3
أبعاد
أرض الأحلام
كثيرون خارج الولايات المتحدة يظنون أن أميركا
هي أرض الأحلام. ولكن اربعين مليون اميركي داخل الولايات المتحدة
يختلفون معهم في الرأي. هذا الرقم يمثل عدد الفقراء في أميركا.
كثيرون خارج الولايات المتحدة يعتقدون أن أميركا هي أرض الأمان.
لكن طلبة جامعة فيرجينيا تيك يختلفون معهم في الرأي. هذا الأسبوع
فتح طالب في الجامعة النار على زملائه واساتذته وقتل منهم 31 شخصا
قبل ان يقتل نفسه.
تقول الإحصاءات ان عدد الفقراء في الولايات المتحدة اليوم أعلى مما
كان عليه عام 2001 وقت الانكماش الاقتصادي. النمو الاقتصادي في اميركا
اليوم لا بأس به. ولكن عدد الأميركيين الذين يعيشون دون حد الفقر
وصل الى حوالي اربعين مليونا ، اي 14 في المائة من عدد السكان. من
هو الفقير في اميركا؟ انه اسرة مؤلفة من ابوين وطفلين لهم دخل سنوي
مقداره حوالي عشرين الف دولار.
عشرون الف دولار في بلد آخر قد تحقق الأحلام والمعجزات ولكن ليس
في اميركا. هذا الدخل يعنى ان الاسرة لا تستطيع ان توفر لنفسها الحاجات
الأساسية للحياة.
الاحصاءات تقول ان العنف في المدارس والجامعات الأميركية آخذ في
الازدياد. في عام 1991 وقعت مذبحة في احدى مدارس ولاية تكساس راح
ضحيتها 23 تلميذا. رجل مجنون ( لابد ان يكون مختل العقل) دخل المدرسة
وفتح النار على التلاميذ. في ولاية كلورادو في عام 1999 فتح شاب
النار على زملائه الطلبة في مدرسة كولومباين الثانوية. وهذا الأسبوع
حمل طالب في ريجينيا تيك مسدسين قتل بهما العشرات على مرحلتين. دخل
قاعة دراسية في الصباح وقتل البعض، وبعد ساعتين دخل قاعة اخرى وقتل
المزيد بصورة عشوائية. من بين القتلي طلبة واساتذة جاءوا من انحاء
العالم. من رومانيا وكندا ودول عربية. القاتل نفسه جاء من كوريا
الجنوبية.
العنف في اميركا وراءه عاملان. سهولة الحصول على السلاح في اميركا.
وتفكك الأسرة الأميركية. العامل الأول سببه القانون الأميركي. الدستور
يحمي حق الأميركيين في حمل السلاح. حق تاريخي يجب اعادة النظر فيه
ولكن لوبي تجار السلاح فضلا عن الحزب الجمهوري يعارضان التغيير.
محظور على الطلبة والاساتذة حمل السلاح داخل الحرم الجامعي. كلام
نظري جميل. ولكن من الذي سيمنع اي شخص من حمل السلاح واستخدامه؟
وتفكك الاسرة الأميركية بالطلاق والانفصال يترك اثارا سلبية على
الأطفال وسلوكهم. كيف نمنع الناس من الطلاق؟
صحيح ان القاتل في المذبحة الأخيرة هو كوري هاجر مع اسرته الى اميركا
وهو طفل صغير. اخفق من التأقلم مع المجتمع الجديد وعاش منعزلا ومغتربا
رغم وجود الاف مثله جاءوا الى اميركا والى الجامعة من مجتمعات اخرى.
في اميركا يموت 14 في المائة من السكان جوعا. ويموت التلاميذ في
المدارس والجامعات قتلا بيد المجانين.
لست اقصد ان ارسم صورة داكنة للمجتمع الأميركي. ولكني اقصد ان انبه
الناس خارج اميركا الى ان اميركا هي ارض الأحلام ، نعم ، ولكن مع
قدر كبير وخطير من الكوابيس.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى
أصداف
خطة بريجنسكي المريضة
لم يأت بريجنسكي بجديد ، وهو يطرح خطة لسحب
القوات الأميركية من العراق ، رغم محاولته رمي مسؤولية مخلفات احتلال
قواتهم لهذا البلد ، على العراقيين أولا وعلى دول الجوار ثانيا،
وبهذا فهو يحرص على الوصول إلى هدفين أساسيين هما:
الأول: هو خروج الأميركيين من العراق ، وكأنهم جاءوا إلى هذا البلد
ضمن مجموعة سياحية، أنهت جولاتها في ربوع العراق، وحان وقت خروجها،
فهو لم يتحدث عن الخراب والدمار الذي أحدثته قوات بلاده التي غزت
هذا البلد، ودمرت البنية الأساسية بصورة منهجية، ابتداء من إصرار
الولايات المتحدة على تدمير جميع المنشآت والمصانع العراقية، خلال
فترة الحصار، التي تواصلت منذ عام1990، وحتى الاحتلال، مستخدمة واجهة
الأمم المتحدة، حيث عملت لجان التفتيش عن الأسلحة على تنفيذ خطط
التدمير الشاملة للبنية الأساسية، التي لم تطالها الصواريخ والقنابل
الضخمة، التي استخدمت خلال حرب عام1991، ثم انقض الجيش الامريكي
ومعه عصاباته المنظمة، لتبدأ مرحلة سرقة الأموال العراقية وتدمير
ما تبقى فوق أرض العراق، كما ان بريجنسكي بخطته هذه، يحاول تبرئة
القوات الأميركية من دماء العراقيين، الذين سقطوا قتلى في زمن الاحتلال،
والذين يصل عددهم إلى المليون عراقي ، يضاف إلى ذلك ما يزيد عن مليون
ونصف من الأطفال والشيوخ ، الذين لقوا حتفهم في زمن الحصار الاميركي
على العراق.
الثاني: وهو المهم بالنسبة لبريجنسكي، هو تأمين خروج قوات بلاده
من العراق، بالصورة التي تضمن لهم عدم المطاردة وإلحاق المزيد من
الخسائر بين صفوفهم، كما أنه يريد الوصول إلى صيغة تضمن(الانسحاب
المشرف) الذي يلهج به كبار المسؤولين السابقين، لأن جميع المؤشرات
في ميدان القتال على الارض العراقية، تتجه صوب أسوأ المشاهد والصور،
التي يمكن أن يتابعها العالم للقوات الأميركية، وهي تفر هاربة أمام
المقاومة العراقية، أو تسقط المجاميع الكبيرة أسرى بأيدي المقاتلين
في ساحة المعركة الفاصلة، التي يتوقع البعض من الأميركيين وقوعها،
ما يزرع الرعب في دواخلهم.
لهذا فإن بريجنسكي يريد انسحابا خلال عام او اقل، وهو ما طرحه مجلس
الشيوخ أيضا،على أن تكون هناك ضمانات بعدم التعرض لهذه القوات، التي
تغوص في وحل الهزيمة في العراق.
صحيح أن الاميركيين وضعوا مسألة الانجاز الكبير والانتصار الباهر
خلف ظهورهم، لكن على العراقيين أن يفكروا بالانتصار الكبير وهزيمة
العدو الأميركي ، ومن يضع خطة لخدمة بلاده عليه ان لاينسى استحقاقات
المنتصر وحقوقه القانونية.
وليد الزبيدي
*كاتب عراقي
Wzbidy@yahoo.com
أعلى
قضية بشارة .. دلالات وحقائق .. وحتمية المجابهة القادمة
تكتسب الوقفة مع
عزمي بشارة أهميتها المضاعفة هذه الفترة ، كونه احد العناوين التي
تستهدف اسرائيل من خلالها محاربة الجماهير العربية داخل الخط الاخضر،
فالفلسطينيون في منطقة 48، حوربوا أشد المحاربة منذ اقامة اسرائيل
لدولتها وحتى هذه اللحظة .. وليس منتظرا سوى اشتداد أوار هذه الحرب
الخفية في معظم الاحيان، العلنية بعضها ، والتي اتخذت اشكالا متعددة،
ولا تزال، فخلال الحكم العسكري الذي امتد حتى عام 1967، كان الفلسطيني
يسجن لقصيدة شعر كتبها ، وكان بحاجة إلى تصريح لمجرد الانتقال من
قرية إلى اخرى مجاورة ! اسرائيل ومنذ انشائها جعلت أحد اهدافها الرئيسية
(اسرلة) الفلسطينيين في منطقة 48، ان بالقضاء على هويتهم الثقافية
، او محاولة انتزاعهم من تاريخهم وحضارة شعبهم وانتمائهم الوطني
والقومي إضافة إلى ما تمارسه معهم من (عنصرية) تفوق ما شهدته جنوب
افريقيا من تميز عنصري صارخ ، فهم مواطنون من الدرجة الرابعة او
الخامسة، وهم المهمشون اقتصاديا وسياسيا وحقوقيا من قبل الدولة ،
التي تتشدق صباح مساء بديموقراطيتها، وهم الذين تجري النظرة إليهم
باعبتارهم اغيارا وعبيدا .. ليس إلا !
اسرائيل ومن أجل تنفيذ مخططها تجاههم ، قسمت الفلسطينين إلى دروز
وعرب ، وقسمت المسلمين والمسيحيين إلى طوائف ، ومن ثم إلى مذاهب
، وذلك ليس على الصعيد الديني فحسب ، وانما بالمعنى الحقوقي ايضا
اسرائيل كدولة استخباراتية ومن أجل تعميق الشرخ بين الفلسطينيين
حاولت استمالة البعض منهم بشراء ضمائرهم وتقديم خدمات تسهيلية لهم
، وذلك من أجل مساعدة هؤلاء في التغلغل في الوسط العربي .
رغم كل ذلك ، فشلت اسرائيل في (اسرلة العرب) ، والفضل في الاساس
يعود إلى وعي جماهيرنا داخل الخط الاخضر ، وإلى الاحزاب (والتي وبغض
النظر عن الاختلاف مع بعضها في بعض وجهات نظرها) والتي دافعت عن
فلسطينيي 48 وعن فلسطينيتهم وعروبتهم وثقافتهم ، ومنها : الحزب الشيوعي
الاسرائيلي (راكاح) و90% من أعضائه فلسطينيون عرب، وحركة (الارض)
التي حاصرتها اسرائيل منذ نشأتها ، والتي صدر الامر العسكري من زوير
الدفاع بحلها عام 1964 ، باعتبار هذه الحركة خارجة عن القانون ..
وكذلك الجبهات الشعبية العريضة ، التي حاولت الجماهير الفلسطينية
في منطقة 48 ، تشكيلها كأطر سياسية لحركتها، لكن اسرائيل وأدت هذه
المحاولات في مهدها.
حرب عام 1967 شكلت طفرة وقفزة نوعية (ولعل تلك ايجابيتها الوحيدة)
في ارتقاء الاحساس بالانتماء الوطني والقومي لدى الجماهير في الخط
الاخضر، ان بإدراك مدى ما تمثله اسرائيل من خطر آني ومستقبلي على
الفلسطينيين والعرب ، وحقيقة الاهداف العدوانية الاسرائيلية ايديولوجيا
وممارسة عملية ، او من خلال الاتصال المباشر بالاهل في الضفة الغربية
وغزة ، وفيما بعد مع شرائح واسعة من الجماهير العربية في أكثر من
بلد عربي.
بعد ذلك .. تعددت القوى الوطنية الفلسطينية في منطقة 48 ، وجرى تشكيل
أحزاب وهياكل جديدة كاطارات جامعة للنضالات الجماهيرية في الداخل
الاسرائيلي ، هذه القوى .. يمكن حصرها في اتجاهات ثلاثة :
وطنية قومية ، اسلامية ، ويسارية هذا الارتقاء في الوعي الانتمائي
لجماهير 48 ، والذي لعبت فيه دورا مؤثرا رئيسيا انطلاقة الثورة الفلسطينية
المعاصرة ، جرى التعبير عنه باشكال سياسية جديدة ، اكثر حدة من سابقاتها
قبل عام 1967، من حيث المواجهة والمجابهة مع الاهداف والمخططات الاسرائيلية
.
ان أحد اهم افرازات حرب 1967 ايضا على الصعيد الاسرائيلي ، هو اضافة
عدد سكاني فلسطيني آخر إلى ما هو موجود في الداخل الاسرائيلي بما
يتعارض مع مبادئ اسرائيلية اساسية : يهودية الدولة ، السيطرة على
(ارض اكثر وعرب أقل) .. والتخلص من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين
.. ولذلك ومنذ عام 1948 وحتى اللحظة فإن الهاجس الديموغرافي الفلسطيني
هو أكثر ما يقلق اسرائيل ويشكل خطرا على مستقبلها ، فرغم التهجير
القسري في عام 48 ، وفي عام 67 ، والابعاد لكثيرين من الفلسطينيين
، ومحو ما يزيد على (500) قرية فلسطينية من الخارطة ، ومصادرة 92%
من اراضي منطقة الخط الاخضر ، وبالرغم من السياسات الاسرائيلية المدروسة
جيدا ، لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة سواء من داخل الخط الاخضر او
من مناطق 67 ، فان الفلسطينيين يتكاثرون عاما بعد عام .
بالمقابل ، ورغم كل المحاولات الاسرائيلية لاتقاء الخطر الديموغرافي
الفلسطيني المستقبلي ، ان بحث اليهود على التناسل بنسبة أكبر ، او
من خلال استقدام المهاجرين الجدد (ومنهم نسبة كبيرة غير يهود ـ واسرئيل
تدرك ذلك) من روسيا والجمهوريات السوفياتية) الاخرى ومن أوروبا واميركا
، واثيوبيا ، والهند مؤخرا .. فان الخطر الديموغرافي الفلسطيني ما
زال يهدد وسيظل يهدد (يهودية الدولة) ، وبالتالي ومنذ مؤتمر هرتسيليا
الاول (عام 200) ، والذي يجري عقده سنويا تحت شعار : (مناعة الامن
القومي الاسرائيلي) فإن هاجس هذه المؤتمرات هو الخطر الديموقراطي
الذي يشكله الفلسطينيون ، ولذلك بدأ .. طرح حلول جديدة : الترانسفير
مبادلة مناطق الكثافة السكانية في الخط الاخضر بمناطق في السلطة
الفلسطينية وغيرها.
الترانسفير لا تنفذه اسرائيل حاليا، ومثلما يقول الكاتب التقدمي
الاسرائيلي (ايلان بابيه)، فقط لأنها تخشى الاحراج من المجتمع الدولي
... لكنه سيظل على رأس أجندتها.
من زاوية ثانية .. فإن (60) عاما من الوجود الاسرائيلي لم تكن كافيةً
للتعامل مع فلسطينيي الخط الاخضر كمواطنين متساوي الحقوق مع اليهود
في اسرائيل، اضافة الى التعنت الاسرائيلي فيما يتعلق بالتسوية، وانعدام
الفرص امام اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كل اراضي 67 ..
كل ذلك دفع بالنخب الفلسطينية داخل الخط الاخضر الى طرح بدائل حلولية
مع اسرائيل، تمثلت في: الدولة الديموقراطية الواحدة، الدولة ثنائية
القومية، وثيقة التصور المستقبلي للفلسطينيين في اسرائيل الصادرة
عن لجنة المتابعة العليا، مشروع الدستور الديموقراطي الصادر عن مركز
عدالة، وثيقة النقاط العشر الصادرة عن مركز مساواة، وثيقة حيفا الصادرة
عن مركز مدى، الحكم الذاتي، شعار: دولة لكل مواطنيها ... في محاولة
لحل الصراع التاريخي، ولانجاز المساواة للمواطنين العرب في دولة
اسرائيل. يأتي ذلك وسط نقاش يتسع مداه يوما بعد يوم في الاوساط الاسرائيلية
المختلفة، عن ضرورة ايجاد دستور لدولة اسرائيل (ومعروف ان اسرائيل
حتى الآن تفتقد الى الدستور).
ارتفاع الصوت العربي في الداخل الاسرائيلي بدأ يقلق الاوساط السياسية
والامنية الاسرائيلية، وهذا ما كان مادة البحث في الاجتماع الذي
تم عقده بين رئيس الشاباك وايهود اولمرت، والذي نشرت محتواه جريدة
معاريف في (13/ 3/2007) .. فلأول مرة .. يجري القول اسرائيليا (بأن
الاقلية العربية اصبحت خطرا على الأمن الاسرائيلي) فسابقا كان يجري
إلصاق الخطر بأفراد وبأحزاب وجماعات .. ولكن ليس بكل الاقلية العربية.
بالمقابل، فإن اسرائيل وعلى مدى تاريخها، كانت واضحة فيما تعتبره
خطوطا حمراء بالنسبة لها، (فالدولة اليهودية) هي اهم هذه الخطوط،
وكافة قوانين الاساس التي تستعيض بها عن الدستور، سنتّها لخدمة هذا
الهدف، ولذلك في قوانينها الاساسية، فإن القسم الذي يردده النائب
المنتخب للكنيست ينص على الولاء لدولة اسرائيل اليهودية، ولذلك ووفقاً
للقانون الذي جرى سنه في عام 1977، عندما تواجه المحاكم بقضية لا
جواب لها، فعلى المحكمة المعنية أن تقرر في ضوء مبادئ التراث اليهودي،
ولذلك ووفقا للقانون الذي وضعته الكنيست في عام 1985 (لا يجوز لأي
حزب يعارض برنامجه مبدأ الدولة اليهودية او يعلن عن عزمه على تغيير
هذا المبدأ بالوسائل الديموقراطية ـ لاحظ النّصْ ـ ان يشارك في انتخابات
الكنيست).
هذا الوضع جعل جزءاً من فلسطينيي 48 بـ (35% ـ 40%) يحجم عن المشاركة
في انتخابات الكنيست بل، رفضها المطلق، تحت شعار: أن لا امكانية
مطلقا لتحقيق أية نتائج حقيقية للعرب من خلال هذه المشاركة، بل العكس
من ذلك، فإنها تخدم ادّعاءات اسرائيل بالديموقراطية، ومن بين هؤلاء:
حركة أبناء البلد، جزء كبير من التيار الاسلامي وغيرها.
بالتالي، نحن امام استراتيجيتين: اسرائيلية: تسعى إلى اقامة دولتها
اليهودية الخالصة النقاء، وأية حلول تراها مع الفلسطينيين بداخلها،
تخضع لرؤى ومنطلقات تخدم الشعار الاسرائيلي المرفوع، تماما مثل نظرتها
للتسوية مع الفلسطينيين في المناطق المحتلة والعرب عموماً .. واستراتيجية
مضادة لفلسطينيي 48 تهدف إلى المساواة في الدولة مع المواطنين اليهود
أولاً، وإلى حل عادل لقضية الفلسطينيين عموماً. ولأن الاستراتيجيتين
متناقضتان تماماً، ولأنه من الصعب بل من المستحيل استمرار القبول
الفلسطيني داخل الخط الاخضر بما يمارس عليه من تفرقة عنصرية وتمييز
.. فإن المجابهة بين الطرفين قائمة، وتؤسس لصدام مستقبلي، قد لا
يكون قريبا، بانتظار نضج العديد من ظروفه الموضوعية والذاتية، لكنه
حتمي إن بجنوح اسرائيل نحو المزيد من الضغط ومصادرة حقوق الاقلية
الفلسطينية، او من زاوية الرفض الفلسطيني للتمييز والممارسة العسكرية،
والتعبير عن هذا الرفض بأساليب قد تتخذ منحىً جديداً.
د.فايز رشيد*
* كاتب فلسطيني
أعلى
مراسيم عراقية
يحتاج البعض إلى أمانة مع النفس مثل تلك الأمانة
التي تسلح بها سجين بريطاني متعلم أراد ان يشغل وقته خلال عقوبة
السجن الطويلة التي يمضيها بإعادة كتابة جزء من أحداث تاريخ بلاده.
لقد قدم هذا النزيل طلباً إلى إدارة السجن رجاها فيه أن توفر له
عدداً من المصادر ومستلزمات كتابة وتسجيل ليبدأ مشروعه ، وبعد أيام
نودي عليه ليتسلم ما طلبه فتوجه من باحة الزنزانه إلى مقر إدارة
السجن التي تبعد مسافة ليست بالقصيرة ، وفي اثناء توجهه إلى هناك
شاهد عن بعد شجاراً بين سجناء فسأل سجينا على مقربة منه ما الذي
حصل ، فأجاب السجين برواية معينة عن الحدث ، وما أن قطع عدة أمتار
في مسيرته إلا وسأل آخر فأعطاه وصفاً للحادث يختلف كلياً عن وصف
السجين الاول ، ثم اقترب اكثر من مكان الحادث وسأل سجيناً ثالثا
فما كان من هذا السجين الا أن روى الحادث بتفصيلات تختلف عن الروايتين
الاولى والثانية.
وما ان وصل الى مقر ادارة السجن حتى تكونت لديه قناعة بالعدول عن
مشروعه هذا ، فابلغ المسؤول هناك بأنه صرف النظر عما عزم عليه قائلاً
مع نفسه (أخاف أن اظلم بلدي) وكأن لسان حاله يقول: اذا كان شجارا
صغيرا حدث قبل دقائق قد روي بمعلومات متباينة ، فكيف يمكن لي ان
اتعامل مع احداث حصلت قبل مئات السنين ، ومن يضمن لي أن ما ساتناوله
سوف يكون صحيحاً اذا كان حادث بسيط اختلفت المعلومات بشأنه.
إن عدداً من العراقيين يدمنون في الوقت الحاضر على رواية ما يجري
في العراق ، وكأنهم بذلك يفعلون ما فعله أولئك السجناء بنقلهم لحادث
الشجار، نستطيع ان نجد هذا النوع من الناس في العديد من الاماكن
، هم موجودون عادة في الدوائر الحكومية والمؤسسات التعليمية ، وكذلك
في أسواق الخضر والفواكه وفي مقاهي الاحياء ، وعلى الأرصفة ، وأحياناً
يستخدمون الحافلات وسيارات الاجرة أثناء تنقلهم ورشاً لتبادل تلك
الاخبار في اجواء من الصفقات النفسيه المريبة ، وتكون الرواية عادة
على وفق ما يلبي لدى المتحدث اشباعاً معلوماتياً مزوراً ارضاءً لتكوينه
الطائفي أو المناطقي أو العرقي في إطار حسابات سياسية هدفها تحويل
البعض إلى وكالات انباء متنقلة لاتعرف وسيلة للتعاطي بأحداث البلاد
غير الترويج لهذا المناخ المسموم بالتوتر.
وتبعاً لذلك تصير المعلومات المتداولة مصدراً اضافياً لتكريس المحاصصه
الطائفية والسياسية والعرقية التي اتخذت لها إطارات مغلقة من الصعب
خرقها، لأن الناقل للخبر لا يريد أن يقدم الا ما يرضي قناعته المخربه
، ولأن السامع لا يريد ان يمنع نفسه من الاصغاء تضامناً، أو مخافة
أن يحسب رأيه بأنه مضاد، ولهذا يصغي على مضض.
وهكذا يبقى الطرفان المتحدث والمصغي ضمن دائرة مغايرة للحقيقة بإمعان
شديد ، خاصة وان بعض المتحدثين الناقلين لتلك الاخبار يحرصون على
استخدام مقبلات ترضي الطرف المقابل ، وفي الكثير من الاحيان تبقى
هناك احداث وحقائق بعيدة عن التداول ، اذ من النادر جداً أن يتم
التطرق الى الاحداث والعناوين العراقية اليومية التي تؤكد على معايير
وحدة العراقيين وتألفهم ، وهي كثيرة جداً لكن هناك توجهات لاقصائها
من التداول الاجتماعي بهدف ابقاء المجتمع العراقي ضمن دائرة الظرف
الاستثنائي القائم.
إن الاسباب التي كرست الظاهرة ، اعتماد المتلقي العراقي على معلومات
مصادر اعلامية معروفة بتوجهاتها الطائفية والسياسية على وفق تنميط
يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموقف هذا الشخص او ذاك، وبحالة من الاحباط
الذي تحول الى داء مزمن في بعض المكونات الاجتماعية ذات المناخ المشحون
بالايهام والتضليل وأثارة زوابع من الخوف والوهم وكأن الشاعر العربي
محمد الفيتوري يقصد هذه الفئه من الناس عندما قال ( ي غبار خيولكم
ضاعت بلادي).
إن مواجهة المحنة العراقية الحالية وإن كانت تتطلب جهداً وطنياً
متكاملاً من أجل استعادة سيادة العراق فإن المتطلبات الموازية لذلك
زمنياً ومضموناً، أن يضع العراقيون جدولاً لأولويات يستعيدون بها
وحدتهم الضائعة على طاولة الاحتلال وعلى وقع الشجار الطائفي البغيض.
عادل سعد*
* كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
محادثات "الأُفْق السياسي".. المسدود!
اللقاء بين الوفدين الفلسطيني ، برئاسة عباس
، والإسرائيلي ، برئاسة اولمرت ، في القدس الغربية ، إنَّما هو الأوَّل
في "سلسلة لقاءات" دورية نصف شهرية ، اقترحتها رايس الشهر
المنصرم ، وقَبِلَها الطرفان ؛ واللقاء الدوري الثاني قد يُعْقَد
في "أرض فلسطينية"، ليست "القدس الشرقية"، وإنَّما
أريحا ، فإذا عُقِد هنا فإنَّ إسرائيل تكون قد تخلَّت عن اعتراضها
المبدئي ، غير المُعْلَن ، على التباحث مع الفلسطينيين في أرضهم.
رايس ، والتي تكره ، كما إدارة الرئيس بوش على وجه العموم ، "الجداول
الزمنية (المصطنعة)"، حدَّدَت متى تبدأ سلسلة اللقاءات ؛ ولكنَّها
أحجمت عن تحديد متى تنتهي ، أو متى يمكن أن تنتهي ، أو كيف يمكن
أن تنتهي. وهذا كله قد يفيد في منع منتقدي ومعارضي اللقاء الأول
، وما سيعقبه من لقاءات ، من الإدلاء بتقويم سلبي ، فالنتائج "الحقيقية"
لن تَظْهَر إلا في نهاية السلسلة ، التي لا نعرف ، ولا حتى اولمرت
وعباس يعرفان ، متى تنتهي.
اللقاء الأول ، وعلى أهميته في أمور لا أعتقد بأهميتها ، لم ينتهِ
إلى نتائج "مُعْلَنَة" يمكن أن تدعو إلى شيء من التفاؤل
الواقعي ؛ ولكن استأثر باهتمامي "اللقاء المُغْلَق" بين
اولمرت وعباس ، والذي استغرق ساعة ، ولم يتحدَّث كلاهما عن نتائجه،
أو عن المحادثات التي دارت فيه. هذا اللقاء إنَّما يوحي إلى كثيرين
بأنَّ لدى الرجلين ما يُبرِّر هذا اللقاء ، وما يرغبان في إخفائه
حتى على أعضاء وفديهما ؛ ولكن هذه هي طريقة المحادثات .. طريقة الأبواب
المغلقة ، والبُعْد عن عيون وآذان وسائل الإعلام ، التي تفضِّلها
، وتدعو إليها الولايات المتحدة في استمرار.
القائلون بأهمية وضرورة وإيجابية هذه اللقاءات نصف الشهرية سَيَرون،
وسيدعوننا إلى أن نرى معهم ، أنَّ إسرائيل ، وعلى الرغم من رفضها
أن تبحث الآن مع الفلسطينيين في قضايا اللاجئين، وحدود الدولة الفلسطينية
المقبلة، والقدس الشرقية، قد قَبِلَت البحث في "الأفق السياسي"،
وهي التي أصرَّت منذ اتفاق طابا 2001 على جعل القضايا الأمنية، وقضايا
حياة الفلسطينيين اليومية، هي الموضوع الوحيد للمحادثات بين الطرفين.
هذه المرَّة ، بحثت إسرائيل مع الفلسطينيين بعض من قضايا "الأفق
السياسي" ، كمثل "شكل" و"مفهوم" الدولة
الفلسطينية المقبلة، وعلاقتها بجيرانها. وقد شرح عباس لاولمرت أبعاد
ما قرَّرته قمة الرياض في شأن "مبادرة السلام العربية"،
وكيف أنَّ هذه المبادرة لا تتعارض مع "رؤية الرئيس بوش"،
في شأن "حل الدولتين"، و"خريطة الطريق". وأحسب
أنَّ الوفد الفلسطيني حاول إقناع الوفد الإسرائيلي بأنَّ العبارة
الأهم في "المبادرة العربية"، في شأن قضية اللاجئين الفلسطينيين،
ليست عبارة "قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم 194"،
وإنَّما عبارة "الحل العادل المتَّفَق عليه".
محادثات "الأفق السياسي" ، وما يوازيها من محادثات في
شأن القضايا الأمنية وقضايا الحياة اليومية للفلسطينيين ، يُراد
لها، أي تريد رايس لها، أن تستمر بلا "جدول زمني (مصطنع)"،
وإلى أن يتوصَّل الطرفان إلى "اتِّفاق" يسمح لهما (ولأطراف
آخرين) بالانتقال إلى بحث قضايا الحل النهائي؛ ولكن السؤال الذي
لم تُجِبْنا عنه رايس هو "هل يمكن التوصُّل إلى اتفاق على قضايا
من قبيل شكل ومفهوم الدولة، وعلاقتها بجيرانها ، قبل التوافق على
الحل الدائم ، شكلا ومحتوى؟".
نَعْلَم أنَّ "الاتفاق"، أي اتفاق ، بين خصمين سياسيين
لا يمكنه ، مهما كان شاملا وجوهريا ، أن يَسْتَنْفِد كل الخلاف بينهما
، فبعض من الخلاف (والنزاع والصراع) يجب أن يبقى حتى يبقى الاتفاق
ذاته، أو حتى يصبح التوصُّل إليه أمرا ممكنا. على أنَّ هذا لا يعني،
ولا يمكنه أن يعني، أنَّ الاتفاق على شكل ومفهوم الدولة، وعلى علاقتها
بجيرانها، يمكن أن يتحقق قبل أن يستوفي شرطه الأولي وهو الاتفاق
على شكل ومحتوى الحل النهائي لمشكلات اللاجئين، والقدس، وحدود الدولة،
والمستوطنات، والمياه.
ويكفي أن يتفق الطرفان، إرضاءً لرايس، على محادثات "الأفق السياسي"،
بمعناها هذا، وبأسلوبها هذا، حتى يتأكَّد ويتضح أنَّ الهدف لا يتعدى
إجراء محادثات يتلهى فيها الطرفان (أو الأطراف) عن القضايا الحقيقية
بقضايا لا لون لها، ولا طعم، ولا رائحة، إنْ أفاد البحث فيها في
شيء فإنَّما يفيد في جَعْل اللقاءات الدورية نصف الشهرية لقاءات
من أجل تجديد، وإعادة إنتاج، الفشل ذاته كل أسبوعين. وقد يفيد أيضا
إدارة الرئيس بوش في سعيها (الذي له أسباب داخلية في المقام الأول)
إلى إظهار عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو بين العرب
وإسرائيل، على أنَّها تمضي قُدُما، وتسير في الطريق القويم.
ليس من أفق سياسي لكل تلك السلسلة (التي رأيْنا أولى حلقاتها) من
لقاءات ومحادثات "الأفق السياسي"؛ ولا أحسب أنَّ الأضرار
التي يمكن أن تصيب الفلسطينيين إذا ما أوقفوها وتوقَّفوا عنها يمكن
أن تفوق الأضرار التي ستلحق بهم إذا ما استمروا فيها.
وأحسب، أيضا، أنَّ لجنة متابعة تنفيذ مبادرة السلام العربية يمكنها
أن تسدي خدمة جليلة إلى الجهود والمساعي المبذولة لـ "تفعيل"
تلك المبادرة إذا ما دعت الفلسطينيين إلى التوقُّف عن محادثات "الأفق
السياسي (المسدود)".
وهذا الموقف يجب أن يأتي في سياق تعديل التصوُّر الاستراتيجي ـ التكتيكي
الذي شرحه وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إذ قال إنَّ هذه
اللجنة (وما شابهها من لجان ومجموعات عمل عربية) غير مكلَّفة بالتفاوض
مع إسرائيل، وليس من حقها التفاوض مع إسرائيل؛ لأنَّ التفاوض هو
شأن يخص كل طرف له مشكلة مع إسرائيل، ملمِّحاً، في الوقت نفسه، إلى
احتمال أن تتحدَّث مجموعة عمل عربية (من الدول التي لها علاقة دبلوماسية
مع الدولة اليهودية) إلى إسرائيل، على أن يتم هذا التحدُّث في طريقة
لا يُفْهَم منها أنَّ الدول العربية قد لبَّت شرط أو مطلب إسرائيل
وهو "التطبيع أولاً".
"تفعيل" مبادرة السلام العربية إنَّما يحتاج أوَّلا إلى
موقف عربي تدعو فيه الدول العربية الفلسطينيين إلى التوقُّف عن كل
محادثات سياسية مع إسرائيل قبل تلبية الدولة اليهودية لشرطين أوليين
هما: أن تقف حكومة اولمرت من مبادرة السلام العربية (بعد شرحها وتوضيحها
دوليا) موقفا يسمح باتِّخاذها مَدْخلا إلى تفاوض سياسي بين العرب
وإسرائيل، وأن توافق تلك الحكومة، بعد ذلك، وفي سياق ذلك، على أن
تكون قضايا الحل النهائي هي موضع التفاوض السياسي مع الفلسطينيين.
والأهم من ذلك أن يوضِّح العرب لإسرائيل أنَّ تجاوبها هذا يمكن،
ويجب، أن يفضي إلى السلام الشامل (الذي يستوفي الشروط العربية للتطبيع)
بينما يمكن أن يفضي عدم تجاوبها إلى تعريض ما أُنْجِز حتى الآن من
سلام (وتطبيع) معها إلى الخطر.
عدا ذلك ، لن نرى من التفاوض السياسي إلا ما يشبه لجهة نتائجه وأهدافه
ودوافعه اللقاء الدوري الأول بين عباس واولمرت، ولن يعطي اولمرت
للسلام إلا ما أعطاه له في قوله، عشية بدء أعمال قمة الرياض، "إذا
التقوني (أي إذا التقاء الزعماء العرب) فسوف أسمعهم ما يُدْهشهم
(لجهة مرونته واعتداله واستعداده للتنازل)"؛ ثمُّ في قوله،
قبيل اللقاء الأول مع عباس، "إذا التقوني فسوف أسمع منهم ما
يمكنهم قوله في شأن مبادرتهم"!
نَيْلُ السلام ليس بالتمنِّي!
لقد كان آخر ما قيل فلسطينيا (وعربيا) في شأن ما تُظْهِرَه وتؤكِّده
إسرائيل ولا سيما حكومتها من مَيْل قوي إلى المحافظة على بقاء "أُفْق
السلام" مسدودا حتى بعد إعادة الدول العربية، في قمة الرياض،
تأكيد تمسكها بـ "مبادرة السلام العربية"، وبالسلام "خيارا
استراتيجيا"، هو إأنَّ كل الكرات، وليس كرة واحدة فحسب، هي
الآن في الملعب الإسرائيلي، وإنَّ اولمرت، مع حكومته، أضعف من أن
يتجاوب مع المبادرات الفلسطينية (الحكومة الائتلافية الجديدة وبرنامجها
السياسي) والمبادرة العربية، ومبادرة تبادل الأسرى.
لقد قَبِلَ اولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس اقتراح رايس أن
يلتقيا مرَّة واحدة كل أسبوعين؛ وقد يَقْبَل رئيس الوزراء الإسرائيلي
إجراء محادثات، تؤيِّدها إدارة الرئيس بوش، مع "مجموعة عمل
تابعة للجامعة العربية"، توصُّلا إلى "إقناعه"، من
خلال شرح وتوضيح بعض الأمور له، بأهمية أن يقف من المبادرة العربية
موقفا فيه من الإيجابية ما يسمح باتِّخاذها مَدْخلا إلى تفاوض سياسي
بين العرب وإسرائيل، أو مَوْضِعا له على ما يريد ويحاوِل.
على مضض، قَبِل اولمرت اقتراح الحل الوسط وهو
أن يُطْلَق على محادثاته الدورية مع عباس اسم "محادثات الأفق
السياسي"، فهو يرفض أن يبحث مع الفلسطينيين الآن، حيث "فتح"
و"حماس" في ائتلاف حكومي واحد، قضايا الوضع النهائي الأكثر
أهمية كمثل "الحدود"، و"القدس"، و"اللاجئين"،
والتي يريد لها عباس أن تكون موضع تفاوض بدءا من الآن.
اولمرت، وإلى جانب المسائل الأمنية والإنسانية التي يحرص على أن
يَسْتَنْفِد فيها طاقة وزمن التفاوض، يمكن أن يبحث في اجتماعاته
الدورية مع عباس "الشكل (القانوني والاقتصادي والحكومي)"
الذي يمكن أن تكون عليه الدولة الفلسطينية عند قيامها، وكأنَّ "محادثات
الأفق السياسي" هي "محادثات الشكل الذي لا محتوى له"؛
وليس من شبيه لها سوى الاختلاف على اسم الصبي قبل مجيئه!
إنَّ ضيق الأفق السياسي والتفاوضي هو ما يَدْفَع إلى "محادثات
الأفق السياسي"، التي يكفي أن يُنْبَذُ فيها "المحتوى"،
أي تلك القضايا الثلاث، ويُسْتَنْفَد الوقت والجهد في الاختلاف (والاتفاق)
على "شكل" الدولة عند قيامها، حتى تنتهي إلى عاقبتها الحتمية
وهي مزيدٌ من الانسداد في الأفق السياسي.
مع الرئيس عباس بحث اولمرت، وسيبحث، كل شيء إلا "الحدود"،
و"القدس"، و"اللاجئين"، أي أنه لن يبحث في أي
شيء يمت بصلة إلى مقوِّمات وأسس السلام والحل النهائي؛ أمَّا مع
"مجموعة العمل العربية" فسوف يبحث في "التطبيع الخالص"،
شكلا ومحتوى، ضاربا صفحا عن كل الشروط والمطالب العربية التي تضمَّنتها
"المبادرة".
إنَّ اولمرت، وإذا ما افترضنا أنَّه يريد السلام، ويرغب فيه، هو
الآن أضعف من أن يقف ضدَّ إسرائيل القوية في رفضها الشروط والمطالب
العربية والفلسطينية، والتي هي الحقوق العربية والفلسطينية في حدِّها
الأدنى.
أمَّا العرب فقد تمسكوا بالسلام خيارا استراتيجيا
في طريقة ترتَّب عليها جَعْل كل الكرات في الملعب الإسرائيلي ، وجَعْل
إسرائيل أشد مَيْلا إلى الاستمساك برفض الشروط والمطالب العربية
والفلسطينية (على ضآلتها) خيارا استراتيجيا.
نَيْل السلام لن يكون بالتمني، فهو من الأشياء التي لا تؤخَذ إلا
غلابا. لقد التزم العرب السلام مع إسرائيل خيارا استراتيجيا؛ ولكن
هذا الالتزام يفقد أهميته في العالم الواقعي للسياسة إذا لم يُقْرِنَهُ
العرب بامتلاك وتطوير "قدرتين": القدرة على إقناع إسرائيل
بأهمية وضرورة السلام، والقدرة على إكراهها عليه.
جواد البشيتي*
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
لقاء عباس أولمرت أهداف مختلفة
عقد قبل أيام قليلة اللقاء الرابع هذا العام
بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود
أولمرت ، وربما يعتبر اللقاء الرابع بنظر البعض الأكثر أهمية لأنه
جاء النتاج الوحيد للجولات المكوكية الثلاث للسيدة رايس إلى المنطقة
، قبيل انعقاد القمة العربية ، بهدف توجيه رسالة للقادة العرب ان
الإدارة الأميركية جادة فعلا بتحريك عملية السلام من جمودها الذي
دخلته قبل عدة سنوات ، ولتطالبهم مقابل ذلك بالوقوف معها في أزمتها
السياسية والعسكرية في مواجهة المقاومة العراقية ، والمد الإيراني
في المنطقة وكذلك البرنامج النووي الإيراني الذي يخطوا خطوات جدية
وملموسة على حد تقدير المصادر الأميركية.
وبصرف النظر عن التشخيص الأميركي للمخاطر الإيرانية على المنطقة
ومدى تطابق هذه المخاطر على الأمن القومي العربي مع التخوفات الأميركية
على استراتيجيتها في المنطقة ، فإنه لا يبدوا ان هذه البضاعة التي
سعت لتسويقها رئيسة الدبلوماسية الأميركية قد نجحت في تحقيق كامل
أغراضها في القمة العربية ، فقد خرجت القمة بتأكيد مبادرتها السابقة
، وربطت أي تقدم بالعلاقة مع إسرائيل بقدر تجاوبها مع المبادرة العربية
، وكذلك وضعت الإدارة الأميركية أمام استحقاق بذل جهود حقيقية في
تحريك الموقف الإسرائيلي باتجاه فتح أفق سياسي للعملية السياسية
عبر التجاوب مع مبادرة السلام العربية.
الالتفاف الإسرائيلي على أية ضغوط قد تواجهها حكومة أولمرت المزعزعة
الأركان ، كان في الدعوة الملغومة ببدء اتصالات مع جامعة الدول العربية
لاستكشاف مبادرة السلام العربية ، وكان المبادرة بحاجة لاستكشاف
او يشوبها الغموض وبحاجة إلى توضيحات وشروح حتى تصبح أكثر قبولا
من الحكومة الإسرائيلية. هذه المحاولة الالتفافية من قبل أولمرت
قبل لقاءه الرئيس عباس الأحد الماضي وكذلك قبيل انعقاد اللجنة العربية
المشكلة من القمة الأخيرة هدفه إرسال أكثر من رسالة ، سواء للأطراف
العربية بان إسرائيل جاهزة للحوار لكن بدون أبداء الموافقة على المبادرة
، وربما تستطيع من هذا الحوار اصطياد أكثر من طرف عربي لفتح علاقات
سياسية معه ، وبنفس الوقت توجيه رسالة للرئيس عباس ان إسرائيل مستعدة
للذهاب مع الطرف العربي أكثر مما هي مستعدة للذهاب معه سياسيا بسبب
عدم رضاها عن تشكيل الحكومة الفلسطينية وتشككها بقدرة الرئيس على
عباس على صنع السلام معها انطلاقا من مقولة تدعيها ان الرئيس عباس
يريد صنع السلام ولكنه لا يستطيع، بخلاف الرئيس الراحل عرفات انه
كان يستطيع ولكنه لا يريد.
على أية حال اللقاء الدوري الأول الذي عقد في القدس وهو اللقاء الرابع
هذا العام جاء كما أشير تلبية لرغبة أميركية ، والهدف الرئيس منه
إيهام العرب بان الإدارة الأميركية راغبة وعازمة على مواصلة جهودها
في دفع العملية السلمية ، وستزيد هذه الجهود عبر الزيارات الشهرية
التي ستقوم بها رئيسة الدبلوماسية الأميركية للمنطقة ، لكن هذه الإيحاءات
والرسائل لا تحمل أجندة محددة ولا هدف واضح ، سوى ان الإدارة الأميركية
وهي مدركة لواقع حالها وأزماتها الداخلية والخارجية، لا تستهدف سوى
إدارة الأزمة القائمة وليس البحث عن وضع حد لها وحلها وفقا على الأقل
لرؤية الرئيس بوش وخطة خارطة الطريق ،مما يجعل هذه اللقاءات تدور
في حلقة البحث عن الجوانب الإجرائية ففقط دون الدخول في المضمون،
رغم التبشير الذي سمعناه عن بدء البحث بالأفق السياسي لأول مرة منذ
عدة سنوات.
بيد ان الهدف الأميركي الواضح من مواظبة هذه اللقاءات وجعلها دورية
يتلاقى والى حد بعيد أيضا مع المصالح والأهواء الإسرائيلية ، والتي
لا تقل من حيث الجاهزية والاستعداد ضعفا عن الإدارة الأميركية ،
فحكومة أولمرت رغم تمتعها بقاعدة برلمانية عريضة، إلا أنها من الناحية
العملية قد تكون من اقل الحكومات شعبية ، بسبب الأزمات التي تعصف
بها والناجمة عن عدوانها على لبنان ، وقضايا الفساد المالي والأخلاقي
التي تضرب بأركانها. ومن هنا فإن أولمرت ما يهمه هو عقد اللقاء مع
الرئيس عباس بصرف النظر عن نتائجه، المهم بالنسبة له الرسالة التي
ستنجم عن اللقاء وتصل للجهات المعنية وعلى وجه الخصوص الأطراف الدولية
وعلى وجه التحديد الإدارة الأميركية، وكذلك الحال بعض الأطراف العربية
التي قد تجد بتشكيل لجنة الاتصال السياسية لشرح المبادرة العربية
ودعوة أولمرت للحوار فرصة ، لبدء علاقات سياسية قبل تحقيق شروط المبادرة.
لكن يبدو الأهم بالنسبة لأولمرت توجيهه رسالة داخلية لجميع معارضيه
بان الحكومة ما زال لديها برنامج ورؤية خاصة بعدما أعلن رسميا طي
برنامج الحكومة القائم عل أساس خطة الانطواء من جانب واحد وهي خطة
الفصل الأحادي الجانب ، هذه الرسالة قد تكون مفيدة لأكثر من جانب
وتوحي لمعارضيه ان الحكومة ما زال لديها أفق سياسي تسعى لتحقيقه
.
غير ان ترويج اللقاءات الدورية بين الرئيس عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية
، له أيضا ما يبره لدى الرئاسة الفلسطينية ، فهي أولا تسعى وبكل
قوة إلى استرضاء الجانب الدولي لتخفيف الضغط عنها من جهة ولتسويق
حكومتها واتفاقها السياسي من جهة ثانية ، وكذلك ان أمكن تحويل هذه
الضغوط على الجانب الإسرائيلي وإظهاره دائما بمظهر الرافض لتنفيذ
الإرادة الدولية ، كما انه من جهة أخرى يؤكد دورا بحاجة باستمرار
لتأكيده على خيار السلام كخيار استراتيجي ، وكذلك ارتباطا بالتطورات
الداخلية بعد اتفاق مكة وتشكيل الحكومة الجديدة ومسؤولية الرئاسة
عن الملف السياسي وفي المقدمة منه المفاوضات مع إسرائيل ، كما ويجري
الإيحاء بنفس الوقت إلى ان هذه اللقاءات من شانها المساهمة في الجهود
المبذولة لفك العزلة السياسية والحصار المالي والاقتصادي عن الحكومة
الجديدة والشعب الفلسطيني، والذي مر حوالي الشهر ونصف من تشكلها
لم يسجل أي تقدم ملموس في رفع الحصار والعزلة السياسية والاقتصادية
وهو احد الأهداف الرئيسة لتشكلها.
قد يكون من المفيد وفي ضوء نتائج اجتماع اللجنة العربية بالقاهرة
، وفي ضوء جولات الرئيس الأوروبية القادمة ، وكذلك بعض الوزراء وعلى
رأسهم وزير المالية إعادة تقييم الموقف ، وفي المقدمة من ذلك جدوى
عقد اللقاءات الدورية ما بين الرئيس عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية
، والإجابة عن تساؤل مطروح وبشدة ما هي الجدوى من هذه اللقاءات ،
وهل تتجاوز العلاقات العامة ، ومن هو المستفيد من جولات العلاقات
العامة هذه.
د.احمد مجدلاني*
* كاتب فلسطيني ـ رام الله
أعلى
قصة مدينتين!!!
أرجو منكم الانتباه أيها القراء، فقد حان الوقت
لكي أطرح عليكم اختباراً في صورة سؤال هو: لو افترضنا بأن هناك مظاهرتين
تمثلان حركتين سياسيتين انطلقتا مؤخراً في دولتين متجاورتين، فإلى
أي الدولتين سيهتف عشاق الديمقراطية بشكل أكبر؟
وقد انطلقت المظاهرة الأولى يوم السبت الماضي في موسكو، وبالتحديد
في ميدان "بوشكين" وهو الموقع الأسطوري الذي طالما شهد
مظاهرات المنشقين في العهد السوفيتي، حيث تجمع عدد يتراوح ما بين
2000 إلى 3000 متظاهر، للإعراب عن معارضتهم للكريملين كي يتصدى لهم
9000 شرطي من قوات مكافحة الشغب مزودين بالهراوات وينهالون عليهم
ضرباً، ويلقون القبض على 200 منهم كان من بينهم "جاري كاسباروف"
بطل العالم السابق في الشطرنج الذي وصفته صحيفة "برافدا"
الروسية اليومية" بأنه مخلب سياسي باع روحه للخونة الذين يخططون
للقضاء على روسيا"، وفيما بعد وجهت النيابة لـ"كاسباروف"
تهمة "التفوه بشعارات مضادة للحكومة في حضور جمع كبير من الناس.
"التظاهرة الثانية:" بدأت هذه المظاهرة منذ عدة أيام ولا
تزال مستمرة حتى الآن في مدينة "كييف" عاصمة أوكرانيا
وتحديداً في ميدان الاستقلال، الموقع الأسطوري الذي شهد احتجاجات
"الثورة البرتقالية" عام 2004، غير أن المتظاهرين هذه
المرة كانوا ينتمون إلى"حزب الأقاليم" المناوئ لـ"الثورة
البرتقالية" والموالي لروسيا، وكان هدفهم هو الحيلولة بين الرئيس
الأوكراني "فيكتور يوشينكو" وبين الدعوة لعقد انتخابات
جديدة. وفي ذروة ذلك الاحتجاج،تمكن المتظاهرون من اجتذاب عدد يتراوح
ما بين 35 ألفا إلى 70 ألف شخص، والفارق بينهم وبين المتظاهرين في
ميدان "بوشكين" في روسيا هو أن قوات مكافحة الشغب لم تهاجمهم
كما أنها لم تقبض على أي واحد منهم.
ليس هناك من شك في أن ثمة صعوبات جوهرية في إمكانية الحكم على المزايا
المتعلقة بكل مظاهرة من المظاهرتين، وخصوصاً إذا كنتم أعزائي القراء
تنظرون إلى المسألة من نفس منظورنا نحن الأميركيين وهو منظور الخير
والشر.
صحيح أن المتظاهرين الروس، وحسب نص كلماتهم، يحاربون من أجل حرية
التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، وصحيح أنهم يعارضون تزايد
نفوذ الرئيس بوتين، ويشجبون الإقصاء الفعلي للمعارضة السياسية. وصحيح
أيضاً أنهم أشخاص محنكون يمتلكون تجارب واسعة، ومترابطون بشكل جيد،
وأن معظمهم من المعروفين جيداً في أوساطهم ويجيدون الإنكليزية، غير
أنه من الصحيح أيضاً أنهم لا يحظون سوى بدعم شعبي محدود جداً، وهو
ما يرجع جزئياً إلى أن وسائل الإعلام الروسية تصورهم على أنهم مجرد
مجموعة صغيرة من الساخطين الذين يتلقون أموالاً من الخارج، والذين
تعمدوا الاحتكاك بقوات الشرطة المسالمة ودفعها إلى الاشتباك معهم.
أما متظاهرو "كييف" فهم على النقيض من ذلك، يعارضون تغريب
بلادهم، ولا يستسيغون فكرة اقتراب أوكرانيا من حلف "الناتو"
والاتحاد الأوروبي، ويرغبون بشكل عام في العودة إلى تلك الأيام التي
كانت بلدهم تابعة لروسيا. ومعظم مؤيديهم، ينتمون إلى "حزب الأقاليم"،
وهم غير مترابطين جيداً، ولا يتكلمون الإنكليزية على الأرجح، كما
لا يوجد من بينهم بطل عالم سابق في الشطرنج. وعلى الرغم من ذلك،
نجد أنهم يحظون بقدر كبير من التعاطف الشعبي، وإن كانت تجدر الإشارة
أيضاإ إلى أن حجم هذه المظاهرات وزخمها لم يصل
إلى حجم وزخم مظاهرات "الثورة البرتقالية"، حيث وصفهم
أحد المراقبين للشأن الأوكراني بأنهم "حشود من الشباب الصامت
المتواضع المظهر، الذي كان يجر أقدامه جرا في شارع "هروشيفسكي"
وهو يحمل أعلاماً زرقاء".
ويؤيد هؤلاء المتظاهرون رئيس الوزراء الأوكراني "فيكتور يانكوفيتش"
الذين صوتوا لصالحه في انتخابات ديمقراطية.
إنه خيار صعب أن يحدد المرء لأي المظاهرتين يمكن أن يهتف بشكل أكبر،
غير أنه يمكن مع ذلك القول بأن كل شخص يود أن يرى ،بديهياً، آمال
الديمقراطية في روسيا، وقد ازدادت إشراقاً. وعلى الرغم من أن المعارضة
الروسية تتميز بالشجاعة، وتدعو قضيتها للإعجاب، فإن احتجاجها لا
يمثل دليلاً - للأسف- على الديمقراطية في روسيا، بقدر ما يمثل دليلاً
على غيابها. فالحقيقة هي أن السلطات الروسية قد تمكنت- إلى حد كبير-
عن طريق الرقابة، والترويع، بل وحتى القتل، من إقصاء الحوار السياسي
الأصيل في روسيا. ولو نظرنا إلى الطريقة التي تعاملت بها قوات مكافحة
الشغب مع المتظاهرين، يمكننا أن نتوصل إلى خلاصة مفادها أن مجرد
قيام عدد ولو محدود من الناس بالتظاهر تعبيراً عن رغبته في المحافظة
على قدر من التواجد العام في الفضاء السياسي، سوف يقابل بالعنف،
وهو أمر يجب أن تكون المعارضة الروسية مستعدة له.
وعلى النقيض من ذلك، فإن أوكرانيا التي طالما وصفت بأنها كيان سياسي
منهك، غير منظم، تبدو وكأنها تتحول الآن- ولو على نحو بطيء- إلى
دوله يستطيع شعبها على أقل تقدير أن يختار من بين خيارين سياسيين
واضحين بعد مناقشة مفتوحة. صحيح أن قرار الرئيس "يوشينكو"
بالدعوة لعقد انتخابات جديدة قد أثار الجدل، إلا أنه على الأقل قرار
يجري التدقيق فيه بواسطة المحكمة الدستورية العليا في أوكرانيا،
التي من المنتظر أن تصدر قراراً أعلن جميع الفرقاء السياسيين مقدماً
استعدادهم للالتزام به. ولئن كانت دعوة رئيس الوزراء "يانكوفيتش"
للتظاهر في ميدان الاستقلال حيلة مبتكرة، إلا أنها حيلة قانونية
بدون شك، وغير عنيفة، ولها كل الحق في أن تحصل على فرصتها.
ولتبسيط المسألة أكثر وصياغتها في عبارات يمكن للجميع فهمها: إن
أوكرانيا على الرغم من كافة الأخطاء التي وقعت فيها تتمتع بقدر من
الحرية، أما روسيا فتبقى دولة يتم فيها ضرب القوى الديمقراطية والقبض
عليها.
وبالنسبة لي فإنني أتمنى للروس التوفيق من كل قلبي، أما في اللحظة
الحاضرة، فإنني لا أملك سوى أن أهتف لأوكرانيا بأعلى صوتي.
آن أبيلباوم*
* كاتبة عمود بجريدة واشنطن بوست
خدمة واشنطن بوست خاص بـ (الوطن)
أعلى
لهذه الأسباب رفضت المنصب داخل البيت الأبيض
ليس ثمة شك ان خدمة الوطن هي مسؤولية وشرف
لأي مواطن تكون أمامه فرصة مواتية لبذل تلك الخدمة ويتجلى ذلك بوضوح
أكبر في وقت الحرب والأزمات. واليوم وبسبب حرب العراق فإن الولايات
المتحدة تعيش أزمة ثقة وتنتابها حالة من الارتباك فيما يتعلق بتوجهات
السياسة الخارجية خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
وعندما سئلت ما إذا كنت أرغب في تقلد وظيفة مدير تنفيذ في البيت
الأبيض لحربي العراق وأفغانستان أدركت أن المهمة ستكون على درجة
من الصعوبة بيد أنها شرف في الوقت نفسه وبالفعل كانت مهمة خطيرة
تحتاج الى من ينهض بها.
وفي منتصف الثمانينيات كنت قد خدمت كمساعد عسكري لنائب وزير الدفاع
ومؤخرا توليت منصب القائد العام لقيادة الأطلسي خلال العملية العسكرية
في كوبا وهاييتي وإعادة إعمار هاييتي. واستقاء من خبرتي أدركت أن
مثل تلك الوظيفة في البيت الأبيض تتطلب موافقة عدة وكالات منها وكالات
في مستوى وزارات ومنظمات. والشئ الهام أنه يجب على الشخصيات العاملة
على مستوى الوزارات أن تطور لديها تعريف واضح للتوجه الاستراتيجي
للسياسة وتقبل به.
بيد أن ما وجدته خلال المناقشات التي جرت مع اعضاء سابقين وحاليين
في هذه الإدارة هو عدم وجود رؤية استراتيجية متفق عليها حول مشكلة
العراق أو المنطقة. وفي وجهة نظري هناك ثلاثة استراتيجيات أساسية
متزامنة. أول تلك الاستراتيجيات أسميها " الهجوم الأرضي الأساسي
لوودي هايز" وتقوم في الأساس على كسب ساحة واحدة - أو جزء محدد
في مدينة في كل مرة. وعلى شريطة وجود وقت وتوفر الموارد على نحو
غير مقيد ومن ثم يمكن التحكم في النتائج في العراق وتوفير الأمن
اللازم للتحرك والانتقال الى المرحلة التالية من التطوير
وتبدأ الاستراتيجية الثانية بالأمن إلا أنها تضيف معايير للمشاركين
من الولايات المتحدة والعراق وتضع في الحسبان ضغوط عامل الوقت والتي
يجب أن تكون دافعا نحو إنجاز النتائج المرغوب بها.
بينما تأخذ الاستراتيجية الثالثة نظرة أكثر اتساعا للمنطقة والحالة
النهائية المطلوبة. فالولايات المتحدة لها الآن - وسوف يستمر ذلك
في المستقبل - مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط الكبير بعد أن تنتهي
أزمة العراق وسوف تظل تحتفظ بقوات لها في المنطقة بشكل ما من منطلق
المصلحة الوطنية.
وقد تسبب غزو العراق في حدوث أزمة حقيقية قائمة لجميع دول الشرق
الأوسط تقريبا كما أنه أوجد انقسامات شقت صفوف حلفائنا التقليديين
في أوروبا وهو ما أثر بشكل سلبي في التعاون حول القضايا الأخرى وجعله
أكثر صعوبة. أما عن إيران فقد سمحنا لها باكتساب المزيد من الخيارات
السياسية والأدوات أكثر مما كان متاحا لها قبل عدة سنوات. وباتت
إيران تمثل تهديدا أيديولوجيا لجيرانها كما أنها أشاعت جوا من عدم
الاستقرار في هذه الدول وكذا - وهو الأكثر أهمية - ضد المصالح الأميركية.
ومن بين الاستراتيجيات الثلاث نجد أن الاخيرة هي أكثرها أهمية بيد
أنها ولسوء الحظ أقلها فيما تحظى به من تركيز وإهتمام من قبل هذه
الإدارة.
والعمل اليومي الذي تقتضيه وظيفة مدير تنفيذ في البيت الأبيض يشرف
على العراق وأفغانستان سوف يتطلب بالطبع قدرا كبيرا من الطاقة النفسية
والعقلية لإيجاد الحلول لقضايا موارد جوهرية تتعلق بالبيروقراطية
ولم تقم حتى الآن بأداء وظيفتها على الوجه الأكمل.
وهناك إجراءات مثل زيادة العمليات في الوقت الحالي وهو الأمر الذي
كان يستوجب تنظيمها من خلال إطار عمل استراتيجي شامل. وكان ينبغي
أن يتوفر رابط بين العمليات المخططة على المدى القريب والأهداف الاستراتيجية
التي تعكس المصالح الأميركية والاقليمية مثل تأكيد الوصول الى موارد
الطاقة ودعم استقرار الدول على أساس التوجه الغربي. ومثل تلك المصالح
سوف تتطلب حوارا جادا وشراكة مع هذه الدول التي تعيش في منطقة تكتنفها
المخاطر. وليس بوسعنا أن نقلص هذه القضية على تصورات مثل "
توجيه المنطقة نحو الديموقراطية" أو الإحجام بشكل متواصل من
قبل مجموعة صغيرة _ غير أنها تمتلك القوة - بدعوى أننا نحقق الفوز
حتى على الرغم من عدم وجود تعريف للإنتصار.
والحقيقة أنه لشرف عظيم ان أخدم هذا الوطن مرة ثانية إلا انه وبعد
مناقشات مستفيضة وإمعان في التفكير مع أناس داخل الإدارة وخارجها
توصلت الى نتيجة أن عملية صنع القرار في الوقت الحالي في واشنطن
تفتقد وجود ذلك الربط مع رؤية أكثر إتساعا للمنطقة وكيف يمكن لمختلف
الاجزاء أن تتجمع معا وتناسب بعضها البعض من الناحية الاستراتيجية.
وخلال الأيام الأولى لحرب أفغانستان فهمنا الأمر جيدا إلا أننا فقدنا
التركيز فيما بعد. وفي العراق لم نفهم الأمر فهما صحيحا على الإطلاق.
ولهذه الأسباب فقد طلبت إعفائي من عرض تولي هذه الوظيفة الهامة في
البيت الأبيض. فليس من المتوقع أن توجد الحلول لأوجه الخلل والقصور
التي أشرت اليها بتعيين فرد إضافي مع العاملين في البيت الأبيض.
جون ج. شيهان *
*جنرال متقاعد في سلاح المارينز الأميركي
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ(الوطن)
أعلى