئذٍ. وودت الانتحار في المكان
حالاً. أن أطوي حياتي، لكنني لم أفعل، إذلابد من
مصارحتك يا راجي). وخرجت من ذلك البيت، دون ألتفت
ورائي لأعرف أين كنت. فما عدت أهتمُّ بشيء سواك!!
أخذت سيارة، ومضيت إلى غرفتنا الصغيرة، وهناك، غبت
عن العمل والناس لإحساسي بأن العالم كله يعرف ما
حدث!! ومرت الأيام بقسوتها البالغة!!
ولم يسأل عني لا في البيت ولا في العمل. (بالمناسبة،
كذّبتُ على الأستاذ بهجت مديرنا، تعرفه، قلت له
كنت مريضة، فهزّ رأسه وقلّب كفيه في الهواء ولم
يقل شيئاً) وذهبت إليه. مرة أخرى تردد حرّاسه كثيراً
بالسماح لي؛ لكن وبعد إلحاحي، وحالة الصخب والذعر
التي أثرتها، وافقوا، فدخلت إليه. استقبلني كعادته
بكل اللباقة، واللطف. كان مبتسماً فرحاً وكنت حزينة.
لم أقل له شيئاً عن الذي حدث في بيته، لم أعاتبه،
عفواً، لم أسبه، ولم أضربه بحذائي. سألته عنك. فقال:
إنك بخير. ورجوته أن أراك. فقال: لكل شيء أوانه..
اصبري. وصبرت أربع سنوات أخرى، ولم أركَ خلالها
إلا مرة واحدة من خلف الأسيجة الكثيرة.
بدوتَ لي شبحاً باهتاً كالحلم، لكن الطمأنينة شاعت
في روحي حين حدثتك. لعلك تذكر لم أقل لك سوى (راجي)،
ولم تقل لي سوى (بديعة)، وأبعدوني عنك وأبعدوك عني،
ومع الأيام، وبعد انقطاع طويل رأيتك مرات عديدة،
من بعيد أيضاً، ومن خلف الأسيجة لعلك لا تدري بأنني
كنت أفقد شيئاً من روحي كلما فقدتَ أنت سياجاً من
الأسيجة التي تفصلك عني. كنت أدفعُ الثمن بالانتظار
الطويل المذل، والأسئلة المرّة، والرجاءات اللجوجة،
صدقني كان كلُّ هذا من أجلك، للحظة التي ستأتي وأضمّك
فيها إلى قلبي. كان همّي أن أراك حيّاً، أن أمسح
وجهك براحة يدي بكل الرهافة التي تعرفها، وبعدئذ
فليأتِ الطوفان. كدت أنسى الحياة والناس من أجلك.
ذهبت في نشوة رؤيتك إلى أبعد الحدود. رؤية تأتي
بعد ألف سنة من الغياب، ما أروعها!كنت أواجهك من
بعيد، وأشتاق إليك وأنا طي صمتي. كنت تقول لي بأنك
بريء. (وأنا أعرف هذا. صدقني، أعرف هذا، أنت أنظف
من العين يا راجي؛ أتسمع..أنظف من العين!!) وأنهم
لم يجدوا شيئاً يُدينك؛ لكنك متخوف من عثورهم على
بعض الأوراق والملفات. وسألتني كم مرة فتشوا غرفتنا،
وقلت لك ألف مرة. نقّبوا في كل مكان، ولم يجدوا
شيئاً. وقلت لي: بديعة انتبهي، توجد كمية قليلة
من الأوراق والكتابات- من أيام مراهقتي الطويلة،
وأحلامي الكثيرة- في إحدى زوايا المطبخ مخبّأة تحت
بقعة الجبصين، غطّيها بالدهان. ومازحتني بأن كمية
من صفحات المجلات والجرائد القديمة التي كانت ممنوعة
آنذاك.. مخبأة في الحمام فوق قطعة الخشب (البلاكية)
التي تسقفه، إن احتجت إليها.. إمسحي بها أي شيء،
ولم تدر يا راجي أنك كنت تبني بأقوالك هذه أسيجة
جديدة بيني وبينك لكي تبقى في حقل الأحزان هذا!!
طبعاً أنت لا تدري كيف. فبعدما حدثتني أن إشاعة
قوية منتشرة عن قرب خروجك مع آخرين، رجوتني أن أسأل
مأمور السجن عنها، فسألته!. فأكّد لي بأنك ستخرج
فعلاً، وسألني أن نلتقي فرفضت مقابلته خارج حقله
هذا، ورفضت استقباله في غرفتنا بعدما كان يتندر
بالمكان وسكانه. قلت له: لن تلمسني إلا بعد أن تخرج
روحي! ما حيرني أنني بدوت له كأنني المرأة الوحيدة
التي تعنيه في العالم. (مات.. لكي يختلي بي). تودّد
كثيراً، وترجّى، ولم أقبل. كنتَ معي، بعدما أيقنت
بأن بهجة الحياة على مبعدة خطوة واحدة.
لكن المفاجأة كانت اثنتين. واحدة منه، والثانية
مني، جئت إليه من أجل رؤيتك بعدما تأخّر موعد خروجك
وطال. قلت له: رائحة راجي تكاد تخنقني. دعني أره
أرجوك. ورفض.. انحنيت على حذائه وقبّلته. أفزعني
منظر لمعان لعابي على مقدمة حذائه، وغصصت. قبّلته
مرة ثانية.. لكي يسمح لي برؤيتك، ورفض أيضاً. عاودني
كابوس السنوات الماضية التي لم أرك فيها. تمنيت
أن أراك ولو مرة واحدة فقط. صارت غايات الدنيا كلّها
غاية واحدة؛ أن أراك بقامتك العالية وأنت تذرع الشارع
أيباً من العمل أو ذاهباً إليه. المهم أن أراك حيّاً!
وإذا ما فقدتُ هذا الأمل سأضع رأسي على وسادتي وأنهي
حياتي. طالبته كثيراً، ورجوته.. فرفض. قال لي: لديه
شريط تسجيل قصير، وفيلم جميل.. قصير أيضاً. أسمعك
الشريط ثم تشاهدين الفيلم، وبعدها تتصرفين (كنت
أعتقد بأنه أعد لي مفاجأة، كأن أسمعك وأنت تجيب
عن الأسئلة، أو وأنت تبكي وتصرخ، أو وأنت تتوسل
وترجو، أو أن أراك في حالات ضعفك، وأنت تعالج جروحك
وتبكي، أو وأنت توسّخ على ثيابك في حالات الألم
العنيف! بل قلت ربما أعدّ لي مفاجأة سارة أن أراك،
وأنت في وحدتك تأكل وتشرب، أو وأنت تقرأ الصحف والكتب
أو تغسل ثيابك، أو وأنت تغني أو تشاهد التلفزيون،
لكن المفاجأة كانت غير ذلك تماماً)!! لقد سمعتُ
نفسي وأنا أرجوه أن يكثر لي من جرعة السعادة وبصوت
ناعم، كأنني في غرفة النوم. وصرخت به. فأوقف شريط
التسجيل، ثم أمرني أن أرى.. فشاهدت نفسي أيضاً،
في بيته، وفوق سريره.. عارية لا ثوب يسترني ولا
غلالة.. وجننت. هاجت الروح يا راجي. أحسست بأنني
أفقدك؛ أفقد كلَّ شيء، أفقد حبي لك الذي عمّرناه
معاً طوال الأيام الماضية. فوقفت. قلتُ له سآتي
إليك غداً، بعد أن أكون قد فكرت جيداً. (بالمناسبة،
لم أقل لك.. جاءتني أم شامان مرات عديدة وهي تبكي،
بعد ما رأته يأتي إليَّ؛ إلى غرفتنا الصغيرة.. يقرع
الباب طويلاً وينتظر، ثم يقرعه كثيراً وينتظر فلا
أفتح له. وحين سألتني عنه، أخبرتها، فما كان لي
ولها سوى أن نتقاسم البكاء لوقت ثم تواسيني.. ونفترق)!!
وجئت إليه في اليوم الثاني، ومعي المفاجأة. جئت
بكل الأوراق والملفات، وصفحات الجرائد والمجلات
التي خبّأتَها أنت، وسلمتُها إليه. جئت بكل ما يمكن
أن يُدينك، وبما يبقيك في السجن.. كي لا تخرج يا
راجي. فترى أوتسمع ما فعله مأمور سجنك الوسيم بي
في غفلة مني ، كي لا تراني، وقد فضحني خجلي منك.
كي يظل حبنا خالداً. كي لا ينهار!! وثق بأنني لن
أمنحه شيئاً ولو أمّروه على الهواء. سأظل لك وحدك.
أتفهم!!. وحدك!!.
ملحوظة:
كنتُ قبل قليل أودعك يا راجي، أعرفك ذكياً.. أما
لاحظت؟!
حسن حميد
كاتب فلسطيني مقيم في دمشق
رئيس تحرير مجلة الموقف الأدبي
أعلى
صوت
اليوم الخامس
إنه يوم ليس ككل الأيام
من الأسبوع أو بالأحرى من أيام الدوام الرسمي، فهو
مثلاً ليس بمثل ثقل وكآبة السبت، بوابة الأسبوع
التي يدلف من خلالها الموظفون وكأن على رؤوسهم الطير،
إلى باقي أيام الدوام والتي تتفاوت بشكل متدرج بثقلها
وكآبتها على نفوسهم وذلك بحسب قربها أو بعدها من
نهاية الأسبوع، تلك النهاية التي يفرح ويسعد بها
الموظف أيما فرح وسعادة، وكأنه تم إخلاء سبيله بعد
مدة طويلة من الحجز الانفرادي، حيث فرحته وسعادته
الغامرة ( وكان طفلا أعيدت له لعبته) يمنعانه من
أن يأخذ اليوم الأخير من أيام الدوام بجدية تتطلبها
على الأقل اللوائح التي تسير وفقها آلية العمل وتنتظم،
دعك من مصلحة العمل.
فيعتبر هذا اليوم في نظر بعض الموظفين تحصيل حاصل
لا يتطلب منهم سوى بعض الاستئذانات التي يتم الدفع
بها على طاولة المسئول في توقيت ذكي ومدروس على
شكل ضرورة طارئة لا ترد، في الساعة العاشرة والنصف
تقريباً، لكي يلحق بقية هذا اليوم (بسهولة) بالإجازة
الأسبوعية مباشرة.
إنه يوم الأربعاء فليعذرنا (المراجع) وصاحب المعاملة
المستعجلة وكل صاحب نوايا جادة في تعامله مع وقت
الوظيفة والمتطلع إلى استثمار وقتها نحو الإضافة
والتطوير الأمثل لمضامينها (الحضارية والإدارية
والتنموية)، فإن هذا كله يتنافى ومزاج يوم الأربعاء،
فهو يوم إن شئنا اختيار التبرير الأكثر معقولية،
المشغول مزاجه في الحقيقة يلعق جراحات أسبوع وظيفي
بكامله، ينوء بثقله كاهل الموظف الملتزم بأدق التفاصيل
الإدارية منه الخاضع خضوعاً تاماً لوقتيته كتكات
تعلن انضباط ساعة دقيقة التوقيت، معقولية يدحضها
طبعاً معرفة مدى حقيقة هذا الالتزام والعائد من
ورائه في سبيل تطوير مسار الوظيفة الصاعد.
بالإضافة أيضاً أن يوم الأربعاء هو يوم النشور لزمر
الموظفين إلى قراهم وبلدانهم ومناطقهم في ما يشبه
هجرة أسبوعية عكسية، حيث إن طوال الطريق وبعد المشوار
إلى هذه البلدان والمناطق والقرى، يلح عليهم بمباشرة
مسيرتهم الأسبوعية في وقت مبكر كلما أمكن ذلك كحل
لحالة الاحتدام التي تشهدها مسارات الطرق المؤدية
خارج مدينة مسقط، وتخفيفاً لوعثاء السفر في وقت
تتوسط فيه الشمس كبد السماء مسلطة بعنف شواظ أشعتها
الحارقة محيلة الجو مرجلا يغلي بالحرارة يصطلي في
أتونه البشر والحجر والشجر.
أحمد الرحبي
كاتب عماني
أعلى