كلمة ونصف
الردارات والمطبات
تبذل شرطة عمان السلطانية جهوداً طيبة في
الحد من الحوادث وما تسببه من مهالك ومخاطر لحياة الناس بالعديد
من الوسائل الهادفة إلى الحد من السرعة كإحدى المسببات الرئيسية
للحوادث في السلطنة حسب الإحصائيات والبيانات المرورية السنوية،
والتي تشير بوضوح إلى أن السرعة هي السبب الرئيسي لأغلبية الحوادث.
فلا شك أن الوسائل التي اتخذتها الشرطة على أكثر من جانب للحد من
السرعة وأحدث صداً واسعاً في المجتمع لردّع الفئات المتهورة والتي
لا تعّي خطورة ما تسببه من تصرفات طائشة يذهب ضحيتها المئات من الأبرياء
سنوياً وتترمل العشرات من الأسر، ويتيتم المئات من الأطفال .
ركبت الشرطة أجهزة مراقبة السرعة في الشوارع الرئيسية وحددت السرعة
وفق طبيعة الشارع، ومدى توفر العديد من الاشتراطات الفنية التي تساعد
على القيادة السليمة التي تضمن السلامة لكافة مستخدمي الطرق، والتي
ساهمت بلا شك في الحد من الحوادث ، وعملت تقنيه السرعة عند الحدود
المعلنة في اللوائح .
كما عملت الشرطة كاسرات السرعة ( المطبات ) في الشوارع الداخلية
في الأحياء السكنية وما تمثله من أهمية في التقليل من حوادث الدهس
التي يذهب ضحيتها الأطفال خاصة في هذه الأماكن، بالإضافة الى الجهود
التوعية المرورية التي أسهمت طوال السنوات الماضية الى إيجاد وعي
مروري لدى شرائح واسعة من المجتمع ، أصبحت تعيّ مخاطر الحوادث وخطورتها
على السلامة.
كل هذه الجهود أسهمت في الحد من الحوادث وما تسببه من خطورة رغم
بعض الانتقادات لمثل هذه الإجراءات من بعض الفئات غير الواعية لخطورة
الحوادث ومسبباتها على حياة الناس، وما تسببه من خسائر بشرية ومادية
أصبحت تؤرق العديد من الجهات.
ونحن إذ نشيد بهذه الإجراءات الهادفة إلى الحفاظ على صحة الفرد والمجتمع
من بعض الممارسات غير الواعية في التعاطي مع قيادة المركبات، نتطلع
إلى تفهم هذه الخطوات . وردعها وتشديد العقوبات على المخالفين للأنظمة
المرورية التي تسبب خطورة على حياة الإنسان.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى
3
أبعاد
العشاق في العراق
الولايات المتحدة
هي الكبر مجتمع مدجج بالسلاح. 84 في المائة من الأميركيين يمتلكون
ويحملون السلاح أما في بيوتهم أو في سياراتهم أو في جيوبهم. اليمن
يأتي في المركز الثاني. أكثر من نصف اليمنيين يملكون ويحملون السلاح.
هذا وفقا لاحصاءات العالم 2003. لكن العراق اليوم يتنافس مع اميركا
على المركز الأول.
كان العراق على الدوام سوقا رائجة للأسلحة النارية. ولكن الطلب على
السلاح خلال الأشهر الماضية بلغ مستويات منذرة. ومع الزيادة في الطلب
ارتفعت الأسعار بصورة ملحوظة. سعر الكلاشينكوف الروسي ايه كي ـ 47
ارتفع في المتوسط من 112 دولارا الى اكثر من 300 دولار اليوم. وسعر
العيار الناري زاد من 24 سنتا الى اكثر من خمسين سنتا. واصبح حاملو
السلاح في العراق لا يقتصرون على اعضاء الميليشيات بل إن المدنيين
والأسر والنساء يقبلون على شراء وحمل وتخزين السلاح بأعداد متزايدة
للدفاع عن النفس. الكلاشينكوف لا يخالف القانون في العراق إذا توفر
ترخيص بحمله، ولكن القنابل اليدوية غير قانونية. القنبلة اليدوية
سهل الحصول عليها في العراق. سعرها اليوم وصل الى مائة دولار. حملة
السلاح في العراق من أعضاء الميليشيات ومن المدنيين ينتهكون عدة
قوانين عراقية في آن واحد. فهم أولا ليس معهم ترخيص بحمل الكلاشنيكوف.
وهم ثانيا يحملون عدداً من الأعيرة النارية يزيد عن العدد القانوني
وهو خمسون عيارا. وهم في معظمهم اصغر من السن القانونية لحمل السلاح
وهو خمسة وعشرون عاما في القانون العراقي.
الأميركيون اسهموا في سخونة سوق السلاح في العراق بشحنهم مئات الآلاف
من الأسلحة النارية وملايين الطلقات والذخيرة في محاولة لتجهيز الجيش
العراقي والشرطة بالسلاح.
لم يفعل الأميركيون الكثير للحد من انتشار السلاح في العراق. كان
السلاح قد أصبح بمثل انتشار أشجار النخيل في تلك البلاد، وجزءا من
التقليد الاجتماعي والسياسي في العراق. جاء الحاكم المدني الأميركي
بول بريمر بعد الغزو وصدق على القانون العراقي، ووقع أمرا يعطي كل
من بلغ الخامسة والعشرين من العمر، ويتمتع بحسن السير والسلوك، حق
حمل السلاح ، ومن بينه الكلاشينكوف، أكثر أسلحة القتل رواجا في العالم.
ومع انهيار الأمن وانتشار الجرائم وتداعي القانون بدأ الناس يحملون
السلاح حول خاصرتهم وفي جيوبهم وعلى اكتفاقهم وفي حقائبهم وتحت اسرة
النوم في منازلهم.
وبدأت النساء العراقيات في حمل السلاح ايضا لحماية انفسهن.
إحداهن تقول: إنها قررت حمل السلاح لأنها تعتقد ان احدا لن يحميها.
ورجل اشترى لزوجته السلاح ودربها على استخدامه لحمايتها واولادها
اثناء غيابه عن المنزل.
من اين تتدفق الأسلحة الخفيفة على العراق؟
من كل مكان. او بالأدق من اماكن عديدة. تجار الأسلحة في بغداد يقولون
إن ذخائر جيدة ورخيصة تأتي مهربة عبر سوريا،واسلحة مخدوشة ومستهلكة
وتحتاج الى "عمرة" تتدفق على العراقيين عبر ايران. وبعض
الأسلحة تهرب ايضا عن طريق الأردن والسعودية. اي عن طريق كل الدول
المجاورة. ويقول تجار الأسلحة في بغداد إن ضباط وجنود الجيش العراقي
السابقين هم مصدر يعتمد عليه في توفير القنابل اليدوية. بعد أن حل
بريمر الجيش العراقي تحولت بغداد الى بازار سلاح وانتشرت الأكشاك
على النواصي تبيع المسدسات والبنادق والرشاشات بأسعار مغرية. القانون
العراقي يقضي بضرورة ان يحمل بائعو السلاح ترخيصا حكوميا. ولكن قلة
منهم لديهم مثل هذا الترخيص. انتشار الأسلحة المهربة لا يعادله الا
الأدوية والعقاقير المهربة. من بينها المهدئات والمسكنات والمنومات
ومن بينها ايضا الفياغرا. تجار هذه العقاقير لا يحملون ترخيصا هم
ايضا.
ومن يشتري هذه العقاقير؟
كل العراقيين بمن فيهم رجال الشرطة والجيش.
الناس في العراق يحملون السلاح خوفا من السلاح.
انهم يعشقون السلاح لأنهم يعشقون الحياة.
والدليل علي عشقهم الحياة تحت مثل هذا الخوف هو اقبالهم على الفياغرا.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى
إمعان أميركي في تفتيت العراق !
يتناسى القادة الاميركيون أنهم وبالاصرار على بناء سور الاعظمية
والجدران البغدادية الاخرى يعلنون فشل الاستراتيجية الجديدة بكل
عناصرها : العسكرية والامنية والسياسية ، بالاضافة إلى وضع المسمار
الاخير في نعش ما أسموه بـ(الديموقراطية) التي حملوها على ظهور الدبابات
.
تفتقت اذهان الاميركيين عن بناء سور الاعظمية
لعزل الاعظمية عن باقي أحياء العاصمة العراقية ، وكمقدمة لبناء أسوار
خرسانية أخرى في المدينة لعزل أحيائها بعضها عن بعض .
سور الاعظمية هو مضاهاة لسياسة الاسوار العنصرية والتي يجري تطبيقها
اسرائيليا لانشاء (غيتوات) فلسطينية معزولة (سجون) ، ومضاهاة لسور
برلين ، الذي قسم الشعب الواحد في حقبة من التاريخ إلى دولتين ..
غير ان السور البغدادي يفتت ليس وحدة العراق وانما أبناء المدينة
الواحدة .
الاميركيون في تسويغهم لبناء السور والجدران الاخرى يدعون : بانها
من أجل وضع عقبات أمام الهجمات الانتحارية ، وكي لا تقوم الطوائف
بمهاجمة بعضها البعض ، وايضا من أجل حفظ الامن ، بالرغم من ان ابناء
العراق بكافة طوائفهم وانتماءاتهم يقفون ضد بناء السور وسياسة الجدران
عموما ، وبالرغم من ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد أمر
بوقف بناء السور ، لأنه يمعن في تفتيت وحدة العراق ، مثلما صرح في
القاهرة ، إثر اجتماعه مع الرئيس مبارك .
رد الفعل الاميركي على التصريح تمثل في تجاهله تماما والاستمرار
في بناء السور ، فالجيش الاميركي ، وكذلك السفير الاميركي الجديد
(ريان كروكر) أكدا في بيانات واضحة ، انهما سيقيمان خمسة أسوار (لحماية)
خمسة أحياء في العاصمة العراقية ، وذلك في سياق استراتيجية أمنية
جديدة بدأ تطبيقها !
الرئيس بوش وكثيرون من أعضاء ادارته المحافظة ، وبالرغم من كل مظاهر
الفشل التي يجنونها في العراق يصرون ويعتقدون بامكانية تحقيق النصر
(الموهوم) في بلاد الرافدين مثلما يرى قائد الجيش الاحتلالي الاميركي
الجنرال بتريوس الذي أدلى بتصريح قال فيه : ان الاستراتيجية الجديدة
التي أعلنها الرئيس بوش منذ شهرين ، والجاري اتباعها في العراق تسير
وفق ما هو مخطط لها ، وهي تحقق نتائج ملموسة !
يتناسى القادة الاميركيون انهم وبالاصرار على بناء سور الاعظمية
والجدران البغدادية الاخرى يعلنون فشل الاستراتيجية الجديدة بكل
عناصرها : العسكرية والامنية والسياسية ، بالاضافة إلى وضع المسمار
الاخير في نعش ما أسموه بـ(الديموقراطية) التي حملوها على ظهور الدبابات
من أجل تطبيقها ولو بالبساطير العسكرية في البلد العربي ، الذي يعاني
قساوة ومرارة ولا انسانية الاحتلال الاميركي البشع.
لطالما تشدق الرئيس بوش واعضاء إدارته وكثيرون من قياديي الجيش الاحتلالي،
بأنهم قاموا بغزو العراق من اجل نشر الديموقراطية اضافة إلى اسباب
اخرى .. ولكن اين هذه الديموقراطية، واين هو الرخاء الاقتصادي الذي
بشروا به؟
(بفضل) الاحتلال الاميركي، سادت الفوضى والسلب والنهب وغياب ادنى
حدود الأمن، إضافة الى الفساد المستشري في كل المجالات، وترك خُمس
السكان العراقيين لوطنهم ليصبحوا لاجئين في كل بقاع الارض. (وبفضل)
الادارة الاميركية تم تكريس الطائفية والمذهبية والعرقية في البلد
الذي على مدى تاريخه لم يعرف مثل هذه المظاهر! والشيء الوحيد الذي
صدقت به الادارة الاميركية، انها ومثلما كان قد صرّح وزير الدفاع
الاميركي السابق: دونالد رامسفيلد، استطاعت ارجاع العراق مئات السنين
الى الوراء! فما جرى من هدم للبينة الاساسية في ارض الرافدين، وما
اصاب المجتمع العراقي من شرخ عمودي وأفقي في بنيته يحتاج عشرات السنين
من اجل العودة به إلى الاوضاع السابقة قبل بدء الغزو.
يدرك الاميركيون ان سياسة الجدران العازلة، الطائفية سوف لن توقف
العمليات المسلحة التي تجري يوميا في العراق، تماما مثلما لم يمنع
جدار الفصل العنصري الذي اقامته اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة
من عمليات المقاومة، صحيح، ان حدتها قلّت وربما عددها، لكن ذلك لا
يعود الى الجدار، وانما الى ما اتخذته الفصائل الفلسطينية من توجه
بالتهدئة المتبادلة مع العدو الصهيوني، وكان ذلك في اجتماع الفصائل
في القاهرة، والتي ربطت هذه التهدئة بوقف العدوان الاسرائيلي على
ابناء شعبنا..
ورغم هذا الادراك .. فإن الولايات المتحدة ماضية في سياسة بناء الجدران،
ضاربة عرض الحائط بالرغبة العراقية الرسمية والشعبية، الامر الذي
إن يعني شيئا، فإنما الإمعان في تفتيت وحدة العراق وتقسيمه الى كيانات
طائفية، ومذهبية وعرقية، وهي هدف اميركي بامتياز.
د. فايز رشيد *
* كاتب فلسطيني
أعلى
العد العكسي لعمر الحكومة الفلسطينية
قد يكون من المستغرب الحديث عن بدء العد العكسي
لعمر الحكومة البرلمانية الفلسطينية الجديدة ، خاصة انه لم يمض على
تشكلها وتسلمها لمهامها أربعون يوما ، وقد يكون هذا الاستنتاج ضربا
من ضروب التعجل او القراءة غير المتأنية للأحداث التي تجري ، او
انه يقع في دائرة التشاؤم المفرط من مدى قدرتها على تحمل المسؤولية
والإقلاع في برنامجها الذي سيجري مسألتها عليه ، من قبل الشعب الفلسطيني
وقواه المجتمعية الحية التي تقع خارج دائرة ممثلي الشعب أي (المجلس
التشريعي) بسبب غيابهم ، او/و تغييبهم المقصود لأسباب لم تعد بخافية
على احد رغم اتفاق مكة الذي يفترض خلوص النوايا هذه إذا خلصت فعلاَ.
ما آثار هذا الموضوع رغم التقديرات المتباينة عن عمر الحكومة ومدى
استمراريتها بعد ان فقدت زخم انطلاقتها الاولى، هو ما أشيع وتأكد
عن تقديم وزير الداخلية لاستقالته لرئيس الوزراء، ومن ثم تعليق هذه
الاستقالة لمدة معينة لحين عودة الرئيس من جولته الأوروبية بحسب
الناطق باسم رئيس الحكومة ، وبصرف النظر عن الأسباب المعلنة والتي
سربت،او المخفية من وراء هذه الاستقالة ، فإنها في واقع الأمر تعكس
عجزا تكشف للقاصي والداني قبل الحكومة ووزير الداخلية عن معالجة
أهم استحقاق يواجه هذه الحكومة وهو استحقاق الملف الأمني الداخلي
الذي تزايد تدهوراَ وعنفا بعيد تشكل الحكومة وبدأت أستهدافات جديدة
لأهداف معينة، وذات صبغة ثقافية محددة تبرز بعد ان توالت فصول الخطف
، ما زالت متواصلة للصحفي البريطاني منذ ما قبل تشكل الحكومة ولغاية
الآن.
التبرير المقدم بان الوزير لا يستطيع السيطرة على جهاز امني وان
ذلك يعطل تطبيق خطته الأمنية هو من قبيل البحث عن الذرائع والمبررات
، لان المشكلة في الانهيار الأمني وليس الفلتان، ليست فقط في انضباط
قادة الأجهزة الأمنية للقرار السياسي رغم أهمية ذلك في تنفيذ أية
خطة ، وإنما في معالجة الميلشيات المسلحة أياَ كان لونها وطابعها
والجهات التي تحميها وتوفر التمويل والدعم والإسناد والغطاء السياسي
لها. وبالتالي قد لا يكون مفيدا في هذه الحالة تجهيل المعلوم ، وإخفاء
الأسباب الحقيقية واتخاذ الذرائع للاختباء ورائها لتبرير العجز والقصور،
إما لعدم توفر الإرادة السياسية ، او لعدم وجودها أصلاَ.
المواطن الفلسطيني علق الآمال الكبيرة على حكومة الائتلاف البرلماني،
واعتقد ان الشراكة السياسية قد توقف حالة الفلتان والانهيار الأمني
التي كانت وما زالت تسبب له قلقا على حياته ومستقبله ، وإذا بالشراكة
لا تعير اهتماما للقضايا الرئيسية للجمهور بقدر ما تعير اهتمام أكثر
لنتائج عمل لجنة الشراكة السياسية التي تنتج توافقا على اقتسام ما
تبقى من كعكة السلطة وتقاسم الوظيفة العمومية وتحويلها لمحاصصة سياسية.
وإذا ما كان من إنجاز يسجل لغاية الآن لهذه الحكومة فإنه إنجاز المحاصصة
هذا الذي عبر عنه بالتوافق على عشرات القرارات الإدارية والتعيينات
المعلقة منذ عهد الحكومة السابقة.
لكن إذا كان الاستحقاق الأمني الداخلي ومدى نجاح الحكومة في تحقيق
خطوات ملموسة فيه ، هو احد المعايير المهمة لتقييم عمل الحكومة ،
فإن هناك ملفان لا يقلان أهمية مازالا لغاية الآن قيد العمل وليس
من الحكمة التعجل في إصدار أحكام نهائية حتى تتبين مدى نجاعة الجهود
السياسية والدبلوماسية التي يبذلها الرئيس وعديد من وزراء الحكومة
لفك العزلة السياسية والحصار الاقتصادي ، ورغم ان المحصلة الأولية
لهذه الجولات غير مشجعة كثيرا، فإن إعطاء فرصة اكبر للتحرك العربي
الذي اقره وزراء خارجية الدول العربية الأسبوع الماضي ان يضيف للتحرك
الرسمي الفلسطيني بعداَ جديداَ لفك العزلة والحصار الاقتصادي والذي
من شانه ان يسهم في حال النجاح فيه من التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية،
والاجتماعية المتفاقمة والتي بدا التعبير عنها بالعودة لسلاح الاضرابات
من قبل موظفي الوظيفة العمومية في أكثر القطاعات حيوية وتأثيرا على
حياة ومستقبل المواطنين الفلسطينيين.
وبدون شك فإن النجاح في هذه المهام الرئيسة الثلاث يشكل معايير متداخلة
ومترابطة يمكن على أساسها الحكم على نجاح الحكومة في تحقيق تقدم
وإنجاز ، وعدم الإنجاز في أي منهم او جميعهم يضع علامة استفهام على
الجدوى من بقاء الحكومة نظريا ، لكن بقاء الحكومة او رحيلها رغم
عدم إنجاز أيا من هذه المهام ليس له صلة على ما يبدوا بذلك، إذ قد
يرتبط بعوامل دولية وإقليمية، إلى جانب حسابات داخلية ترتبط بالخيارات
البديلة عن انهيارها او تفككها ، ولا يبدوا ان هناك خيارا ديمقراطيا
آخر ومتوافق عليه قد بدأ بالتبلور ليشكل بديلا يحتكم إليه للخروج
من الأزمة في حال تفجرها مجدداَ.
د.احمد مجدلاني*
* كاتب فلسطيني ـ رام الله
أعلى
هل تغيَّرت إسرائيل قولاً وفعلاً بما يؤكِّد وجود فرصة حقيقية للسلام؟!
حتى العقل السياسي، الذي ينبغي له أن يميل
دائما إلى الشكِّ في أمور لا ريب في صحَّتها، يحتاج إلى التسلُّح
بشيء من "المسلَّمات"؛ ولكن ثمَّة مسلَّمات ليست بالمسلَّمات،
نتَّخِذها، في قضايا ومسائل معيَّنة، دليل إثبات أو نفي، مع أننا
نحتاج أوَّلا إلى أن نُثْبِتها هي، ونقيم الدليل على صحَّتها وصدْقها،
فما يَفْتَقِر إلى دليل مُقْنِع على صحَّته وصدْقه لا يمكنه أبدا
أن يصلح دليل إثبات أو نفي في قضايا ومسائل أخرى.
هل ثمَّة "فرصة حقيقية" الآن، أو في الأشهر المقبلة، للتوصُّل
إلى سلام، أو إلى السلام، بين العرب وإسرائيل حتى نُقْنِع أنفسنا،
ونُقْنِع غيرنا، بأهمية وضرورة افتراص، أو انتهاز، هذه الفرصة؟ إنَّ
القول، غير مرَّة، بوجود تلك الفرصة لا يعني، ويجب ألا يعني، أنَّ
وجودها قد غدا "مسلَّمة"، وينبغي لنا، بالتالي، أن نتغيَّر،
قولا وفعلا، بما يلبِّي الحاجة إلى اغتنامها، وانتهازها، وبما يدرأ
عنا مخاطر التقصير عن اغتنامها وانتهازها، وكأنَّ الحال العربية
العامة يمكن أن تسوء أكثر ممَّا ساءت.
حتى يصبح السلام، الذي يلبِّي الحد الأدنى من شروطنا ومطالبنا، في
متناول أيدينا، وقاب قوسين أو أدنى من التحوُّل إلى حقيقة واقعة،
لا يكفي أن نتأكَّد، وأن نؤكِّد للعالم، أننا (نحن العرب) نريده،
ونرغب فيه، ونسعى إليه، فـ "الفرصة الحقيقية (الواقعية) للسلام"
لن تقوم لها قائمة إذا لم يُرِنا الطرف الآخر، ويُري العالم معنا،
أنَّه قد تغيَّر، أو يوشك أن يتغيَّر، قولا وفعلا، بما يجعله شريكا
لنا في صُنْع تلك الفرصة، فالفرصة الحقيقية للسلام نصنعها معاً،
وعلى نحو متبادل، قبل ومن أجل أن نتمكَّن من صُنْع السلام ذاته،
فعدا ذلك إنَّما يجعلنا نَظْهَر كمثل الذي يحاوِل زواجا من طرف واحد،
أي كمثل الذي يحاوِل جَعْل المستحيل ممكناً!
لِنُثْبِت أوَّلا وجود فرصة حقيقة للسلام؛ وليس من سبيل إلى ذلك
سوى أن نأتي بدليل مُقْنِع على أنَّ إسرائيل في عهد حكومة اولمرت
، أو حكومة اولمرت التي تحكم الآن إسرائيل ، هي في وَضْعٍ يُشَدِّد
لديها الحاجة إلى سلام يقوم على تلبيتها الحد الأدنى من الشروط والمطالب
العربية، التي لخَّصَتها "مبادرة السلام العربية".
لن نعلَّل النفس بوهم أنَّ اولمرت مع حكومته في حالٍ من الضعف الداخلي
الممكن تحويلها إلى حالٍ من القوَّة إذا ما "أعطيناه"
بما يكفي لكي يقف موقفا إيجابيا من تلك المبادرة، فالعاقبة الحتمية
لموقف كهذا إنَّما هي تسليح اولمرت بما يحتاج إليه في صراعه من أجل
البقاء، وبما يؤدِّي، بعد ذلك، وبفضله، إلى أن يقضي بيديه على ما
توهَّمْناه "فرصة حقيقية للسلام"، فالعرب يكفي أن ينظروا
إلى حالهم العامة بعيون يقظة لا تغشاها أوهام حتى يقتنعوا بأنَّ
لدى إسرائيل فرصة حقيقية الآن لابتناء سلام (لها قبل غيرها إنْ لم
يكن لها وحدها) من حجارة السلام الذي يريده العرب، ويحظى بالشرعية
الدولية.
ولن نعلَّل النفس بوهم أنَّ إدارة الرئيس بوش هي الآن في حالٍ من
الضعف الداخلي، الذي هو في أسبابه عراقيٌ في المقام الأول، تجعلها
في أمسِّ الحاجة إلى دعم عربي، يمكن ويجب أن يكون ثمنه أن تضغط على
حكومة اولمرت لتقديم ما يكفي من التنازل للفلسطينيين والعرب؛ وفي
هذا السياق لن نعلِّل النفس بوهم ثالث هو أنَّ إسرائيل تحتاج إلى
العرب، وإلى علاقة جديدة وجيِّدة معهم، فكل الوزن العربي الآن يقلُّ،
ويقلُّ كثيرا، عن وزن مصر عندما شرعت تخطو خطوتها الأولى على طريق
السلام مع إسرائيل.
"مبادرة السلام العربية" هي الآن في طريقها إلى "التفعيل"،
الذي يبدأ بـ "الشرح والتوضيح"، فحكومة اولمرت تريد أن
تسمع من وفد عربي شرحا مبينا لها، يَعْدِل ترجمة لها ليس باللغة
العبرية، وإنَّما بالمعاني العبرية.
"لجنة الاتِّصال العربية" يمكن أن تتسع؛ ولكن ليس قبل
أن تتجاوب حكومة اولمرت مع "إذا شرطية عربية جديدة"، تضمَّنها
البيان الصادر عن اجتماع اللجنة الوزارية العربية المؤلَّفة من 13
عضوا. وقد حرصت اللجنة الوزارية على توضيح أن ليس كل اتِّصال يتضمَّن
تفاوضا، وإنْ كان كل تفاوض يتضمَّن اتصالا.
من أجل أن يتَّصِلوا بإسرائيل (عَبْر فريق عمل عربي موسَّع) اتِّصالاً
لا تشوبه شبهة التفاوض ، لا بد لحكومة اولمرت من أن تُوْقِف "الحصار"،
وبناء المستوطنات، وبناء "الجدار"، وأن تعيد الوضع إلى
ما كان عليه قبل 28 سبتمبر 2000. إذا هي تجاوبت مع هذه الـ "إذا
الشرطية العربية الجديدة"، تألَّف فريق العمل العربي الموسَّع
هذا، وذهب إلى إسرائيل، متِّصِلا وليس مفاوِضا. وهدف هذا "الاتِّصال"
هو "التشاور معها في سُبُل تحقيق تسوية سلمية".
وحتى يذهب هذا الفريق إلى إسرائيل على نور لا بدَّ أوَّلا من أن
تنجح مصر والأردن في المهمة الاستكشافية التي كلَّفتهما بها جامعة
الدول العربية ، والتي تستهدف الحصول على أجوبة إسرائيلية جديدة
وجيِّدة بَعْد ، وبفضل ، شرحهما لإسرائيل أبعاد ومعاني "مبادرة
السلام العربية"؛ وقد التزمت حكومة اولمرت "حُسْن الإصغاء"،
مؤكِّدةً أنَّها لن تملي على الطرف الآخر ما سيقوله، ولن تقبل أن
تُمْنَع هي من التعبير عن موقفها في حرية تامة.
إذا ما تحقَّق ذلك، وإذا ما تجاوبت إسرائيل، بعد ذلك، مع "إذا
الشرطية العربية الجديدة"، تألَّف الفريق الموسَّع، وذهب إلى
إسرائيل للتشاور معها في سُبُل تحقيق تسوية سلمية، وليؤكِّد لها،
في الوقت عينه، أنَّ "زيارة الاتِّصال (والتشاور)" التي
قام بها لن تكون أوَّل الغيث في "التطبيع المجاني".
"التفاوض" لن تُطْلِقه إلا "قمة إقليمية ـ دولية
(لقاء العشرة)"، يشارِك فيها أعضاء اللجنة الرباعية الدولية،
والأردن، ومصر، والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل، والسعودية، والمغرب.
وقد تُخْتَصَر الطريق، فلا يذهب فريق العمل العربي الموسَّع إلى
إسرائيل، بعد نجاح المهمَّة التي كلَّفت جامعة الدول العربية مصر
والأردن القيام بها، فيَحْدُث اللقاء ضِمن تلك "القمة الإقليمية
ـ الدولية". أمَّا النتيجة العملية التي قد تَظْهَر قبل انتهاء
ولاية الرئيس بوش فهي المزاوجة بين المسارين: مسار "الحل"
الذي تضمَّنته "إذا الشرطية العربية الجديدة"، ومسار "التطبيع"،
الذي ستسعى إسرائيل في جعله يفوق دينامية مسار "الحل".
الآن، ننتظر موقفا إسرائيليا فيه من "الإيجابية" ما يُبرِّر
بدء الاتِّصال العربي بإسرائيل عبر مصر والأردن، فاللقاء من أجل
التقاط الصور فحسب فَقََدَ جاذبيته وأهميته. ويُتَوَقَّع أن يأتي
هذا الموقف بعد نجاة اولمرت من "لجنة فينوغراد".
إننا مع كل جهد عربي يُبْذَل من أجل "تفعيل" المبادرة
على أن لا يتحقَّق هذا "التفعيل" من خلال شرح المبادرة
لإسرائيل بما يوافِق شروطها للوقوف منها موقفا إيجابيا. و"التفعيل"
لن يتحقَّق إذا ما قُلْنا لإسرائيل: تعالي نتفاوض، فليس من حلٍّ
تخشينه؛ لأنْ لا حلَّ يمكن أن يرى النور إذا لم يحظَ بموافقتك.
إنَّ موقفا كهذا لا يعني سوى أنَّ العرب قد اختاروا حلاًّ لا يقوم
على التزام "الشرعية الدولية"، إسرائيلياً وعربيا، فـ
"الحل" يمكن ويجب أن يكون متَّفَقاً عليه؛ ولكن بما يوافِق
"الشرعية الدولية"، ويتَّفِق معها.
نحن نَعْلَم أنَّ حقائق الواقع لا تسمح للغالبية العظمى من اللاجئين
الفلسطينيين بأن يمارسوا حقَّهم في العودة إلى حيث كانوا، أو كان
آباؤهم وأجدادهم، قبل تهجيرهم وتشريدهم؛ ولكنَّ هذا لا يعني، ويجب
ألا يعني، أن يقوم "الحل العادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين
والمتَّفق عليه بين إسرائيل وبين الفلسطينيين والعرب، بما يوافِق
قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم 194" على مبدأ "حق
اللاجئ الفلسطيني في أنْ يُعَوَّض ماليا عن حقه في العودة".
مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي لجهة سببها ليست فلسطينية، وليست
عربية، وإنَّما إسرائيلية، ولا بدَّ لإسرائيل من أن تتحمَّل المسؤولية
كاملة.
عمَّا قريب سنعرف أمرين على وجه اليقين: الأمر الأوَّل هو كيف تجاوبت
حكومة اولمرت مع "مبادرة السلام العربية"، والأمر الثاني،
وهو الأهم، كيف تجاوب، ويتجاوب، العرب مع هذا التجاوب الإسرائيلي.
وعندئذٍ سنتأكَّد أن لا فرصة حقيقية لسلام يتجاوب مع الحد الأدنى
من الشروط والمطالب العربية!
جواد البشيتي*
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
لماذا الاعتراض؟!
ليس مقبولاً أصلاً حتى الآن، الخلاف الحاصل
بين دول العالم بشأن المتغيرات المناخية على الرغم من أن التقرير
الذي أعدته اللجنة الدولية المكلفة بهذا الموضوع لا يشير إلى أي
قصد سياسي معين يراد توظيفه لدفع أهداف عارضة إلى الواجهة، فالملاحظة
أن الخبراء الذين وضعوه تصرفوا في إعداده على وفق معايير علمية خالصة
، وبعد معاينة ميدانية اقتضت منهم متابعة المتغيرات المناخية في
جميع بقاع العالم ، وكانوا معزولين على الدوام من أي تأثير جانبي
لتمرير معلومة معينة يمكن ان يتم الاستدلال بها على أنها ذات مجسات
ليست لها علاقة بالتشخيص المهني المتعلق بتلك المتغيرات.
ولا أظن أحداً منصفاً في العالم يمكن ان يرد على الحقيقة التي اشرها
راجندرا باشوري رئيس اللجنة الخاصة برصد المتغيرات المناخية، من
أن ما اعتمده الخبراء في سياق البحث يُعد أكثر المعالجات العلمية
التي ناقشت المسألة بوضوح ودقة.
كما ان التقرير وفق ما تضمن من معلومات جاء باجتهادات لها صلة مباشرة
بالمخاطر التي أشرتها اتفاقية كويوتو الخاص بالاحتباس الحراري وهي
الاتفاقية الذي تم إعدادها بعد عشر سنوات من المراجعة والتشخيص باستخدام
تقنيات متطورة لرصد ذلك الاحتباس.
على أساس ما تقدم يمكن القول: إن الاعتراضات التي حصلت على نتائج
المؤتمر الدولي الذي عقد في بروكسل، والاعتراضات التي برزت على ملخص
التقرير الدولي الذي أعده خبراء الأمم المتحدة بعددهم البالغ 500
خبير، وكذلك التباين الواضح في الآراء خلال مناقشة مجلس الأمن الدولي
للموضوع، لا يمكن استيعابه الا في إطار أن هناك قوى في العالم تشعر
بأن إجراء تغييرات جذرية في أنماط تعاملها مع الطبيعة سوف يؤدي بصورة
من الصور إلى كلف مادية معينة بعد ان قام نفوذها الاقتصادي العام
على الإشكالية البيئية المتوارثة من جراء تماديها في تلك التوجهات.
لقد تبين ذلك واضحاً عندما أكدت تلك القوى انها غير مستعدة للتضحية
بما حققته من وجود اقتصادي متطور، وفي هذا السياق أيضاً تبين الموقف
المذكور من ضغط محاولتها الرامية إلى اتهام أطراف دولية بأنها تسعى
إلى زج مجلس الأمن الدولي في قضايا ليست من اختصاصه باعتبار انه
لا ينظر الا في القضايا الساخنة التي تهدد السلام العالمي غاضةً
النظر عن تشخيص أشرته الأمم المتحدة وقالت فيه: إن المتغيرات المناخية
ستكون سبباً في إحراج العالم بمنافسات اقتصادية مصيرية غير مشروعة
قد تقود إلى حروب مدمرة.
كما ان هناك دافعاً آخر يتعلق بإجراءات احترازية تمنع إعادة توزيع
الثروة والإمكانات الاقتصادية في العالم على أسس جديدة لو أعيد الاعتبار
للبيئة على وفق المقاييس المناخية التي من شأنها أن تحافظ على الحياة
وتعطي فرصاً إضافية للنمو الصحيح، الأمر الذي يلغي الكثير من التباين
الاقتصادي بوجود دول غنية وأخرى فقيرة ضمن القائمة الحالية.
إن إعادة تأهيل المؤسسات الصناعية بما يقلل من مخلفات التصنيع عبر
ترشيد استخدامات الطاقة الاحفورية من نفط وغاز طبيعي وفحم وكذلك
إعادة الاعتبار للفرص المطلوبة في إنماء دول العالم على أسس عادلة
تحد من النزعة الاستهلاكية المفرطة هو التوجه العادل الذي يمكن له
أن يحقق بعض الإنصاف الذي افتقدته البيئة.
والحال ان موقف الدول التي اعترضت على تشخيصات التقرير الدولي لا
بد أن تغير مواقفها اذا اقتنعت أنها لن تكون بمعزل عن التأثيرات
المناخية السلبية القاتلة، وأن إمكانياتها لن تحميها من هذه المتغيرات
الخطرة، ونستطيع أن نستدل على ذلك من نتائج الاحتباس الحراري حتى
الآن التي امتد تأثيرها إلى اغلب مناطق العالم بحكم حركة الرياح
واتساع استخدامات الصناعات التقليدية.
إن التملص من الواجبات الممكن فرضها أمراً غير ذي جدوى إذا أخذنا
بنظر التشخيص الذي يرى ان الدول التي ستعاني من أضرار بليغة جراء
تلك المتغيرات لاتستطيع بأي حال من الأحوال تلبية متطلبات الأسواق
المفتوحة ضمن أطار الآليات الخاصة بمنظمة التجارة العالمية، إذ لا
بد أن يحصل الانكماش الاقتصادي على امتداد خارطة العالم، ولا بد
ان يمتد الأذى إلى الدول ذات الطبيعة الزاخرة بالملاذات المناخية
الآمنة وهكذا يقع الجميع في المشكلة.
أن مستقبل البشرية برمته وكذلك مستقبل الطبيعة في الحفاظ على التوازن
النوعي مرهون أصلاً في العمل على إيقاف التدهور البيئي المستمر،
وإذا كانت بعض الدول تضع عناوين باهرة للمصير الاقتصادي الموحد لكل
دول العالم في أطار من المنافسة التجارية الحرة ومتطلبات الدمج والشراكة،
فمن باب أولى أن تقوم هذه التوجهات على أساس من الشراكة الأخلاقية
في حماية الكرة الأرضية والا يعتبر توجهها مشابهاً لتصرف من يبصق
في بئر يشرب منه.
عادل سعد*
* كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
إسرائيل بين الأزمة الإيرانية والسلام مع العرب
في الوقت الذي أظهر فيه العرب إصرارا على إحياء
مبادرة السلام العربية من خلال مقررات قمة الرياض، وبدء تحرك دولي
وإقليمي لتفعيل المبادرة العربية التي كانت أطلقت للمرة الأولى في
قمة بيروت عام 2002، فإن الملاحظ أن الأجواء في إسرائيل ليست أجواء
سلام على الاطلاق ، بل ان المناخ السائد هو الحديث عن الحرب سواء
على صعيد توقع شن الحرب على إيران خلال عام 2007 أو عبر الحديث عن
حرب جديدة في الشمال ضد لبنان أو لبنان وسوريا معا فيما يطلق عليه
حرب "استعادة هيبة الردع" للجيش الاسرائيلي.
لذلك فلعل من الحصافة عدم التعويل كثيرا على امكانية ان تقود التحركات
العربية بشأن إحياء عملية السلام إلى تغيير المعادلة القائمة بالفعل
في المنطقة، وهي جمود عملية السلام ، وغياب أي استعداد إسرائيلي
حقيقي للتوصل إلى تسوية تاريخية للصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي
هذا السياق، فهناك الكثير من المؤشرات والأدلة التي تؤكد أن إسرائيل
ليست في وارد التجاوب مع التحرك العربي الجديد بشأن مبادرة السلام
العربية، ولعل من المفيد إيضاح ذلك فيما يلي:
أولا ـ إن حكومة أولمرت هي أضعف حكومة يمكنها أن تتخذ قرارا استراتيجيا
بشأن السلام مع العرب، فهي لا تتمتع بأي قدر من الشعبية يسمح لها
باتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، بل يمكن القول: إن مصير رئيسها أيهود
أولمرت وشريكه الأساسي في الحكومة زعيم حزب العمل عمير بيريتس على
كف عفريت، وأكثر التحليلات في الصحافة الاسرائيلية تتوقع نهاية قريبة
لحضورهما السياسي وذلك بسبب الخيبة والفشل اللذين مُنيا بهما في
الحرب على لبنان خلال الصيف الماضي. فايهود أولمرت تطارده فضائح
تتعلق بالفساد، ويفتقر إلى الكاريزما السياسية، وشعبيته في الحضيض،
وهناك مخاوف من تفكك حزبه "كاديما" إذا استمر في قيادته،
ولذلك يرجح الكثيرون تفادي سيناريو تفكك حزب "كاديما"
عبر نقل قيادة الحزب إلى وزيرة الخارجية ونائبة رئيس الحزب ونائبة
رئيس الوزراء تسيبي ليفني التي تطمح بقوة لتولي رئاسة الحكومة. وبالتالي
فإن ايهود أولمرت ليس القيادة السياسية القادرة على اتخاذ قرارات
تاريخية بشأن قضايا مصيرية مثل السلام مع العرب. أما عمير بيريتس
زعيم حزب العمل فإنه فقد الكثير من شعبيته السياسية بعد الفشل في
الحرب ضد "حزب الله" باعتباره وزيرا للدفاع، وتوليه هذا
المنصب اعتبر بمثابة "خطأ تاريخي" لغياب قدراته وخبراته
العسكرية، فضلا عن أنه أبعده عن تنفيذ برنامجه الإصلاحي الاجتماعي
الذي كان السبب وراء صعود نجمه وشعبيته على نحو أدى إلى فوزه برئاسة
حزب العمل. الآن يواجه بيريتس خطر فقدان زعامته لحزب العمل بعد ان
تحداه ايهود باراك على زعامة الحزب، ويتوقع إجراء انتخابات على زعامة
الحزب بعد حوالي شهر يرجح المراقبون خسارة بيريتس لها، وعودة باراك
لزعامة حزب العمل ، وهذا سوف يؤدي الى ضرورة اعادة تشكيل الائتلاف
الوزاري الذي يشكل حكومة اسرائيل حاليا بشراكة أساسية بين حزبي "كاديما"،
و"العمل". من هنا نقول: إن حكومة تواجه خطر الانهيار،
ويواجه أكبر قائدين فيها خطر السقوط السياسي وانتهاء زعامتهما السياسية
في حزبيهما، هي حكومة لا تستطيع أن تفعل شيئا إيجابيا بشأن عملية
السلام.
ثانياـ إن اسرائيل تستعد في الوقت الراهن لمواجهة ما سمي "بتداعيات
عاصفة نشر تقرير لجنة فينوغراد" بشأن التقصير في حرب لبنان
أو الحرب ضد "حزب الله" الصيف الماضي، وهو التقرير المرجح
ان تصدر صيغته الأولية خلال أسبوع، ويتوقع ان يوجه اتهامات مباشرة
لكل من أولمرت وبيريتس بالتقصير وضعف المهارات القيادية بشأن إدارة
الحرب في لبنان، وأكثر التوقعات تشير إلى ان صدور هذا التقرير سيكون
بداية النهاية للحياة السياسية لكلٍ من أولمرت وبيريتس، لأن النتيجة
المتوقعة هي ان يطالب الرأي العام الاسرائيلي باستقالتهما، ومن ثم
سقوط الحكومة الحالية، والدخول في دوامة تشكيل حكومة سياسية جديدة
في اسرائيل، أو المطالبة بإجراء انتخابات اسرائيلية جديدة كما ستطالب
بذلك المعارضة الاسرائيلية بزعامة نتنياهو، وفي ضوء ذلك كله، يجب
توقع حدوث أزمة سياسية داخل اسرائيل سيحتدم الجدل السياسي بشأنها
طويلا. ورغم صعوبة اسقاط الحكومة لأن الائتلاف الحكومي الحالي بزعامة
حزب "كاديما"، و"العمل" يتمتع بتأييد أغلبية
الكنيست الاسرائيلي، إلا ان أحدا لا يمكنه توقع توابع وتداعيات الزلزال
السياسي المتوقع لنشر تقرير لجنة فينوغراد بشأن الحرب ضد لبنان،
فقد يؤدي إلى خلط الأوراق السياسية داخل اسرائيل على نحو يصعب فيه
توافر استقرار سياسي يساعد على التجاوب مع التحركات العربية بشأن
مبادرة السلام أو البحث في عملية السلام أساسا.
ثالثاـ إن الحسابات الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية والقيادات السياسية
في اسرائيل لا تعطي الأولوية لمسألة السلام مع العرب، التي ترى انها
لا تشكل أولوية حاليا لأنه لا يوجد أي تهديد لاسرائيل إذا استمر
تعثر عملية السلام أو تواصل تجميد جهود التسوية في المنطقة، فإسرائيل
لا تواجه أي خطر لتهديد اقليمي محتمل من جانب العرب، في حين تنظر
المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة بكثير من القلق إلى مخاطر التهديد الاقليمي
الايراني خلال السنوات القادمة. وتعتبر المؤسسة العسكرية الاسرائيلية
ان التقدم في البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديدا مصيريا ووجوديا
لمستقبل وأمن اسرائيل ، لأن نجاح ايران في الحصول على السلاح النووي
سوف يعني انهاء الاحتكار الاسرائيلي للسلاح النووي أو الذري في المنطقة،
وهو ما سيعني تراجع القوة والنفوذ والتأثير الاسرائيلي في عموم المنطقة
، كما انه سيعني ان اسرائيل قد لا تستطيع فرض شروطها استنادا الى
تفوقها العسكري على المحيط العربي. لذلك فان اسرائيل تعطي الأولوية
لحسم معركة البرنامج النووي الايراني، وتعتبر اسرائيل انه ليس لديها
مزيد من الوقت للانتظار، وان عليها استغلال العامين الأخيرين من
ولاية الرئيس بوش وسياساته المتشددة تجاه ايران وخاصة ضد برنامجها
النووي لشن حرب ضد إيران ، وإجهاض المشروع النووي الإيراني عبر حرب
استباقية إجهاضية تجد تأييدا قويا لها من جانب زمرة المحافظين الجدد
المهيمنة على القرار السياسي لإدارة بوش والموالين للوبي الصهيوني.
لهذا، لم يكن غريبا ان نجد عمير بيريتس وزير الدفاع الاسرائيلي يصرح،
مؤخرا، قائلا: إن عام 2007 يجب أن يكون عام الحسم مع إيران. وتشعر
المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بالقلق من تأخر شن الحرب ضد إيران،
خوفا من تراجع قدرة بوش على اتخاذ قرار حرب جديد لاسيما إذا احتدم
الصراع مع الكونغرس الديمقراطي مع قرب دخول عام الانتخابات الأميركية
وقرب نهاية ولاية بوش الثانية عام 2008م. وتخشى المؤسسة الاسرائيلية
من أن الفشل الأميركي في العراق وعدم الحسم مع إيران قد يؤديان إلى
اضعاف المكانة الاستراتيجية الاقليمية لاسرائيل، ومن هنا نلاحظ زيادة
الحملة الاسرائيلية المطالبة بشن الحرب ضد إيران قبل فوات الأوان
بالنسبة لاسرائيل وأميركا. ومن هنا أيضا ، فإن الحرب مع ايران تحتل
الأولوية لصانع القرار السياسي والاستراتيجي في اسرائيل خلال عام
2007، وإذا ما حدث ذلك فسوف يغطي على أزمات حكومة أولمرت وسوف ينشغل
الرأي العام الاسرائيلي بذلك، ويتوحد داخليا خلف حكومته مهما كانت
ضعيفة باعتبار ذلك ضرورة لحماية أمن اسرائيل، وقد يكون في ذلك مخرجا
مرحليا لأزمة حكومة أولمرت.
رابعاـ أجواء الحرب في اسرائيل تمتد من الأزمة الإيرانية إلى شن
حرب جديدة في الشمال ضد لبنان أو ضد لبنان وسوريا، وهي الحرب التي
يطلق عليها في اسرائيل حرب الضرورة لاستعادة هيبة الردع للجيش الاسرائيلي،
فإسرائيل تعتقد أنها لا تستطيع العيش طويلا تحت ظلال وعقدة الفشل
أمام حزب الله، لأن هيبة الجيش الاسرائيلي وقوته الردعية تعرضت لضربة
مهينة على أيدي مجموعات مسلحة تخوض حروب عصابات، وهذا ما يجعل قدرات
اسرائيل السياسية والاستراتيجية في تراجع، كما انها لا تستطيع العيش
تحت شبح انكشاف جبهتها الداخلية لتهديد صواريخ حزب الله، كما حدث
خلال حرب صيف 2006، وعدم نجاح الجيش الاسرائيلي في حماية العمق الاسرائيلي.
ولذلك، فإن قادة المؤسسة العسكرية والقيادات السياسية منذ انتهاء
حرب الصيف الماضي، وهم في دوامة البحث عن السبيل لاستعادة الهيبة
الردعية، والتي لا يرون سبيلا لها سوى شن حرب شاملة ضد لبنان وسوريا
تمكن اسرائيل من ازالة الخطر الصاروخي الذي يهددها من حزب الله وسوريا،
وفرض الشروط الاسرائيلية على كل من سوريا ولبنان، مستغلة في ذلك
التأييد الأميركي المطلق لأي خطوات لتأديب سوريا وحزب الله. ورغم
ان احتمالات الفشل لمثل هذه السياسة تظل قائمة في ضوء قدرة حزب الله
وسوريا على الصمود والرد، إلا أن هاجس تضاؤل المكانة الاستراتيجية
لاسرائيل يبدو حافزا ملحا على قيادات اسرائيل لخوض مغامرات عسكرية
جديدة، وهو ما يعني أن المناخ في اسرائيل ليس مهيئا للحديث عن أي
سلام مع العرب في الوقت الراهن.
خامساـ رغم الاشارات والرسائل الكثيرة التي قدمتها سوريا لاستئناف
المفاوضات مع اسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ولاسيما بعد حرب لبنان
في الصيف الماضي، فإن اسرائيل قابلت ذلك بالصدود والفتور والرفض،
بل وفرض شروط تعجيزية مسبقة مثل ضرورة وقف المساندة السورية لحركات
المقاومة اللبنانية والفلسطينية وتفكيك التعاون مع ايران. والواقع
ان القرار الاسرائيلي بشأن التفاوض مع سوريا أصبح رهينة للإرادة
الأميركية ولقرار إدارة بوش بضرورة رفض اجراء أي محادثات مع سوريا
لأن ذلك سوف يساعد دمشق على الخروج من العزلة السياسية التي فرضتها
عليها إدارة بوش منذ غزو واحتلال العراق، ثم بعد جريمة اغتيال رفيق
الحريري في لبنان. وتعتبر أميركا ان سوريا مسئولة عن اثارة المشكلات
أمام السياسة الأميركية في العراق ولبنان، ومن هنا، فان ادارة بوش
تمارس ضغوطا هائلة على اسرائيل لمنع أي استئناف للتفاوض مع سوريا،
ولن تستطيع حكومة أولمرت التفاوض مع سوريا في إطار تحريك أو تفعيل
مبادرة السلام العربية، وهو ما يعني ان احتمالات احياء عملية السلام
في ظل الظروف الراهنة تبدو أقرب إلى الخيال، وضربا من المستحيل.
سادساـ إن اسرائيل تنظر إلى تفعيل المبادرة العربية للسلام بعد قرارات
قمة الرياض على انه وسيلة للحصول على مكاسب تطبيعية مجانية مع الجانب
العربي، ومن ذلك حديث أولمرت عن عقد مؤتمر عشري يضم عشرة أطراف هي
أعضاء الرباعية الدولية والرباعية العربية (السعودية، الإمارات،
الأردن، مصر)، بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية واسرائيل، في تجاهل
واستبعاد لسوريا ولبنان رغم استمرار احتلال اسرائيل لأراضيهما، وبذلك
تحاول اسرائيل كسب اجراء اتصالات مباشرة وعلنية مع كل من السعودية
والإمارات تحت ذريعة بحث "المبادرة العربية للسلام"، من
دون أن تقدم اسرائيل أي تنازل بشأن الانسحاب من الأراضي المحتلة
أو التسوية مع سوريا ولبنان أو حل القضية الفلسطينية. ولهذا، فإن
الجانب العربي يجب أن ينتبه جيدا للمناورات الاسرائيلية في هذا الشأن،
ويعيد تقييم موقفه على نحو صحيح بحيث لا يقدم لاسرائيل مكاسب سياسية
مجانية مقابل لا شيء أو الانخذاع بأوهام ووعود كاذبة سواء من الجانب
الاسرائيلي أم الأمريكي. ومن الملاحظ في هذا الشأن ان التحركات الاميركية
والاسرائيلية تعطي الأولوية للتطبيع على حساب تحقيق تسوية شاملة
للصراع العربي ـ الاسرائيلي بحجة ان التطبيع العربي مع اسرائيل سوف
يعزز ثقتها باعتراف العرب بوجودها مما يشجعها على تقديم "تنازلات"
في عملية السلام، وهو وهم جديد يتم ترويجه وبيعه للعرب، والأمل ألا
ينخدع العرب بذلك أبدا. فهناك من المؤشرات ما يؤكد ان اسرائيل ليست
مستعدة للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة لا الآن ولا في المستقبل،
ناهيك عن تجاهل حل قضية اللاجئين، وآخر الابتكارات الاسرائيلية في
هذا الشأن، هو ما تتداوله الصحافة الاسرائيلية عن الصيغة الوحيدة
التي يمكن لاسرائيل في ظلها إبرام اتفاقيات سلام نهائي مع العرب،
وهي الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة مقابل أن تتعطف اسرائيل بمنح
السلام للعرب، لتصبح الصيغة الجديدة لمقولة "الأرض مقابل السلام"
هي ليس استعادة الأراضي المحتلة مقابل السلام مع اسرائيل، ولكن احتفاظ
اسرائيل بالأراضي العربية مقابل قبولها بتحقيق السلام مع العرب.
وهكذا يتضح لنا خرافة تحقيق السلام مع اسرائيل في ظل الظروف الراهنة،
والأفضل للعرب أن يعيدوا حساباتهم السياسية على نحو استراتيجي بما
يوفر مقومات المنعة والردع الاستراتيجي العربي بدلا من الركض وراء
سراب السلام وأوهامه مع اسرائيل.
عبد المالك سالمان*
* كاتب وباحث في الشؤون السياسية
أعلى