|
فتاوى وأحكام
* من هم أصحاب الفترة، وإلى أين مأواهم؟
** أصحاب الفترة هم الذين كانوا بين نبيين من أنبياء الله، ومعنى هذا
أن أصحاب الفترة هم الذين سبقوا بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلّم بحيث لم تصل إليهم دعوته، وما كانوا معايشين أيضاً لدعوة نبي
من الأنبياء الذين هم قبله أي جاءوا بعد النبوات السابقة، هؤلاء اختلف
العلماء فيهم هل هم معذورون أو هم غير معذورين، أما الذين قالوا بأنهم
معذورون فإنهم نظروا إلى قول الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: من الآية 15)، معنى ذلك أنه قبل
أن يبعث رسول من الرسل أو قبل أن يبعث رسول يوجه إلى أمة من الأمم
فإن تلك الأمة تكون معذورة بسبب جهلها وعدم معرفتها .
والآخرون اعتمدوا على روايات جاءت تدل على أن هؤلاء يسألون يوم القيامة
ويعذبون وقالوا بأن المراد بقول الله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: من الآية 15) عذاب الدنيا أي
لا يرسل الله تعالى نقماً على الأمم بسبب عدم عملها بالحق إلا بعد
أن يرسل إليهم رسولاً فيكذبوا ذلك الرسول، عندئذ يرسل الله تبارك وتعالى
عليهم نقماً بسبب هذا التكذيب، وأما الأمم فإنها هي مسئولة عن اتباع
الحق الذي جاء به المرسلون من قبل، إذ ما من أمة إلا وهي مسبوقة برسالة،
فقبل كل شيء آدم كان رسولاً إلى بنيه كما هو شائع، ثم بعد ذلك جاء
نوح عليه السلام فكان رسولاً، ثم هلم جرا أرسل الله تبارك وتعالى المرسلين
متوالين كل واحد منهم يلي الآخر ولو بعد فترة من الزمن، ولكن مواكب
النبوات لم تنقطع عن هذه الأرض فكانت حجة الله تعالى قائمة .
على أن كثيراً من الأمور التي كان عليها أهل الجاهلية تتنافى مع العقل
السليم ومع الفطرة السليمة، كانوا يتخذون آلهة من دون الله، يعبدون
آلهة يصنعونها بأيديهم وهذا مما تأباه العقول السليمة، فلذلك قالوا
بأن هؤلاء غير معذورين، وحقيقة الأمر الأدلة في هذا متعارضة ونحن نكل
ذلك إلى أمر الله سبحانه، فنحن لسنا مسئولين عن هذا الأمر إذ لم يأت
نص قطعي لنكون متعبدين به، والله تعالى أعلم .
* ما حكم إيداع مبلغ من المال ثم أخذ زيادة عليه؟
** لا يجوز أخذ زيادة على مال إلا أن تكون المضاربة مضاربة شرعية مضبوطة
بضوابط الشرع ومقيدة بقيود الحق، والله تعالى أعلم.
* ما هي ضوابط الخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة؟
** نعم، حقيقة الأمر الخلوة التي تكون بين الرجل والمرأة هي داعية
الفتنة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم
أنه قال: ألا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم .
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم .
وقال: إياكم والدخول على النساء فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو
يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت. وذلك لخطورة
دخوله على امرأة أخيه، والمقصود بالحمو هو أخ الزوج، فأخ الزوج هو
الموت لأن دخوله على امرأة أخيه أمر فيه من الخطر ما ليس بعده، فهو
من المحارم التي يجب أن تتقي .
ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يبالون بهذا الأمر، لا يبالون
بهذا التوجيه النبوي الشريف، ولا يبالون بهذا الضابط الشرعي الذي ينفي
عن الأمة كل ريبة وكل خطر أخلاقي، فلذلك تقع أمور سلبية ناتجة عن هذه
الخلوة التي تكون بين الرجل والمرأة الأجنبية.
والخلوة هي أن يكون رجل وامرأة في مكان يمكن أن يتصرفا فيه من غير
أن تمتد إليهما عين ومن غير أن يراقبهما أحد، ففي هذا المكان لا يجوز
لرجل أن يكون معه امرأة أجنبية إلا أن يكون معها محرم لها، أما مع
عدم وجود محرم المحرم فإن ذلك أمر فيه من الخطورة ما ليس بعده فيجب
أن يتقى ذلك، والله تعالى أعلم .
* ما المراد بالإيمان بالقرآن الكريم؟
** الإيمان بالقرآن أن يؤمن هذا الإنسان بأن هذا القرآن هو كلام الله
المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه اختتم الله
تعالى به وحيه المنزل على أنبيائه كما اختتم أنبيائه ورسله بمحمد صلى
الله عليه وسلم، وأن كل ما في هذا القرآن إنما هو حق من عند الله .
على أن هذا الإيمان يجب أن يتجسد في الواقع بحيث تكون الأعمال متناغية
معه ومتجاوبة معه، بحيث لا يعمل الإنسان أي عمل من الأعمال إلا وهو
تجسيد لهذا الإيمان كما يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا
يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً
وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (السجدة:15-16)، وكذلك يدل عليه
أن الله تبارك وتعالى قال في بني إسرائيل الذي أخذوا ما حلا لهم من
التوراة وأعرضوا عما لم يحلُ لهم (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ
إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ
إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
(البقرة: من الآية85)، والآية الكريمة وإن كانت في بني إسرائيل إلا
أن معناها ينطبق على هذه الأمة عندما تعرض عما لم يحلُ لها من القرآن
الكريم، وكذلك يدل على هذا حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى
عنها عندما أبصرت امرأة وقد لبست الرقيق من الثياب فقالت: ما آمنت
بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب. فهذا كله مما يدعو إلى أن الإيمان
الحق بالقرآن يجب أن يتجسد في حياة المؤمن، والله تعالى أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
(سورة الناس) مضامين
ودلالات 1ـ 2
ـ الله تعالى يطمئن عباده أن الوسواس يذهب سريعا
بمجرد أن يشد المرء العزم في طرده ويلجأ إلى الله في التغلب عليه
ـ المسلم يعلن افتقاره إلى الله سبحانه وتعالى أياً كان ذلك الأمر
ـ تدفعنا السورة إلى الأُنس بالله سبحانه وتعالى والرضا بما يقدره
ـ على المرء أن يستمد عونه من الله سبحانه وتعالى
ـ المرأة في بيتها عليها أن تدرك أن كل ما يدفعها إلى النقمة على زوجها
أو أبنائها ليست إلا وسوسة شيطانية أو إنسية فعليها الرجوع إلى الله
تعالى
ـ على المسلم أن لا يخاف من المخلوق فما دون الله فهو ناقص
الشيخ الدكتور ـ مبارك بن مسلم الشعبني
خبير وعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية
ومحاضر بمعهد العلوم الشرعية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ
(3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي
صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6).
صدق الله العظيم
المعنى العام للسورة الكريمة:
هذه السورة الكريمة يأمر الله سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم
وهو أمر لكل قارئ لها، لئن يقول متيقنا: استعيذ وأطلب العون واستجير
بالله سبحانه، رب الناس ومالكهم وإلههم مما يصيب من شر الموسوس، الذي
يجتهد في إغواء الناس وإضلالهم، سواء كان ذلك الموسوس أو الوسواس من
الجن أو من الإنس. مطمئنا سبحانه عباده أن هذا الوسواس سريعا ما يذهب
بمجرد أن يشد المرء العزم في طرده، ويلجأ إلى الله في التغلب عليه.
دلالات ومضامين هذه السورة الكريمة
1ـ استفتاح السورة بفعل الأمر (قُلْ) إخبار بأهمية استمرارية الدعوة
في تمجيد الله سبحانه وإعلاء شأنه وغرس عظمته في القلوب؛ فرب العزة
والجلال يستفتح هذه السورة بأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وهو أمر لكل من يقرأ تلكم السورة، وذلك لأن يوصل ما يراد إيصاله في
تلكم السورة من العقيدة التي ينبغي أن ترسخ في قلوب الناس، بحيث لا
ينقطع إيصال ما فيها من خير إلى من وصلته، بل إن من وصلته مأمور بقول
ذلك للآخرين أيضا: (قل..) لتظل كلمة قل كلها سيرورة وحركة ودوام، غير
متوقفة عند حد ولا مكان ولا زمان، ويلحظ ذلك الأمر في كل أمر ذي بال،
ومن الضروري العلم به والتنبه إليه.
2ـ طلب العون من الله أمر ينبغي أن لا يفتر عنه المسلم، فلا بد للمسلم
أن يعلن افتقاره إلى الله سبحانه، في أنه لا حول ولا قوة له إلا بحول
الله وقوته، أيا كان ذلكم الأمر، وفي هذه السورة يلحظ أن ما يُطلب
العون فيه من الله هو الانتصار على الوسوسة المشينة التي لا يجني من
ورائها المرء إلا كل شر.
3ـ السورة فيها تنزيه مطلق لله سبحانه عن أن يماثله سبحانه أحد، فلئن
كان في الدنيا بين الناس أرباب، فالله سبحانه رب الأرباب جميعا، فهو
رب الناس، ولئن كان في الدنيا ملوك فالله سبحانه ملك الناس جميعا بمن
فيهم الملوك أنفسهم وما يملكون، ولئن اتخذ الناس آلهة من دون الله
سبحانه فالله سبحانه قد شاءت مشيئته أن تخضع تلكم الآلهة أنفسها إلى
الله سبحانه، مسبحة طوعا له جل شأنه، كخلق من خلق الله سبحانه، فضلا
عن أنها مفتقرة نفسها إلى الله سبحانه فهي لا تملك لنفسها نفعا ولا
ضرا، فكيف تملك ذلك لغيرها. وفي ذلك التنزيه والتقديس لله سبحانه تزداد
النفس طمعا فيه سبحانه، فإن كان ثمة خوف من مخلوق ـ مثلا ـ فذلك المخلوق
مهما بلغ هو دون الله سبحانه قدرة وتأثيرا، فليُتمسَّك بالله فهو الكافي:
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ
مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر36)،
وإن كان المرء راغبا في خير فليتمسَّك بالله، وليطلبه منه وحده، فخيره
إن كتبه لمخلوق لا راد له: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ
كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ
يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
(يونس 107).
4ـ السورة فيها حث على الطاعة بالقيام بما أمر الله والانتهاء عما
نهي عنه سبحانه جل وعلا. إذ من البديهي أن يتوجه الإنسان العاقل بكل
كليته، قولا وعملا إلى الله سبحانه كونه قد عرف خالقه من أنه القاضي
للحاجات، والمنفس للكربات، ما دام قد أعلن احتياجه إليه قولا وعملا
من خلال استجارته به في أمر قد اقتنع فيه أن لا حل له إلا باللجوء
إلى الله سبحانه، والإنابة إليه.
5ـ السورة فيها تعليم للمرء لأن يقر بأن الله سبحانه هو الرب، والذي
يدفعه ـ أي الإقرار ـ إلى أن يكون خالصا له سبحانه في العبودية، كما
يدفعه إلى الأنس به سبحانه، والرضا بما يقدره عليه، كما أن فيها تعليما
للمرء لئن يلهج لسانه وقلبه وجوارحه على أنه سبحانه الرب الذي ينبغي
أن يتربى على تعاليمه. كما أن في كلمة الرب كل معاني الرفعة عن كل
رفيع، فسبحانه رب الأرباب.
6ـ في السورة الكريمة ما يشعر بالراحة النفسية العالية، من أنه يخاطب
ملك الناس، بمن فيهم ملوك الأرض، فسبحانه ملك الملوك وما يملكون. فيكسب
المرء العزة المحمودة من أنه وهو يناجيه في منزلة عالية في تواصله
مع الله جل شأنه الذي بيده مقاليد كل الأمور، يتوصل إليه متى ما أراد
ومتى ما يشاء بدون حاجب ولا وزير، يجيب سبحانه من يطلبه، بل ويطلب
منهم التواصل المستمر معه والطلب منه، متودد من أجل ذلك، وقائل لهم
من أنه قريب ومجيب، وواصف نفسه بأنه غني وكريم، ففيه من الصفات كل
ما تعنيه كلمة الملِك من معنى، على إطلاقها دون تقييد.
7ـ في السورة إخبار من الله لعباده أن لا ينبغي أن يعلو قلب المرء
أحد غير الله، بل ينبغي أن يملأ المؤمن قلبه حبا لله سبحانه، فهو الإله
الذي ينبغي أن يوحده، ويتشرب قلبه حبا به لا ما سواه. فهو جل شأنه
إله الناس، عدا أن من الناس من يبعد نفسه عنه ويلهو عنه، والمؤمن عليه
أن يتنافس فيه سبحانه ليرضى عنه فيكرمه، ليكون المتميز عن غيره من
الناس في القربى والمنزلة.
8ـ تمجيد الله سبحانه والثناء عليه بما هو له أهل وتقديسه مهم في استفتاح
الدعاء، وذلك لما يؤدي إليه ذلكم الاستهلال من زيادة لليقين في قلب
من يدعو ربه، فهو مذكر بعظمة من يخاطبه ويطلب منه، وقد كان ذلك منهج
من أخبرنا الله عنهم في كتابه، ممن توجهوا إلى الله بالطلب، فالملائكة
مثلا استهلت طلبها من الله بالثناء والتقديس لله سبحانه، فقد قال الله
على لسانها: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ
بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)
(غافر 7)، وقال على لسان المؤمنين وهم يدعون ربهم مستفتحينه بالثناء
والتقديس: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ) (آل عمران 191). وفي سورة الناس يلحظ أن الله سبحانه يخبرنا
بصفات من صفاته العلية التي ينبغي أن ترسخ في قلوبنا في طلبنا منه
ما نشاء، من أنه جل شأنه رب الناس وملك الناس وإله الناس، يقينا دون
أن يساور النفس أدنى شك في أنه القادر على تحقيق ما يطلب منه، ما دام
المخاطب هو بتلكم الرفعة والعلو التي لا يمكن أن تتحقق في أحد غيره
جل شأنه.
9ـ القلب الموجود في الصدر، كما قال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ
بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ
الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج 46)، هو أهم شيء في الإنسان، فهو مناط
التكليف والفهم والتعقل، فهو من يسير الجوارح، وهو مكمن الخير أو الشر،
فإن صلح صلح عمل الإنسان، والعكس بالعكس، لذلك يلحظ جعل الله سبحانه
الحساب عليه كناية لأهميته ودوره، وذلك في قوله: (وَحُصِّلَ مَا فِي
الصُّدُورِ) (العاديات10). وعليه فالأفراد والمؤسسات معنية بتنمية
الفكر فيه، ووقايته من كل ما يؤدي إلى زيغه، وغرس الفضائل فيه حتى
يكون بناء في المجتمع لا هداما، وحتى يأتي القلب سالما يوم القيامة
من كل ما يشين الإيمان ويلوثه: (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ،
إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء88، 89).
10ـ من يجتهد في الإغواء على القلب أكثر خطرا وتأثيرا عمن يجتهد على
التغيير المادي الظاهري؛ من هنا كان لزاما على المرء أن يحصن نفسه
من نزغات الشيطان والموسوسين من الجن والإنس حتى لا يحدثوا تأثيرا
على قلبه ومن ثم على سلوكه وعمله، فالجوارح رهينة التصورات والأفكار،
فكلما كانت التصورات والأفكار بناءة كانت النتائج قيمة، والعكس بالعكس.
وفي السورة الكريمة إخبار من الله سبحانه من أن اجتهاد الوسواس عادة
ما يكون على الصدور، التي هي مكمن التصورات والأفكار التي تسير الجوارح
والأعضاء، فحق بذلك على المرء أن يستند إلى ركن شديد، الله سبحانه
ذي القوة المتين للعون والمساعدة، كونه خالق كل شيء.
11ـ في السورة طمأنة من الله سبحانه على أن الوسواس وإن كان خطيرا
في تأثيره، إلا أنه هش لين، قدرته ضئيلة في التأثير، فقد وصفه سبحانه
بأنه خناس، سريعا من يسحب نفسه وينسل، نجاحه يعتمد على مقدار قوة المرء
في إيمانه، فبمجرد أن يستند المؤمن على الله متوكلا في الحفظ والصون
بأداء الواجبات والانتهاء عن المنهيات بمعنى أنه قوي الإيمان، مستعيذا
عمليا بربه إلا وكان الشيطان مطرودا مدحورا بعون من الله سبحانه. فالموسوس
دوره بث ونفخ أفكار الشر في القلب ولكن متى ما دحره المرء باستحضار
قدرة الله سبحانه عليه، وخوفه منه إلا وذهب ذلكم الوسواس، ولكن ما
إن تمادى المرء في ما وسوسه الموسوس إلا وأوصله إلى ترجمة ما نفثه
فيه من شر ـ والعياذ بالله ـ. لقد أخبرنا سبحانه أن كيد الشيطان ضعيف،
وأنه لا سلطان له على المؤمن الحق، في شد أزر منه سبحانه وتقوية للاستقامة
والالتزام، وحاشا سبحانه أن يجعل علينا سلطانا قسريا في توجيهنا، بل
إن المرء هو من يجعل لنفسه ذلك بلجوئه إلى غير الله سبحانه.
12ـ يخبرنا سبحانه أن الإنسان عادة ما يكون وبالا على أخيه الإنسان،
وذلك من خلال وسوسته له ودهائه إياه، ويعنى به أشرار الناس. في تحذير
من الله سبحانه لئن يحذر المرء هذا النوع من الناس، وأن ينتقي من الأقران
والبطانة من يوجهه إلى الخير، ويشد من أزره نحو الصلاح والسلامة في
الدنيا والآخرة. ففي سورة الناس يلحظ أن الله سبحانه قد ذكر أن الناس
أيضا ممن لهم دور في الوسوسة والإغواء والإضلال ضد غيرهم من بني جنسهم،
ففي آية أخرى يلحظ أن الله سبحانه وصف صنفا من الإنس بأنهم شياطين
في فعلهم بغيرهم ما يفعله الجني، وتحديدا الموسوس الموسوم بالشر كطبع،
يقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ
الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ
غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)
(الأنعام 112).
دعوة الله في الاستعانة به سبحانه لدحر الموسوس يشمل كل فئات الناس
ممن يقرأون تلكم السورة وغيرهم ممن يحبون الخير لأنفسهم؛ فالأب في
بيته عليه أن يستعيذ بالله من أي شر قد يختلج عقله ضد من يعول من زوجه
وأبنائه، والمسؤول في عمله عليه أن ينظف قلبه من كل ما يشين الصفو
مع موظفيه والمراجعين، وليدرك أنها ليست إلا وسوسة وسواس استجابت له
النفس فحقدت أو حسدت، أو بغت وظلمت ـ والعياذ بالله ـ. والمرأة في
بيتها عليها أن تدرك أن كل ما يدفعها إلى النقمة على زوجها أو أبنائها
ليست إلا وسوسة وسواس بنوعيه الإنسي والجني، عليها أن تستمد العون
من الله سبحانه لئن ينصرها عليه فتصلح ما كاد أن يفسده ذلكم الموسوس،
الشيطان الرجيم أو إحدى بنات جنسها. فالله جل شأنه يخبرنا أن ما يحدث
بين الناس من شقاق إنما هو من نزغات الشيطان: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ
الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً) (الإسراء 53)،
وعلاج ذلك هو في أمر الله سبحانه: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ
نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف200)،
وقوله جل وعلا: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت 36).
ولنا لقاء في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى..
أعلى
(توثيق العلاقات الأسرية)
عبد الرحيم محمد جاد الرب
القارئ الكريم اعلم أن توثيق العلاقات الأسرية والترابط الاجتماعي
لا يتم إلا عن طريق صلة الأرحام وأن الرحم تشتمل على كل قرابة قريبة،
فمن حق هذه القرابة أن توصل بالخير؛ بأن يتفقد حالها، وينظر في أمرها،
ويصلح من شأنها، وإذا وقع الإعراض والانقطاع من جانب الرحم لم تقابل
بمثله، وإنما الواجب على المسلم وصلها مهما اشتدً إعراضها، وتفاقم
نأيُها، وهذا ما أشار إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله
(ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها) رواه
البخاري والترمذي وأبو داود. ولما سئل عن أفضل الصدقة قال : ( أفضل
الصدقة على ذي رحم كاشح) الترمذي وأحمد والطبراني .. إن أرحامك هم
أحق الناس بك وأولاهم ببرك، وأجدرهم بعطفك ورعايتك، إنهم قطعة منك،
إن أحسنت إليهم فكأنما تحسن إلى نفسك، وإن أسأت إليهم فإنما تسيئ إلى
سمعتك وشخصك، وصلة الأرحام لها طرق كثيرة ومتنوعة وينظر فيها إلى حالهم
وما هم عليه، فإن كانوا فقراء فصلهم بمالك، وواسهم بجودك وإحسانك،
دفعا لطمعهم، وجبرا لفقرهم وحاجاتهم، وإننا لو نظرنا في القرآن لوجدنا
آيات تؤيد هذا المعنى وتعضده، آيات تطلب من الموسرين أن يعنوا بأقربائهم،
ويسهموا في سد حاجاتهم، يقول الله سبحانه (فآت ذا القربى حقه والمسكين
وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون) سورة
الروم آية (38) إن في صلة الأرحام مثوبات عظيمة، وثمار طيبة في الدنيا
والآخرة، فقد جاء في الحديث قال عليه الصلاة والسلام : ( من ضمن لي
واحدة ضمنت له أربعا : يصل رحمه؛ فيحبه أهلُه، ويوسع عليه في رزقه،
ويزاد في أجله، ويدخله الله الجنة التي وعده ) رواه الرًبيع . .
القارئ الكريم لقد رفع الله شأن القرابة في آي كتابه، وعلى لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم، فهذا كتاب الله يأمرنا بتوحيده في العبادة، ويثني
بصلة القرابة، فيقول (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين
إحسانا وبذي القربى اليتامى والمساكين )) النساء الآية(36)، وهذا كتاب
الله يأمرنا أن نصاحبهم بالمعروف وإن كانوا على غير ديننا قال تعالى
(وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما
في الدنيا معروفا) سورة لقمان الآية(15) ألا تراه سبحانه يأمر رسوله
صلوات الله وسلامه عليه أن يُوجِهَ إلى ذوي قرباه دعوة خاصة، إذ يقول
: (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء (214) فصلة الرحم لها ثواب عظيمٌ
وكبيرٌ في الدنيا والآخرة، وتقوي صلة العبد بربه سبحانه وتعالى، ولو
لم يكن من ذلك إلا أن الله تعالى يَصل من وصل الرحم، ويقطع من قطع
الرحم لكفى، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى : (أنا الرحمن، وهي
الرحم (وفي رواية : (خلقت الرحم) )، شققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها
وصلته، ومن قطعها بَتٌتهُ) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري
في الأدب المفرد فلا تقاطعهم وإن قاطعوك، إن كانوا أغنياء فتودد إليهم
بالهدايا, وتقرب إليهم بالزيارات، وعاملهم بما تحب أن يعاملوك به،
فافرح لفرحهم، واحزن لحزنهم،عد مريضهم، وأجب داعيهم، وأغث لهفانهم،
وساهم في سداد ديونهم، وشاركهم في السراء والضراء، فإن ذلك مما يزيد
المحبة ويؤكد الصلات، تفز بجميل ودهم، وحسن صنيعهم، ساعد ذوي قرابتك
على التربية والتعليم ، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم، قال الله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)
التحريم آية(6) وقال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك
رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) طه الآية( 132) . إن بدرت من أقاربك
بعض الإساءات فقابل إساءتهم بالحسنى وأذيتهم بالصفح والغفران، إنك
إن فعلت ذلك كنت متأدبا بأدب القرآن يقول سبحانه: (خذ العفو وأمر بالعرف
وأعرض عن الجاهلين) الأعراف آية (199) ، واسأل رسول الله صلى الله
عليه وسلم جبريل ـ عليه السلام ـ عن تفسير هذه الآية فقال له (إن الله
يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك) ونظرة فاحصة إلى
ما يقوم المرء تجاه أقربائه الأغنياء نجد أنها كلها أمور تتعلق بالنواحي
النفسية الروحية وإلى هذا يشير القرآن يقل الله تعالى: (وأولوا الأرحام
بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم) آخر سورة الأنفال
.. ويقول تعالى : (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات
قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) الشورى(23)
عباد الله :
اعلم أيها القارئ ـ أن الرحم كُلُ من كان بينكم وبينه قرابة، فالآباء
والأمهات، والأولاد البنات وأولادهم رحم. والإخوة والأخوات وأولادهم
رحم، والأعمام والعمات وأولادهم رحم، والأعمام والعمات وأولادهم رحم،
والأخوال والخالات وأولادهم رحم . والرحم أثر من أثر الرحمة، وهي مشتقة
من اسم الرحمن، فواصل الرحم له حظ كبير، وأجرٌ وفير، من رحمة الله
عز وجل، قاطع الرحم مبغوض بين الناس لأن الناس لا يحبون من لا يصل
رحمه، فمن لم يصل رحمه لا يصله الناس، ولا يألفه الناس، لأن من لا
خير فيه لِرًحِمهِ لا خير فيه للآخرين. فالواجب على المؤمن أن يزور
أقاربه، ويتبرع بمعاونتهم ويسارع إلى مصالحهم، ويواسيهم في متاعبهم،
سواء قدًروا ذلك كُلَهُ أوجحدوه : إنه لا ينتظر عوضا على أداء حق الله
والرحم، إنه يفعل الواجب وحسب، ولو كان أقاربه يسيئون إليه فواجب عليه
أن يحسن إليهم، إن بعض الناس لا يصل أقاربه إلا إذا وصلوه، وهذا في
الحقيقة ليس بصلة وإنما هو مكافأة؛ إذ أن المروءة والفطرة السليمة
تقتضي مكافأة من أحسن إليك، قريبا كان أم بعيدا. إن من الناس من لا
ينظر إلى أقاربه نظرة قريب لقربه، ولا يعاملهم معاملة تليق بهم. يخاصمهم
في أقل الأمور، ويعاديهم في أتفه الأشياء، ولا يقوم بواجب الصلة، لا
في الكلام ولا في الفعال، ولا في بذل المال. تجده مثريا وأقاربه محاويج
فلا يقوم بصلتهم ولا بمساعدتهم، فالواجب على المسلم أن ينتزع من قلبه
كل ما هو مذموم، فلا حقد بين الأقرباء وذوي الأرحام، ولا حسد ولا بغضاء
ولا ضغينة، بل حب وتآلف ومودة ورحمة يقول سبحانه وتعالى: (ونزعنا ما
في صدورهم من غل إخوانا)الحجر آية( 47) وقال تعالى : (واذكروا نعمة
الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)
آل عمران آية (103)
ونحن إذا ما تصفحنا آيات القرآن الكريم وجدنا نمازج تدل دلالة واضحة،
وصريحة على أن أقارب الإنسان هم سنده وعضده، ومصدر قوته وعزته، لا
يطمع فيه طامع، ولا يجهل عليه جاهل، ولا تمتد إليه يد بسوء، ما داموا
إلى جواره يؤازرونه ويناصرونه ويدفعون عنه .. قال تعالى حكاية عن شعيب
مع قومه (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا
ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) سورة هود (91) وهؤلاء الأقارب
كما يكونون مصدر قوة ومنعة وخير وبركة عند إخلاصهم في علاقتهم وولائهم
لأقربائهم، كذلك يكونون سببا للضعف والذلة، وبابا مفتوحا للشر والضرر،
ومصدرا للإزعاج وعدم الطمأنينة، إن تغيرت نفسيا تهم، وفسدت قلوبهم،
واضطربت صلاتهم، وانحرفت عن وضعها السوي المستقيم. تلك هي سنة الحياة
مع الأقرباء، إما أن يقوى بهم الإنسان أو يضعف بسببهم ، والقرآن الكريم
قد أوضح وأفصح عن هذين الجانبين في صلة الإنسان بأقاربه في الدم والنسب
يقول الله تعالى في تبيان الجانب الأول على لسان موسى عليه السلام
مناجيا ربه (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني
إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون
إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) القصص(35،34) .. أما الجانب
الآخر فتمثله قصة يوسف عليه السلام مع إخوته: انحرفت علاقة القرابة
بينهم وبينه فحقدوا عليه وحاولوا أن يكيدوا له في أبشع صور الكيد وهي
العمل على قتله والتخلص منه لتخلوا لهم الحياة ويخل لهم وجه أبيهم
وينفردوا بصحبته وعشرته يقول الله تعالى : (لقد كان في يوسف وإخوته
آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن
أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم
وتكونوا من بعده قوما صالحين) سورة يوسف الآيات( 9،8،7) نعم هم قد
ندموا بعد ذلك على ما عقدوا عليه العزم وحاولوا تنفيذه كما يدل عليه
قوله تعالى (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا خاطئين) يوسف(91)
ولكن موقفهم كأخوة من أخ لهم أول الأمر يعطي أن الأقارب قد يدفعهم
الحقد والانحراف في علاقة بعضهم ببعض إلى أن يكونوا مصدر قوة وعون
وجاه .
القارئ الكريم إن من الناس من لا ينظر إلى والديه اللذين أنجباه وربياه،
إلا نظرة احتقار وسخرية وازدراء، يكرم امرأته ويُهينُ أمه، ويقرب صديقه
ويُبعد أباه، إذا جلس عند والديه فكأنه على جمر، يستثقل الجلوس ويستطيل
الزمن، اللحظة عنده كالساعة أو أكثر. لا يخاطبهما إلا ببطء وتثاقل,
ولا يفضي إليهما بسر ولا أمر مهم. قد حرم نفسه لذة البر وعاقبته الحميدة.
واعلموا كذلك أن الإخوة هم قمة ذوي القربى بعد الوالدين وأهمهم وأوثقهم
صلة بالإنسان وأحناهم عليه، ومع هذا فالإنسان يرى ويبصر في مجتمعنا
صورا يمكن أن تعد مأساة مريرة في علاقات الإخوة بعضهم ببعض فالإخوة
الذين نشأوا في بيت واحد، وأكلوا من طعام واحد، وذاقوا معا تقلب الدهر
حلوه ومره، تراهم عقب موت أبيهم في معمعة من الصراع تدور بهم ولا تقف
، وأعراض الدنيا في الغالب هي سبب النزاع حتى أصبحت الخلافات بين الإخوة
في الغالب مرتبطة بالميراث والتركة وما خلفه الأب من مال وعقار ودور،
ويصل بالإخوة النزاع إلى درجة تجعل الحب والود بين الإخوة نادرا، وتجعل
من يحنو على أخيه أو أخته مضرب المثل في الحنان والعطف والسماحة، حقا
إنها لمأساة أن تسطو أعراض الدنيا على أقرب الناس إلى الإنسان فتبعده
عنه وتضعف أو تقطع أواصر القربى المتينة القوية ولنذكر دائما قول الله
تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم
ترحمون) سورة الحجرات آية (10).
إذا كنا نرى في مجتمعنا كثيرا من الإخوة، يعادون إخوتهم ليظفروا بأكبر
نصيب من المال لأولادهم، وأن أولادهم إخوة بعضهم لبعض، وأنهم سيرثون
آباءهم في هذه الاتجاهات، في الحياة وبعد الممات، وسيتصرفون تلك التصرفات،
وسيقف كل منهم يوما ضد أخيه، كما وقف أبوهم يوما يصارع إخوته، ألا
فلنكن جميعا قدوة لأبنائنا ونضرب لهم المثل الصالح ليظلوا أهلا لحمل
هذا اللقب الذي منحته لهم الطبيعة، وحبتهم به السماء، وهو لقب الإخوة
وسيرى ويدرك الجميع أن حسن العلاقة بين الأخ وإخوته يفضل كل شئ ويفوق
كل مال ثراء.
فاتقوا الله عباد الله : ـ واحذروا من قطيعة إخوانكم، وصلوا أرحامكم،
وكونوا لأهليكم كما تكونون لأنفسكم (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام
إن الله كان عليكم رقيبا) النساء الآية( 1 ) . جاء رجل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله ، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني،
وأُحسن إليهم ويُسيئون إليً، وأحلُمُ عنهم ويجهلون علي ، فقال : (لئن
كُنت كما قلت، فكأنما تُسفٌهُمُ المَلً (أي كأنما تُطمعهُمُ الرًماد
الحارً ) ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) رواه
مسلم
القارئ الكريم إن صلة الرحم علامة على سعادة الإنسان، ودليل على الخير
في الإنسان، وأما قطع الأرحام فقد حذر الله منه في القرآن، وتوعد مرتكبه
بسوء المصير ، وذلك لما يترتب عليه من تمزيق الروابط الاجتماعية، وتحطيم
الأواصر الإنسانية، وإزهاق الحقوق، وتحويل المجتمع إلى أشلاء ممزقة،
وحطام متناثر، حيث تبيد القيم، وتذهب الأخلاق، وينمحق الحب، ويضمحل
التعاون، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا
في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
) سورة محمد الآيتان (23،22) . . إن صلة الرحم واجبة، وقطيعتها معصية
كبيرة، وإن أقل درجات الصلة الكلام والسلام، لا التقاطع والخصام ،
وقد نهى عنه الإسلام ، فالله سبحانه جعل تقطيع الأرحام من مظاهر الإفساد
في الأرض ، حيث يحمل في طياته التقطيع الشامل للروابط . ونقرأ وعيد
الله لمُقَطٍعي الأرحام يقول تعالى : (والذين ينقضون عهد الله من بعد
ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم
اللعنة ولهم سوء الدار) سورة الرعد : آية (25) إن من نتائج تقطيع الرحم
على مرتكب ذلك: استحقاقه غضب الله ولعنه، وإحباط عمله وضياع دينه،
وحرمانه رحمة الله ومغفرته، وثواب عمله الصالح وأجر صدقته، ودخوله
النار، روي عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ قال . قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (ما ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع
ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه ابن ماجه والترمذي
وقوله عليه الصلاة والسلام : (لا يدخل الجنة قاطع رحم) متفق عليه .
. ألا فليعلم كل مسلم أن قطيعة الرحم سبب في خسران الأمم وضياع حضارتها
وتفكك روابطها فليتق الله كل ذي لب وليحافظ على ما تبقى من هذه الوشائج،
وعليكم بصلة أرحامكم ، وتجنبوا قطعها، وخاصة في زماننا هذا الذي تشيع
فيه الفرقة، ويكثر فيه التدابر والتناحر، بسبب حب الدنيا والتهالك
على زينتها الفانية الذي أفسد القلوب، وجعل الإنسان يستهتر بالقيم
العالية، والأخلاق الكريمة والروابط الإنسانية المقدسة
أعلى
النيرات المنيرات
أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية رضي الله عنها
صداق جويرية رضي الله عنها
أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من الحارث بن أبي ضرار وأعطاه
ابنته ثم خطبها منه وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم ,هذا وقد كانت جويرية
رضي الله عنها تتحلى بكريم الصفات وحسن الأدب ومكارم الأخلاق تربت
في بيت عريق ترك أكبر الأثر في نشأتها وأخلاقها بالإضافة إلى طبيعتها
الفاضلة الكريمة وقد ذكر أن عمرها حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان عشرين عاما كما ذكر أنها كانت ملك يمينه ثم أعتقها وتزوجها
وقسم لها كما يقسم لنسائه وفرض عليها الحجاب وذكر ابن سعد أن اسمها
كان برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية (كره أن يقال
خرج من عند برة)
روايتها رضي الله تعالى عنها الحديث وجلوسها للفتيا
روت جويرية رضي الله عنها الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكر ابن الجوزي أنها سبعة أحاديث كما روى عنها عدد من الصحابة منهم
ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم كما جلست رضي الله عنها ضمن من جلس
للفتيا من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن جميعا هذا وقد رضي الله
عنها من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ومن العابدات والقانتات الصابرات
ومن الأحاديث التي رويت بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
- عن جويرية رضي الله عنها ما أخرجه الترمذي أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم مر عليها وهي في مسجدها أي موضع صلاتها في بيتها أول النهار
ثم مر عليها قريبا من نصف النهار فقال لها : ما زلت على حالك قالت:
نعم قال صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك كلمات تقولينهن؟ سبحان الله
عدد خلقه ثلاث مرات سبحان الله رضا نفسه ثلاث مرات سبحان الله زنة
عرشه ثلاث مرات سبحان الله مداد كلماته ثلاث مرات، كما روي مسلم في
صحيحه أن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أتى علي رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت
بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه
وزنة عرشه ومداد كلماته .
وفاتها رضي الله عنها
توفيت جويرية رضي الله عنها وهي في الخامسة والستين من عمرها في خلافة
معاوية بن أبى سفيان عام خمسين من الهجرة.
إعداد/أم الزبرجد الشيبانية.
أعلى
ما يتوصل به إلى العزة في الدنيا والسعادة في الآخرة
الشيخ : حمود بن حميد الصوافي
لا يتوصل إلى العزة في الدنيا والسعادة في الآخرة إلا بالتمسك بالدين
الخالص والمسارعة إلى العمل الصالح، فبالدين الخالص والعمل الصالح
تصلح الحياة، وتزكو النفوس، ويستقيم أمر الدنيا والآخرة (مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ( (النحل/97). الدين الخالص والعمل الصالح يثمران سلامة
القلب، وإذا سلم القلب استقامت الجوارح، وصلح الجسد كله، "ألا
وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله،
ألا وهي القلب"، القلب السليم مملوء بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله
، والرغبة في الطاعة، والنفور من المعصية، صاحب القلب السليم يسير
على نور من الله، مجتنب للمحرمات، متوق للشبهات، يترك ما لا بأس به
مخافة مما به بأس، وبالمقابل فبمرض القلوب وفسادها يغلب الهوى، وتنبعث
النفوس إلى المعاصي، وتغرق في الشهوات، وتخوض في الشبهات، فينتشر الفساد،
ويعم التحلل والانحلال، ألا وإن مما يتميز به مرض القلوب وسلامتها
واعوجاج الجوارح واستقامتها مسائل الحلال والحرام أكلا وشربا ولبسا
وتعاملا، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله يقول: "إن الحلال
بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس،
فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع
في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك
حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
الحلال بيّن، وطلب العيش مشروع، وأبواب الحلال واسعة، ونعم الله متكاثرة،
والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس،
ولكن قوما يأبون إلا عبادة الدرهم والدينار، يستمرؤون أكل أموال الناس
بالباطل؛ من غير ورع ولا حياء، ولا مروءة ولا كرامة، فويل لهم مما
يكسبون، فالرزق مقسوم، والأجل محتوم، ومصير هذه الدار إلى الزوال،
والمآل إلى الحساب، فإذا استغنى العبد بالحلال عن الحرام؛ فالله يكلأه
برعايته، ويحفظه بعنايته، يحفظه في نفسه، ويحفظه في عقبه وذريته، ويحفظه
في ماله، ويبارك له في سعيه، إن الله سبحانه وتعالى ليحفظ بالرجل الصالح
ولده وولد ولده والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وستر،
واقرؤوا إن شئتم قول الله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ
مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا
اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا( (النساء/9) ، وقوله سبحانه:
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ
وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا( (الكهف/82).
خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بالله، ومعرفة الحق، والإخلاص في
العمل، والعمل بالسنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل،
ومن عف عن الحرام والمشتبِه أمده الله بتوفيق من عنده، وجعل غناه في
قلبه، وأصلح له شأنه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، وجعل
الله قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالمودة والرحمة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا( (مريم/96)
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ( (محمد/17)،
ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس، أما من
استحوذ عليه الشيطان، وساقه الهوى، وقادته النفس الأمارة بالسوء، فاقترف
المحرمات، وانغمس في الشهوات، وخاض في الشبهات، ودخل مداخل الريب؛
فقد فتح على نفسه أبواب الشر والهلكة، فلا يلومن من أساء به الظن،
فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام،
ومن ضيّع أمر الله ضاع بين خلقه، ودخل عليه الضرر ممن يرجو نفعه وفضله،
يتسلط عليه أقرب قريب من أهله وعشيرته، من اتقى الله كفاه الله مؤونة
الناس، ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله.
إن أكل الحرام وشربه ولبسه والتعامل به موجب لسخط الله تعالى في الدنيا
والآخرة، تمحق به البركات، وتخرب به الديار العامرة، ولا يقبل معه
عمل، ولا يستجاب معه دعاء، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، إنما
يتقبل الله من المتقين، إن الرجل ليتخوض في مال الله بغير حق، فله
النار يوم القيامة، ومن لم يبال من أي باب اكتسب المال لم يبال الله
من أي باب أدخله النار، الدنيا حلوة خضرة، من اكتسب فيها مالا من حله،
وأنفقه في حقه أثابه الله، وأورثه جنته، ومن اكتسب فيها مالا من غير
حله، وأنفقه في غير حقه؛ أورده الله دار الهوان، ورب متخوض فيما اشتهت
نفسه من الحرام له النار يوم القيامة، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه
ـ عن النبي قال: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله
أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ
كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا( (المؤمنون/51)، وقال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا
رَزَقْنَاكُمْ( (البقرة/172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد
يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام،
فأنى يستجاب لذلك؟!"، وعن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله
عام خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من
بني ضبيب يقال له رفاعة بن زيد إلى رسول الله غلاما أسود، يقال له
مدعم، فوجه رسول الله إلى وادي القرى، حتى إذا كنا بها بينما مدعم
يحط رحال رسول الله إذ جاء سهم غرب، فأصابه، فقتله، فقال الناس: هنيئا
له الجنة ، فقال النبي: "لا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي
أخذها من المغانم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم؛ لتشتعل عليه نارا"،
فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال له رسول الله: "شراك
أو شراكان من النار"، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال
رسول الله : "من حلف يمينا على مال امرئ مسلم ليقطعه لقي الله
وهو عليه غضبان"، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال
رسول الله: "من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب
له النار"، قال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا؟! يا رسول الله، فقال
رسول الله : "وإن كان قضيبا من أراك".
متى يرجى العز؟! ومتى يؤمّل النصر؟! ومتى يهدأ
اضطراب الأحوال في أمة الإسلام؟! وكثير من الناس قد بارزوا الله سبحانه
وتعالى بالمعاصي في أموالهم وفي طرق اكتسابهم، إن وجوه التعامل بالحرام
كثيرة، والطرق الموصلة إليه واسعة، ومدخل الشيطان وجنوده فيها عريض،
التعامل بالربا من آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، الإرتشاء من الراشي
والمرتشي والرائش، الخيانات والسرقات، شهادة الزور، القمار والميسر،
الأيمان الكاذبة في الأموال، أكل أموال اليتامى بغير حق، كتمان العيوب
في البضائع، السحر والكهانة، التصوير المحرم، أدوات اللهو المحرم،
ما يدفع في الزنا والنياحة، الكذب في الأسعار، الغش في المقاولات والتجارات،
الاحتكار في الأقوات، بيع المسكرات والمخدرات؛ كل هذه أنواع من الكسوب
المحرمة، كلها موارد من موارد الحرام.
أعلى
(وقل اعملوا)
مظاهر سوء استغلال البيئة والموارد الطبيعية
أيها القراء الأعزاء:
يمكننا تلخيص مظاهر سوء استغلال البيئة والموارد الطبيعية فيما يلي:
1ـ إتلاف التربة الزراعية أو تدميرها:
نهى الاسلام عن إفساد التربة أو تدميرها بأي لون من ألوان الإفساد,قال
تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على
ما في قلبه وهو ألد الخصام*وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك
الحرث والنسل والله لا يحب الفساد).
وقد تنبهت الدول لوجوب حماية التربة الزراعية,ومنع إفسادها,فأصدرت
القوانين التي تحدد فيها أنواع المبيدات الحشرية المسموح باستعمالها
في الأراضي الزراعية وطرائق استخدامها,وقد صدر في فنلندا 1968م قانون
يحدد المدة الزمنية التي يجب انقضاؤها بين رش الحقول بالمبيدات ,وجمع
المحاصيل, حتى تخلو من أغلب آثار المبيدات.
إن استخدام الأسمدة الكيماوية على نطاق واسع, وإبادة الغابات وحرقها,
أدى إلى مشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة التصحر,أو زحف الصحراء على الأرض
الزراعية.
لقد زادت ظاهرة التصحر بسبب زحف الصحراء على الأراضي الزراعية الخضراء
الخصبة,وتحويلها إلى أراض قاحلة جدباء,والأضرار الناتجة عن التصحر
مخيفة,حيث تؤدي إلى تغيير شامل في البيئة , فقد أكدت تقارير الأمم
المتحدة أن المناطق الواقعة على أطراف الصحراء الكبرى في مصر وليبيا
والجزائر والمغرب ... قد تحول (650) ألف كيلو متر مربع من أراض منتجة
إلى أراض جدباء خلال خمسين سنة فقط.
وأشارت دراسة حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية أن نحوا من (357)
ألف كيلو متر مربع من الأراضي الزراعية في الوطن العربي ستضيع تحت
فعاليات التصحر حتى نهاية القرن الحالي,وهذه المساحة تعادل (18%) من
مساحة الوطن العربي ... وإن التصحر قد أثر بشكل سلبي في مراعي الوطن
العربي كأحد المصادر الأساسية للأمن الغذائي العربي..
وتشير الإحصائيات الحديثة إلى أن تقلص المراعي- نتيجة للتصحر- يقدر
بنحو (195) ألف هكتار ,وقد حرم الفقهاء المسلمون إلقاء العذرة (ما
ينفصل عن بني آدم) في الأراضي - حفاظا على البيئة- إذا كانت تضر في
الأرض. وقد حث الاسلام كما رأينا على الزراعة,وشجع على إنتاج المحاصيل
والنباتات,ليكافح ظاهرة التصحر.
2 ـ استنزاف الموارد المائية وتلويثها:
إن استنزاف الموارد الاقتصادية, ـ مائية أو معدنية.. ـ واستخدامها
بشكل غير رشيد يؤدي إلى حرمان الأجيال القادمة ـ التي لها حق مشروع
فيها ـ من هذه الثروات. ويجب على الأجيال الحاضرة أن تترك للأجيال
القادمة ما تحتاج إليه من هذه الثروات,وتترك لهم بيئة نظيفة.
وتلويث المياه يكون بوسائل متعددة منها: إلقاء مياه المجاري (الصرف
الصحي) فيها,وإلقاء الزيوت والشحوم والمواد الأخرى... وهناك وسيلة
حديثة خطيرة جدا ألا وهي استخراج البترول من المياه,التي أدت إلى تلويث
المياه,وقتل الثروة السمكية الهائلة,ففي نيجيريا أدى استخراج البترول
من المياه إلى تدمير الحياة,وإجبار عشرات الآلاف من القرويين على إخلاء
قراهم, إلا إذا كان استخراجه من المياه بطرق حديثة ومتطورة جدا وبحذر
شديد بحيث لا يضر بالبيئة المائية والسمكية في البحار والمحيطات والأنهار
فسيكون منفعة لا مضرة للجميع وسيكون دخلا جيدا للمجتمعات والأفراد.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
من أعلام عمان
الإمام جابر بن زيد الازدي
إعداد:خوله العامري
دخل خالد وعمر وسارة على أبيهم مرددين تحية الإسلام
قائلين :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبي .
الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ،أهلاً بكم تفضلوا بالجلوس
سارة: نحن متشوقون جداً لمعرفة أخبار أعلامنا الصالحين .
خالد: بالفعل يا أبي ،فنحن لا نعرف عنهم سوى الشيء اليسير من خلال
ما درسناه في المدرسة، أو طالعناه في بعض الكتب .
الأب :لا بأس يا أبنائي ...سأحاول قدر جهدي أن ابسط لكم الكلام حتى
تفهموه وتعوه ، وحتى يكون أولئك الأعلام قدوة صالحة تقتدون بهم إن
شاء الله .
عمر :عمن سنتحدث اليوم ؟
الأب :عالم جلستنا اليوم هو المؤسس الحقيقي للمذهب الاباضي .
سارة :المؤسس الحقيقي للمذهب ومن يكون يا أبي ؟
عمر :لا تتعجلي يا سارة واتركي الحديث لأبي .
الأب :هو إمام ولد ببلدة فرق من أعمال نزوى ،ويرجح أنه ولد سنة إحدى
وعشرين للهجرة ،ولكنه رحل إلى البصرة في بداية حياته طلباً للعلم واستقر
بين أقاربه من الأزدالذين سكنوا أحد أحياء البصرة .
خالد :ولماذا البصرة بالذات ؟
الأب :لأنها كانت آنذاك أهم مركز فكري في العالم الإسلامي ،ولكي تعرفوا
هذا الإمام اذكر لكم لقبه ،لقد كان يلقب بأبي الشعثاء .
خالد :لقد عرفته يا أبي ،أنه الإمام جابر بن زيد ـ رحمه الله تعالى
ـ
الأب: بارك الله فيك يا بني.
سارة :ولكن،لماذا يلقب بأبي الشعثاء؟
الأب :آه يا بني .. إن من شدة حب الإمام جابر للعلم عندما تأتيه ابنته
..تطلب زيتا تلين به شعرها ،يرد عليها :الأفضل أن نؤلف به مسألة ينتفع
بها المسلمون أما شعرك فاستخدمي له الماء الساخن ،فكانت شعثاء الشعر
فكني بها .
عمر :لقد ذكرت لنا كم كان الأمام محباً للعلم ،مولعا به،فهل كان يذهب
إلى المدرسة؟
الأب مبتسماً:لم تكن في زمانه مدارس كمدارس عصرنا يا ولدي ،بل كانت
هناك حلقات للعلم يجلس فيها المعلم وتلاميذه يحيطون به،ويأخذون عنه
العلم .
خالد :إذن كيف استطاع الإمام جابر ـ رحمه الله ـ أن يصل إلى مرتبة
علمية عالية أهلته للفتيا ؟
مبتسماً:حبه للعلم هو الذي أهله لذلك ،حيث أدرك سبعين من أهل بدر فجمع
ما عندهم من العلم إلا البحر.
خالد :أتقصد بالبحر الصحابي الجليل عبدا لله بن العباس رضي الله عنه
؟
الأب :أجل يا بني .
سارة : نحن نعرف عن علمائنا أنهم دائمو الترحال لطلب العلم ،فهل كان
الإمام جابر واحداً من هؤلاء ؟
الأب: بالتأكيد فكان لا يترك فرصة يتزود فيها بالعلم إلا أخذ بها فكان
يذهب إلى الحجاز ويلتقي بالصحابة ويذهب إلى السيدة عائشة (رضي الله
عنه ) ليستفيد من علمائها .كذلك كان يذهب إلى الحج سنوياً ليلتقي بالعلماء
وذات عام طلب منه والي البصرة أن يمكث فيها ولا يخرج إلى الحج .
سارة: يا للعجب! وهل يمنع أحد من الذهاب إلى الحج ؟
الأب: السبب أن أهل البصرة يحتاجون إلى الإمام جابر ليستفتوه .
عمر:وهل رضي الإمام جابر بذلك ؟
الأب: كلا فحبسه الوالي إلى إن دخل شهر ذو الحجة بعدها أخرجه من السجن.
خالد :يا للأسف!إذن علم عالمنا لم يذهب إلى الحج تلك السنة .
الأب: ومن قال ذلك بل بالعكس جهز راحلته وأدرك الناس وهم بعرفة .
عمر: أيعقل ذلك أن المسافة بعيدة بين البصرة ومكة .
الأب:ألا تعلم يا بني أنه من كان مع الله كان الله معه (إن الله مع
الذين اتقوا والذين هم محسنون )
عمر: نلاحظ من كلامك أن الإمام قد نال من العلم الشيء الكبير لكن أتساءل
في نفسي ألم يترك شيئاً من أثاره العلمية.
خالد: لقد سمعت يا أبي أنه كان للإمام جابر رضي الله عنه كتاب ضخم
يقع في عشرة أجزاء حتى قيل أنه يعجز عن حمله البعير حوى كثيراً من
مسائل الأحكام والأحاديث التي رويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
الأب: لكن ذلك المدون فُقد وبقيت للإمام كثير من الأحكام والروايات
والتي تم جمعها في بعض الكتب مثل كتاب? فقه الإمام جابر? ?والجامع
الصحيح ? للإمام الربيع بن حبيب .
خالد: بعد أن حدثنا عن علمه ،الرجاء أن تكلمنا عن صفاته .
الأب: كان الإمام جابر رضي الله عنه شديد الغيرة
في الله تعالى ،لا يترك مناسبة تمر دون أن يأمر بالمعروف وينهي عن
المنكر كما كان يقف في وجه الظلمة والجورة .
عمر: لقد قرأت عنه أنه كان محباً للناس عطوفاً يسعى في حوائجهم ويساعدهم
متى أحتاجوا إلى ذلك .
سارة: أستطيع أن أذكر لكم قصة تبين مدى مساعدته
للناس .
عمر وخالد: هيا قولي لنا القصة يا سارة.
سارة: قرأت أن الإمام جابر -رحمه الله- طلع يوماً فرأى أحد الحراثين
يبكي فسأله بكل تواضع وعطف عن سبب بكائه فقال الرجل :وكان غريبا عن
البلدة - كنت أحمل قنوي نخل إلى صاحب الأرض فأخذها فتيان حيكم وأخاف
أن لا يصدقني صاحب المزرعة إن قلت له ذلك فأخذ الإمام جابر قنوين فدفعهما
للرجل فذهب مسروراً .
الأب: أيضاً من صفاته الورع حيث يروي عنه أنه في يوم من الأيام كان
يسير في واد فاعترضته الكلاب فأخذ قصبة من حائط وطردها بها ثم عاد
إلى بيته وطلب من أهله أن يحتفظوا بها فتعجبوا من ذلك قائلين له :وما
قيمة هذه القصبة؟
فقال : لو كان كل من مر بهذا الحائط أخذ قصبة لم يبق منه شيء .
خالد : أيضاً كان أمامنا - رحمه الله - يحب جيرانه ويحترم حقوقهم ومما
يذكر عنه أنه أهدي له جمل فأمر بذبحه وتوزيعه على الجيران وأعطي هو
نصيباً أكبر فلما تناوله استكثره ثم قال : أكل جيراننا أخذ مثل هذا
؟
قالوا: لا.
قال :ساووا بيننا وبين جيراننا .
الأب: إن الكلام عن هذا الإمام يطول لكن إن الأوان لنودع هذه الشخصية
العظيمة حيث صعدت روحه إلى ببارئها في السنة الثالثة والتسعين للهجرة
وقبيل وفاته طلب لقاء العالم الحسن البصري ليحدثه عما يجده المؤمن
عند دنو أجله فقال له: يجد المؤمن برداً على كبده ففرح الإمام بذلك
قائلاًَ: إني والله لأجد بردا على كبدي فرحم الله الإمام جابر رضي
الله عنه وجزاه خير الجزاء .
وإلى لقاء آخر مع عالم آخر استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته .
المرجع:سلسلة من أعلام عُمان للناشئة
أعلى
|