|
فتاوى وأحكام
السؤال
من أراد أن يصلي بزوجته وأمه فكيف يصفون للصلاة ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن زوجة الرجل ليس بينه وبينها حاجز وكذلك أمه لأنها في مقدمة محارمه
فلذلك تصفان خلفه كما يصف الرجلان عندما يصليان وراء الإمام .
أما لو كانت المرأتان أجنبيتين فإنهما تؤمران
أن تقفا وراء محارم الرجل ، فإن لم يكن له محارم فلا بد من أن يكون
بينه وبينهما من الوسع مقدار ما يمكن أن يتسع لصف من المصلين لأن النساء
الأجنبيات يؤمرن بالابتعاد من الرجال .
وإن كان هنالك رجل يصلي خلف هذا الإمام فإن الرجل يصف عن يمينه والنساء
يكن بعد ذلك في الخلف كما هو الشأن عندما يصف المصلون وراء الإمام
، والله تعالى أعلم .
السؤال
إذا صلى بأمه أو زوجته لوحده ؟
الجواب :
إن كان في مكان لا يدخل عليهما فيه أحد بحيث لا يمكن أن يدخل رجل أجنبي
ففي هذه الحالة تصف المرأة كما يصف الرجل عن يمين الإمام لأنها هي
امرأته وهي إن كانت غير امرأته فذات محرم منه فلذلك تصف المرأة في
هذه الحالة عن يمين زوجها الذي يصلي بها أو عن يمين المحرم الذي يصلي
بها.
أما إن كان الأمر بعكس ذلك بحيث إنه يُتوقع أن يدخل عليهما رجل ففي
هذه الحالة تصف عن يساره فإذا دخل الرجل صف عن يمينه وتأخرت هي إلى
الخلف .
السؤال
ما حكم قراءة الفاتحة بعد دفن الميت ؟
الجواب :
لم يأت بذلك دليل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم ، ولا كان ذلك
أمراً معهوداً عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وإنما
هذا أمر حدث من بعد لأجل مراعاة أن الفاتحة دعاء وإلا فالأصل الثابت
عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه يُدعى للميت في هذا الوقت بأن
يثبّته الله تبارك وتعالى ، وهذا الذي ينبغي أن يُفعله ويؤخذ به ،
لا يُفعل كما يفعل الناس اليوم بحيث يقرأون الفاتحة الشريفة مع أنها
لم ترد بها سنة وإن كانت قراءة القرآن فيها فضل كبير إلا أن المقابر
ينبغي أن تكون قراءة القرآن في غيرها لنهي الرسول صلى الله عليه وسلّم
أن تُتخذ مساجد ، ولأجل أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشار إلى أن
المقابر ليست موضعاً لقراءة القرآن حيث أمر أن يقرأ الناس القرآن في
بيوتهم وأن لا يجعلوها قبورا ، لأن القبور ليست موضعاً لقراءة القرآن
، فينبغي أن يؤخذ بالسنة بحيث يُدعى للميت بأن يثبّته الله .
السؤال
إذا سكنت امرأة مع زوجها في بيت أهلها ، والمكان بين موطن زوجها وبين
سكن أهلها مكان بعيد ، فهل يوطنون ذلك المكان ؟
الجواب :
نعم إذا سكنوا ، فإن الإنسان مطالب بأن يوطّن حيث يسكن وتطمئن نفسه
، فإن كان زوجها ساكناً هنالك ومطمئناً فهو عليه أن يوطّن وهي تبع
له في ذلك .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالات تربوية في
حوارات قرآنية حذرة 10
حوار رسل أصحاب القرية لقومهم في سورة يس
ـ الدعوة إلى الله والتذكير وسيلة لمنح الناس
الحياة الطيبة
ـ طاعة الرسول محمد تقي من الوقوع فيما وقع فيه أصحاب القرية
ـ دعاة الأمة كمؤمن يس~ منزلة.
ـ الفساد سبب دمار المجتمعات
الشيخ الدكتور/ مبارك بن مسلم بن مسعود الشعبني
خبير وعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية
ومحاضر بمعهد العلوم الشرعية
الله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ
(13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا
بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا
أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ
شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ
إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ
الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا
لَنَرْجُمَنَّكُمْ و َلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)
قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى
قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ
لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا
أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ
مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ
عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا
لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
(25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
(26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ
السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً
وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
(30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ
لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)
يضرب الله سبحانه في هذه الآيات مثلا لمشركي
مكة في الإِصرار على الكفر والعناد ، ويحذرهم من أن مصيرهم سيكون كمصير
أصحاب القرية ، الذين كانت عاقبتهم أن أخذتهم الصيحة فإذا هم خامدون
، لأنهم كذبوا المرسلين .
فيخبر الله سبحانه في هذا المثل نبيه محمدا ( من أن موقف المشركين
منك - أيها الرسول الكريم - ، يشبه موقف أصحاب القرية من الرسل الذين
أرسلناهم لهدايتهم ، إذ أرسلنا إلى أصحاب هذه القرية اثنين من رسلنا
، فكذبوهما . وأعرضوا عن دعوتهما، فقوينا الرسالة برسول ثالث.
فما كان من أهل القرية إلا الاستنكار والتطاول ، قائلين: أنتم لستم
إلا مثلنا فى البشرية ، ولا مزية لكم علينا ، وما أنزل الرحمن من شيء
مما تدعوننا إليه .
ووصفوهم بالكذب فيما يقولونه لهم ويدعونهم به .
ولكن الرسل ردوا عليهم: ربنا - وحده - يعلم إنا إليكم لمرسلون ، وكفى
بعلمه علما ، وبحكمه حكما ، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم إلا أن
نبلغكم ما كلفنا بتبليغه إليكم تبليغا واضحا ، لا غموض فيه ولا التباس
.
فردوا على الرسل ردا قبيحا ، فقالوا لهم : إنا تشاءمنا من وجودكم بيننا
، وكرهنا النظر إلى وجوهكم ، وإذا لم ترحلوا عنا ، وتكفوا عن دعوتكم
لنا إلى ما لا نريده ، لنرجمنكم بالحجارة ، وليمسنكم منا عذاب شديد
الألم قد ينتهى بقتلكم وهلاككم .
فقال الرسل لأهل القرية : شؤمكم بسبب إصراركم على كفركم ، وإعراضكم
عن الحق الذى جئناكم به من عند خالقكم، وليس بسبب وعظنا لكم .
ثم بين - سبحانه - المحاورة التى دارت بين أهل القرية وبين رجل صالح
منهم ساءه أن يرى من قومه تنكرهم لرسل الله - تعالى - وتطاولهم عليهم
، وتهديدهم لهم بالرجم ، وهو رجل ذو قطرة سليمة ، يسرع الخطا لينصح
قومه ، وينهاهم عن إيذاء الرسل ويأمرهم باتباعهم ،فهو لم يرتض أن يقبع
فى بيته، بل هرول نحو قومه ، ليقوم بواجبه فى الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر .
فأخذ في حض قومه على اتباع الحق ، عن طريق بيان الأسباب التى حملته
على الإِيمان ، حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى.
ونصح لهم بكل ما أوتي من أسلوب، ولكن تلكم النصائح لم تصادف أذنا واعية،
بل إن سياق القصة بعد ذلك يوحى بأن قومه قتلوه، ففاز ببشارة الجنة
على مجاهدته قومه في دعوتهم.
الدلالات التربوية في الحوار:
من الدلالات التربوية التي يمكن استخلاصها في هذا الحوار، الآتي:
1- أصحاب المثل السيئ يظلون مضرب مثل سييء؛ وفي هذا الحوار يلحظ ضرب
الله المثل لأهل مكة بأهل القرية الذين أساءوا التصرف مع رسلهم، في
عدم استجابتهم لهم، والإيمان بهم.
2- ضرب المثل يقرب المعنى المراد تبيانه، كما أن له كبير الأثر على
النفس، إذ يوضح بجلاء نتائج المقدمات، حتى تتلافى تلكم المقدمات التي
أدت إلى تلكم النتائج المشينة إن كانت سيئة، والعكس بالعكس، أي إن
كانت النتائج حميدة فإنه لا محالة أن المقدمات طيبة، ومعرفتها مهم
حتى يتسنى القيام بها للحصول على النتائج الطيبة. وفي هذا الحوار يلحظ
أن النتيجة بالنسبة لأصحاب القرية في المثال المضروب لأهل مكة تستدعي
النفور حتى لا تحصل نفس النتيجة، أما من حيث من قام بالدعوة إلى الله
في المثال، فإن نتائجه طيبة فقد فاز بالجنة فضلا عن تخليد ذكره، مما
يشجع العاقل لأن ينهج المقدمات التي قام بها حتى تحصل النتيجة المرتجاة.
3- الله جل شأنه رحيم بعباده، يرضى لعباده الشكر والإيمان؛ وفي هذا
الحوار يلحظ مدى كرم الله سبحانه لأهل القرية، فقد أرسل إليهم أكثر
من رسول في سبيل هدايتهم، لطفا منه بهم ورحمة.
4- من طبع على العناد لا يرضيه شيء؛ فأصحاب القرية استنكفوا أن يكون
الرسول المرسل إليهم من بينهم، بشرا مثلهم، وقد كذبوهم، ولو جاءهم
ملَك لاستنكفوا كذلك، متعللين عدم استطاعتهم تقليده فيما يأمرهم به،
كونه على غير خلقتهم. فتارة يتهم أهل العناد من أرسل إليهم أنهم يريدون
السيادة والمكانة والمنزلة الدنيوية، كما قال الله على لسانهم: {فَقَالَ
الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ
مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ
لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ
}المؤمنون24، وتارة يتهمونهم بالجنون أو المس، كما قال على لسانهم:
{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى
حِينٍ }المؤمنون25. وتارة كما في المثال يتهمونهم بالكذب، كما حكى
الله سبحانه على لسانهم في آية أخرى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا
نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
}هود27، وهذا هو حال أهل العناد على مر الأزمان، إذ الكفر ملة واحدة
متى ما وجد، وأينما وجد.
5- الداعية الحكيم والعاقل هو من لا يجادل الجدال المفضي إلى الشقاق
والفوضى والخروج عن المألوف؛وفي هذا الجدال نرى أن الرسل المرسلين
إلى القرية كانوا على هذا النهج في الدعوة إلى الله سبحانه. فهم بالرغم
من تكذيب قوهم لهم،لم يكن ردهم عليهم إلا التأكيد عليهم من أن الله
أرسلهم وليس عليهم نحوهم إلا البلاغ.
6- طبع أهل العناد والشقاق يبحثون عن كل ما من شأنه النيل من الخصم،
ولو كان الخصم رسولا متأكَّدا من صدقه. ففي هذا الحوار يلحظ تحول مسار
الكفار من التكذيب للرسل إلى إلصاق التهم لهم في أنهم السبب فيما حل
بهم من وبال أنزله الله عليهم، كالقحط والجدب وما شابهه، مما يعذب
الله به الأقوام، ليرجعوا إلى الله سبحانه، مصداقا لقوله شأنه: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ
مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ }السجدة21.وقوله جل في علاه: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى
أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }الأنعام42، وقوله سبحانه: {وَمَا نُرِيهِم
مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الزخرف48. فقد جعلوا مما حل بهم من نكال
ذريعة لأن يأخذوا بها رسلهم، وهذا ديدن متأصل فيهم، وسنة قائمة بين
المصلحين والمفسدين، فهم يقتلون أهل الخير بسبب وبغير سبب، يقول سبحانه
شادا أزر الدعاة في الصبر ما داموا سائرين على نهج الرسل في الدعوة
وإصلاح المجتمع والحفاظ على المجتمع من عبث المفسدين الذين يوجبون
سخط الله على المجتمع: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ
مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ
وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ
فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ }غافر5.
7- أهل الفساد والعصيان سبب لكل وبال في المجتمع، مهما حاولوا لصق
الأسباب في الصالحين من أهل الاستقامة. وفي هذا الحوار يلحظ ذلك صراحة،
فقد رد الرسل على المعاندين عندما اتهموا في أنهم - أي الرسل- السبب
فيما هم فيه من خزي دنيوي، من ضيق في العيش وغيره، من أن ضنك العيش
الذي صار في القرية إنما هو بسبب عناد الكفار وعدم رجوعهم إلى الله
الرازق سبحانه، كما قال الله ذلك على لسان الرسل.فمسألة إلصاق التهم
قاعدة متأصلة في المعاندين من أهل الكفر، وقد تطير من قبلهم بأنبيائهم
أيضا، كما أخبرنا سبحانه في ذلك عن قوم ثمود مع صالح عليه السلام:
قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِندَ
اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ) النمل47. وقد أخبرنا سبحانه
بأنه وبسبب عصيان وتمادي الناس في غيهم دمر الله سبحانه كل المجتمع
تدميرا، فقد أخذتهم الصيحة، وذلك من بعد أن يئس أهل الخير والصلاح
الذين أرادوا حماية المجتمع وسلامة أمنه، في دعوة من الله صريحة أن
أهل الفساد لا بد من إرشادهم، والأخذ بيدهم إلى الصواب، أو الأخذ على
أيديهم معاقبة ومحاسبة، لا أن يتركوا في غيهم، وذلك حتى لا يعم شرهم
فيهلك المجتمع بأسره، فالداعية في هذا الحوار خير رجل أمن للمجتمع،
يقول سبحانه في كل ذلك: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ
مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ
إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً
عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ
مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)). ولذلك
يحذرنا سبحانه في أهمية استقامة المجتمع قبل حلول العذاب، إذ العذاب
إذا حل عم، فهو لا يصيب أهل الفساد فحسب، بل ومن يقر وجوده أيضا، من
خلال عدم الإنكار فضلا عن عدم الإرشاد والتوجيه، ولا حفاظ بذلك على
أمن المجتمع وسلامته من غضب الله؛ من جوع وخوف وتسليط وأمراض وما شباهه
إلا بالدعوة إلى الله والنصح والعودة إلى الله سبحانه: {وَاتَّقُواْ
فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ
أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الأنفال25.
8- من يدعو إلى الله سبحانه من أبناء هذه الأمة يعد الرسول محمد (،
وحقيقة الدفاع عنه إنما يكون بتحمل دعوته التي تركها في الأرض، وانتقل
عنها إلى جوار ربه. فهو رسول لله - أي الداعية - من حيث قيامه بالواجب
الذي بعث من أجله الرسول، ولو لم يرسل مباشرة من قبل الله سبحانه.
وفي هذا الحوار نرى أن صاحب يس~ الذي جاء يسعى قد تحمل واجب الدفاع
عن المرسلين وتبليغ الدين بعدهم للقوم، وتخليد الله سبحانه بذكره في
القرآن إشارة واضحة، ودعوة صريحة لأبناء هذه الأمة لأن يتحملوا أمانة
الدين بعد النبي محمد (، وقد فهم الصحابة ذلك فجعلوا من أنفسهم صاحب
يس~، عدا أنهم في مكة وما جاورها من أرض الله سبحانه، شرقا وغربا شمالا
وجنوبا.
9- في ذكر الله لصاحب يس~ الذي جاء يسعى من أقصى المدينة داعيا قومه
تحميل لكل فرد في أمة النبي محمد (، يتضح ذلك من خلال بساطة ما دعا
إليه رحمه الله ورضي الله عنه، بحيث لا يمكن أن يحتج محتج أنني لا
أعرف ما أقول حال رغبتي دعوة الآخرين إلى الله سبحانه، وإنقاذ الناس
من التيه والضلال، وبساطة ما قاله حجة لكل من يعترض طريق الدعاة في
ادعائهم عليهم أنهم ليسوا بالعلم الذي يؤهلهم لأن يدعوا إلى الله.
يفهم كل ذلك من خلال ما تلفظ به صاحب يس~، الذي لا محالة يعرفها- أي
الألفاظ- كل مسلم عاقل، فمن ذا الذي لا يعرف أن يقول: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ
مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ
الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا
يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي
آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25). بمعنى يا قوم قولوا لا إله
إلا الله، إذ إن المرسلين يدعون إلى ذلك، إذ يقول سبحانه عنهم وما
يقولون: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي
إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }الأنبياء25.
10- يشرف الداعية إلى الله سبحانه بما شرف به مؤمن يس~، فهو مثله إلا
في اختلاف الزمان والمكان، ومن ضمن ما سيشرف به، الآتي: أن مكان دعوته
ميدان له، ومن يدعوهم بمنزلة القوم للرسول، يفهم ذلك مما قاله الله
على لسانه مخلدا: (يَا قَوْمِ). وقوله سبحانه: (وَمَا أَنْزَلْنَا
عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ). وفي أنه بمنزلة الرسول في المكانة
فقد أردفه الله من ضمن الرسل إعلاءا لشأنه بعد ذكر قصته وتدخله في
نصح المجتمع، إذ قال سبحانه بعد كل ما حدث في القرية: (يَا حَسْرَةً
عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِئُونَ (30))، فقد أردفه الله من ضمنهم تشريفا وإكبارا لصنيعه.
وما أكرمه الله به مما أكرم به المرسلين المكذَّبين من قبل أقوامهم؛
من شهادة وحسن خاتمة وجنة. في ترغيب من الله سبحانه لكل من يريد كل
ذلكم التشريف، شريطة الصبر على الأذى، كما صبر من أرسلوا من قبل ومن
سار على نهجهم، إذ ذلك سنة من سنن الله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ
مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى
أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ
مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34.
11- عدم ربط واجب الدعوة بالأجرة المادية شرط للنجاح، إذ الإخلاص والحرقة
القلبية على حال المجتمع غير المستقيم، والعمل بما يأمر به هو الدافع
المفترض في الدعوة، تذكيرا ووعظا، فمن الخطأ أن يجعل الداعية من نفسه
كآلة تعمل إن زودت بحاجتها فقط. يلحظ ذلك من خلال تذكير مؤمن يس~ قومه
المكذبين أن الوازع الذي جعل الرسل ينصحونهم إنما الخوف عليهم من غضب
الله سبحانه، ورغبة الخير لهم في الدنيا، وأنهم لم يطلبوا في سبيل
ذلك شيئا، يقول سبحانه على لسانه: (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ
أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)). وفي تلكم الآية إشارة إلى أن من
يدعو إلى الله سبحانه من ذات نفسه دون دفع ولا توجيه إلزامي من جهة
ما، أجدى وأنفع - دون نفي لدور من هم على غير ذلك-. لذلك نجد كل الرسل
يركزون على قول ذلك لأقوامهم، تأكيدا منهم لهم على مدى المحبة المتأصلة
لهم في قلبهم، ويريدون في ذلك تحسيس من يدعونهم وينصحونهم، يقول سبحانه
على لسان رسوله محمد ( وهو يدعو أهل مكة، مقتديا بقول صاحب يس~ المؤمن
عليه السلام : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ
إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }الأنعام90، وفي آية أخرى: {قُل لَّا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}الشورى23.
2ـ ما يشعر به المؤمن في رحاب الاستقامة ينبغي أن يتمناه لغيره، فيجتهد
في إكرامهم بما أكرمه الله به، من رغد في العيش وراحة في النفس وطمأنينة
في الدنيا، أو ما سيكرمه الله به بإذن الله مما وعد الله به الصالحين،
مما وصفه مؤمن يس~ بعد موته وانتقاله من الحياة . وليس ذاك إلا بالاجتهاد
فيهم لاستقامتهم، وزيادة إيمانهم. وفي الحوار يلحظ تمني صاحب يس~ عليه
السلام في استقامة قومه وإيمانهم، وذلك بعد أن وجد ما وعده الله به
من إكرام في الجنة، يقول سبحانه على لسانه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ
قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)). فقد تمنى لهم الخير بالرغم
من وقوفهم ضده وربما قتله- كما يفهم- ولكنه يرى أنهم ميدان فسيح يدخل
من خلاله إلى الجنة، فهو لا يزال يتحسر على حالهم ويرجوا لهم معرفة
ما قد أكرمه الله به حتى يستقيموا، وفي إخبار الله لنا ذلك نموذج عملي
لما آل إليه داعية يعد ممن يهتدى به ويسار على نهجه، لمن أراد ما شرُف
به عليه السلام.
12- توخي الحذر عند ضرب الأمثال، والدقة في كل ما يقال، وضبط الألفاظ
بقدر ما يتحقق المراد إيصاله للسامع مهم جدا. ففي الآيات القرآنية
التي أرادها الله سبحانه أن تكون مثلا لأهل مكة، نجده سبحانه لم يبين
صراحة ما فعله أصحاب القرية برسلهم، فقد ترك كل الاحتمالات واردة،
من حيث إنهم قد قتلوا أم أن الله سبحانه قد نجاهم، فقد كان المثل دقيقا
فيما يريد الله سبحانه إخبار أهل مكة به. لأن تفصيل أمور ليست مقصودة
في ذاتها قد تضر أكثر من أن تنفع، وفي المثال قد يحتذي حذوهم أهل مكة
في ما فعله أصحاب المثل، أو قد يتحدونهم في مدى قدرة الله في حمايته
صلى الله عليه وسلم له وأصحابه منهم. فأمر نجاة المرسلين من مكر أصحاب
القرية وارد في سنة الله سبحانه؛ فجل شأنه ينجي المرسلين والدعاة،
كما نجى نوحا وهودا وصالحا ولوطا ومؤمن آل فرعون وغيرهم، كما أن أمر
قتلهم على أيدي قومهم وارد كما فعل قوم بني إسرائيل مع عدد من أنبيائهم،
إذ وصفوا أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون
بالقسط من الناس.
أعلى
من الإصدارات العربية
فن التعامل بين الزوجين
عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري:الحياة الزوجية
هدف نبيل يسعى كل الزوجين لتحقيق أحلى وأفضل حياة سعيدة ترفرف عليها
السعادة الدائمة في بيت تملؤه المحبة والألفة في شجرة عائلية مفعمة
بنور الإيمان والتقوى وعن دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير جاء
كتاب فن التعامل بين الزوجين يحمل بين أحضانه العديد من الصفات التي
يجب أن يتحلى بها كل زوج وزوجة الكتاب من تأليف محمد صديق المنشاوى
ويقع 128 صفحة .
في بداية هذا الكتاب كيف تختار زوجتك ؟ يقول المؤلف: الزوجة الصالحة
أجمل متع الحياة فاحرص على اختيار زوجة إذا نظرت إليها سرتك، وأن غبت
عنها حفظتك في شرفك ومالك وولدك .
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا
وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)
(الفرقان:74) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: تنكح المرأة لأربع :
لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك .
واختار النبي صلى الله عليه وسلم الدين لأن المال ينفد والحسب يموت
والجمال يبلى أما الدين فهو باق .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة
.
وذات يوم خرج عمر بن الخطاب رضي عنه وهو أمير المؤمنين ينظر في أحوال
الرعية فسمع امرأة تأمر ابنتها أن تخلط اللبن بالماء فقالت الفتاة:
إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى أن يخلط اللبن بالماء
.
فقالت الأم : يا بنية إن عمر لا يرانا .
فقالت الفتاة: إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا .
فلما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاح الفتاة ودينها أسرع وزوجها
ابنه عاصم ، فأنجب منها ابنته أم عاصم أم عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء
الراشدين .
التعاون بين الزوجين في البيت يثمر عن المحبة والألفة بينهم وقد تطرق
المؤلف تحت عنوان ساعد زوجتك قائلا : مساعدة الزوجة من أعمال المنزل
نوع من أنواع الرحمة وليس إنقاصا للرجولة ، فكن في بيتك ومع زوجتك
كما كان النبي صلى الله في بيته ومع أزواجه .
تقص علينا السيدة عائشة رضي الله عنها تعاون النبي صلى الله عليه وسلم
في بيته ومع أزواجه قائلة : كان في مهنة أهله ( أي خدمة أهله ) فإذا
سمع الأذان خرج وفي رواية يخيط ثوبه ويخصف نعله ويرقع دلوه ، وتقول
امرأة من الأعراب تمدح زوجها : مرضت سنة ، فكان زوجي يغسل لنا ثيابنا
، ويصنع لنا خبزنا ، ويعد لنا طعامنا ، يفعل ذلك والابتسامة لا تفارق
شفتيه.
الخصام مرض خطير ينتشر بين الزوجين إذا ما لم تكن التفاهم والحوار
الهادي بينهم وأشار المؤلف عبر هذا الكتاب : الخصام مرض إذا انتشر
في بيت قتل أهله، والشجار يميت السعادة، وينبت الشقاء، فلا تكن من
هواة الخصومة عند كل صغيرة وكبيرة، فالحياة الزوجية لا تخلو من الحوادث
التافهة التي تعكر صفو الخاطر، وأجعل الحب والتفاهم أداة لطرد الخصام
من بيتك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة إذا كره منها خلقا
رضى منها آخر .
الحوار المتبادل بين الزوجين هو هدف يسعى كل منهم لمناقشة موضوع ما
يهم حياتهم الزوجية وقد أوضح المؤلف عن الحوار قائلا: الحوار أفضل
علاج للمشكلات، وأفضل ما في الحوار ألا يقوم على الإدانة، وفتح سجلات
الماضي فاجعل الحوار بينك وبين زوجتك بناء من أجل سعادة الأسرة .
كان حوار النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم على الإدانة وتذكر أخطاء
الماضي، فذات يوم جلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيدة عائشة رضي
الله عنها يتسامر معها في حوار هادىء فقال: إني لأعلم إذا كنت عنى
راضية، وإذا كنت على غضبي قالت : بم تعلم يا رسول الله ؟! قال : إذا
كنت على غضبي فحلفت قلت : كلا ورب إبراهيم ، وإذا كنت عني غير راضية
قلت : كلا ورب محمد قالت : صدقت يا رسول، ما أهجر إلا اسمك .
فالحوار هنا دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وامرأته دون توجيه إدانة
أو تذكر للخلافات ، فجاء عذبا صافيا .
أما في باب فن التعامل مع الزوج في هذا الباب كيف تختارين زوجك قال
المؤلف : قال النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الفتاة كيف تختار زوجها
وشريك حياتها ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوا
تكن فتنة وفساد عظيم .
قال رجل للحسن البصري : إن لي ابنة من أحب الناس إلي فمن ترى أن أزوجها
له ؟ قال : زوجها ممن يتقى الله عزوجل فإن أحبها أكرمها وإن ألغضها
لم يظلمها.
الاعتدال في الإنفاق وسيلة ناجحة في تحقيق الحياة الزوجية وتحت عنوان:
إياك والتبذير قال مؤلف هذا الكتاب: عليك بالاعتدال في الإنفاق، وإياك
والتبذير والإسراف، لا تكوني مولعة بملاحقة كل جديد، ولا تثقلى على
زوجك قال تعالى( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) الأعراف 31 وقال تعالى
(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان:67) جاءت هند بنت عتبة زوجة
أبي سفيان رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه
بخل زوجها : فقالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني
ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك ).
أما عن طاعة الزوج قال المؤلف : طاعة الزوج مفتاح من مفاتيح الجنة،
وهو طوق النجاة .
قال النبي صلى الله عليه وسلم ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا
من زوجة صالحة ، إن أمرها أطاعته ، وإن أقسم عليها أبرته .
وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير ؟
فقال صلى الله عليه وسلم: التي تسره إذا نظر وتطيعه أذا أمر .
التعاون على طاعة الله هدف نبيل يؤلف المحبة بين الزوجين وقال مؤلف
هذا الكتاب عن التعاون على الطاعة : قال تعالى (وتعاونوا على البر
والتقوى ) المائدة 2، قال النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله رجلاً
قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته ، فإن أبت نضح في وجهها الماء ، رحم
الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها ، فإن أبى نضحت في وجهه
الماء .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا
أو صلى ركعتين جميعا كتب من الذاكرين والذاكرات .
أعلى
(النيرات المنيرات)
أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية رضي
الله عنها
هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن عائذ بن
مالك بن جذيمة من بني المصطلق أم المؤمنين رضي الله عنها .
نسبها وزواجها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
هي من بني المصطلق وهي ابنة الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق وكانت
متزوجة من مسافع بن صفوان المصطلق والمصطلق من خزاعة من العرب القحطانية
وذلك وهي صغيرة السن .
غزوة المريسيع (أو) غزوة بني المصطلق
كان قد بلغ رسول الله خير تجمع بني المصطلق لمهاجمة المسلمين وذلك
بعد غزوة الأحزاب( الخندق) ورجوع الأحزاب خاسرين في السنة الخامسة
من الهجرة النبوية إلى المدينة فلما تيقن رسول الله من ذلك قرر غزوهم
وعندما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق في العام الخامس
أو السادس من الهجرة خرج من المدينة والتقى معهم على ماء يقال له (المريسيع
) بالقرب من مكة المكرمة فهزمهم وقتل منهم من قتل ثم نفل أسراهم ونساءهم
وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين فوقعت جويرية بنت الحارث في سهم
ثابت بن قيس بن شماس ( أحد الصحابة أو لابن عم له فذهبت جويرية إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قد كاتبت في صحبة رسول الله صلى
الله عليه وسلم فتقول: فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهتها وقلت يرى
منها ما قد رأيت فقد كانت كما تقول عائشة أمرأة حلوة ملاحة لا يراها
أحد إلا أخذت بنفسه فلما دخلت جويرية على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وكانت ابنه سيد قومه - قالت له يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث
سيد قومه وقد أصابنى من البلاء ما لا يخفي عليك وقد كاتبت على نفسي
فأعني على كتابتى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها : أو خير
من ذلك أؤدي عنك كتابك وأتزوجك ؟ فقالت : نعم
زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتق أسرى بني المصطلق
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث فلما بلغ
الناس ذلك قالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم
من أسرى بني المصلطق 0 تقول عائشة رضي الله عنها : فلقد أعتق بها مائة
أهل بيت من بنى المصطلق فما أعلم امرأة أعظم بركة منها على قومها وبذلك
رفعها الرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصاف أمهات المؤمنين فأى
شرف وأي مكانة نالتها أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها !
إسلام الحارث بن أبي ضرار وبعض قومه
ذكرابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع جويرية عند رجل من
الأنصار وديعة ثم قدم المدينة وذلك بعد عودته من غزوة بني المصطلق
فأقبل أبوها ومعه فداؤها (عدد من الإبل ) فلما وصل إلى العقيق - وهو
واد بالمدينة أخفى اثنين منهما في شعاب الوادي وقدم على رسول الله
ـصلى الله عليه وسلم ـ يعلنه أنه قد جاء لفداء ابنته 0 فسأله رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن خبر البعيرين اللذين أخفاهما في شعاب العقيق
فقال له : أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله ! فو الله ما اطلع
على ذلك إلا الله وأسلم معه ابنان له وبعض قومه .
إعداد/أم الزبرجد الشيبانية.
أعلى
فيا شباب الإسلام
حمود بن حميد الصوافي
إنَّ الله سبحانه وتعالى قد أغنى المسلمين، وأنعم عليهم بشريعة كاملة
صالحة لكلِّ زمان ومكان، هذه الشريعةُ هي الصراطُ المستقيمُ، الذي
هو طريقُ الذين أنعَمَ اللهُ عليهم من النبيّين والصدِّيقين والشهداءِ
والصالحين، وما خالفَها فهو طريقُ المغضوبِ عليهم والضالين من اليهودِ
والنصارى والمشركين (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ
أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)
(الفاتحة 6 ـ 7) (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام 153). لقد أنعمَ
اللهُ سبحانه وتعالى علينا بشريعة كاملة شاملة لكلِّ مصالحِ الدِّينِ
والدنيا، وعلّقَ السعادةَ في الدنيا والآخرةِ على العملِ بها والتمسّكِ
بهديها (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (النحل 97) (وَيَزِيدُ اللَّهُ
الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ
عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا) (مريم 76) (وَالَّذِينَ
اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) (محمد 17) (فَمَن
تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة
38) (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه 123)
.
إنَّ من القبيحِ بل من الحرامِ أن نتركَ محاسن ديننا الحنيف، ونقلّدَ
أعداءنا فيما ينهي عنه الدِّينُ، ويُغضبُ علينا ربَّ العالمين، إنَّ
عاقبةَ تقليدِنا الأجانبَ في بدعِهم السيئةِ وعاداتِهم القبيحةِ عاقبةٌ
وخيمة، إنَّ التشبّهَ بالكفارِ تنكّر للإسلامِ، واستبدالٌ لتعاليمِه
بغيرِها، فمَن تشبّهَ بقوم فهو منهم، ليس منَّا من تشبّهَ بغيرِنا،
إنَّ التشبّهَ بالكفارِ في الظاهرِ دليلٌ على موالاتِهم في الباطنِ،
وهذا ينافي الإيمانَ، (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا
آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوح
مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ
حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة
22).
فيا شبابَ المسلمين تمسّكوا بتعاليمِ دينِكم الحنيفِ، عضّوا عليها
بالنواجذِ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمورِ، ويا شبابَ المسلمين لا يجرفنَّكم
سيلُ المدنيّةِ الحديثةِ الخبيثةِ، ولا يصرفنَّكم الشيطانُ عن صفاتِ
الرجولةِ والشهامةِ والشجاعةِ، ولا يحملنَّكم الترفُ على التفنّنِ
في محاكاةِ النساءِ؛ فإنَّ الرجلَ خشنٌ بطبعِه، وكلّما تأنّث خفّت
ذكورتُه، ونقصت رجولتُه، وعجزَ عن الكفاحِ والقيامِ الذي خُلِقَ له
في مُعتركِ هذه الحياةِ، فتمسّكوا بكتابِ ربِّكم، وتأسّوا بنبيِّكم
محمد صلى الله عليه وسلم، وتذكّروا أولئك الشبابَ الأبطالَ الذين ربّاهم
رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذين كانوا رهباناً بالليلِ أسوداً
بالنهارِ الذين لم يكن همُّهم كأساً ولا غانيةً، لم يكن همُّهم جمعَ
الحطامِ ولا مغازلةَ الحِسانِ، ولا السعيَ وراءَ الشهواتِ، ولا الخوضَ
في الشُّبُهاتِ، ولا التسكّعَ في الطُرُقاتِ، ولا التفنّنَ في محاكاةِ
الفتياتِ، وإنّما كانَ جُلُّ همِّهم إقامَ الصلاةِ، وإيتاءَ الزكاةِ،
والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ، والجهادَ في سبيلِ اللهِ، تذكّروا
أولئك الذين فتحوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها بالسواعدِ المؤمنةِ، والعزائمِ
المتوقدةِ، والهممِ العاليةِ الذين يبيتون لربِّهم سجّداً وقياماً،
يرتِّلون كتابَ اللهِ ترتيلاً، إذا مرَّ أحدُهم بآية فيها ذكرُ الجنّةِ
بكى شوقاً إليها، وإذا مرَّ بآية فيها ذكرُ النارِ شهقَ شهقةً كأنَّ
زفيرَ جهنّمَ في أذنيه، الذين وصفَهم اللهُ بقولِه: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ
تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء
الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب) (النور 37ـ 38)، الذين
وصفَهم اللهُ بقولِه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا
اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ
وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) (الأحزاب 23)، الذين وصفَهم اللهُ بقولِه:
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ
أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ
فِي الإنجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ
فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم
مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح 29).
إنه لا يُصلِحُ آخرَ هذه الأمّةِ إلا ما أصلحَ أوّلَها، فكونوا خيرَ
خلَف لخيرِ سلَف في الذبِّ عن الدينِ، والجهادِ في سبيلِ الله، والحفاظِ
على المحارمِ، والدفاعِ عن الديارِ، فلستم كشبابِ الكفّارِ الضائعِ
الذي لا دينَ له يحميه، ولا عرضَ له يصونُه، ولا كرامةَ له يُحافظُ
عليها (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ
كَثِيرًا) (الأحزاب 21) (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ) (الحشر 7) (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
(النور 63) (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ
أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى
مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
(القصص 50) (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ
مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء 115).
أعلى
وجوب محبة النبي وتعظيمه
يجب على العبد أولا محبة الله عز وجل وهي من
أعظم أنواع العبادة قال الله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ
حُبًّا لِّلّهِ) (سورة البقرة 165) لأنه هو الرب المتفضل على عباده
بجميع النعم ظاهرها وباطنها ثم بعد محبة الله تعالى محبة الرسول صلى
الله عليه وسلم لأنه هو الذي دعا إلى الله تعالى وعرف به وبلغ شريعته
وبين أحكامه فما حصل للمؤمنين من خير في الدنيا والآخرة فعلى يد هذا
الرسول الكريم عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات من رب الأرض والسماوات
ولا يدخل أحد الجنة إلا بطاعته وأتباعه صلى الله عليه وسلم وفي الحديث
الشريف (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود
في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) فحب الله وحب رسوله صلى الله
عليه وسلم ليس كلاما يقال وإنما هي الأفعال التي تنتج عن القلوب المؤمنة
العارفة بالله لهذا نطقت السنة النبوية المطهرة بـ(ثلاث من كن فيه
وجد حلاوة الإيمان)، وحلاوة الإيمان في القلب وتظهر على الجوارح بالأعمال
الطيبة وديننا الإسلامي الذي نتشرف جميعا بالانتساب إليه هو علامة
الإيمان، علامة الإسلام، لأنه أمرنا بحب الله تعالى وحب رسوله صلى
الله عليه وسلم فمن ذاق حلاوة الإيمان التي هي بحب الله ورسوله صلى
الله عليه وسلم فقد عرف ومن حرم فقد انحرف.
فمحبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تابعة لمحبة الله تعالى لازمة
لها وتليها في المرتبة وقد جاء بخصوص محبته صلى الله عليه وسلم ووجوب
تقديمها على محبة كل من سوى الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (لا
يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) بل ورد
أنه يجب على المؤمن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من
نفسه كما في الحديث (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله
لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي
بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال عمر فإنك الآن أحب إلي من نفسي،
فقال صلى الله عليه وسلم (الآن يا عمر) ففي هذا أن محبة النبي صلى
الله عليه وسلم واجبة ومقدمة على كل شيء سوى محبة الله تعالى فإنها
تابعة ولازمة لها لأنها محبة في الله ولأجله تزيد بزيادة محبة الله
في قلب المؤمن وتنقص بنقصها وكل من كان محبا لله تعالى فإنما يحب في
الله ولأجله ومحبته صلى الله عليه وسلم تقتضي تعظيمه وتوقيره واتباعه
وتقديم قوله على قول كل أحد من الخلق وتعظيم سنته.
فكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رسول
الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه فإنها من تمام محبة من أرسله وعظمه
فإن أمته يحبونه لمحبة الله تعالى له ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله
له فهي محبة من موجبات محبة الله تعالى.
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الله عليه من المهابة والمحبة
ما ألقى ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب ولا أجل في صدره من
رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدور أصحابه صلى الله عليه وسلم وقد
قال عمرو بن العاص بعد إسلامه إنه لم يكن شخص أبغض إلي منه فلما أسلمت
لم يكن شخص أحب إلي منه، ولا أجل في عيني منه قال: ولو سئلت أن أصفه
لكم لما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له.
وقال عروة بن مسعود لقريش: يا قوم والله لقد وفدت إلى كسرى وقيصر والملوك
فما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
محمدا، والله ما يحدون النظر إليه تعظيما له، وما تنخم نخامة إلا وقعت
في كف رجل منهم فيدلك بها وجهه وصدره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على
وضوئه.
وبيان منزلة النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس أن تكون بمدحه بما مدحه
الله تعالى به وذكر منزلته التي فضله بها واعتقاد ذلك. فله صلى الله
عليه وسلم المنزلة العليا التي أنزله الله تعالى فيها فهو عبدالله
ورسوله وخيرته من خلقه وأفضل الخلق على الإطلاق وهو رسول الله إلى
الناس كافة وإلى الثقلين الإنس والجن وهو أفضل الرسل وخاتم النبيين
لا نبى بعده قد شرح الله صدره ورفع ذكره وجعل الذلة والصغار على من
خالف أمره وهو صاحب المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه (عسى أن
يبعثك ربك مقاما محمودا) (الإسراء 79) أي المقام الذي يقيمه الله فيه
للشفاعة، يشفع للناس يوم القيامة ليريحهم ربهم من شدة الموقف وهو مقام
خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره من النبيين وهو أخشى الخلق لله
وأتقاهم له وقد نهي عن رفع الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى
على الذين يغضون أصواتهم عنده فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ
أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ
أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ
اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)
(الحجرات آية 2و3).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه آيات أدب الله تعالى فيها
عباده المؤمنين فيما يعاملون به النبي صلى الله عليه من التوقير والاحترام
والتبجيل والتعظيم، أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه
وسلم فوق صوته ونهى سبحانه وتعالى أن يُدعى الرسول صلى الله عليه وسلم
كما يُدعى سائر الناس فيقال: يا محمد وإنما يدعى بالرسالة والنبوة
فيقال: يا رسول الله، يا نبى الله قال تعالى (لا تَجْعَلُوا دُعَاء
الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا) (النور 63) كما
أن الله تبارك وتعالى يناديه، يا أيها النبي، يا أيها الرسول.
ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم تعظيم سنته واعتقاد وجوب العمل بها
وأنها في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم في وجوب التعظيم والعمل.
لأنها وحي من الله تعالى كما قال عز من قائل في كتابه الكريم (وَمَا
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم 3و4)
فلا يجوز التشكيك فيها والتقليل من شأنها أو الكلام فيها بتصحيح أو
تضعيف لطرقها وأسانيدها أو شرح لمعانيها إلا بعلم وتحفظ وقد كثر في
هذا الزمان تطاول الجهال على سنة النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد
صلى الله عليه وسلم، والله تعالى نسأل أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل
أعداءه.
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم.
أنس فرج محمد فرج
أعلى
الاسلام يحل مشاكلك
* لقد قرأت وسمعت ان رسولنا محمدا صلى الله عليه
وسلم معجزته القرآن الكريم وهي معجزة غير ظاهرة ولا مؤثرة لعامة الناس
كالمعجزات المادية للأنبياء والرسل السابقين فلقد اشكل علي ذلك. ارجو
من فضيلتكم ايضاحه مع شكري وتقديري لجهودكم العلمية؟
** من المعلوم ان المعجزة الكبرى الخالدة لرسول الله محمد بن عبدالله
صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم باسلوبه البليغ وبيانه البديع
وبرهانه الواضح ودليله القاطع وقصصه عن الغابرين من رسل الله وانبيائه
والأمم التي بعثوا فيها.
فنؤكد لك ايها السائل ان القرآن هو معجزة رسول الله الخالدة لان الناس
على مر القرون يتبينون في القرآن مزيدا من صحة اخباره وعدالة تشريعاته
ما لم يتبينه السابقون خلال القرون الماضية وصدق الله العظيم في قوله
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق، أولم
يكف بربك انه على كل شيء شهيد).
ومع هذه المعجزة الكبرى القرآن الكريم توجد معجزات مادية ايضا له صلى
الله عليه وسلم شهدها الصحابة النبلاء الذين شرفوا بصحبة الرسول الكريم
ومعايشته ومعاملته.
فمن تلك المعجزات المادية معجزة انشقاق القمر وانفجار الماء من بين
اصابعه وحنين الجذع الذي كان يخطب عليه بعدما صنع له المنبر، وتكثير
الطعام القليل وشفاء المرضى كما حدث لسيدنا علي بن ابي طالب ـ كرم
الله وجهه ـ في غزوة خيبر وحدث لبعض الصحابة في سقوط احدى حدقتيه فردها
رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكانها في عينه.
وان شئت المزيد ايها السائل الكريم فارجع الى كتب الحديث الصحيحة والسيرة
النبوية الخالدة فستجد الكثير والكثير من المعجزات المادية. هذا والله
اعلم.
أعلى
(وقل اعملوا)
حماية البيئة
أيها القراء الأعزاء:
تعد قضية حماية البيئة من أبرز التحديات الحضارية والصحية والاجتماعية
لأي مجتمع, ويكاد العلماء أن يتفقوا على أنه لا مستقبل لمجتمع من المجتمعات
بدون بيئة نظيفة وخالية من التلوث.
ولقد اتفقت المؤسسات الدولية - بما في ذلك منظمة اليونسكو, ومنظمة
الأغذية والزراعة الدولية- على أن أفضل وسيلة للمحافظة على البيئة
وحمايتها هو استغلالها, واستعمال مواردها بالطرق السليمة للوصول إلى
أفضل نوعية من المعيشة للإنسان, وتلك بعينها تشكل أهداف أية تنمية
اقتصادية.
إن التنمية الاقتصادية السليمة للموارد الزراعية لا بد أن تأخذ بعين
الاعتبار المحافظة على التربة والغابات والغطاء النباتي والحيوانات
البرية لما لهذه الموارد من أهمية في التوازن البيئي.
إن كمية الانتاج تتأثر إلى حد بعيد بكيفية وجود الموارد الطبيعية,
وتوزيعها, وبطرق استغلالها واستثمارها. ومن هنا حرص الاسلام على تشغيل
الموارد الطبيعية وتنميتها وعدم تعطيلها عن الانتاج,فقد حث الرسول
صلى الله عليه وسلم على إحياء الأرض الموات بقوله: (من أحيا أرضا ميتة
فهي له, وليس لعرق ظالم حق).
دعا الناس إلى الاستفادة من خيرات الأرض باستصلاحها,وقد طبق ذلك عمليا
في الدولة الاسلامية,وذلك حينما أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
الله عنه من بلال بن الحارث المزني بعض ما أقطعه رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الأرض,وقال عمر رضي الله عنه لبلال: (انظر ما قويت عليه
منها فأمسكه,وما لم تطق,وما لم تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين.
فقال بلال: لا أفعل, والله شيئا أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم,
فقال عمر رضي الله عنه: والله لتفعلن, فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه
بين المسلمين).
ودعا الاسلام إلى استغلال الأرض حتى لو كلف ذلك الإنفاق عليه من بيت
المال,فقد روى يحيى بن آدم عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه
كتب لأحد عماله فقال: (انظر ما قبلكم من أرض الصافية فأعطوها بالمزارعة
بالنصف, وما لم تزرع فأعطوها بالثلث, فإن لم تزرع فأعطوها حتى تبلغ
العشر, فإن لم يزرعها أحد فامنحها, فإن لم يزرع فأنفق عليها من بيت
مال المسلمين).
وقد قيد الشرع حسن الاستغلال بتحقيق النفع, وقد ضرب الله مثلا على
ذلك لنبي الله داود عيه السلام ,حيث علمه استغلال خام الحديد, وصناعة
الدروع, تحت ظل الإتقان والنفع. قال تعالى: (وألنا له الحديد أن اعمل
سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير). وقال تعالى
في آية أخرى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون).
إن سوء استغلال الطبيعة أدى إلى مشكلات بيئية خطيرة,ومما يذكر أن الصين
كانت قد شنت حملة خلال النصف الثاني من هذا القرن لإبادة العصافير
التي كانت تأكل الأرز- الذي يعد محصولها الأساسي- حرصا منها على زيادة
الإنتاج, وحينما فعلت ذلك وحصلت على محصول وفير لبضع سنوات ظهرت الديدان
التي كانت تعيش عليها العصافير فأتت على المحاصيل وأبادتها, فخسرت
خسارة فادحة, وعندئذ اضطرت لاستيراد العصافير وتربيتها, كي تقيها من
شر هذه الديدان.
فهؤلاء أساؤوا استغلال هذه الموارد, ولم يراعوا نظام التوازن البيئي,
والله عز وجل خلق الكائنات الحية لتؤدي رسالة معينة, فإن قطعنا الصلة
بين هذه الكائنات الحية وبين الغاية التي خلقت من أجلها نكون قد أفسدنا
من حيث لا نشعر, قال تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا
إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
ومن حسن استغلال هذه الموارد استخدامها فيما خلقت له,لأن الله عز وجل
أعلم بخلقه,قال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). ويعلم
أن بعض الموارد يصلح استخدامها في منفعة ما, ولا يصلح استخدامها في
منفعة أخرى. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل راكب
بقرة,التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة).
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|