كلمة ونصف
صناديق التقاعد
تزايد الدعوات لإعادة هيكلة صناديق معاشات
ما بعد الخدمة أو التقاعدية بالدولة وضمها في أقل عدد ممكن مثل الكثير
من الدول، وذلك للارتقاء بدورها وتعزيزا لقدراتها على الاستمرار،
وتفعيل استثمار مواردها المالية على نحو يحقق من النمو لهذه الصناديق
.. إلا ان هذه النداءات ما زالت تراوح مكانها، والصناديق ما زالت
على أوضاعها غير القادرة على تفعيل دورها في خدمة أفضل للمنتسبين
لها.
بلا شك أن وجود ما يقارب 12 صندوقا لمعاشات ما بعد الخدمة في دولة
لا يزيد عدد الموظفين في قطاعاتها الحكومية والخاصة على 300 ألف
موظف وموظفة عبء في ادارتها وتشغيلها واستثمار أموالها، لا يتناسب
أعداد والموظفين مع عدد الصناديق، الأمر الذي يفرض إعادة هيكلتها
وضمها في ثلاثة أو أربعة صناديق على أقصى حد.
ففي الكثير من الدول ليس هناك أعداد صناديق بمثل هذا العدد، رغم
الأعداد الكبيرة للموظفين المنضوبين تحت مظلتها.
ومن شأن ضم الصناديق وادماجها أن يعزز اسستثماراتها في القطاعات
الاقتصادية في البلاد ، ومساهمتها في تنمية القطاعات الخدمية والانتاجية
فمثل هذه الصناديق تمتلك إمكانيات مالية واستثمارية كبيرة، تجعلها
قادرة على إدارة مشاريع كبيرة تدر أرباحا لهذه الصناديق، قد تغنيها
عن اشتراكات المنتسبين.
إلا ن وضع هذه الصناديق بهذا الشكل يجعلها شبه عاجزة عن تحقيق مثل
هذه الامور والانطلاقة نحو الافضل ، وتظل حبيسة اشتراكات واستثمارات
محدودة تكتنفها المخاطر لضعف الهيئات الاستثمارية والاستشارية التي
تمتلكها، والتي يمكن ان تسدي لها الرأي والمشورة نحو استثمار رؤوس
الأموال في استثمارات مجدية، بالطبع أن عملية دمج مثل هذه الصناديق
على اختلاف أنظمتها التقاعدية وتباين الجهات التي تديرها واختصاصاتها
ليست بسيطة، ولكن يمكن دمج الصناديق ذات الطبيعة المشابهة في المرحلة
الاولى، وإيجاد صيغ توفيقية بين الأنظمة التي تخدم قطاعات ذات طبيعة
عمل مشابهة.
ولكن أن تظل أوضاع هذه الصناديق متناثرة وضعيفة وعرضة لكل المخاطر
أمر لا يمكن أن يستمر، واستمرارها فيه مخاطر ومجازفات كبيرة على
الأصعدة.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أقول لكم
جدران
سلطات الاحتلال الاميركي تبني جدارا عازلا
حول منطقة الأعظمية في بغداد وتتأهب لبناء المزيد حول مناطق اخرى
في العراق، ونقاط التفتيش الامنية في مداخل هذ الاسوار ينقصها موظف
جمرك وآخر للجوازات حتى تصبح منافذ دولية لجمهوريات اعظميتستان وتكريتستان
وكربلائستان وهلم جرا، وبهذا ربما يكون الرئيس بوش قد انجز المهمة
المبهمة لقواته التي وجع دماغنا بها خلال الفترة الماضية، بتأكيده
ان لا انسحاب لقواته قبل (إتمام المهمة) وتكون قوات التحالف قد اكملت
(تحرير) العراق والعراقيين!.
وفكرة الجدران العازلة أو الاسوار في أصلها يهودية، فالشعور بالتميز
والتفوق على الغير والارتياب في نواياه، جعل العقلية اليهودية تنعزل
داخل أسوار (الجيتو) أو حارة اليهود في مختلف مدن أوروبا وأماكن
تجمعهم بالعالم، وهم الآن يتجمعون في (جيتو) ضخم بفلسطين المحتلة،
واستفادة ساسة التحالف من هذه الفكرة يؤكد انهم ينحازون لما كان
يسمى (حروب النسوان) التي يفضل اليهود مواجهة خصومهم خلالها وهم
متحصنون خلف اسوار القلاع المنيعة!.
بناء جدران عازلة في العراق فشل مؤكد لما يسمى السياسة الامنية الجديدة،
ولا يجب القفز فوق الاسوار لنتحدث عن هذا الوضع المأساوي الراهن
الذي يدفع العراقيون ارواحهم ثمنا له، بل يجب ان نعود الى الجذور
ونتساءل بصوت مرتفع: أين اسلحة الدمار الشامل التي كانت ذريعة للغزو
والاحتلال، وما مصير ثروة العراق النفطية وعائداتها من يوم احتلاله
حتى الآن؟ تساؤلات لا يعرف اجابتها إلا الكذابون والحرامية!.
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

باختصار
فلسطين للفلسطينيين
قال لي أحد الصحفيين الكبار من الأجانب : الخوف
على العراق أنه أصبح في عهدة التداخل المتعدد فيه ، ألا تظن أن القضية
الفلسطينية هي الاخرى في عهدة المحيط وماهو أبعد ؟ قلت : كانت هنالك
تدخلات في فيتنام وفي كوريا ومع ذلك بقيت الشخصية الفيتنامية هي
الطاغية ، ومع ان كوريا قسمت إلى جزئين الا ان الكوريين يحكمون انفسم
في كلتا الدولتين .
منذ ايام النكبة عام 1948 وقيام اسرائيل والتدخل العسكري العربي
من اجل "اعادتها " خفت الصوت الفلسطيني وكاد ان يتلاشى
لولا بضعة رجال من تنظيمات مختلفة يذكرها التاريخ اصرت على عمليات
فدائية ، ومع ذلك اصبحت تلك القضية في يد العرب حتى قيل ان كل نظام
عربي لم يكن يرفع شعار تحرير فلسطين كان عليه ان يواجه مشكلة ثباته
وبقائه . وقيل ان الانظمة العربية حملت القضية الفلسطنية واعتبرتها
مشكلة رئيسية لايمكن التنازل عنها . خصوصا عندما برز جمال عبد الناصر
في مصر معلنا بشكل صريح ان تلك القضية هي التزام مصر الاول والأخير
وانه لاتهاون فيها مهما كلف الامر . وحتى عندما اجتمع القادة العرب
في القاهرة عام 1963 وأنشأوا منظمة التحرير الفلسطينية كلسان حال
للفلسطينيين فإن الهيمنة العربية بقيت قائمة وبقي لها الاساس والفعل
لان العرب كانوا الممولين لها والمحبذين ان تبقى الشعار الاول في
سلم شعاراتهم الاخرى .
بعد عام النكسة الكبرى 1967 برزت المقاومة الفلسطينية في محاولة
استقلال عن تدخل الانظمة العربية او على الاقل في تحمل مسؤولية تحريرها
، وتبنى الفلسطينون شعارهم الخاص بتحرير الارض الفلسطينية كلها وانهم
لايريدون بل لن يسمحوا بتدخل عربي في شؤونهم مقابل عدم تدخلهم في
اي شان عربي . لكن جوهر الصراع لم يكن كذلك . فلقد تداخلت مشكلة
الاراضي العربية التي احتلت في ذلك العام بالوضع الفلسطيني وخصوصيته
، صار هنالك الجولان المحتل وسيناء المحتلة والضفة الغربية المحتلة
، ولم يكن بد امام الانظمة التي احتلت اراضيها سوى العمل على تحريرها
بشتى الاساليب ، وعندما قيل بشتى الأساليب فانه كان يجوز عبر العمل
العسكري او بالطرق الدبلوماسية .
بقي هذا التمازج والتشابك قائما ، اذ لايمكن فكاك القضية الفلسطينية
عن جوهر الصراع العربي الاسرائيلي رغم ان هوية المقاومة آنذاك فلسطينية
وشعاراتها فلسطينية ومحور عملها فلسطيني ايضا . لكن ذلك لم يكن بالامر
السهل ، فالقضية الفلسطينة في جوهرها سياسي وانساني وبشري وأخلاقي
فهو بالتالي تعبير عالمي .
وحينما انتقل الصراع الى داخل الاراضي الفلسطينية بدا وكأن ثمة استقلالا
فلسطينيا عن محوره العربي ، لكن هيهات ان يكون كذلك ، لان بعض العرب
يعتقدون ان الصراع مع اسرائيل صراع وجود وليس مجرد حدود او سنتميترات
من هنا او هناك . ولقد انضم الفلسطيني الى تلك النقطة الحساسة لانها
تعينه في طريق مقاومته الطويل وتقدم له مايحتاجه في طرق نضاله .
لكن اسرائيل لم تعترف بكل المنطلقات سواء الفلسطينية او العربية
، وهي ضربت عرض الحائط كل الأفكار التي تؤدي إلى حل أزمة الشعب الفلسطيني
كمقدمة لحل مشكلة الصراع مع العرب ، وفي المقدمة من ذلك حق العودة
للاجئين وحق تقرير المصير الفلسطيني بإقامة دولته التي تنازل الفلسطينيون
ضمن واقعية المطلوب عن أجزاء من فلسطينهم متمسكين مبدئيا بأراضي
العام 1967 .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

اصداف
أقلام قوافل القتلى
قوافل من الأقلام، التي تركها أصحابها، بعد
أن التحقوا بقوافل الموتى في العراق، ويزداد عدد الصحفيين والإعلاميين،
الذين سقطوا في سيول بحر الدماء اليومي في مختلف المدن العراقية،
ولم تتمكن المنظمات الدولية والاتحادات الصحافية والنقابات، من إعلان
احصائية دقيقة لأعداد الإعلاميين الذين قتلوا أو اختفوا، منذ بداية
احتلال العراق في أبريل 2003 وحتى الآن، لأن هذه الاحصاءات، يجب
أن تبقى مفتوحة، والأسماء المضافة إلى قائمة القتلى مستمرة.
إن منهج استهداف الصحافيين والإعلاميين في العراق، ليس جديداً، بل
أنه من ثوابت السياسة الاميركية في العراق ، ويتذكر الجميع ، كيف
حذر الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش الإعلاميين من خطورة التواجد
في العراق، وقبل أيام من بداية الغزو نصح الإعلاميين بمغادرة العراق
على وجه السرعة، واستجاب عدد من هؤلاء في حين أصر آخرون على البقاء
داخل العاصمة العراقية، وتواجد عدد قليل في البصرة، في حين كان عدد
آخر في المناطق الشمالية ، لتغطية تطورات الحرب من هناك، أما مجاميع
الصحافيين الذين رافقوا القوات الاميركية، فقد تم تأمين الحماية
لهم ، لكي ينقل هؤلاء صورة الانتصار الاميركي في ميدان الحرب الى
مختلف أرجاء العالم.
في الأيام اأاولى للحرب، جاء من يحذر من أن المركز الصحفي التابع
لوزارة الإعلام العراقية ببغداد ، سيتم استهدافه بالقنابل والصواريخ،
وفي تلك الليلة، سقطت صواريخ كروز ودمرت المركز، كما تم استهداف
وزارة الإعلام ، التي كان يعقد فيها وزير الاعلام العراقي محمد سعيد
الصحاف مؤتمراته الصحافية ، ويهاجم خلالها الادارة الاميركية بقوة.
اضطر الإعلاميون، الى حمل اجهزتهم وكاميراتهم ، ومعهم ما تبقى من
أقلام وأوراق وحواسيب محمولة، لينتقلوا الى فندق الميريديان، الذي
يقع على الضفة الثانية لنهر دجلة، قبالة القصر الجمهوري، ولأن الاميركيين
كانوا قد وضعوا خطة دقيقة لإسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ساحة
الفردوس ، فقد اجبروا الاعلاميين الى النزوح الى فندق الميريديان
، حيث يقع ذلك التمثال على بعد خمسين مترا من الفندق، وعندما رفضت
قناتا ابو ظبي والجزيرة البقاء في مكاتب خاصة بها بجانب الكرخ، وعلى
نهر دجلة مباشرة ، فقد استهدف الاميركيون مقر الجزيرة بصواريخ مباشرة
قتلوا فيها طارق ايوب، وتمت محاصرة فريق القناتين، ليضطروا الانتقال،
الى الميريديان ، لينقلا الى العالم ، مسرحية اسقاط التمثال ، وهكذا
نجد ان استهداف وقتل الصحافيين قد بدأ منذ ايام الغزو وسنتحدث عن
فترة الاحتلال.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى
دارفور ,, رؤية إلى ما وراء الأزمة
لم يكن مستغربا هذا الإصرار الاميركي البريطاني
على تصعيد الأزمة في دارفور, رغم السعي المتواصل والتعاون المستمر
والجاد من قبل الحكومة السودانية لحل هذه الأزمة بالطرق الدبلوماسية
والديمقراطية , وذلك من خلال محاولة استصدار قرار أممي جديد يزيد
من العقوبات المفروضة على السودان , حيث يفسر العديد من المراقبين
الدوليين والمحللين السياسيين والاستراتيجيين هذا الإصرار على أنه
مجرد محاولة لصرف الانتباه عن الاختلافات الايديوبوليتيكية التي
تواجهها الدولتين كلتاهما في كل من العراق وفلسطين , كما لم يكن
مستغربا في الجانب الآخر أن تقف كل من الصين وروسيا في مواجهة تلك
العنترية الانجلو اميركية , فالصين وروسيا يدركان كل الإدراك ماهية
الأهداف الاستعمارية والإستراتيجية الاميركية والبريطانية الامبريالية
في القارة الأفريقية بشكل عام , وفي السودان على وجه التحديد , وكيف
يمكن أن يستغل إقليم دارفور السوداني ليكون شوكة في خاصرة الجمهورية
السودانية , ووسيلة استعمارية لمد النفوذ الانجلو اميركي في القارة
الأفريقية من خلال السودان ؟ , ومن ثم تقويض واحتواء النفوذ الصيني
والروسي في هذه القارة ككل , وفي السودان على وجه التحديد.
حيث يبدو بأن القارة الأفريقية ككل والقطر السوداني على وجه الخصوص
, قد بدأت الأنظار تلتفت إليهما من جديد , مع أن الأدلة تؤكد أن
تلك العيون التي تراقبهما من بعيد , ومنذ زمن طويل لم ترفع أنظارها
عنهما مطلقا , كما هو حال العديد من الدول الأفريقية التي باتت الدول
والشركات الكبرى في مختلف أرجاء العالم , تطمح إلى التعاون والاستثمار
معها , ويكمن سبب ذلك في الأهمية المتعاظمة لهذه القارة , وعلى وجه
التحديد بالنسبة للدول التي تسعى لتثبيت موطأ قدم لها في هذا القرن
الاقتصادي والتكنولوجي بالدرجة الأولى , وبالطبع فإننا لن نستطيع
أن نتعرف على تلك الأهمية المتزايدة لهذه القارة بشكل عام والجمهورية
السودانية على وجه التحديد , إلا من خلال استقراء الخارطة الجيواستراتيجية
والجيوبوليتيكة لهما.
ومن ذلك المنطلق فقط , فإننا سنقدر أن نفهم سبب هذا الاهتمام الانجلواميركي
بالجمهورية السودانية , وبإقليم دارفور على وجه الخصوص , ومن خلاله
ذلك الاستقراء سنتعرف على أسباب هذا الإصرار الاميركي والبريطاني
المستمر لتشديد الحصار على السودان , والقارة الأفريقية بشكل عام
, واختصارا للموضوع فإننا سنترك أهمية القارة الأفريقية ككل , فهناك
العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت وبشكل موسع هذا الأمر,
وسندخل بشكل مباشر في أهمية الجمهورية السودانية الجيواستراتيجية
والجيوبوليتيكة, وتأثير مكانتها تلك في دائرة الصراع الدولي , والذي
من خلالها سنعرف لما كل هذه الضجة المتزايدة من قبل تلك الدول الأوروبية
والولايات المتحدة الاميركية على وجه التحديد بخصوص القضايا الأفريقية
وعلى رأسها قضية إقليم دارفور؟
فبداية تعتبر الجمهورية السودانية اكبر الأقطار الأفريقية مساحة
, وتحتل الجزء الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا , وتطل على البحر
الأحمر بين مصر واريتريا , وتمتلك من الثروات والموارد الطبيعية
ما يجعل منها قوة طبيعية واقتصادية كونية مستقبلية , وبكل ما تعنيه
الكلمة من معنى , وذلك في حال تم استغلال تلك الثروات والموارد الطبيعية
بشكل مناسب وعلمي ومتوازن , ومن أبرز تلك المقدرات الطبيعية , البترول
والحديد والنحاس وخام الكروم والزنك والفضة والذهب واليورانيوم ,
وقد بدا الاهتمام الأجنبي بهذا البلد العربي الأفريقي, كما هو حال
بقية أقطار تلك القارة منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة, وليس ذلك سوى
بهدف استغلال ثرواتها وإمكانياتها الاقتصادية , كما سبق وأشرنا.
وبالرغم من أن تلك الدول لم تعترف بذلك صراحة , إلا أن الواقع الراهن
هو ما يؤكد ذلك وبشكل لا يحتاج إلى براهين او أدلة , ومن ابرز تلك
القوى الدولية التي رسخت جذورها في هذه القارة وبشكل مخيف جدا ,
الصين والولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل وفرنسا وروسيا , وقد
وصل ذلك التغلغل وامتد إلى درجة الصراع والمواجهة في كثير من الأحيان
بين تلك الدول , ولا زال إلى يومنا هذا , كما هو الحال بين الولايات
المتحدة الاميركية في صراعها المتواصل مع منافسيها الرئيسيين , ـ
ونقصد ـ الصين وفرنسا , بل أننا نؤكد على استمرار تلك المنافسة ,
وذلك الصراع وبشكل اكبر خلال هذا القرن , وذلك من خلال استقراء درجة
المنافسة الاقتصادية والسياسية على تحديد خارطة هذا البلد الجيواستراتيجية
العالمية بشكل عام , وإقليم دار فور بشكل خاص, كما وان بروز عدد
جديد من الدول التي قد دخلت إلى تلك الدائرة كروسيا على سبيل المثال
, ليعطينا إشارة واضحة إلى إمكانية توسع دائرة الصراع على هذا القطر
خلال السنوات القادمة.
وتفيد الكثير من المعلومات الاستخباراتية بان أكثر من 70 منظمة أجنبية
تعمل في دارفور وحدها وإنها تقوم بجمع معلومات عن كل شيء في هذا
الإقليم و تحت مزاعم إنسانية , ( وفي الواقع تشكل هذه المنظمات مجموعات
استطلاع متقدمة للقوات الأجنبية القادمة ، كما أنها نجحت في استغلال
الأزمة بدراسة جغرافية المكان والإنسان والظروف المناخية هناك ،
وهو ما يؤكد أن المخطط الاميركي في السودان لم يكن مدفوعا بدوافع
إنسانية لمصلحة النازحين او اللاجئين في دارفور ، ولكنه فقط لمصلحة
تنفيذ مخطط أصبح مكشوفا للجميع وهو تدمير الدولة السودانية الحالية
وإعادة تركيبها وفق مفهوم السودان الجديد الذي يلبي المصالح الاميركية
) الإستراتيجية.
وقد كانت الصين من الدول السباقة للوصول إلى هذا البلد العربي الأفريقي
المضطرب سياسيا , والمتدهور إنسانيا واقتصاديا , وقد استغلت كغيرها
تلك الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة لاحتوائه وإحكام السيطرة
عليه , حيث بدا تركيز بكين على البلدان الإفريقية كأهداف محتملة
للاستحواذ على الشركات المنتجة للمواد الهيدروكربونية فيها , وقد
حظي السودان و( الذي يمد الصين بنسبة 7 % من وارداتها الإجمالية
من النفط بالقدر الأكبر من الاستثمارات الصينية , وتعتبر الشركة
الوطنية الصينية للبترول أكبر مساهم منفرد في شركة النيل الكبرى
للبترول التي تسيطر على حقول النفط في السودان ، كما استثمرت 3 مليارات
دولار في إنشاء مصافي النفط وخطوط الأنابيب في السودان منذ عام 1999م
, ولا زالت الصين تلعب إلى يومنا هذا دور كبير في تشكيل وبناء الاقتصاد
السوداني وصناعاته الثقيلة.
وكذلك حال الأمر بالنسبة للمتنافسين الآخرين على هذه القارة , ونقصد
الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وإسرائيل , وقد كان الدافع إلى
هذا التغلغل منذ البداية كما يشير الدكتور حمدي عبد الرحمن ـ أستاذ
العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة
، ونائب رئيس الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية ـ هو حماية خطوط
التجارة البحرية والوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام والنفط
, وذلك بهدف فتح الأسواق أمام حركة الاستثمار والتجارة , لدرجة أن
وصل الأمر بين الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا في بعض الأحيان
إلى درجة الصدام , وذلك عن طريق استخدام الدبلوماسية الصلبة للتعامل
في حل بعض من خلافاتهما على تلك الوجبة الدسمة, وهو ما أعلنته الولايات
المتحدة الاميركية عندما صرحت وبشكل علني بان النفوذ الفرنسي على
هذه القارة والذي تساهلت معه منذ الحرب الباردة لابد وان ينتهي ,
وذلك على لسان وزير خارجيتها السابق وارن كريستوفر, والذي قال بان
( الحقبة التي كانت تقسم فيها أفريقيا إلى مناطق للنفوذ قد ولت وفات
أوانها) , وهنا يتوارد إلى أذهاننا سؤال منطقي وخصوصا في ظل المحاباة
الفرنسية للقرارات الاميركية الراهنة بخصوص الأزمة في دار فور ,
وهو لماذا هذا الإذعان الفرنسي للقوة الاميركية رغم أن فرنسا كانت
ولازالت احد أهم المنافسين الرئيسيين للإمبراطورية الاميركية على
هذه القارة بشكل عام , وعلى القطر السوداني بوجه خاص ؟.
وبالطبع فإننا حين نشير إلى ذلك الاهتمام الغربي بالجمهورية السودانية
وقضاياها الراهنة ككل , فأننا لابد وان نخص الولايات المتحدة الاميركية
وإقليم دارفور على وجه التحديد في ذلك الصراع , وهي المنطقة الرئيسية
التي كان لها النصيب الأكبر من ذلك الاهتمام والمنافسة الاقتصادية
العالمية الدائمة والمستمرة , فالإدارة الاميركية ومن خلال استقراء
التقرير الاستراتيجي الذي صدر عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية
في واشنطن في يناير 2004م , والذي صدق عليه الكونغرس الاميركي وأوصى
بتكوين لجنة استشارية للسياسة الأميركية في القارة الإفريقية واعتبر
السودان قاعدة انطلاق جديدة للسياسة الأميركية في القارة الأفريقية
, قد اعتبر دار فور من ذلك المنظور الاستراتيجي نفسه , النقطة او
المدخل الرئيسي لتحقيق تلك الأهداف الاستعمارية الامبريالية الاميركية
في هذا القطر.
فدارفور بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية المحطة الغنية والمزدهرة
بالخيرات والثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط والبلوتونيوم والذي
يدخل في الصناعات النووية والصناعات الثقيلة وغيرها من الصناعات
الرئيسية والحساسة , كما مثلت دار فور بالنسبة للولايات المتحدة
الاميركية فرصة لإتمام ما تبقى من مشروعها في السودان والإقليم بشكل
خاص , ( حيث يشرف الإقليم على القرن الإفريقي من خلال تشاد وأفريقيا
الوسطى، ويمثل الحد الفاصل بين أفريقيا العربية وأفريقيا السمراء
والتي مثلت نقطة العبور للعروبة والإسلام ويشرف على بحيرة النفط
الممتدة من إقليم بحر الغزال مروراً بتشاد والكاميرون ، ليستق بذلك
مع مخطط شركات النفط الأميركية، ويقضي هذا المخطط مد خط بترول الخليج
العربي ، في حال استقر الوضع في العراق ، عبر ميناء ينبع السعودي
إلى ميناء عرس السوداني ، مخترقاً دار فور إلى تشاد ليلحق بالأنبوب
الحالي الذي يبدأ من تشاد ليصب في المحيط الأطلسي, هذا إذا ما أضفنا
النفط والحديد والنحاس واليورانيوم والجير الذي يتواجد في الإقليم
ذاته), وهذا هو باختصار شديد سبب ذلك الاهتمام الانجلو اميركي بالجمهورية
السودانية وإقليم دارفور على وجه التحديد , وأسباب التشدد الاميركي
البريطاني لإخضاع الجمهورية السودانية للإرادة الاميركية.
وختامنا فإننا نؤكد على ضرورة أن يكرس المجتمع الدولي كل إرادته
السياسية وقوته الدبلوماسية بهدف تعزيز الثقة في الحكومة السودانية,
وإعطاءها الفرصة الكافية لتحقيق أهداف السلام والعدالة والديمقراطية
التي ينشدها المجتمع الدولي تحقيقها في هذا القطر, وفي إقليم دارفور
على وجه الخصوص , وبالطبع فان ذلك لن يكون ممكنا بالطرق العسكرية
والسياسة المتصلبة والقوة الخارجة عن إطار القانون والشرعية الدولية
, كما لابد من التأكيد على ضرورة أن يكون للدول العربية دور فعال
وملموس من خلال المساهمة في تعزيز المكانة العربية من خلال المحافظة
على سيادة احد ركائزها الأساسية وهي الجمهورية السودانية , ومساعدته
بكل الطرق السياسية والاقتصادية الممكنة لتحقيق ما يصبوا إليه من
قوة ومكانة وسيادة على ثرواته وخيراته ومقدراته, وإلا فإن النتيجة
ستكون اختراق اكبر بكثير مما هو عليه الآن في هذا البلد من قبل تلك
الإمبراطوريات والدول الاستعمارية , وبالطبع فان المتضرر الأكبر
سيكون القطر السوداني وشعبه المسلم العربي , ووطننا العربي بشكل
عام.
محمد بن سعيد الفطيسي
كاتب وباحث عماني
azzammohd@hotmail.com
أعلى
من يدافع عن سياسة مسؤولة في الشرق الأوسط ؟
سافرت قبل أيام الى ولاية أيوا بعد أن قمت
بزيارة ثلاث مدن كان لي في كل منها حديثا ألقيته وأجريت مقابلات
مع أعضاء أسر تحرير عدد من الصحف وكان لي لقاءات أيضا مع عدد من
الناشطين وقيادات المجتمع. وفي نهاية جولتي تلك كنت على قناعة أن
عددا كبيرا من جمهور الناخبين في أيوا يريدون العمل من أجل تغيير
السياسة الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط.
ومن بين ما سمعته منهم أنهم يريدون من القيادة الأميركية أن تكون
أكثر اعتدالا في سعيها لإيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي كما يريدون
وضع نهاية مسؤولة لحرب العراق. وقد لاحظت انهم في الوقت نفسه متشوقون
لمعرفة المزيد عن العالم العربي وعن الإسلام.
وكنت قد سافرت الى أيوا عديدا من المرات على امتداد العقود الثلاثة
الماضية حاولت خلالها أن أدفع بالقضايا المتعلقة بالشرق الأوسط الى
بؤروة التركيز خلال المناقشات التي كانت تصحب الإنتخابات الوطنية.
وخلال تلك المحاولات تحققت هناك بعض النجاحات المحدودة بيد انني
أكثر تفاؤلا هذا العام.
فالناخبون في أيوا يدركون أننا في حرب في الشرق الأوسط ولديهم شكوك
عميقة حول سياساتنا في العراق وعبر المنطقة. وبعد إخفاقات عديدة
لإدارة بوش وفضح العديد من القضايا المتعلقة بالشئون الداخلية والخارجية
رغما عن محاولات إبقائها في طي السرية وصلت الثقة في هذه الإدارة
الى أدنى مستوى لها على الإطلاق. ويبدي الناس قلقا متزايد ويريدون
تغييرا في التوجه. ولطالما سمعت هذا التساؤل : ماذا علينا أن نفعل
؟ وكيف لنا أن نغير مجريات الأمور في الشرق الأوسط ؟
وكان الرد الذي أجبت به هو أن هناك حلولا بالفعل قدمتها لنا مجموعة
دراسة العراق وإتفاقيات جنيف وتقارير جوهرية من مؤسسات بحثية حول
قضايا مختلفة بدءا من الحل الأمثل للوضع في أفغانستان الى التأكيد
على جهودنا من خلال الدبلوماسية العامة. فالخطوط العريضة لسياسة
جديدة متوفرة بالفعل والحاجة الفعلية الآن هي الى وجود القيادة التي
تتولى توجيه دفة الامور وهؤلاء الذين يسعون للوصول الى مقعد القيادة
عليهم أن يعلنوا مناصرتهم لهذه السياسة. ولكي يحدث ذلك يجب على الناخبين
أن يطالبوا بمناقشات أكثر فعالية. وما سمعته في أيوا من الناخبين
يدل على أنهم حريصين على ذلك بالفعل.
وقد اندهشت حقيقة لهذا التجاوب الذي لمسته ، فهناك جهود حقيقية في
أنحاء الولاية لتكوين مجموعة تعمل من أجل سياسة مسؤولة في الشرق
الاوسط وقد شرعوا بالفعل في تنظيم آلاف الناخبين للمشاركة في جهودهم
وهم على ما يبدوا واثقين أن الهدف سوف يتحقق. والواقع فإن التجاوب
الأولي مع هذه المبادرة الوليدة يثير الإعجاب. وتضم المجموعة عربا
ويهودا وناشطين سلام واكاديميين.
وخلال الاجتماعات التي عقدتها مع محرري الصحف كانت هناك أسئلة وجهت
إلي من أحد الصحفيين الألمعيين ذكر فيه أن سكان ايوا معروفون بتقاليدهم
أنهم يميلون الى الحياة الهادئة والعزلة عن مجريات السياسة الخارجية
ويضعون جل اهتمامهم في أمور حياتهم اليومية وتساءل متعجبا: لماذا
مع أن الأمر على هذا النحو يبدون اهتماما الآن بقضايا الشرق الأوسط
؟
وكان جوابي أن الشرق الأوسط لم يعد بعيدا بل أصبح قضية سياسية داخلية
وسكان أيوا يدركون ذلك. فبعد عقود أنفق خلالها مليارات الدولارات
على المساعدات الأجنبية والعسكرية في الشرق الأوسط والفشل المتكرر
في المساعدة على إيجاد حل للصراعات في تلك المنطقة ( بل ساهمنا في
زيادة تفاقم الأوضاع سوءا ) أصبحنا الآن متورطين في حرب هناك نفقد
فيها الأرواح والكرامة مع استمرار المخاطر أننا قد نفقد المزيد.
وقد اجريت مقابلات مع عدد من العرب واليهود الذين عملوا في الشرق
الأوسط وآخرين ممن يعملون في تصدير واستيراد المنتجات ما بين أيوا
والشرق الاوسط كما تقابلت مع آباء وأمهات أميركيين عملوا في مجالات
عديدة في الشرق الأوسط. وجميعهم يعتبرون أن الشرق الأوسط ليس بعيدا.
وهم يبدون إهتمامهم لأنهم يعرفون أنهم مشاركون وكذا فهم يدركون حجم
المخاطر وان هناك امورا تسير في الطريق الخاطئ وهم يسعون الى تعديل
دفتها. وقد جاء مئات من سكان أيوا ليؤكدوا على انهم يهتمون بالفعل
بهذه القضايا ومن المتوقع ان تشارك أعداد أخرى على نحو واسع.
وبعد يومين من اللقاءات قدم الرئيس السابق جيمي كارتر الى أيوا لإلقاء
حديث أمام واحدة من أعرق الجامعات. وعلى الرغم من المحاولات التي
بذلت للنيل من كتابه الأخير: " فلسطين : سلما وليس عنصرية"
فقد حضر ما يربو على 6 آلاف من سكان ايوا للاستماع الى الرئيس السابق
وإبداء الإعجاب بملاحظاته. وكان الاحتفاء به كبيرا في البداية واكثر
منه في النهاية.
وقد أسعدتني الرسالة الأخيرة التي ضمنها كارتر في حديثه عندما ذكر
أن السبب الرئيسي لقدومه الى أيوا أنه يريد من أهلها أن يدركوا ان
بوسعهم الإسهام بشكل فاعل في تشكيل النتيجة النهائية للانتخابات
الرئاسية في 2008 ، وأن بمقدورهم على الأقل أن ينصرفوا عن اولئك
المرشحين من كلا الحزبين من غير الحريصين على معالجة مشكلة السلام
في الشرق الأوسط. وطالب الجميع بعدم دعم أي مرشح لا يقدم لهم وعودا
وخططا مؤكدة.
ومن خلال ردود الأفعال على كلمته كان واضحا أنها لم تجد أذانا صاغية
عند سكان أيوا الذين تقابلت معهم فحسب بل أيضا لدى هذا الجمع الغفير
الذي شاركه رؤيته. فهم يعرفون ان اميركا بحاجة الى سياسة جديدة للشرق
الأوسط وهم يبدون اهتمامها وتصميما على مواجهة التحديات. فنأمل أن
يحدث ذلك بمشيئة الله.
جيمس زغبي
رئيس المعهد العربي الأميركي
أعلى

إدارة أزمة براميل البارود
إذا ما حاول المرء الإرتفاع بذاته إلى نقطة
عالية لإجراء نظرة فحص شاملة لما يسمى اليوم بالشرق الأوسط، فإنه
لابد وأن يصاب بالهلع بسبب تحول الأراضي الممتدة بين باكستان شرقاً
والمحيط الأطلسي غرباً إلى خزين مزدحم ببراميل البارود التي لا تحتاج
لسوى قدحة أو ومضة لتتفجر وتشعل الشعوب الممتدة عبر هذه الأقاليم
بلهيب الحروب الأهلية والنزاعات الحدودية والإقليمية والثورات والتمردات
على أنواعها. حتى بعض الدول التي تبدو أكثر إستقراراً وتجنباً للصراعات
الداخلية والخارجية تشهد بين حين وآخر بعض الحوادث المتفرقة التي
تنطوي على ما يعتمل بدواخلها من تهديدات للوئام الأهلي والسلام الإقليمي.
الجميع يتذمر. والمعضلة الحقة التي تستحق أن تباشر في مثل هذا السياق
هي أن كل براميل البارود الموزعة على نحو متسلسل عبر هذا الإقليم
المترامي متواصلة بعضها ببعض عبر فتائل سريعة الاشتعال وشديدة التوصيل
، الأمر الذي يجعل من عملية تجنب تفجرات دموية واسعة اشبه ما يكون
بمعجزة.
إنه مشهد مرعب حقاُ، ولكن جهد عرضه على نحو بانورامي يمسح الصورة
السوداوية من الشرق إلى الغرب لا ترنو بأي حال من الأحوال إلى صب
الزيت على النار، كما تفعل بعض وسائل الإعلام العربية، ولكنها ترنو
لإيجاد الطرق الحكيمة والبعيدة النظر من أجل إزالة فتيل الأزمات
الواحد تلو الآخر لتجنيب شعوب المنطقة الملتهبة مآس لا يمكن التكهن
بأبعادها الخطيرة. ويبدو أن العقل الإستراتيجي في واشنطن يتابع ما
يحدث ويستمكن براميل البارود من نقطة عالية تسمح له بإدارة الأزمات
على النحو الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة الأميركية ولا يشملها
بالضرر، الأمر الذي يتجلى في منطق الرئيس الأميركي جورج بوش عندما
يكرر تحذير الجمهور الأميركي والعالمي من مغبة حصول الحركات الإرهابية
الراديكالية على موطيء قدم ثابت في واحدة من أكثر البقاع عطاءً وموارداً،
العراق.
أغلب الشعوب في هذه الأصقاع المترامية تتذمر لأنها تشعر بغبن من
نوع ما قد أصابها. أما السبب الرئيسي لهذه الحالة المرعبة، فيعود
إلى عصر زائل، حيث كان سقوط الإمبراطورية العثمانية التي كانت تهيمن
على أغلب بقاع هذه الأقاليم بمثابة الفرصة لإعادة تشكيلها وتنظيمها
على النحو الذي يخدم مصالح الدول المنتصرة بالحرب العالمية الأولى،
وهما: بريطانيا وفرنسا على نحو التحديد. وتسترجع كتابات كبار الساسة
والضباط البريطانيين والفرنسيين الذين أتوا على أوصال الإمبراطورية
العثمانية المتهرئة الكيفية الإعتباطية التي تمت بموجبها عمليات
رسم الحدود وتشكيل الكيانات السياسية، بغض النظر عن التعمق في أنسجة
وآمال الشعوب التي لم تكن متمكنة من إراداتها آنذاك.
من هنا تكون براميل البارود المنتظرة على حافات لهيب الحرائق حالة
مرعبة: فالعراق يشكل لوحده أكبر خزين براميل البارود لأنه يعاني
من إنقسامات وتشرذمات شائكة ومعقدة ومتداخلة. فإذا كان هناك ثمة
شرخ متوسع بين المسلمين، شيعة وسنة، وكلاهما من العرب، فإن هذا الشرخ
آخذ بالتفرع والتمدد الطولي والعرضي على نحو ينذر بالمزيد من الأهوال
والمخاطر، خاصة مع الإنشقاقات والتكسرات التي راحت تهشم الثالوث
الرئيسي المكون من الشيعة العرب، والسنة العرب، والأكراد. وتنطبق
ذات الظاهرة على السنة وحتى على الكرد، بغض النظر عن ما يبدو سطحياً
من تماسك. وبهذا يتحول المثلث العراقي إلى مضلع متعدد الضلاع يختزن
في دواخله المرعب من الأيام، بين بغداد أكبر براميل البارود، وكركوك
البرميل الثاني والبصرة وسواها من مدن العراق المكتئبة والواعية
بأنها جالسة على أرض هشة قد تنشق تحتها في أية لحظة.
وإذا كانت حالة العراق ترتقي إلى أعلى عناوين الأخبار، فإن هذا لا
يعني قط (برغم إمتدادات خيوط الصراعات الداخلية في العراق إلى ألإقليم
بأسره) أن بقية بقاع المنطقة هي بمنأى عن المعضلات الإقليمية والداخلية
الخاصة التي هي الأخرى تتوثب لتلقف ألسنة اللهب القادمة من العراق.
فلا أحد يريد أن يصدق أن الجمهورية الإسلامية تبني مشروعاً نووياً
سلمياً ، الأمر الذي يجعل من منطقة الخليج العربي المليئة بالبترول
باباً من أبواب جهنم لو أن الأميركان قرروا توجيه ضربة قوية لمنشآت
إيران النووية. وقد كانت أحداث لبنان قبل بضعة اشهر قد دفعت بالبلد
إلى شفى هاوية خطيرة، وهي أحداث تمت عملية تطويقها بسرعة بالرغم
من أن الأطراف اللبنانية المتخاصمة تعرف حق المعرفة أن هذا التطويق
لا يزيد عن تسكين لم يرقَ قط إلى حل جذري لمشاكل الصراعات المزمنة
بلبنان. وإذا كانت خيوط التواصل بين لبنان وسوريا وفلسطين واضحة
المعالم، فإن برميل البارود في فلسطين وإسرائيل لم يزل ينذر بمخاطر
التفجر، الأمر الذي يجعل من هذه البقعة أرض مرشحة للصراعات البينية
والخارجية على حد سواء. وإذا كانت أحداث التفجيرات في الدار البيضاء
والجزائر تعكس رأس جبل الجليد المخيف الذي تكونه الحركات الإرهابية
تحت سطح المياه الدافئة، فإن أحداث الصومال وماكنة الموت الدائرة
هناك والتي سحبت دول الجوار إليها ، تشكل واحداً من البراميل الكبيرة
المرشحة لإشعال ذلك الجزء من العالم برمته. وكذا الحال مع مشكلة
دارفور وجنوب السودان التي تنذر بالمزيد من التعقيد خاصة بعد أن
خرج الموضوع من كونه شأناً داخلياً وشهد تدخلات الدول الكبرى ومداخلات
الدول الأفريقية المجاورة.
إن العقل الإستراتيجي الأميركي يراقب براميل البارود بدقة، وهو يخشى
أن تتفجر هذه البراميل مرة واحدة فتأتي على الأخضر واليابس. لذا
فإن هذا العقل يرنو إلى إعادة تشكيل المنطقة على نحو يختلف عن التشكيل
الأنكلو/ فرنسي الذي صنع جميع هذه الإلتهابات. ويبدو للمراقب أن
ما يحاول الأميركان أن يفعلوه لا يزيد عن عملية تبديد شحنات هذه
البراميل ولكن على التتالي بالشكل الذي لا يشعل المنطقة بأسرها في
حريق مهول واحد. وهذه هي القاعدة الأساس للعبة: فتفجير برميل بارود
واحد في العراق وتطويقه يعني إستنفاد طاقاته وهدرها حتى تنضب. ثم
يأتي الانتقال إلى برميل ثاني، قد يكون في الصومال أو في أية بقعة
أخرى لتفجيره وتبديد طاقاته، وهكذا على نحو تدريجي تتم عملية إفراغ
الطاقات المتوحشة والعمياء المعتملة في دواخل بقاع الإقليم المترامية
على النحو الذي يجعل الوجود الأميركي أمراً واقعاً لا مهرب منه لتكريس
قيادة القطب الواحد الذي يعمل على إزالة الشكل الأنكلوفرنسي للمنطقة
وإستبداله بالشكل الأميركي الجديد للمنطقة، وهو جوهر مشروع الشرق
الأوسط الكبير.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
سياسات حروب عدوانية وصراعات ديكة
يستمر الرئيس الاميركي بوش الثاني بسياساته
الحربية العدوانية على ما يسميه بالارهاب ، الكلمة التي يكررها في
كل خطاباته الموجهة والمكتوبة له باعتناء ، وحتى في جلساته الشخصية
، اكثر من اية مفردة اخرى بحياته ، ويطبقها عمليا باحتلال بلدان
وتهديد اخرى ، وتنظيم خارطة اخرى لاكثر من منطقة على المعمورة ،
والاستمرار بمخططات الهيمنة والاستفراد بالقرار العالمي والاستهانة
بالقانون الدولي ، وحقوق الانسان ، سواء داخل بلاده او خارجها. ومن
خلال ما نتج عن هذه السياسات من كوارث متنوعة ومتعددة الاخطار على
مختلف الاصعدة ، وغطرسة وعمى سياسي متعمد ، لايجد المراقب اية مراجعة
حقيقية لديه او لدى اصحاب القرار السياسي ، بل يرى ازمات متفاقمة،
سياسية واخلاقية وتورطات متواصلة، لها اصداؤها في اكثر من مكان ،
وصراعات انتخابية، لا تتوقف طبعا أمام أعداد الضحايا المتزايدة على
حساب الشعوب التي تضع هذه السياسات تطبيقاتها عليها، لاسيما تلك
التي ابتليت بخيالات بوش وهلوساته الاستعمارية.
ما توصل إليه تقرير مجموعة العراق الأميركية لم يقرأه بوش وتشيني
وعصابات البنتاغون بأعين مسئولة، ولم يتأملوا في دروسه وتوصياته،
حتى نشط المنافسون لهم من الديمقراطيين بقراءته بما يتفق مع المصالح
الاميركية والتنافس الانتخابي، فجرت تطبيقات شكلية لتوصياته وتوصيات
الكثير من التقارير والدراسات التي وضعتها مؤسسات التفكير الاميركية
والوفود الاخرى التي تكلف أو تقوم هي بواجباتها في البلدان المحتلة
او الموضوعة على اللائحة. وبمجملها انتباهات رسمية اتخذت طابع اللقاءات
الدبلوماسية في الزيارات والعلاقات العامة ، وتبادل التصريحات الاستنكارية
بين عصابات البيت الابيض واركان الكونغرس ، خصوصا بين نائب الرئيس
ديك تشيني ورئيسة الكونغرس من الحزب الديمقراطي نانسي بيلوسي، حول
العراق والمنطقة العربية والاسلامية، ولكنها على العموم تصب في البحث
عن مخارج جديدة لعنق الزجاجة الذي انتهت اليه تلك السياسات العدوانية،
ومساع لاعادة الاعتبار لمكانة الولايات المتحدة الاميركية ومصداقيتها
السياسية والاخلاقية عالميا.
وفي معمعة الصراعات تحاول ادارة بوش الحربية وهي تدرس ورطتها المصحوبة
بكثرة الفضائح الصارخة والخروقات الفاقعة ان تواكب ما تسعى اليه،
وتنظر بعين اخرى لما يواجهها في اكثر من موقع، داخليا وخارجيا، وتعمل
في سبيل ملاحقتها لمخططاتها العدوانية المرسومة بدقة وبحسابات صهيو
امبراطورية بالقيام باجراءات متنوعة، من بينها تغيير بعض صور فرسان
المسئولية التنفيذية لها، فبعد هزيمة الانتخابات النصفية اقيل دونالد
رامسفيلد، ابرز وجه تلفزيوني للعدوان والغزو والحروب، ليلحقه جون
بولتون، السفير المعين لمهمته خلاف الدستور ومن وراء التشريع الاميركي
، ومن ثم مدير مكتب تشيني ، المزور والفاضح لاسرار دولة واستخبارات
مركزية، وفصل واستقالات عدد من ما يطلق عليه وزارة العدل في البيت
الابيض، وقائمة اخرى من القيادات العسكرية ، واجراء تنقلات بينها
واخرين مثل استبدال القائد العسكري لقوات احتلال العراق الجنرال
جورج كايسي، بالجنرال ديفيد بيترايوس والسفير الاميركي بالعراق زلماي
خليلزاد ببديله الجديد ريان كروكر، وسياتي دور اخرين حسب مسلسل الجريمة
وفضائحها المتتالية.
وبين هذه التراجعات الاضطرارية والتسريبات الاعلامية عن توازيها
بخطط سرية تحمل مسميات مختلفة وباساليب اخرى تعرض، حسب محللين سياسيين،
ابعاد الازمة التي تديرها تلك السياسة. ففي العراق مثلا، حيث بلغت
الورطة الاميركية مدى واسعا، وتاثيراتها وانعكساتها وتداعياتها شملت
ليس الشعب العراقي وحسب، وجوار العراق والعالم العربي والاسلامي
ايضا، بل داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها ايضا، ولكن بصور
اخرى، مثل انتشار الاحتجاجات الشعبية وربطها بذكرى الحرب على فيتنام
وذكرياتها، وكذلك هو الحال داخل الكونغرس في صور صراعات الديّكة
بين الديمقراطيين والجمهوريين ، او بين البنتاغون والخارجية، وبين
اللوبيات والبيت الابيض، وغيرها من المؤسسات. خاصة والعام القادم
عام انتخابات رئاسية. وكلها تعكس ما عليه تلك السياسات من ورطة ومازق.
هذا اضافة الى الضغوط المتنوعة التي تفرضها هذه الادارة على اكثر
من مستوى طلبا للمساعدة او لتمرير تلك السياسة بما يحقق لها ما ترمي
وتدعو اليه ، علنا وسرا، وانقاذ مخططاتها الامبراطورية التي قادتها
الى ورط متناسلة، لاخراجها من ما يعنيه المثل الروسي المعروف: إن
زيادة التحرك في حفرة يزيدها عمقاً ويزيدك مأزقاً.
خطط السياسة العدوانية وصراعات الديكة على مسرح واشنطن باسم الامبراطور
الجديد تمثل اهداف الادارة الاميركية السرية والعلنية ومن يقودها
، على السواء بين مؤسسات الادارة والتشريع والقرار والتنفيذ ، ورغم
ما يظهر على السطح من تناقضات او اختلافات ، الا انها وهي تمتلك
قوى وامكانات كبيرة في التنفيذ والتوسع استراتيجيا وسياسيا ، تعمل
لمصالح الامبراطورية ومخططاتها العدوانية. وتتحرك في اطارات الهيمنة
ونشر الرعب والخوف عالميا ، وتطوير ادواتها واحلافها على كامل الكرة
الارضية ، ولم تجد امامها، في ظل غياب موازين قوى رادعة لها كما
كان الحال قبل انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي،
من يوقفها عند حدودها وينظر لها بعين حمراء، كما فعل الرئيس الروسي
فلاديمير بوتين في خطبته "البتراء" في مؤتمر ميونيخ للامن
، الاخير ، والذي اسمع واشنطن ما لم يخطر لها، مستنكرا التفرد وداعيا
الى تعدد الاقطاب الدولية في نظام دولي جديد ، وكان المفروض استثماره
دوليا ودعم توجهه السياسي واجبار الولايات المتحدة الاميركية على
التوقف عن مخططاتها العدوانية والانسحاب من الدول التي احتلتها وانهاء
مشاريع العدوان والاحتلال الجديدة ، واحترام الشرعية الدولية وحقوق
الانسان، اين وحيث كان.
قراءة مشاريع العدوان الاميركية الجديدة مفزعة، وهي تزيد في مآزق
وضحايا الشعوب والبلدان، وكلها تهدر مصالح الشعوب وثرواتها ومستقبلها
، وتعيدها الى قرون سابقة، كانت تعاني منها وقدمت الاف القرابين
في سبيل التخلص والتحرر منها والعمل على بناء دولها واستقلالها واختياراتها.
وتقوم هذه السياسات على اساليب الخداع والتضليل، وما فشلت عمليا
في البرهنة عليه من شعارات براقة ومسميات لامعة، واعادة انتاج ممارسات
الاستعمار ومآسيه، التي فضحتها اعمالها اليومية ومشاريعها المطبقة،
امام انظار من له ضمير انساني، على الاقل.
ما يجري في فلسطين والعراق وافغانستان ولبنان والسودان والصومال
وغيرها من البلدان، يكشف خطورة تلك الاستراتيجية العدوانية ، ويضاعف
من كاريثيتها على الشعوب وعلى امن العالم والسلم الدولي، و يرسم
صورة لما عليه تلك السياسات البوشية وتداعياتها المأساوية. تلك السياسات
وما تسرب عن المشاريع السرية المخطط تنفيذها في اكثر من بلد تتطلب
من جديد التصدي لها بما يمكن من قدرات غير قليلة لدى الشعوب والدول
الاخرى، والارادات الانسانية التي يهمها ان تعيد للعالم توازنه وتصمد
امام العدوان والغزو والحروب قبل فوات الاوان!.
كاظم الموسوي
كاتب وصحفي عربي ـ لندن
k_almousawi@hotmail.com
أعلى
دق ناقوس الخطر بشأن أكبر تهديد يواجه الأمن العالمي
تحدث مندوب الكونغو في أواسط النقاش الدائر
في مجلس الأمن ، حيث قال: "هذه ليست المرة الأولى التي يدور
فيها صراع بين الناس على الأراضي وموارد المياه، لكن الصراع هذه
المرة سيكون على درجة تجعل الصراعات التي دارت في السابق تبدو بسيطة
بالمقارنة". وأطلق المندوب الفرنسي عليه مصطلح "التهديد
الأول الذي تواجهه الإنسانية". وقال المندوب النرويجي بأنه
ردا على ذلك التهديد، يتعين أن يكون ما نقوم به لا يقل عن إعادة
التفكير من القمة وحتى القاعدة حول نظرتنا لأمننا: ليس بمقدورنا
الوقوع في المصيدة التي كلفت العالم كل ما هو نفيس عبر التاريخ وأن
نفترض بأن المستقبل سيبدو تماما كالماضي. وقال الأمين العام للأمم
المتحدة، بان كي مون، بأن السيناريوهات التي توجهنا مثيرة للقلق.
ما الذي كان بؤرة هذه المخاوف؟ إنه تغير المناخ. فمناخنا الذي يزداد
تقلبا مع مرور الأيام لم يعد يُنظر إليه أساسا على أنه قضية بيئية
أو اقتصادية. ومع نمو التهديد الذي نواجهه من حيث درجته، وازدياد
حدته وضوحه خلال العامين الماضيين - مثلما أكد البرهان مؤخرا، بل
وفي بعض الأحيان فاق، أسوأ مخاوفنا بشأن التأثير الملموس الذي يواجهنا
- أصبح من الجلي بشكل متزايد بأن عواقب تغير المناخ تصل إلى صميم
الأجندة الأمنية. الفيضانات والأمراض والمجاعات، وانطلاقا منها يأتي
الهجرة على درجة غير مسبوقة، وفي مناطق تواجه أصلا توترا كبيرا.
الجفاف والفشل في المحاصيل، وانطلاقا منهما يأتي التنافس على الغذاء
والمياه والطاقة في مناطق تشهد استنفاذا لمواردها. وعرقلة اقتصادية
على الدرجة التي تنبأ بها تقرير ستيرن في العام لماضي، والتي لم
يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأمر لا يتعلق
بالأمن الوطني على نطاق ضيق - بل إنه يتعلق بأمننا الجماعي في عالم
ضعيف ويزداد اعتمادا على بعضه البعض. وللأسف، مرة أخرى، فإن من هم
أكثر ضعفا وأقل قدرة على تحمل ذلك هم من سيتضررون أولا. ليس هناك
بكل تأكيد أي خيار ما بين المناخ المستقر والكفاح ضد الفقر. فبدون
الأول سوف يفشل الثاني لا محالة.
إن كل من يرغب بتعقب الروابط بين ما يقوله لنا العلم بشأن التأثيرات
الملموسة لتغير المناخ وتوابعه الأوسع نطاقا على أمننا سيكون من
الأفضل له أن يقرأ تقريرا مذهلا صدر يوم الاثنين. الهيئة الاستشارية
العسكرية هي فريق مؤلف من الأدميرالات والجنرالات المرموقين في الولايات
المتحدة. وقد وقفوا خلال فترة عملهم في مواجهة كل شيء من احتواء
وردع التهديد النووي السوفييتي إبان الحرب الباردة وحتى الصراع الأخير
ضد الإرهاب والتطرف. وهم أبعد ما يمكن تصوره عن الشكل النمطي القديم
للبيئيين المفرطين بعواطفهم تجاه البيئة. لكن مع ذلك فإنهم يقولون
في ذلك التقرير ، وبكل عزم ، بأن تغير المناخ المتوقع يشكل تهديدا
خطيرا للأمن القومي لأميركا. حيث أنه ، كما يقولون: "يؤدي لمضاعفة
التهديد المؤدي لعدم الاستقرار في بعض من أكثر المناطق تقلبا في
العالم". وبمعنى آخر ، فإن المناخ غير المستقر يؤدي لنفس أنواع
التوترات والصراعات التي يتداولها مجلس الأمن حاليا كل يوم، لكنها
ستكون أكثر تواترا وحدة.
وبالتالي فإن تلك المخاوف هي التي تكمن وراء قرار المملكة المتحدة
لاستغلال رئاستها لمجلس الأمن لإطلاق هذا النقاش غير المسبوق. وتلك
المخاوف هي التي جعلت 53 دولة تطلب المشاركة والحديث في اجتماعنا
هذا - وهو رقم لم يسبق له نظير في مثل هذه الاجتماعات.
إن نقل هذا النقاش إلى مجلس الأمن ليس بديلا لاتخاذ إجراءات في مواضع
أخرى ضمن الأمم المتحدة أو عبر المجتمع الدولي. وباعتباري كنت المفاوض
الأول نيابة عن المملكة المتحدة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية
حول تغير المناخ طوال خمس سنوات، فإنني آخر من يريد أن يقوض تلك
الجهود وغيرها من الجهود متعددة الأطراف. لكن بحكم مسؤولية مجلس
الأمن في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، يمكنه تقديم مساهمة
فريدة لبناء فهم مشترك لما يعنيه المناخ غير المستقر بالنسبة لأمننا
الفردي والجماعي. والقرارات والإجراءات التي نتخذها - في أي مؤتمر
كان - بينما نبدأ في بناء اقتصاد عالمي منخفض الكربون ستكون أفضل
وأقوى وأكثر فعالية لأنها تستند إلى أكبر فهم ممكن لجميع تداعيات
تغير المناخ - بما في ذلك العامل الأمني.
الإقرار بأن تغير المناخ يعتبر قضية أمنية محورية أوضح بأن الغالبية
العظمى من أسرة المجتمع الدولي تنظر الآن إلى المناخ غير المستقر
على أنه تهديد لم يسبق له نظير يتعين علينا أن نواجهه على عجلة وبطموح
أكبر. وإذا ما نجحنا في ذلك المسعى المشترك، سوف نستمتع جميعنا بأمن
أفضل. تغير المناخ هو تهديد يجمعنا مع بعضنا البعض إن كنا نتمتع
بالحكمة الكافية التي تمنعه من التفريق بيننا.
مارغريت بيكيت
وزيرة الخارجية البريطانية
أعلى