كلمة ونصف
البضاعة لا ترد ولا تستبدل
حذرت وزارة التجارة والصناعة من استخدام عبارة
البضاعة لا ترد ولا تستبدل التي تستخدمها بعض الشركات في تعاطيها
مع الزبائن في مخالفة صريحة لقانون حماية المستهلك الصادر بالمرسوم
السلطاني رقم (81/2002) في إشارة الى تزايد التجاوزات لهذا القانون
من جانب الشركات والمؤسسات التي تضع مثل هذه العبارة على فواتير
البيع وحتى واجهات المحلات وما تسببه من إشكاليات في استبدال البضاعة
مع الزبائن .
فبلا شك ان دعوات وزارة التجارة والصناعة للتجار والشركات قد لا
تنتهي في هذا الجانب أو ذاك للحد من هذه الممارسات الخاطئة والتجاوزات
الخطيرة للقوانين والاطر المنظمة للعلاقة مع المستهلكين الذين يتطلعون
أن تقوم هذه الجهة بدورها في هذا الجانب مستظلة بالقوانين والتشريعات
التي تجيز لها حماية المستهلكين من مثل هذه التجاوزات .
وعلى الرغم من ان قانون حماية المستهلك مضى على صدوره ما يقارب الـ
5 سنوات تقريبا فمن غير المناسب ان يسمع نداءات ودعوات في هذا الشأن
وانما يرغب في الأفعال أكثر من الاقوال والنداءات التي لا تجدي نفعا
في التعاطي مع هذه الجوانب التي تتجاوز التشريعات الموضوعة لتنظيم
العلاقة .
إن مثل هذه التجاوزات في أسواقنا تأخذ ابعادا قد لا يصدقها العقل
في استغلال المستهلكين والتحايل عليهم بأشكال متعددة تتجاوز مثل
هذه العبارات واستبدال البضائع وغيرها الى اكبر من ذلك الا انه دائما
عندما تؤمن العقوبة يساء الادب .
ان في العديد من البلدان البضائع تسترجع بعد فترات قد تطول الى اكثر
من شهر وحقوق المستهلكين محفوظة في كل الاوقات سواء باستبدال البضائع
أو ارجاعها الى صاحب الشركة او المحل بكل ترحيب وسعة بال الا ان
ما نلحظه لدينا المئات ان لم يكن الاف من المستهلكين يذهبون ضحايا
عدم تطبيق القوانين والتشريعات من جانب الجهات المختصة وعدم القيام
بالواجبات المنوطة في هذا الجانب بشيء من الحرص والعمل الصارم الذي
يردع كل المخالفين ونأمل من وزارة التجارة والصناعة العمل بفاعلية
في تطبيق قانون حماية المستهلك لتوفير الضمانات للمستهلكين التي
كفلها القانون وعدم الاكتفاء بالدعوات التي لا فاعلية منها .
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أقول لكم
كؤوس
هي: أضنيتني بالهجر .. ما أظلمك! هو (ساخرا):
ماذا بعد هذه المقدمة الشعرية؟ هي: وظلمك أدى إلى بوار أرضي وجفاف
ينابيعي وذبول زهوري! هو (مندهشا): هل تسببت في كل هذا؟ لابد أنني
كائن أسطوري! هي: وعندما غلب الأسوَد في ليلي أبيضه أسقط في يدي
ولم يبق أمامي إلا أن أغزل لك دثارا بخيوط من هواء! هو: بنيلوب فعلت
هذا ولكن بخيوط صوفية! هي: ولا يدفع الظلم إلا العدل ولا يزول الهجر
إلا بالوصال! هو (متحيرا): إلى أين يقودنا هذا الهجوم الناعم؟
هي: هجرتني وارتحلت إلى غيري دون مقدمات أو أسباب! هو: وهل الاهتمام
بالشأن العام أصبح ضرتك؟ هي: ومن قال لك أن هذا الاهتمام يؤتي ثمارا؟
هو: علينا أن نغرس بذرة ربما يأكل من ثمارها الأحفاد! هي: هذا حرث
في غير أرضه وسقيا لرمال تظل جافة، ومن كانت لديه أرض خصبة عليه
ان يحرثها ويبذرها ويتعهدها بالري والسقيا .. إنها الوحيدة القادرة
على العطاء! هو: عدنا إلى المربع الأول في ظنك أن الانشغال بما سواك
هو هجران لك إلى ضرة تضرك!
هي: هذا هو الوصف الدقيق لحالتك الراهنة، والمسألة ليست قدرات لفظية
في المراوغة! هو: هل تعتبرينني مراوغا؟ هي: بالتأكيد، فماذا تسمي
الأخريات اللاتي تتحدث معهن في السياسة والفن وربما في أمور أخرى؟
هو: لا يذهب دماغك بعيدا والأمر لا يزيد على مجرد حوار في قضايا
عامة! هي: ولا تبادلهن حبا؟ هو: الحب لا يرتشف إلا من كأس واحدة،
وأنت مشروبي وكأسي!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

باختصار
جدران بين الشعب الواحد
كل وصفة لتنفيذ حالة ما هي اختبار اولي لما
سيلي وفي اي مكان. يوم تحقق مشروع تقسيم قبرص في العام 1973 تبين
لاحقا انه مقدمة لوضع لبنان على السكة ذاتها. واذا كان جدار الفصل
العنصري في الاراضي الفلسطينية قد اقيم لغايات كثيرة فهو نموذج لما
سيتلوه في مراحل لاحقة. ان كل فكرة يتم تنفيذها في عالمنا الضعيف
تشبه الى حد بعيد تجريب انواع من السلاح في حروب مفتعلة، وعندما
تأتي النتيجة مطابقة لإطارها النظري يسهل بعدها نقلها الى اماكن
اخرى.
هذا ما يجري في العراق حين يتم عزل مناطق في بغداد عن المناطق الاولى.
المسألة ليست في الجدار بل في ما سيتركه من اثر نفسي وشعبي على المدى
الطويل، وانه لمن الكارثة ان يبادر رئيس وزراء العراق نوري المالكي
بشكل متأخر لوقف تمدد الجدار. بعض العراقيين يانس للعملية لكنه سوف
ينسى انه اصبح داخل عاصمة وخارجها في آن معا ، وان الجدار لن يمنع
اختراق مكانه اذا ما كان المخطط اوسع بكثير من تلك الحيطان الاسمنتية.
ومع ذلك وقف الجدار وعلا بين شعب واحد، اراد الاميركي الموهوب بلعبة
الفصل والقسمة والضرب والطرح ان ينعم على جزء من العراقيين بالامان
، فكان له ان حقق مبتغاه بايجاد شرخ قد لا يمحوه دهر من الزمان.
يا ليت الاميركي على علم بأن العراقيين متداخلون ومتصاهرون اكثر
من اي شعوب عربية اخرى. فمن الاعظمية زيجات بالجملة زفت الى الكاظمية،
والعكس هو الصحيح ، ومن الشمال زواج من اهل الجنوب، بل من الجنوب
مصاهرات لاهل الوسط .. ليس هنالك مكان يخلو من التعدد السكاني فماذا
نفعل بالابناء والاحفاد الذين ولدوا من امهات وآباء مختلفين في المذهب
او في الطائفة!
ومع ذلك يتوجب الانتباه الى ان فكرة الجدران العازلة لن تكتفي بالوقوف
عند مناطق بغداد او ربما مناطق عراقية اخرى، فعلى ما يبدو ان هنالك
فكرة وتصميما على نقلها الى اماكن اخرى اذا ما وقعت الواقعة كما
هو حال لبنان على سبيل المثال، وربما بلدان عربية اخرى. لقد اصبح
الجدار رمزا لانقطاع أمل العيش بين شعب واحد، هكذا تفكر العقول السمنة
في مختبرات ادارة الشعوب التي تصدق ان بامكانها العيش خلف اسوار
من الباطون، وان تقيم مجتمعا صافيا لها خاليا من " الشوائب
" التي تكره عيشها.
غدا جدران أخرى باحثة عن تفاصيل ميدانية جديدة، وغدا يقال ان تلك
الجدران حكمة للمجتمعات التي تتنابذ، وفي حقيقة تنابذها ان عقول
الاميركي والاسرائيلي تسعى لتثبيت حالات مرضية لا يمكن لها العيش
طويلا. ان القسمة في اي مجتمع عربي سوف تؤدي الى حروب طاحنة لتحقيقها،
واعادة التوحد ستؤدي ايضا الى حروب الشوق للقاء الآخر ولكن على قاعدة
الاستبسال من اجل التوحد. فلا يظنن احد ان الجدران تفعل فعلها على
المدى الطويل، هي تسلط على حرية المجتمع وترويع مفتعل لأناس عاشوا
طويلا في كنف الود والوئام الى ان جاء الاجنبي ففرق بينهم، والفرقة
قد لا تدوم لأنها قسرية وليست اختيارا.
فليسقط جدار الاعظمية كما سقطت قبله جدران، وان مساحة الود التاريخية
بين ابناء المجتمع الواحد مصانة ومحفوظة ابد الدهر والتلاعب بها
لن يكون سوى فصل سريع سينتفي عند زوال المشكلة وسيشعر بعدها "
المسجونون " وراء الجدار انهم بحاجة لهواء الآخر، والآخر بحاجة
الى نسائمهم.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

اصداف
أقلام للتدمير
تحت عنوان الديمقراطية والحرية، وعناوين اخرى،
بدأت موجة اصدار الصحف في العراق، قبل ان تبدأ الاذاعات وزخات كثيفة
من الفضائيات، وانطلقت هذه الصحف تهلل للاحتلال وتمجده، ولأن غالبية
الذين تسلموا ادارة هذه الصحف، ليسوا بالمحترفين، فقد وظفوا جميع
الكتابات لخدمة الاحتلال، ومن جهتها تحركت المنطقة الخضراء، لتعمل
باتجاهين، لضمان بقاء السلطة الرابعة خانعة تعمل لخدمتها، ففي الطريق
الأول، اسست القوات الاميركية شبكة الاعلام العراقية، وباشرت بإصدار
صحيفة ومن ثم قناة تلفزيونية وتفرعاتها، وجاءت برؤساء تحرير من الذين
دربتهم الادارة الاميركية في براغ والولايات المتحدة، كما ظهرت صحف
اخرى لأحزاب وشخصيات تتفاخر بتبعيتها للأميركيين، ولا شك ان هذه
المؤسسات ، لا هم لها سوى التطبيل للاحتلال والترويج له، وحاولت
هذه الصحف والاقلام المأجورة، اختراق وحدة الصف العراقي والتأسيس
للفتنة والفرقة في جميع طروحاتها وافكارها.
أما الطريق الثاني، فقد اتخذ اسلوب الدعم المادي، ويتردد ان المنطقة
الخضراء كانت تدفع مبالغ طائلة عن الاخبار التي ترسلها الى عشرات
الصحف والمجلات، التي انتشرت في ظل الاحتلال، وبعد ان تمت غربلة
تلك الاعداد الهائلة من الصحف، انتقت مجموعة منها، لتبدأ تزودها
بمقالات وبيانات تأتي من المكتب الصحفي الضخم داخل المنطقة الخضراء،
وتهاجم هذه المقالات جميع القوى والاصوات الوطنية، وتكيل المديح
لمن ساروا في مسارب الاحتلال، ويتم دفع مبالغ طائلة عن نشر تلك المقالات،
التي تظهر في العديد من الصحف بذات الصياغة والاسلوب، ولا يخفى مصدرها
على احد من العراقيين.
بهذا الاسلوب، تمكنت المنطقة الخضراء من ضم غالبية الصحف الى جوقتها،
واخذت الكتابات والافتتاحيات والصور ورسوم الكاريكاتير تترى يوميا
وتوزعها تلك الصحف في الشارع العراقي.
لم يكتف الاميركيون بذلك، بل ان فريقا او اكثر من العسكريين اخذوا
يزورون الصحف، ويعنفون الذين يتجاوزون الخطوط المرسومة، وعندما نشرت
صحيفة (الساعة) خبرا عن اغتصاب جنود اميركيين لفتاة في مدينة الحلة،
سارع الفريق العسكري الاميركي الى زيارة الصحيفة، التي كان يرأس
مجلس ادارتها د.احمد الكبيسي عالم الدين المعروف، وللأسف الشديد
نشرت الصحيفة اعتذارا وتكذيبا في العدد اللاحق، في حين ان الواقعة
صحيحة، وتم تهديد المندوب الصحفي ان تعرض الى مثل هكذا موضوعات.
اما المبالغ الطائلة، فقد انهالت على الصحف من الاعلانات التي تروج
للعملية السياسية والانتخابات والدستور والانتخابات الاخرى، فقد
تم دفع مبالغ طائلة لتلك الصحف، التي عملت على اقناع شرائح كثيرة
من العراقيين، بأن الانتخابات هي الحل السحري.
للأسف ان غالبية اقلام هؤلاء التحقت في قوافل تدمير العراق.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى

3 ابعاد
أطنان الحزن والأسئلة
لا تزال اطنان من الحزن ترقد فوق قلوب اسر
33 طالبا واستاذا في الجامعة قتلوا في لحظة واحدة عندما فتح طالب
النار عليهم بصورة جماعية في قاعات المحاضرات. من بين هؤلاء القتلى،
القاتل نفسه الذي انتحر بعد ارتكاب جريمته. اسرة القاتل، وهي اسرة
جاءت من كوريا الجنوبية لتوفير حياة افضل لأطفالها، هي الأخرى تعاني
من حزن عميق. معاناه هذه اسرة القاتل مزدوجة: مرة حزنا على فقد ابنها،
ومرة اخرى على قتله عشرات الأبرياء. من بين الضحايا ريما سمحا الطالبة
من اصل لبناني وروس علم الدين وطالب آخر من اصول عربية. هذه المذبحة
ليست الأولى من نوعها. منذ الستينات اصبح القتل الجماعي في المدارس
والجامعات جزءا من الحياة الأميركية.
في عام 1966 تسلق تشارلز ويتمان بناية شاهقة من 27 طابقا داخل الحرم
الجامعي في جامعة تكساس واختار ضحاياه عشوائيا واطلق النار عليهم
من هذا الارتفاع. ثلاثة وعشرون طالبا سقطوا في تلك الجريمة. منذ
ذلك التاريخ وقعت، على الأقل، مائة جريمة قتل جماعي في الولايات
المتحدة. من بين هذه الجرائم مذبحة مدرسة كولومباين في ولاية كولورادو
عام 1999. طالبان فتحا نيران الرشاشات على زملائهما في المدرسة.
ومن قبل مذبحة مماثلة في مدرسة بلدة جونزبورو. لكن القتل الجماعي
في اميركا لا يقتصر على المدارس والجامعات. في وكالة الفضاء الأميركية
(مركز جونسون الفضائي في ولاية تكساس) قتل موظف رئيسه ثم قتل نفسه
وهربت امرأة كان اخذها رهينة. والسبب هو ان رئيسه اعطاه تقديرا ضعيفا
في اداء عمله. في عام 2006 دخلت موظفة سابقة الى مكتب بريد في ولاية
كاليفورنيا وقتلت ستة من زملائها السابقين لأن مكتب البريد كان قد
طردها من العمل بسبب تدهور قواها العقلية. وهذا الأب من ولاية تكساس
ايضا الذي قتل اطفاله الخمسة اثناء نومهم ثم قتل نفسه. وهذه الأم
التي اغرقت اطفالها الثلاثة في النهر، ثم وجدت المحكمة انها مختلة
عقليا.
الى اليوم تقع جرائم القتل الجماعي في بيوت اميركا. ولكن القتل الجماعي
في الأماكن العامة مثل المدارس والجامعات وأماكن العمل آخذ في الازدياد
بصورة منذرة. وفي كل مرة تقع فيها مثل هذه الجرائم يشتعل الجدل في
اميركا حول الأسباب. سهولة الحصول على السلاح؟ تدهور القيم الأخلاقية؟
انهيار التماسك الأسري ؟ انعدام المساواة الاقتصادية؟ غياب الحس
بالوحدة الاجتماعية؟ انتشار مشاهد العنف في السينما والتليفزيون؟.
الخبراء يشيرون الى ان اكثر جرائم القتل الجماعي في اميركا وقعت
في الـ25 عاما الماضية، مما يدلل على ان وجود صلة بالحياة العصرية
في اميركا. ويلاحظون ايضا ان معظم هذه الجرائم وقع، ليس في المدن
الكبرى، بل في مناطق وولايات ريفية. ليست من بين هذه الجرائم جريمة
وقعت في نيويورك او لوس انجلوس او شيكاغو، حيث معدلات الجريمة العادية
مرتفعة عنها في المناطق الريفية. والعنف اصبح من وسائل التسلية والترفيه
في اميركا. انظر الى الأفلام والتليفزيون.
القاتل في جريمة جامعة فرجينيا الاسبوع الماضي اشترى المسدسين عن
طريق الانترنت. بهذه السهولة يمكن للناس الحصول على السلاح في اميركا.
القاتل ترك اشرطة فيديو ورسائل يشكو فيها من الطلبة الأغنياء. هناك
نقص كبير في الأمن الاقتصادي في اميركا وفي المساواة الاقتصادية.
والقاتل كان وحيدا بعيدا عن اسرته وبدون اصدقاء. وجد صعوبة في التأقلم
مع المجتمع. أنا وملايين غيري من الأميركيين لا نعرف جيراننا ولا
نتحدث اليهم. من بين عشرة جيران حولي لم اتحدث، ولم يتحدث اليه الا
الجيران عن يساري. اميركا تعاني من نمو كبير في الوحدة والعزلة.
اطنان من الحزن والأسئلة في اميركا.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

التلاعب الإسرائيلي
لا ادري كيف أهمل الإعلام العربي حقيقة أن
حكومة ايهود اولمرت لا تريد أن تحل قضية الجندي الإسرائيلي جلعاد
شاليت على وفق ما تم عرضه مصرياً حتى الآن في إطار تبادل الأسرى
الذي تم الاتفاق عليه، وفي الطريقة نفسها مارست الحكومة الإسرائيلية
تلاعباً آخر حول الجنديين الإسرائيليين الاثنين الأسيرين لدى حزب
الله.
إن الإسرائيليين يريدون الإفادة من هذين الموضوعين إلى أقصى حد ممكن،
ليس في اعتبار الحرص على حياتهم ضمن ما يدعون، وإنما في اعتبار الإفادة
الجانبية منهما بما يكرس المنهج الابتزازي الذي لا يضع في حسابه
الاعتبارات الإنسانية، إذ لو كان الأمر كما يدعون لتم وضع حل للقضيتين
منذ عدة أشهر، وإذا دققنا في الأمر أكثر فإننا نستطيع أن نتبين كيف
تريد حكومة ايهود اولمرت المتاجرة بهم من خلال الإيهام أنها تستطيع
ان تخوض العديد من المساجلات من أجل استرجاعهم.
لقد حصل ذلك في العدوان البغيض الذي تعرض له لبنان صيف العام الماضي،
كما تكرر ذلك في الهجمات والمداهمات الواسعة التي قامت بها القوات
الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة بالذريعة نفسها.
ولعل أكثر ما يعزز هذا التشخيص، أن عدة دول عرضت وساطتها بين حكومة
اولمرت وحزب الله وبينها وبين الفصائل الفلسطينية ولم يأت الرفض،
لا من اللبنانيين، ولا من الفلسطينيين، بل جاء من الحكومة الإسرائيلية
نفسها لأنها أدركت أنها حين تودع هذه القضيتين لوسيط دولي فإن هذا
ربما يورطها في مواقف لا يمكن أن تتستر عليها مما قد يؤدي إلى انكشاف
أمرها أكثر.
من جهة أخرى فإن الإسرائيليين يريدون أيضاً من موضوع الجنود الثلاثة
الإفادة إلى أقصى حد ممكن في محاولة ابتزاز المواقف الفلسطينية واللبنانية،
بالتشويش المعلوماتي المزور وبالتالي سحب الأنظار عن المطلبين اللبناني
والفلسطيني اللذين لم يتضمنا سوى حق مشروع لمعتقلين مضى على اعتقالهم
سنوات طويلة ومن ذلك ما حصل للبناني سمير قنطار الذي مضى أكثر من
(27) عاما في السجون الإسرائيلية، وهناك معتقلون فلسطينيون مضت عليهم
المدة نفسها أو أكثر، وطبقاً لحيثيات القانون الدولي فإن إبقاء هؤلاء
المعتقلين في السجون الإسرائيلية يمثل انتهاكاً صارخاً لكل الاتفاقيات
الدولية الخاصة بموضوع الأسرى والمعتقلين ومنها اتفاقيات جنيف لعام
1949، بينما لم يمض على اسر واعتقال الجنود الإسرائيليين الثلاثة
سوى عدة أشهر والفرق شاسعاً حقاً بين ضرورة قضيتهم الطازجة وقضايا
المعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين التي لا يمكن السكوت عليها، لو
كان هناك منطق دولي متوازن واحتكام قانوني شفاف.
وللإسرائيليين هدف آخر في التلاعب بهاتين القضيتين من خلال زج المنطقة
والمجتمع الدولي بها للتغطية على قضايا أخرى لا يريد الإسرائيليون
أن يضعها المجتمع الدولي نصب أعينه، وبذلك يكون الإسرائيليون قد
حققوا هدف تغيير الموضوع لصالح قضية جزئية على حساب قضايا السلام
العادل والكامل الذي يضع حد للاستهتار الإسرائيلي بالحقوق العربية.
وليس بعيداً عن ذلك أيضاً أن الإسرائيليين يسعون بصورة أو بأخرى
إلى تكريس الإحباط في الواقعين اللبناني والفلسطيني بهدر المزيد
من الوقت منعاً من تسليط الضوء على واقع معاناة الفلسطينيين واللبنانيين
الأخرى، مع العلم أن هناك بحدود (10000) فلسطيني معتقل في السجون
الإسرائيلية وبعض هذه السجون لا تصلها الشمس ولا أي مراجع إلا المعنيين
بالأمن الإسرائيلي، ولنا ان نتصور كم هو حجم الإحباط الذي يأكل من
استقرار وأمال (10000) عائلة فلسطينية، فضلاً عن مخلفات العدوان
الإسرائيلي على لبنان.
بل يمكن الإضافة إلى ذلك صورة الاستهانة الإسرائيلية بكل المعايير
السياسية والأخلاقية بإدمانها المتعمد في عدم فك أسر رئيس المجلس
التشريعي عزيز الرويك وزملائه المحصنين بكونهم منتخبين من الشعب
الفلسطيني في حين أن جلعاد شاليت عسكري مهمته القتل.
إن الحاجة باتت ملحة فعلاً لأن يتعامل الإعلام العربي والأجنبي مع
هذا الموضوع خارج دائرة التبسيط المطروح في كون القضية قضية إنسانية،
والتركيز على ضرورة تعرية الأهداف الإسرائيلية في اعتماد مفردات
القضية وسيلة للتصعيد العسكري بين فترة وأخرى، ولا نستبعد أيضاً
أن تكون القضية على رأس قائمة الطروحات الإسرائيلية عندما يتم أي
لقاء معهم لمناقشة المبادرة العربية.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى

عالمان لا يلتقيان
عالمان لم يلتقيا، عالم أرسى أسسه في تدمير
حضارات عريقة بالحروب والإبادة والتطهير العرقي، كحضارة المايا والإنكا
والأزتيك والأبورجينز ، وعالم آخر آمن بالشرائع السماوية فاحترم
الطبيعة، وصان أرواح البشر، فأقام الصلوات حين أصابته المحن، ودافع
عن حريته وكرامته مبتعداً عن البغي والعدوان. عالم قام على قوّة
السلاح والعنصرية، وقتل وهجّر السكان الأصليين، الذين هم نتاج حضارات
متعاقبة لآلاف السنين، وأسدى عليهم صفة البدائية والتخلف، بينما
كانوا ينتجون أرقى الفنون، ويلتزمون بأكرم القيم. عالم اغتال الإنسان،
ودنّس الحضارة ، ولوث الطبيعة من أجل الذهب والنفط والمال، وعالم
آخر اغتنى بالإيمان وحاول العيش بسلام. ولفترة ما، وكي يضع يده على
مصادر الطاقة تلبس عالم القوة والحروب لبوس الحريّة والأخلاق والاهتمام
بالإنسان وحقوقه وحريته، ولكن هذه اللعبة ما لبثت أن انكشفت حين
أغمض هذا العالم عينيه، وأدار ظهره لمعاناة ملايين البشر في البلدان،
التي وطأتها جيوشهم المتعطشة للدمار، ولم يعد اليوم حديثه عن كرامة
الإنسان وحقوقه تعني شيئاً لأي عاقل.
وقد بدا مثال هذا الانقسام في العالمين في غاية الوضوح، حين ضرب
جنون العنف جامعة أميركية، كما ضرب من قبل جامعات عراقية. ومدن في
الجزائر والمغرب، وإذ بضحايا العنف في العالم العربي هم ضحايا الإرهاب،
بينما ضحايا عنف مماثل وانتحاري في الولايات المتحدة هم ضحايا "طالب
مضطرب" أو "قاتل مختل"، وإذا النتيجة "حادث
عنف"، وليست "عملية إرهابية"، وإذ العمل "قتل
وجنون"، وليس "إرهاباً". التسمية والتوصيف إذاً يعتمدان
على هوية القاتل ، وأحياناً على هوية الضحية. فإذا كان القاتل عربياً
أو مسلماً، حتى وإن كان "مضطرباً"، أو "مختلاً"،
والقتلة غالباً كذلك، فهو يعبّر عن صفات دفينة مردّها انتماؤه أو
دينه الإسلامي. وقد انبرى رئيس الجامعة المنكوبة في فيرجينيا ليقول
"إنه يكره من يسّيس مأساة كهذه"، وهذا صحيح ولكنه لم يتساءل
يوماً لماذا تمّ تسييس كلّ حادث قتل ضدّ العرب والمسلمين جميعاً،
بحيث انتهى هذا التسييس بشنّ حرب مدمرّة على بلد عربي، أثبتت استخبارات
البنتاغون ألا علاقة له بالقاعدة او بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وكلّ ما نقرأه اليوم ، ونراه ونسمعه يؤكد سعي عالم القوة والحروب
إلى تدمير العالم الآخر، الذي وجده مؤخراً في الإسلام وأمته، فحقوق
الأطفال مقدسة ومصانة، ويتغنى بها الجميع، إلا إذا كانوا أطفالاً
فلسطينيين، بحيث يبدو طبيعياً ان تصرّح موفدة الأمم المتحدة لشؤون
الأطفال والنزاعات المسلحة راديكا كوماراسوامي في القدس بأن "كلّ
الأطفال الذين التقتهم تقريباً (في الأراضي الفلسطينية) تعرضوا للاعتقال،
او قابلوا شخصاً تعرّض للاعتقال أو اعتقل شقيقه" ، وأن 398
طفلاً فلسطينياً تتراوح أعمارهم بين 12 سنة وما فوق، معتقلون حالياً
في السجون الإسرائيلية من بين نحو أحد عشر ألف أسير فلسطيني، يرزحون
حالياً في السجون الإسرائيلية، ومع ذلك، فشلت في إدانة أو استنكار
ممارسات الاستعمار الإسرائيلي البغيض، الذي يرتكب هذه الجرائم بحق
الأطفال، لا لشيء، إلا لأنه الاستعمار الاستيطاني الأبيض، الذي ينتمي
لعالم القوة والحروب، القائم على تصفية وتهجير السكان الأصليين،
ووضع المستوطنات والمستعمرات مكانها. ولم تذكر الصحف الدولية انتهاك
حق المواطن الفلسطيني، عضو الكنيست في إسرائيل، في الحملات التي
شنتها قوى الاحتلال ضدّه، لأنه يرفع صوته ضدّ الاحتلال، وينادي بالعدالة
والمساواة والديمقراطية الحقيقية. وفي غمرة تهجير أربعة ملايين عراقي،
وإهمال ذكر معاناتهم، أو معالجة وضعهم في أحاديث السادة المستعمرين،
يسيل لعاب أطماعهم على خبر يقول إن احتياط العراق من النفط يبلغ
ضعف ما كان مقدراً من قبل، وبعد اتفاق السودان مع الأمم المتحدة،
والاتحاد الإفريقي على معالجة وضع دارفور، ينبري الطامعون في ثروات
ونفط دارفور بالتهديد والوعيد، لأن الحلول يجب ان تتضمن وضع أيديهم
على ثروات تلك المنطقة الغنيّة، وحرمان أهلها منها، كما حدث في جميع
بلدان افريقيا التي يزداد شعبها فقراً، رغم الثروات الهائلة التي
يسلبها المستعمرون المتحضرون منذ قرون منها.
لا غرابة إذاً، ان هذه الحملات الاستعمارية الاستيطانية المتجددة
منذ قرون الطامعة بثروات وخيرات بلداننا، قد ترافقت مع حملات إعلامية
وسياسية عنصرية ضدّ العرب والمسلمين، وضدّ السكان غير البيض في الولايات
المتحدة واوروبا، والأنباء هذه الأيام تتعاظم عن مثل هذه الأحداث
في لندن، ونيويورك، وألمانيا، لأن الحملة التي ادعت "الحرب
على الإرهاب"، هي حملة إمبريالية جديدة، تلبس لبوساً جديداً
لمضمون قديم همّه استعمار الشعوب، ونهب ثرواتها. الجديد في الأمر
هو ان هذه القوى المستعمرة أخذت تدّعي، هذه المرّة، "نشر الديمقراطية"
، مع أنها حليفة أنظمة مفضوحة بالاستبداد والفساد. سقطت أقنعة عالم
القوة والعدوان جميعها اليوم، وحتى استخدامهم لقوى محلية لمساعدتهم
، فهو أسلوب قديم جديد، لأن الصراع لم يكن يوماً نقياً بين السود
والبيض في جنوب أفريقيا مثلاً، حيث استخدم النظام العنصري الأبيض
بعض السود كرأس حربة ضدّ إخوانهم السود، ولكن هذا لم يمنع شعب نلسون
مانديلا ورفاقه من الصمود في نضالهم إلى ان انتصروا على الظلم والعنصرية.
اليوم انكشفت لعبة "الديمقراطية والحرية" القادمة من الغرب
"لتحرّر شعوب المنطقة" حتى إن من كان يتشدق بها في واشنطن
تخلّى عنها، وعاد ليبتكر أقنعة جديدة لممارسة عدوانه وغرائزه التدميرية،
وأصبح نفط العراق ودارفور، وتعزيز الكيان الصهيوني، وقدراته العسكرية،
وتجريد الآخرين من السلاح أهدافاً واضحة لكلّ ما يجري في منطقتنا.
وقد بدا الكثيرون في الغرب يرون حقيقة أنظمتهم، وإن لم تشكلّ هذه
الظاهرة بعد تحوّلاً جذرياً في الرأي العام الغربي، ففي الولايات
المتحدة، ينقسم الأميركيون حول العراق، ولكنهم لا يختلفون كثيراً
حول حقّ إسرائيل بسجن الشعب الفلسطيني وقتل أطفاله، وقطع مصادر رزقه،
وسلبه حقوقه وهويته. في المقابل لا ينتظر الشعب الفلسطيني هؤلاء
ليؤكدوا حقوقه. ففي غمرة السجن والاحتلال والحواجز والتدمير، ينشغل
الفلسطينيون بشعرهم ولغتهم، فيصدح شعراؤهم في أرجاء الأمة، وتعمل
باحثات فلسطينيات بقيادة الدكتورة فيحاء عبد الهادي على لملمة الذاكرة
الفلسطينية، وتدوينها في كتب جميلة وقيمة، وتنتقل بين رام الله والقاهرة
ودمشق وبيروت، لتروي للنساء العربيات قصص الجدّات الفلسطينيات. كما
يؤسس مناضلون عرب في لبنان وفلسطين والعراق والسودان والمغرب لرؤى
قومية تربط البقاء بالنضال ضدّ الاستيطان والاستعمار والاحتلال والإذلال.
في عالم الاحتلال والعدوان، كلّ الجرائم مباحة للمحتلين المدججين
بالسلاح، والحقد، والكراهية، يسلحون مليشياتهم، ويمنعون على من يحتلون
أرضه ودياره السلاح والمقاومة، كان هذا مبرراً بحجة محاربة الإرهاب،
أما اليوم وقد اكتشف العالم ان الحرب على الإرهاب هي حرب استعمارية،
لوضع يد بضع شركات متحالفة مع سكان البيت الأبيض على مصادر الطاقة،
وتضخيم جمهورية الخوف لتمتد رقعتها إلى كلّ مكان، فيقبل الناس على
إنفاق مئات المليارات على السلاح لقتل أولادهم في حروب مجنونة، لا
طائل من ورائها سوى تكديس ثروات بيد من أبادوا حضارات من أجل كنز
الذهب، وأخلّوا بتوازن الطبيعة من أجل النفط. إن الصراع بين العالمين
اليوم لم يعد صراعاً جغرافياً، فهناك في عالم المقهورين من يحابي
قوى العدوان والاحتلال، وهناك في عالم القوة والغطرسة ضمائر تتحسس
ظلم ما يجري وترفع صوتها ضدّه بالقول والقلم، والأمثلة أكثر من ان
تحصى، وما كتاب إيلان بابه "التطهير العرقي في فلسطين"،
والذي يتحدث عن تدمير القرى والمدن والمجازر والتهجير، إلا أحد الأعمال
النبيلة التي تحاول وضع الحق في نصابه الصحيح.
عالم السلاح والمال والاستيطان والاحتلال، والسجون السرّية والتعذيب،
والمكائد المخابراتية، يتوهم النصر على عالم الحضارة والروح والحق
والعدالة السماوية والعقيدة السامية، وذلك لأنه يحسب كسبه من المال،
بالأرقام المتضخمة يوماً بيوم ، أما الشعوب المتمسّكة بالأرض والحضارة
والعدالة فتؤمن أنّ الأمور تقاس بنهاياتها. ولا شك ان الظلم بلغ
أشدّه، على أمتنا اليوم، وان المعاناة الإنسانية في العراق وفلسطين
والسودان والصومال، وصلت مستوى الكارثة، وأن التهديدات والمخاطر
التي تطال بلداناً عربية أخرى لا تطاق ولكن القادمين من عالم التوحش
الاستيطاني، المتفاخرين بجرائمهم، لا يرون الشعوب، بل يرون الخيرات
التي يرغبون بسلبها، أو لم تنفذ مناجم الذهب في إفريقيا والسكان
الأصليون المحيطون بها، والعاملون على استخراجها باقون على فقرهم؟
لم تعد مسألة الاحتلال والاستيطان خطيرة على العرب وحدهم اليوم،
بل على قابلية هذا الكون بالاستمرار على ما هو عليه من ظلم، وعنف،
وحروب، ودمار. وكما أحدثوا خللاً جسيماً في المناخ والطبيعة، يحدث
المستعمرون اليوم خللاً خطيراً في القيم الإنسانية، وهوية الشعوب،
ومصير الحضارات. عالمان لا يلتقيان، عالم يزرع الفتن والموت، ويرفع
أسوار الكراهية والحقد، وعالم آخر يؤمن بالحريّة والكرامة، ويكافح
من أجلهما.
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى

الجاسوسية في القرن الواحد والعشرين
لا تعنيني كثيرا تفاصيل الاتهام للمهندس المصري
بالجاسوسية، وما إذا كان مهندسا نوويا بالفعل أم هاويا يبحث عن فرصة
عمل، فذلك كله الآن في يد القضاء ، ما يعنيني مناقشته كقضية عامة
هو نوع الأداة التي قيل انه استخدمها، وهي بالحرف الواحد كما نشرت
تقول (دس برنامج حاسب آلي على أجهزة الحاسب الخاصة بهيئة المواد
النووية، يتيح للاستخبارات الإسرائيلية الاطلاع على المعلومات الخاصة
بنشاط الهيئة)!!. وفي خبر آخر تناقلته الصحف سابقا أن رسالة تليفونية
عن طريق الهاتف النقال انتشرت في المملكة العربية السعودية قبل أسبوع
تحذر من استهلاك نوع من البطيخ، بسبب تلوثه "بالايدز"!!
وسبقتها رسالة عن تلوث الطحينة، وهو إجراء يدخل في ملف التخريب الاقتصادي.
والمطلعون بشكل جزئي يعرفون اليوم أن أي بطاقة عادية من تلك التي
تفتح أبواب حجر الفنادق المنتشرة تحمل في شريطها الأسود الخلفي معلومات
تفصيلية عن الساكن، ليس فقط رقم بطاقته الائتمانية، بل معلومات تفصيلية
عن جواز سفره وتاريخ ميلاده وعدد أولاده وبناته، وعندما تقع تلك
البطاقة في أيدي غير صديقة تصبح كل تلك المعلومات متاحة. انه عصر
التقنية المعلوماتية فائقة السرعة وسريعة التطور، في مثل هذا العصر
ماذا تعني "الجاسوسية"!!
تحتفظ إدارة الهجرة في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول الكبيرة
بمعلومات تفصيلية تقريبا عن أي شخص في العالم، تكون قد حصلت عليها
بطرق مختلفة منها تقديم طلبات الزيارة أو حتى الدخول إلى الحواسيب
المركزية المختلفة في عدد من الدول التي تحتفظ بمعلومات عن المواطنين،
ونقل تلك المعلومات بالتراضي أو ربما بالقرصنة. لم يعد احد في هذا
العالم يمكنه أن يمتلك معلومات يدعي أنها سرية، متى ما خرجت من عقله
وأصبحت مسجلة على حاسوب فهي مشاعة نظريا، يستطيع أي جهاز أو شخص
أو مؤسسة مهتمة ولديها القدرة التقنية ان تحصل على تلك المعلومات
في لمحة بصر.
ما نشاهده في بعض الأفلام التي نعتقد أنها من صنع الخيال، حيث يعالج
احدهم الحاسوب النقال فتخرج له معلومات عن شخص يبحث عنه وبتفاصيله
الدقيقة مرفقة بصورة حديثة، لم تعد مجرد خيال، إنها هناك بالفعل
متوفرة لمن يطلبها. وأي طالب مجد اليوم يستطيع أن يتعرف على الشارع
ورقم المنزل الذي يعيش فيه أي شخص يحتاج إلى معرفته، بمجرد أن يعرف
رقم تليفونه. ولم يكن هناك شخص في دارفور كي يصور طائرات سودانية
مموهة بعلامات الأمم المتحدة، لقد تم تصوريها عن بعد من الفضاء .
هكذا أصبح العالم.
في الحقيقة أن ما نعرفه من معلومات هو جزء صغير من ما تعرفه الأجهزة
المختصة، حيث أصبح العالم كله يدور على رقم تليفون أو بصمة إصبع.
في نهاية الشهر الأول من العام الماضي بثت محطة تلفزيونية روسية
شريطا تم تصوريه بكاميرا خفية لدبلوماسي بريطاني ينقب في الأحراش،
تبين حال القبض عليه أن ما التقطه قرصا رقميا صلبا يحوي معلومات
استخبارية كما قالت السلطات الروسية، إلا انه في نهاية المطاف ظهر
أن الدبلوماسي البريطاني كان يتعامل مع منظمات في المجتمع المدني
الروسي من اجل تعظيم فرص الديمقراطية!! مما حدا بالحكومة الروسية
بعد ذلك أن تحرم الاتصال بين جماعات المجتمع المدني وقبول التمويل
من الخارج، وهو أمر كان قد تقرر في بعض البلاد العربية، ودارت محاكمات
واتهامات في علاقة البحوث الممولة من الخارج و "الجاسوسية"
بمعناها التقليدي.
إن برنامج صغير يدخل في أي جهاز حاسوب، أكان شخصيا أو تابعا لمؤسسة
أو إدارة حكومية، يستطيع أن ينقل كل ما يحتويه ذلك الحاسوب إلى مكان
آخر بعيد أو قريب!!
في مذبحة فرجينيا الطلابية الأخيرة التي راح ضحيتها عدد كبير من
الطلاب، معظم المعلومات التي توفرت عن القاتل جاءت من حاسوبه الشخصي.
الدول على اختلافها الآن تسن تشريعات تجبر الشركات الالكترونية الخادمة
للبريد الالكتروني ، ومعظمها أميركية، أن تخزن هذا البريد بين الأفراد
أو المؤسسات للعودة إليه عند الحاجة، فالحاسوب والهاتف النقال وكثير
من وسائل الاتصال الحديثة هي بمثابة "جاسوس مصاحب" للشخص
من المهد إلى اللحد.
بل أصبح للانترنت مفعول مرتد، فتحصل على المعلومات الكثيرة المتوفرة
بعض القوى التي تستخدمها لمصالحها، ومرة قال السيد حسن نصر الله
زعيم حزب الله في لبنان إننا نحصل على المعلومات في تصنيع بعض الأسلحة
والمتفجرات من الانترنت!! وهو قول صحيح بالنسبة لعدد كبير من المنظمات
حول العالم. فقد دارت عجلة الزمن لتغير ما يميز الاتصالات المعولمة
من تفوق غربي بحت إلى مشاركة من العالم البالي أو العالم الثالث،
وقد تكون المشاركة سلبية، ولكنها مشاركة. فما أريد به سيطرة يستخدم
أيضا للانعتاق.
السرعة في تطور وسائل الاتصال أصبحت معرفة للجميع اليوم ، فمنذ سبع
عشرة سنة فقط عندما بدأت محطة السي إن إن الأميركية بث تلفزيوني
أصبح يعرف بالبث المعلوم وقد امتلأت اليوم فضاء العالم بآلاف المحطات
التلفزيونية المعولمة في سباق للسيطرة الثقافية والاقتصادية، وبدا
وكأن هناك إعادة تركيب للرأسمالية وتوليد مصادر ربح جديدة،وأصبح
الاتصال صناعة تضاهي ما لعبته صناعة الفحم أو الحديد أو حتى النفط
في السنوات الأخيرة. بل أصبح للعالم جهاز عصبي مركزه هناك في الغرب
وتتحرك الكثير من رغباتنا على وقع شهواته.
أمام هذه التطورات الهائلة نحن أمام تصدعات في المفاهيم القديمة
ومنها مفهوم (الجاسوسية) التي لم تعد تناسب العصر ولا الذهن المعولم
، فلم تعد هناك أسرار يمكن إخفاؤها أو التبليغ عنها ونحن نسمع أو
نرى الحدث تقريبا في وقت وقوعه،وتتوقع لنا التقارير الجوية متى سوف
تصل الزوابع، ونستطيع التعرف على الناس من أناملهم!! بل ان بعض الأحداث
السياسية والعسكرية تم التنبؤ بها قبل أن تحدث منها كما نعلم اغتيال
المرحوم انور السادات ونشوب الحرب العراقية الإيرانية.
فماذا تعني الجاسوسية في عالم اليوم غير القول للعامة أن الدولة
لها عيون مفتوحة وآذان تسمع خلف الجدران بقصد إشاعة الرهبة من "الأخ
الأكبر" أما المعلومة فإنها بسبب وسائل الاتصال الحديثة، متوفرة
في العصر الذي يلهث خلفه الإنسان.
د.محمد الرميحي
كاتب وباحث أكاديمي كويتي
أعلى
بين (التسويق) و(الترويج)!
وزراء خارجية ثلاث عشرة دولة عربية اجتمعوا
في القاهرة وذلك لدراسة ســـبل (تفعيل) المبادرة العربية للسلام
مع دولة الاحتلال، واوكلوا مهمة الاتصال بالدولة اليهودية الى الاردن
ومصر، دون اغفال الدور السعودي، كون المملكة العربية السعودية المبادرة
الى اقتراح المبادرة العربية للسلام منذ قمة بيروت العربية. كما
تشكلت لجان للاتصال بالامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والرباعية
الدولية بهدف تسويق المبادرة العربية او (الترويج لها). واعلنت الامانة
العامة لجامعة الدول العربية ان المبادرة اقرت كما هي دون تعديل.
بل ان الامين العام للجامعة اوضع ان المبادرة لا تقبل التعديل فاما
ان تقبل كما هي واما ان ترفض كما هي.
في اللغة التجارية هناك من يرى وجود فروق بين (التسويق) و(الترويج)
اذ ان التسويق يشمل الدعاية والاعلان وتبيان المزايا التي تتمتع
بها البضاعة .. الى آخر ما في القائمة من مفردات، لكن (الترويج)
يعني تقديم (عروض خاصة) تتضمن مغريات تدفع المشتري الى الاقتناء،
وليس الى المغامرة. والعروض الخاصة عادة ما تكون على شكل (حزمة)
تتضمن اكثر من (بضاعة بعينها)، وتكون الاسعار منافسة .. مما يجعل
المشتري يقبل على ابتياع البضاعة المعروضة وهو مقتنع ان ذلك افضل
فلو اشترى البضاعة (مفرقة) لكانت (اغلى ).
هل ان المبادرة العربية معروضة للتسويق ام هي في (عرض خاص؟) ولمدة
محددة؟ ام ان هناك امكانية للأخذ والعطاء؟ وهل انها يمكن ان تسوق(بالمفرد)
اذا كان شرط الشاري او المتبضع ان يختار منها ما يراه مناسبا ويترك
ما لا يراه في صالحه؟ وما العمل اذا كان المقصود طرفا واحدا محددا
وهو يصر على (الاختيار)؟ اي ان المبادرة العربية معروضة للدولة المحتلة
وهي صاحبة الخيار وهي تضع اشتراطات ومواصفات لما يمكن لها ان تقبل
به، فمثلا ترفض دولة الاحتلال مبدأ(حق العودة والتعويض) ، كما انها
ترفض العودة الى حدود الرابع من يونيو لعام 1967، وترفض منح الفلسطينيين
القدس لتكون عاصمة دولتهم المأمولة، وترفض حتى الآن التخلي عن جدار
الفصل العنصري، وتصر على البدء العملي بالتطبيع مع العرب جميعهم
قبل ان تبحث في (ابتياع المبادرة) او حتى التباحث حولها.
للصهاينة خطوطهم الحمر لكن للفلسطينيين خطوطهم الحمر ايضا. والفلسطينيون
قبلوا المبادرة على اساس انها كل لا يتجزأ وهي الحد الادني النهائي
الذي يرضون به، اي ليس ثمة من قبول فلسطيني بالتنازل عن اي شيء آخر،
السعر النهائي هو المعروض، ولا مجال للمساومة، كما ان المعروض (سلعة)
واحدة - حزمة واحدة، فاما القبول بها كما هي واما رفضها كما هي.
فما العمل ازاء وجود (الخطوط الحمر) لدى الطرفين المعنيين؟ وهل ان
الطرف الصهيوني معني فعلا بالمبادرة ام هو يريدها مجرد جسر للوصول
الى (التطبيع) مع العرب جميعهم دون ان يشتري البضاعة او حتى دون
ان يتفحصها ويعلن استعداده للقبول بها ككل لا يتجزأ ومن دون انتقائية؟
الواضح تماما ان الطرف الصهيوني غير معنى بالحقوق المشروعة للشعب
الفلسطيني، وانه مستعد للمماطلة لسنوات او لعقود دون ان يشترى البضاعة.
والواضح ان موسم التنزيلات العربية او الفلسطينية قد وصل الى نهايته،
وليس مطروحا القبول بمزيد من (التنزيلات) ، واذا ما حدث فإن الطرف
الفلسطيني سيرفض الصيغة نهائيا ويعود الى (المقاومة) ولن يكتفي بالممانعة
فقط . وعلى العرب ادراك حقيقة ان الطرف المقابل يمتنع دائما عن (الدفع)
ليس فقط كونه بخيلا بل لاقتناعه بأن ممانعته ستؤدي الى نتيجة والنتيجة
التي يتوقعها هي المزيد من (التسهيلات) في الاسعار وفي (الدفع)،
وتجاربه الطويله والعديدة مع العرب اكدت له انه على صواب فالمسألة
خاضعة دائما للمساومة والمماطلة والتسويف وهو لن يخسر شيئا عبر ممارسة
هوايته في المماطلة والتسويف واضاعة الوقت على الطرف الآخر فالوقت
لعب دائما لصالحه وبالضد من مصالح الطرف او الاطراف الاخرى العربية
والفلسطينية.
هل يملك العرب من الحزم ومن التصميم ما يعرضونه على الطرف الآخر
و التلويح بوجود البديل الذي يخشاه الاحتلال؟ ام انهم لا يملكون
وليست لديهم الرغبة في امتلاك البديل؟ الا يدركون ان امامهم عدوا
يطمع دائما بمزيد من التنازلات، ولا يكتفي مهما قدموا له من عروض
ومن مغريات ومن اعلانات ودعايات؟ انه يصور لهم دائما ان بضاعتهم
(ستبور) ولن تجد من يشتريها ما دام هو الطرف المعني الوحيد بها وما
دام لا يرى ان للعرب خيارات اخرى قد تكون مؤلمة له ومدمرة لمطامعه
واحلامه المريضة؟
نواف ابو الهيجاء
كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
أعلى
حول مأساة مذبحة فيرجينيا
بعد خمسة أيام من مذبحة جامعة فيرجينيا الأميركية
, ينتاب الحزن والأسى أصدقاء وعائلات ضحايا المذبحة - وبالرغم من
تسليط الأضواء من قبل وسائل الإعلام على الحدث , إلا أن ألم أصدقاء
وأقارب الضحايا ما زال ألما خاصا بهم هم وحدهم . فالألم يتعلق بهم
هم , وليس بسائر الناس منا.
ولكنكم بالتأكيد لن تعرفوا ذلك من الطريقة التي نتحدث بها عن المأساة
.
ففي أميركا الحديثة, هناك دائما كثير من الصدمات حولنا . ولو لم
تكونوا تعرفون أحدا معنيا في عملية إطلاق النيران , ولم تكونوا في
فيرجينيا قط , فليس هناك حاجة لكم أن تشعروا بأنكم معنيون بالمعرفة
عن الأمر .
هل شعرتم بالحزن عندما سمعتم الخبر ؟ وهل فكرتم وتأملتم - ولو بسرعة
- لغز الموت الجماعي؟ إذا كان ذلك كذلك, لا تمضوا فحسب في حياتكم
العادية كما لو أن شيئا لم يحدث ليعكر صفوها (حتى لو لم يكن هناك
شيء حدث ليعكرها) . احترموا أحزانكم, احضروا مراسم تأبين بأضواء
الشموع, ضعوا رسالة مؤثرة مثيرة للمشاعر على الصفحات التذكارية أو
دفاتر جامعة فيرجينيا وانشدوا من فضلكم استشارة طبية للعلاج من الصدمة
بأسرع ما يمكن.
إن إقناع أنفسنا بأننا قد صدمنا شعورا بالآخرين أو لتألم الغرباء
قد أصبحت تسلية أو سلوى سائدة في أميركا. فقد أرفقت صحيفة "واشنطن
بوست" هذا الأسبوع قصصا على الإنترنت عن عملية إطلاق النيران
مع خانة جانبية يمكن الضغط أو النقر عليها بعنوان "أين تجدون
الدعم" - على فرضية أن مجرد خبرة النظر في المقالات عن المأساة
ستكون محطمة عاطفيا وانفعاليا بمكان لدرجة أن القراء سينشدون معالجين
مدربين.
وفي جامعة بافالو, والتي تبعد أكثر من 500 ميل عن جامعة فيرجينيا,
أعلن مستشارو الجامعة عن أنهم كانوا "يتواصلون مع الطلاب الذين
شعروا أنهم متأثرون من المأساة" . وفي دالاس, اندفع واعظو وقسيسو
المنطقة (بدون دعوة) إلى جامعة بلاكسبيرغ بفيرجينيا ليكونوا جزءا
في العملية العلاجية". وفي واشنطن , قامت مؤسسة قانونية بإرسال
قائمة عبر رسائل البريد الإلكتروني بـ"موارد لمواكبة الأحداث
الصادمة" إلى المحامين .
هناك شيء خادع بشأن هذا الشغف بالتواصل مع أحزان الآخرين واعتناق
فكرة أننا, أيضا, قد صرنا ضحية. هذا يتفه (يجعله تافها) الألم الذي
شعر به أولئك الذين فقدوا فعلا شيئا ويضفي طابعا مرضيا على ردود
الأفعال الطبيعية. إن الاعتناق أو التقمص العاطفي جيد, ولكن الشعور
بأننا مصدومون ومحزونون من جراء عملية إطلاق النيران لا يجعلنا مصابين
بصدمة أو أزمة خاصة, فهذه المشاعر تجعلنا طبيعيين.
كما أن قناعتنا المغرقة في الذاتية بأننا كلنا قد صدمنا وتأذينا
تعمل أيضا - بسخرية - على غلق وحجب الاعتناق أو التقمص العاطفي عن
الآخرين من الضحايا الذين لم يحظوا بتغطية كبيرة من وسائل الإعلام
. ففي يوم عملية إطلاق النيران في جامعة فيرجينيا - على سبيل المثال
- مات الرقيب بالجيش الأميركي ماريو دي ليون من سان فرانسيسكو (مثلما
مات ضحايا جامعة فيرجينيا) جراء " جروح نجمت عن نيران معادية
بأسلحة صغيرة) . وفي يوم الأربعاء الماضي, قتلت السيارات المفخخة
172 شخصا على الأقل في بغداد. ولكن لم يقم أحد بوضع صفحة خاصة على
الإنترنت أو يقوم بمراسم تأبينية لأولئك القتلى.
إن إصرارنا الجمعي على أننا كلنا نتشارك في صدمة جامعة فيرجينيا
هو شكل من أشكال معاداة ومناوئة السياسة, وهو يعمينا عن الفروق بين
الأنواع والدرجات المختلفة من المعاناة .
وفي يوم الأربعاء الماضي, كانت صحيفة " يو إس أيه توداي "
قلقة بشأن تأثيرات " الصدمة التي شهدها هذا الجيل من الشباب
.. مثل تفجير مدينة أوكلاهوما .. وهجمات 11 سبتمبر .. وكوارث مكوكات
الفضاء .. وإعصار كاترينا .. والآن مذبحة جامعة فيرجينيا . كان لدى
الأجيال الأميركية السابقة نصيبهم مما يروع - حربان عالميتان ..
وحرب فيتنام .. ولكن لم تتحمل عصبة أو جماعة من الشباب الأميركي
كوارث جماعية متكررة في ظل ظروف وأجواء وسائل الإعلام التي تعمل
24 ساعة في اليوم و7 أيام في الأسبوع".
فلتعذروني .. فقد مات أكثر من 400.000 جندي أميركي في الحرب العالمية
الثانية, ومات 58.000 جندي أميركي في حرب فيتنام, ولكن هل "جيل
الألفية" مصدوم على نحو فريد لأنه شاهد أشياء حزينة في التلفاز؟
إن الجمع والربط بدون تمييز بين كوارث مكوكات الفضاء وتفجير مدينة
أوكلاهوما ومذبحة جامعة فيرجينيا وبين الإرهاب والكوارث الطبيعية
والحرب يخرج هذه الأحداث المتفرقة عن السياق على نحو خطير.
كانت مذبحة جامعة فيرجينيا كارثية بالنسبة للضحايا وأحبائهم, ولكنها
- على العكس من الحرب - لم تكن كارثية بالنسبة للأمة. غير أن الرئيس
بوش - الذي يرفض حضور جنازات الجنود المقتولين في العراق لأن ذلك
قد "يسيس" الحرب التي بدأتها إدارته - أمر بتنكيس كل الأعلام
الفيدرالية وهرع إلى مقر الجامعة ليتحسر وينوح على "يوم الحزن
بالنسبة للأمة كلها" . إنها استراتيجية جيدة . فالناس المشغولون
بإقامة المراسم الجنائزية التأبينية على ضوء الشموع من أجل حالات
الوفاة في الجامعة ليس لديهم وقت كثير متبق للاحتجاج على الحرب على
العراق .
والإصرار على المندبة والحداد الجماعي يعمل حتى على نزع الطابع السياسي
عن مأساة جامعة فيرجينيا. فأولئك الذين ارتكبوا خطأ الإشارة إلى
أن المذبحة قد تؤدي بنا إلى التفكير في نظم وقوانين سلاح أشد وأكثر
إحكاما قيل لهم بسرعة أن يصمتوا لأن هذه هي "لحظة حزن"
, وليست لحظة سياسة.
ولكننا نعيش في عالم سياسي. والبحث عن سياسات يمكن أن تقلل من العنف
الذي يبتلى به عالمنا - بالداخل والخارج - هو السبيل الأفضل لتكريم
الموتى .
فدعونا نوقف على الأقل التظاهر بأننا ضحايا أيضا .
روزا بروكس
أستاذة القانون بجامعة جورج تاون الأميركية
خدمة " لوس أنجلوس تايمز " - خاص بـ" الوطن "
أعلى
مذبحة جامعة فرجينيا والصورة النمطية عن الأميركيين الآسيويين
تسمرت مثل غيري من غالبية الأميركيين أمام
شاشة التلفزيون، يوم الاثنين الماضي، وأمضيت ساعات طويلة في مشاهدة
الصور المروعة للطلاب من جرحى الهجوم الانتحاري الذي وقع في جامعة
فرجينيا التكنولوجية. وكم كان قلقي بالغاً وعظيماً عندما أذيع خبر
عن احتمال أن يكون الجاني من أصل آسيوي. وازداد انشدادنا إلى الشاشة،
أنا وزوجتي، على أمل ألا ينتهي الأمر إلى أن يكون الجاني كورياً
أو أميركياً كورياً. ولا بد أن أعترف بأنني قد تنفست الصعداء عندما
ذكرت وسائل الإعلام أن الجاني ربما يكون صينياً. لكن ولخيبة أملي
فقد أكدت مصادر الشرطة يوم الثلاثاء، أنه أميركي من أصل كوري وأن
اسمه "سيونغ- هوي شو". وكانت استجابتي الأولية لتلك الحادثة،
مثلي مثل غيري، هي الشعور بالصدمة والأسى والحزن، بل وعدم تصديق
ما حدث. لكنني سرعان ما بدأت أقلق من ردة الفعل العدوانية المحتملة
على الجاليات الآسيوية المقيمة في الولايات المتحدة، ولا سيما على
أعضاء الجالية الكورية. وكان مبلغ خوفي ما إذا كانت وسائل الإعلام
الرئيسية ستصور مرتكب هذا الفعل الشائن، باعتباره فرداً استثنائياً
جامحاً، أم ستقدمه على أنه صورة نمطية للآسيوي المتطرف؟! أم يا ترى
ستعود هذه الوسائل إلى التوصيف السائد الراسخ للآسيوي باعتباره شخصاً
هادئاً كادحاً ومجداً في عمله، وأن أولاده يعانون ضغطاً أسرياً رهيباً
من أجل التفوق الدراسي في الجامعات والمدارس؟
وكما ظهر لاحقاً، فقد كان لـ"شو" تاريخ من الغضب والمشكلات
العاطفية، حسبما ذكرت المصادر الإعلامية. ونشر عنه أنه كان يتلقى
علاجاً لأعراض الاكتئاب. وللحقيقة فإن كثيرين منا، وخاصة من يفرطون
منا في العمل، وكذلك الطلاب المجهدون في دراستهم، يعانون من مشكلات
وأعراض كهذه. ولذلك فقد خرج المارد من القمقم عند هذا الشاب خلال
لحظة معينة، وسارت الأمور على ذلك النحو الدموي.
وأشارت بعض التقارير الصحفية إلى أن والدي "شو" يمتلكان
ويديران محلاً لخدمات الغسيل الجاف، وذكرت التقارير أنه من فرط الصدمة
التي أصيبا بها جراء الجريمة التي ارتكبها ابنهما، فقد أودعا المستشفى
معاً في آن واحد. وإني لعلى ثقة بأن الأميركيين الكوريين سوف يستشعرون
مسؤولية جماعية إزاء هذا الشاب الذي فعل ما فعل، خلال الأسابيع القليلة
المقبلة، على الرغم من أن الحادث في حد ذاته لا يعدو كونه فعلاً
فردياً واستثنائياً شاذاً. وكان يمكن أن يصدر هذا الفعل من أي فرد
يعاني من أعراض الاكتئاب الحاد أو الاضطراب الذهني إذا لم يتلقَّ
العلاج المناسب. لكن مع ذلك، فإنني أستشعر مسؤولية شخصية إزاء ما
حدث. لماذا هذا الشعور إذن؟
الإجابة هي أنني بصفتي أميركياً ينحدر من أصل كوري، أشعر بنوع من
الرابط الثقافي
بل والمسؤولية الأخلاقية إزاء ما فعله ذلك الشاب. ولذلك فليس مستغرباً
أن تستبد مشاعر الحزن والأسى بأوساط الأميركيين الكوريين، على مجرد
إتيان واحد منهم هذا الفعل الدموي الشنيع.
وبما أننا نقترب من الذكرى الخامسة عشرة للاضطرابات المدنية التي
شهدتها مدينة لوس أنجلوس، فإن كثيرين من أبناء الجالية الكورية هنا
لا يزالون يذكرون جيداً كيف رسمت وسائل الإعلام الرئيسية حينها تلك
الصورة النمطية المتحيزة ضدهم، باعتبارهم حملة بنادق يقظون لا تغمض
عينهم ثانية واحدة عن متاجرهم ومحلاتهم، بينما كانت النيران تلتهم
المدينة كلها في واقع الأمر!
ومن المؤسف أننا لا نزال نعاني من أجل تجاوز تلك الصورة النمطية
الثابتة التي التصقت بنا. يضاف إلى ذلك أن عدد أفراد الجالية الكورية
في لوس أنجلوس يربو على نصف المليون، وهو ما يعد أكبر تجمع للكوريين
خارج حدود قارتهم الآسيوية، ومع ذلك، ما زالت تلك الصورة النمطية
ملتصقة بهم حتى الآن. وكانت الجالية الآسيوية الأميركية قد شكت منذ
مدة طويلة من غياب من يمثلونها في وسائل الإعلام الأميركية. ومن
فرط هذا الغياب، فقد ذكرتني التقارير الإعلامية الأولية الصادرة
عن القاتل، القائلة باحتمال أن يكون من أصل صيني، بحقيقة تشابه ملامح
جميع الآسيويين في نظر جميع من هم خارج الجاليات الآسيوية. ومهما
حدث، فإنه لمن الظلم الفادح أن تحمّل الجاليات الآسيوية كلها -وليس
الكورية وحدها- المسؤولية عن سلوك فرد واحد يعاني من اضطرابات نفسية
على حد ما أكدت كافة التقارير المنشورة عنه حتى هذه اللحظة.
والحقيقة التي لا بد من إقرارها هنا، أن "شو" هاجر إلى
الولايات المتحدة الأميركية وهو صبي لا يتجاوز عمره 8 سنوات، وأنه
لقي مصرعه في سن الثالثة والعشرين، وأن تخصصه الرئيسي كان دراسة
اللغة الانكليزية في جامعة فرجينيا التكنولوجية. ما أقصد قوله بعبارة
أخرى، إنه ربما كان طليق اللسان في اللغة الانكليزية، وأنه تشرب
بالثقافة الأميركية التي نشأ في بيئتها. وللسبب عينه، فربما لم يعرف
"شو" كثيراً عن لغته الكورية الأصلية ولا عن ثقافتها.
ومع ذلك فأنت تنظر إلى العناوين الرئيسية عنه في الصحف والفضائيات
وهي تقرأ كما يلي: "سيونغ- هيو شو" الكوري الجنوبي! على
أنني لا أريد أن أنفي هنا تماماً وجود صحة ما انطبع من صورة نمطية
عن الآسيويين في ذهن المجتمع الأميركي، سواء ما ارتبط بها من كد
في العمل أم بنجاحهم وتفوقهم الأكاديمي. ولكن من أجل تجاوز ما حدث
في جامعة فرجينيا وتفادي حدوثه في المستقبل، يتعين علينا أن نتجاوز
هذه الصور النمطية، وأن نعمل على تضييق الهوة العرقية الفاصلة بين
مختلف شرائح المجتمع الأميركي.
أدريان هونغ
مدير مؤسسة ميراي الخيرية التي تقدم مساعدات للطلبة الأميركيين من
أصل كوري.
خدمة واشنطن بوست خاص بـ (الوطن)
أعلى