كلمة ونصف
لمن التبرعات
تنافس العديد من الجهات الحكومية، جمعيات المجتمع
المدني على اختلاف أنواعها التطوعية والخيرية والمهنية على حصة الرعايات
من القطاع الخاص، في تسويق فعاليتها وأنشطتها وتمارس هذه الجهات
ضغوطاً غير عادية وبكل الطرق لنيل حصة من الكعكة التي تخصصها الشركات
والبنوك للإعمال ذات النفع العام للأسف.
فبلا شك انه مع تنامي ثقافة التبرع والمسؤولية الاجتماعية للشركات
والتعاطي الإيجابي مع هذا الجانب، ومساهماتها الإيجابية في خدمة
المجتمع عبر هذه الجمعيات نجد بعض الجهات الحكومية تلجأ الى الشركات
لرعاية فعالياتها الرسمية، وأخذ حصة كبيرة من الدعم المخصص للأعمال
الخيرية والتطوعية وكان من الأفضل أن تعمل الجهات الحكومية على إيجاد
موازنات لمثل هذه الأنشطة بدلاً من اللجوء الى الشركات مزاحمة هذه
الجمعيات على هذه الحصة.
فاليوم نشهد العديد من الفعاليات الرسمية مثل مهرجان مسقط ومهرجان
الخريف ومؤتمرات تنظمها جهات حكومية تستحوذ على نصيب الأسد من حصة
التبرعات التي تخصصها المؤسسات، على حساب دعم الأعمال التطوعية التي
تتطلب المزيد من الدعم والمساندة من الجهات الحكومية والخاصة على
السواء.
والجمعيات الخيرية والتطوعية بما تقوم به من دور هام في دعم الأعمال
التطوعية تخدم شرائح واسعة من الفئات المحتاجة، لا يخصص لها موازنات
مثل الوحدات الإدارية بالدولة، وبالتالي تعتمد كل الاعتماد على المبادرات
من القطاع الخاص، ورجالات الخير في دعم أنشطتها.
بالطبع مؤسسات القطاع الخاص من مسؤولياتها الاجتماعية دعم الأعمال
والأنشطة ذات النفع العام، وللفئات التي تحتاج الى المساعدة، خاصة
من فئات ذوي الاحتياجات الخاصة على اختلاف أنواعها ، لكن ان يدعم
مؤتمرات وأسابيع تنظمها جهات حكومية امراً غير مناسب ، ولكن أمام
الضغوط والمجاملات ترضخ بعض الشركات للعديد من المطالب غير الواقعية.
فمن الأهمية ان نتقن التبرعات وتوجه الى القنوات الصحيحة التي ينبغي
ان تتوجه اليه هذه الجهات ، وان نبلور اتجاهات ايجابية لمفاهيم التبرعات
والمسئولية الاجتماعية التى يتطلب ان تتركز في الأنشطة ذات النفع
العام والجهات التى لا تتلقى دعماً حكومياً.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

بإختصار
بعد سنتين من خروج القوات السورية
في يوم الذكرى الثانية لانسحاب القوات السورية
من لبنان وجد الشابان المخطوفان مقتولين .. عمل اجرامي يدلل على
صورة الاحتقان اللبناني واشتداد العصبية الداخلية التي مازالت مشدودة
منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري .
ومع الامنية ان لا تحصل ردود أفعال على الجريمة المروعة إلا ان الخطأ
في تفسير بواعث ما حصل قد تأخذ لبنان هذه المرة إلى دائرة عنف وعنف
مضاد وقد تكون تلك الحادثة شرارته التفجيرية والصاعقة الذي سيؤلب
المجتمع كله ليأكل شرائحه الاجتماعية ويعقد الامور المعقدة اصلا
والمتوترة على مدار الساعة . وإذا كان العقلاء في أهل القتيلين سينجحان
في التمسك برأي وليد جنبلاط في التهدئة ، فان الازمة ستعبر ، لكنها
ستخلف وراءها خوف تجددها على أيدي طوابير من المندسين .. ففي المناخ
اللبناني غير المستقر والمتشنج يمكن توقع كافة الاشكالات والتصرفات
التي قد تخطر على بال أو لا تخطر .
فتحت الازمة اذن مشكلة الامن في لبنان منذ غياب القوات السورية ..
كما انها أثبتت من جديد حاجة اللبنانيين إلى أمن موثوق فيه له قدرته
على اطفاء التوترات والتعامل معها قبل وقوعها .. ان أهمية الامن
دائما هو في قدرته على قراءة الصورة قبل وقوع الاشكال ، وينجح الامن
المتطور والدارس لشتى ظواهر المجتمع ان يتوقع شتى الاحتمالات فيعمد
إلى تنفيسها بل وإلغائها قبل ان تتطور .
لا يمكن فصل قتل المخطوفين عن جملة الاسباب الضاغطة على عنق اللبنانيين
.. ان حادثا من هذا النوع يمكن توقعه حتى في المجتمعات المتقدمة
، لكنه في لبنان له خصوصيته بمقاييس تركيبته الطائفية والمذهبية
، كما لا يمكن لحادثة من هذا النوع ان تمر دون ان تترك بصماتها الثقيلة
على تلك التركيبة الهشة الفاقدة لحس الانتماء الوطني الحقيقي . ان
شعب لبنان بأكمله اليوم بات رهينة للرعب المستشري في النفوس بعدما
فقد الامن والامان .. ويلعب الجيش البناني دورا في زراعة الامل كونه
مازال متماسكا ، لكن هذا الجيش ذهب أكثره إلى الجنوب (20 ألفا) لمساعدة
القوات الدولية على اقامة أمان والوقوف الممكن بوجه التهديدات أو
التحرشات الاسرائيلية .
في الذكرى الثانية لانسحاب القوات السورية التي صادفت يوم السادس
والعشرين من الشهر الجاري ، ينقسم المجتمع اللبناني بين مؤيد لضرورة
وجود تلك القوات وبين معارض لها ، وهذا المفهوم السياسي المعقد ما
كان ليحصل لولا تآكل الحالة الداخلية وتعاظم الخطر على السلم الاهلي
.
بانتظار الساعات القادمة التي تظهر صورة الردود على قتل المخطوفين
، وطبيعتها وما قد يلي ، فان عوامل الاحتقان الزائدة ستزيد من ارباك
الساحة .. فبعد ان كان الشد قائما بين المعارضة والموالاة (الاكثرية)
، ها هو يهبط إلى مستوى الشارع ويدخل في عمق المعطى الشعبي اللبناني
ليضيف أخطر المراحل , وأشدها تأثيرا .. وإذا ما تنبهت القيادات في
الطرفين (المعارضة والموالاة) على النتائج ، فان عليها ان تعيد قراءة
حساباتها ، وهي التي دعت دائما إلى ان الحرب الاهلية ممنوعة ، ومازالت
متمسكة بمواقفها رغم ان حادثة القتل الاخيرة قد تفتح خيارات جديدة
في جدارها الأصم الذي لم يتزحزح حتى الآن .
قد لا تقبل الآن نظرية الامن المستعار بعد مرور سنتين على خروج القوات
السورية ، إلا ان التفكير مشغول الآن بامكانية السيطرة الامنية الوطنية
على نتوءات تفجيرية .. لكن الامن سياسي بالدرجة الاولى ، وإذا ما
توافق سياسيو لبنان من الطرفين المتصارعين على مفاضلات المرحلة فان
نصف المسافة نحو حل شعبي في طريقها إلى النجاح .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أقول لكم
كوميديا سوداء
لجنة خبراء أميركية أوصت بفرض حظر على المأكولات
والمشروبات المحتوية على السكر والكافيين والدهون في المدارس ، لمواجهة
ارتفاع معدلات البدانة بين الطلاب الأميركيين مع التداعيات الصحية
السلبية لهذه الظاهرة ، وهذه التوصية ليست بالجديدة ، فقط حياة الانسان
المعاصر الذي تتدنى استخداماته لقواه العضلية مع الافراط في الوجبات
المشبعة بالدهون ، هو الذي أفرز مجموعة من الأمراض لم تكن شائعة
في الأجيال السابقة ، تحت ضغط الالحاح الاستهلاكي باعلانات تغري
بالاشباع حتى الافراط من كل شيء ، حتى لو كان الثمن صحة الانسان
وربما حياته أيضا .
المشكلة أساسها إقتصادي ، فالانتاج السلعي الضخم من المشروبات الغازية
والوجبات السريعة يريد تسويقا والمنتجون يلجأون إلى اكساب منتجاتهم
مذاقا مرغوبا مستساغا يضمن وقوع المستهلك في براثن ادمان هذه المنتجات
، حتى لو كانت بعض المواد المضافة مثل مكسبات النكهة واللون والرائحة
لها تأثير سمي على المدى البعيد ، وتتكفل أساليب الترويج الشيطانية
بابراز مزايا هذه المأكولات والمشروبات ، وعقد قرانات شرطية بينها
وبين معاني الصحة والقوة والحيوية والنشاط ، مع اللجوء أحيانا لأساليب
غير مشروعة للتعتيم على أي بحوث أو آراء توضح المخاطر الصحية لهذه
المنتجات .
والأمر شبيه بما تفعله شركات صناعة السلاح واحتكارات تجارته ، فالكل
يعلم أنها تجارة للموت والتدمير ، لكن دواعي التسويق تتطلب إثارة
النزاعات المسلحة واذكاء نيران الحروب وصناعة الخوف ، وكلها تؤدي
إلى رواج مبيعات أدوات القتل والتخريب ، مع تقلص فرص التسوية السلمية
، والعالم كله يخسر ليربح منتجو وتجار أسلحة الموت وذخائره ، وتصل
الكوميديا السوداء إلى ذروتها في الاستخفاف بعقول المستهلك عندما
تصور الاعلانات من يتناول إحدى شطائر الوجبات السريعة مقترنة بزجاجة
كولا ، وقد تحول إلى (سوبرمان) قادر على إتيان المعجزات !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

اصداف
الفترة الذهبية
يمكن القول، أن الفترة الذهبية، التي عاشها
الإعلاميون الجدد في العراق، قد بدأت منذ التاسع من أبريل2003، عندما
تحدثت جميع وسائل الإعلام، التي تعمل في العراق عن أكبر انتصار تحققه
القوات الأميركية وبزمن قياسي، لم يتجاوز الثلاثة أسابيع ، ولم نسمع
عن مضايقات أو محددات تعرض لها الإعلاميون خلال الأسابيع اللاحقة،
من يوم احتلال بغداد، لأن جميع وسائل الإعلام اتجهت إلى تناول جانبين
أساسيين، أما الحديث عن المنجز الأميركي ، وعن سلطة الاحتلال، وما
يدور في فلكها، أو الحديث عن سلبيات النظام السابق، ولم تخرج وسائل
الإعلام عن هذين الاتجاهين ، وهما يخدمان السياسة الأميركية، ويؤسسان
للمشروع الأكبر، الذي تعمل الإدارة الأميركية على تنفيذه من جراء
غزو العراق واحتلاله.
خلال هذه المدة، انتعشت وسائل الإعلام، وعاشت فترتها الذهبية، لأنها
تكيل المديح للمنجز العسكري الأميركي، وترصد وتتابع المشروع الأميركي
الجديد في العراق، فكانت أخبار جي غارنر وفريقه تشغل وسائل الإعلام،
ومع وصول سلفه بول بريمر منتصف الشهر الخامس(مايو) 2003، اتجهت بوصلة
وسائل الإعلام، لتغطي كل ما يقوله ويتحدث به. وهذا الواقع ، يشجعه
المنتصر، ويحرص على توظيف وسائل الإعلام، لتخدم مشروعه.
لكن ما هي إلا أسابيع، حتى بدأت الغيوم تزحف بقوة على الفترة الذهبية
تلك، والسبب واضح ، إذ بدأت المقاومة العراقية، تشن هجماتها ضد قوات
الاحتلال الأميركي، وتحولت الغيوم إلى حالة من التشنج، ومع ازدياد
العمليات التي تنفذها المقاومة العراقية، والتي وصل معدلها إلى خمسة
وعشرين هجوما في اليوم الواحد، خلال شهر يوليو2003، أي بعد عشرة
أسابيع من احتلال بغداد، وهذا الرقم اعترف به قائد القوات الاميركية
عبر تصريح رسمي موثق، ولم تطول فترة التشنج ، لتتحول الى اعتقالات
ومضايقات ، اذ اتجهت القوات الاميركية ، الى اتهام أي صحفي ينقل
تفاصيل هجوم للمقاومة العراقية، بأنه يتعاون مع المقاومة، بحجة معرفته
بمكان ووقت تنفيذ الهجوم، وحقيقة الامر غير ذلك، اذ ان الاعلاميين
رصدوا المناطق والطرقات التي تحصل فيها الهجمات، فتواجدوا هناك،
لكن هذا الامر ازعج الادارة الاميركية، ومنذ ذلك الوقت، بدأت اميركا
تتصرف بطريقة المهزوم، لان الاعلام عدوه، ومع هزيمة القوات الاميركية
امام رجال المقاومة في معركة الفلوجة الاولى مطلع ابريل2004، ازدادت
حدة التعامل مع وسائل الاعلام، لان هزائمهم اخذت طريقها الى العالم
، فبدأت حملة مضايقات شديدة على وسائل الاعلام، وقتل الجنود الاميركيون
مصورا قرب سجن ابو غريب قالوا: إنهم ظنوا ان الكاميرا التي يحملها
قاذفة صواريخ ، وسددوا قذائفهم ليقتلوا الصحافي الفلسطيني مازن الطميزي
في شارع حيفا، وسقط كثيرون من حملة الاقلام واصحاب الكلمة على ايدي
الاميركيين ، واصبح الاعلام عدوهم في العراق ، بعد ان كان من اقرب
الاحبة اليهم.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidyy@yahoo.com
أعلى

أطياف
إيران والأميركان .. وإثبات الوجود
يقول الخبر:" اتهم القائد الأعلى للقوات
الأميركية بالعراق الجنرال ديفيد بتراوس قوة القدس وهي وحدة من عناصر
النخبة في حرس الثورة الإيرانية، بتمويل وتسليح المقاتلين الذين
خطفوا وقتلوا خمسة جنود أميركيين في يناير الماضي في كربلاء جنوبي
العراق. وقال:" ليس هناك من شك في أن التمويل يمر عبر قوة القدس
التابعة لحرس الثورة الإيرانية". انتهى.
استغرب كثيراً حين يتهم الأميركان أو إن صح وجاز التعبير، أستغرب
من (استغراب ) الأميركان لقيام إيران بتمويل عمليات ضد قواتهم المنتشرة
في العراق، هذا إن افترضنا صحة ما يذهب إليه الأميركان في هذا الصدد.
ونحن الآن لسنا بصدد بيان صحة دعم إيران أو وقوفها خلف عمليات ضد
القوات الأميركية في العراق من عدمه. المسألة تحتاج إلى أدلة وهي
التي لا يملكها الأميركان بشكل واضح جلي وإنما أغلبها شكوك ..
لكن لو افترضنا صحة معلومات الأميركان أو شكوكهم في تصرفات إيران
نحو قواتهم أو وجودهم بالعراق بشكل عام ، فإن ما تقوم به إيران هو
الواقع ! وقد تتساءلون عن واقعية ذلك ؟ إن وجود قوة كبيرة هائلة
مسلحة بأحدث نظم التسليح في العالم على حدود دولة كبيرة لها وزنها
وثقلها في منطقة هي الأهم في العالم كله اليوم ، لا بد وأن يجعل
من الدولة الثانية لا تهدأ دقيقة واحدة دون أن تقول كلمتها بصورة
وأخرى . وماذا يعني هذا أيضاً ؟
إنه يعني بكل وضوح أن إيران - لو صحت معلومات الأميركان عن وقوفها
ضد هجمات دامية ضد قواتهم - تريد أن تبعث برسائل غير مباشرة إلى
البيت الأبيض أنها موجودة وإن من الخطأ وعدم المنطق تجاهلها في أي
مخطط أو ترتيبات للمنطقة يتم الإعداد لها في دهاليز البنتاغون أو
الاستخبارات الأميركية.
تريد أن تقول طهران: أنا هنا يا أميركان. وبغض النظر عن أي تحسن
في العلاقات أو تدهورها، فإن هذا أمر والترتيب المستقبلي للمنطقة
بما فيها العراق ، أمر آخر لا يقل أهمية عن قوة وجودة العلاقات الدبلوماسية
الإيرانية والأميركية.
خلاصة القول: لو صحت معلومات الأميركان عن دعم إيراني محتمل لهجمات
ضد قواتهم في العراق كانت أو كائنة الآن أو ستكون في المستقبل ،
فهو دعم طبيعي منطقي كانت لتقوم به أي دولة أخرى لو كانت في وضعية
إيران ، وفي جوارها دولة مثل العراق ذات أهمية استراتيجية ، انفلت
الأمن فيها بشكل واضح. وأحسب أن كل ما يدور بين إيران والأميركان
في كثير من المجالات والملفات ، إنما هو من هذا الباب أو بسبب العراق
ليس أكثر. وهل هناك ما هو أهم واكثر من العراق الآن ومستقبلا
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى
لماذا يرفض بوش الانسحاب من العراق؟
قبل أربع سنوات من الآن وقف الرئيس الأميركي
جورج بوش على ظاهرة حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس إبراهام
لنكولن" معلناً انتهاء العمليات العسكرية في العراق. حينها
لم يدرك الرئيس بوش أن الطريقة السهلة التي سقط بها النظام السابق
بقيادة صدام حسين، سوف تخفي وراءها الكثير من المآسي والصعاب التي
ستكشفها وقائع الزمن بعد ذلك التاريخ.
الآن يعيش الرئيس بوش أسوأ فترات حكمه منذ وصوله إلي البيت الأبيض
قبل ست سنوات ، فلا المحافظين الجدد الذين أوهموه بغزو العراق بقوا
أوفياء له ولمشروعه الامبراطوري ، بل فر معظمهم مع أفكاره الكارثية
من أمثال ريتشارد بيرل أو أمير الظلام حسبما يطلق عليه ، في حين
سقط البعض الآخر في شر أعماله ويواجه عقوبة السجن كما هو الحال مع
دوغلاس فيث مدير مكتبه ، ويواجه بعضهم أيضا مذلة الفضيحة على غرار
الحال مع بول وولفيتز. ولا الديمقراطيين الذين أيدوه في حربه بقوا
على موقفهم ، في حين يشهد النظام السياسي الأميركي حالياً انشقاقاً
رأسياً لم يحدث له مثيل بسبب الصراع الكبير بين البيت الأبيض والكونغرس
الأميركي.
فقبل يومين أقر الكونغرس مشروع قانون يشترط الموافقة علي ميزانية
الحرب علي العراق وأفغانستان بتحديد جدول زمني للانسحاب من العراق
يبدأ في أكتوبر المقبل وينتهي افتراضياً في أوائل إبريل 2008، وهو
القانون الذي من المتوقع أن يرفضه الرئيس بوش استناداً لحقه في الاعتراض
"الفيتو" ما يعني عودة مشروع القانون مجدداً إلي الكونغرس
كي يحظي بأغلبية الثلثين كي يمكن تمريره.
القضية ليست ميزانية الحرب ، فمن المتوقع أن يتم تمريرها سواء رفض
الديمقراطيون أم وافقوا ، حيث لا يحظون بأغلبية الثلثين التي تمكنهم
من تمرير القانون ، وإنما هي في الإصرار الغريب للرئيس بوش علي البقاء
في العراق ، دون القدرة علي الوصول إلي حل سياسي يضمن انسحاباً مشرفاً
للقوات الأميركية من هناك.
الحجة الرئيسية التي يستند إليها الرئيس بوش في عدم إقدامه على تحديد
جدول للانسحاب من العراق تتمثل في مخاوفه من أن ينظر للانسحاب علي
أنه نصر للمتطرفين والقاعديين والإرهابيين علي الولايات المتحدة
، وهنا يبرز سؤال: ماذا يمكن تسمية ما يحدث الآن في العراق من قتل
وتدمير ، ما لم يكن هزيمة للولايات المتحدة ، وذلك بغض النظر عن
الفائز منها وهو حتما ليس الشعب العراقي. الأمر يتعلق بأرواح المدنيين
العراقيين التي تزهق سواء بفعل رعونة جنود الاحتلال ، أو بسبب القتال
الطائفي العنيف الذي أفرزته سياسات الاحتلال علي مدار السنوات الأربع
الماضية.
واقع الأمر أن ثمة مبررات خفية تقف وراء رفض الرئيس بوش سحب قواته
من العراق ، أو على الأقل تحديد جدول زمني له ، أولها الطبيعة الشخصية
للرئيس بوش والتي تتميز بقدر كبير من العناد والصلف والغرور، والتي
تكاد تشكل سمة رئيسية في مختلف قرارات الرئيس بوش سواء عند غزوه
للعراق أو تعاطيه مع إيران، أو نظرته للقضية الفلسطينية، ناهيك عن
العلاقة مع سوريا. وتبرز هذه الطباع الشخصية بشكل واضح عندما يبدو
في الأفق مخرج لأي من هذه الأزمات، يتم تعطيلها بسبب عدم رغبة الرئيس
بوش في التخلص من نظرته الضيقة للأمور، فعلي سبيل المثال لم يكترث
بوش لتوصيات لجنة بيكر هاميلتون والتي كان من الممكن أن تحفظ ماء
وجهه وتوفر له ولقواته مخرجاً مشرفاً ليس فقط من الورطة العراقية،
وإنما أيضا من مستنقع الشرق الأوسط بوجه عام.
ثانيها، الخلفية الأيديولوجية للرئيس بوش، والتي تستند إلى الأفكار
المحافظة ، التي تمجد الحلم الامبراطوري الأميركي وتدفع في سبيل
تحقيقه بشتى الوسائل بما فيها الحرب والعسكرة. ويكفي أن نتابع الأخبار
الراهنة حول الصراع البارد بين روسيا والولايات المتحدة بشأن السعي
الأميركي لنشر الدرع المضاد للصواريخ في أوروبا، والتي دفع روسيا
إلى تعليق مشاركتها في معاهدة خفض الأسلحة غير النووية في أوروبا
التي تم إقرارها أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
ثالثها، طبيعة التحالفات وشبكة العلاقات التي تحرك السياسة الخارجية
الأميركية، والتي تقف وراءها أياد خفية كثيرة. ولا تكاد مقولة الحرب
على الإرهاب تبتعد كثيراً عن محاولات الولايات المتحدة عسكرة العلاقات
الدولية بهدف تثبيت نفسها كقطب عالمي أوحد تستطيع من خلاله السيطرة
على الأسواق العالمية سلعاً ومنتجات ومواد خام. وهو حلم تغذيه العلاقات
الخفية لعالم المال والأعمال والمجمع الصناعي العسكري الأميركي،
ويقف ديك تشيني نائب الرئيسي الأميركي كلاعب مهم ومؤثر في رسم الكير
من ملامحه.
هذه السمات الثلاث تغزل سوية موقف الرئيس بوش من مسألة الانسحاب
من العراق، فالعراق يجسد نموذجاً صغيراً لحلم امبراطوري كبير ، يدفع
المواطن الأميركي فاتورته من ماله ودمه.
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany@yahoo.com
أعلى

في الوطن والمواطَنَة
الوطن، هل هو مجرد أرض تعيش عليها كما يمكن
أن تعيش على سواها ، أم أن خصوصية أرضه في النفس والعيش فيها تكاد
تنتزع معنى العيش ومضمونَه من أية أرض أخرى تقيم عليها وأنه يعني
للمرء ما هو أكثر بكثير من التراب والماء والعمران والمادة المرتبطة
بالطين والناتجة عن العمل فيه ، وأن خصوصية ذات أبعاد روحية وعاطفية
وتاريخية ، فردية وجماعية ، تجعل لأرض وبيئة وموقع مكانة لا تعوَّض
، مما يصدق فيه قول الشاعر أحمد شوقي؟!
قد يهون العمر إلا ساعة وتهون الأرض إلا موضعا
كثيرون يغتربون عن الوطن لأسباب مختلفة وكثيرون
يغتربون في الوطن لأسباب كثيرة ، إرادية أحياناً وغير إرادية في
كثير من الأحيان ، ولكن من يحمل الوطن في الأعماق ، بكل ما يعنيه
الوطن للمنتمي إليه من معان وقيم وأبعاد ، يبقى ملتصقاً به حاملاً
لهمه مسربلاً بألمه ودمعه وربما طينه ودمه ، ويبقى حيوية حضور لحالة
من الطموح لا تتحقق إلا بانسجام وتداخل عضويين مع الوطن بمفهوم المواطَنة
الأرسخ والأكثر شمولاً. ولا تتأتّى هذه الحالة إلا لمن يتوسّد أرضه
ويحمل قضاياه ويعمل على خلاص مشترك عام لـه ولكل من وما يعنيه لديه
مفهوم الوطن ومعناه والانتماء إليه.
بعيداً عن الأرض والبيئة والناس يعيش المرء غربة قاتلة لا يعوّضه
فيها عن وطنه ومجتمعه مالٌ ولا استقرار وازدهار، وبعيداً عن وطنهم
ومجتمعهم يعيش أشخاص حياة حافلة على حساب الوطن والمجتمع خارج قيم
المواطَنة وعلى جثتها وبعيداً عن دائرة القيم ، يفعل ذلك باسم الغربة
والمنفى المختار أو المصطنع أو الاضطراري أحياناً. ومن يصبح وطنه
الدولار أو المرأة أو الشهرة أو العمل المجزي مادياً إنما يقوم بعملية
استبدال سهلة عليه لأنه يكون مهيأً لها ولديه الاستعداد لأمثالها.
أدرك كم هي شدة اللحظات المُرّة التي يمرّ بها الشخص من أولئك أحياناً،
عندما يقارن بين ما كسبه وما خسره من تلك المقايضة ، هذا إذا تمكن
من إجراء مثل هذا الحساب مع ذاته بموضعية وصرامة. وهناك حالات يقوم
فيها أشخاص بمثل تلك الحسابات المضنية وينجحون في استعادة ذاتهم
ومواطَنتهم، وهناك حالات ينكسر فيها الشخص وتبقى أشلاء روحه في خصام
مع ذاته ومع جسده .. ولكن كثرة من الناس لا تفلح بالقيام بمثل هذه
المراجعة.
وبعيداً عن الوطن يعيش أشخاص حالة إكراه على الاغتراب لأسباب منها
ما هو مشروع ومسوّغ ومنها ما هو نتيجة فعل مبني على خطأ أو ناتج
عن سوء تقدير وطموح وتطلّع غير محسوبين جيداً، ومنها ما هو نتيجة
تطرّف في التصرف أو التطلع أو الطموح تحكم عليه ولا تحكم له، ومنها
ما هو نتيجة فعل بعض مَن في الوطن ممن يرغبون في الاستحواذ على كل
شيء فيه مما يخص الآخرين ادعاءً منهم امتلاك وعي أعلى وانتماء أشد
وفهم أشمل ، أو إشباعاً لتسلط وتعبير عن مرض أو تشوّه في الرؤية
والممارسة والانتماء ، إذ يعطون لأنفسهم ما ليس لهم وما لا يستحقون،
ويساعدهم في ذلك وعليه غياب القانون والمعيار والضبط والربط وقصور
المرجعيات أو تواطؤها أو سكوتها لأمور في النفوس، ومنها ما ينتج
عن فعل مرتزقة وفاشلين لا يملكون إلا القدرة على الوشاية والكذب
والافتراء ليرفعوا من شأن أنفسهم أو من يستأجرهم ويوظفهم لذلك على
حساب الحقائق والوقائع والكرامة والوطن، وبعضها ينتج عن ممارسة أشخاص
هي أقرب إلى القرصنة المحمية من الحساب والعقاب.
وكلٌ صنف من أولئك يعيش مأساة أو يتسبب للآخرين والوطن بأن يعيش
هو المأساة ، مع اختلاف في الدافع والباعث والنية والغاية ونوع الوسيلة
وشرفها.
والوطن عند أشخاص بقرةٌ حلوب والكلام في الوطنية تجارةٌ كَسوب وعند
آخرين متاهة انتماء لا يكاد يتبيّن الواحد منهم تفاصيل مقوماتها
وقيمها ومسالكها ومنافعها ولكنه يُعْجَن فيها ومعها ولا يمكن فصل
مائه عن طَحينه. والوطن عند أشخاص أمٌ شجرة ، لا يستطيعون تصور الانفصال
عن جذورها وأغصانها وثمارها وظلالها وحنانها ، ويتحولون من تمثال
شمع إلى بركة دمع عند فراقهم لها أو غضبها منهم أو تخليها عنهم.
والوطن عند أشخاص ظل عال لكل المعاني والقيم والواجبات والتضحيات،
يعرفون أنه يملكهم وما يملكون ولا يرون أن لهم فيه أو عليه حقاً
من أي نوع .. يقدمون ولا يطلبون، وحين يحرمهم من فرصة العمل الشريف
والعيش الكريم فيه ويجحدهم ويلاحقهم سفلته وسفهاؤه على نحو ما، يبتعدون
عنه جسداً باكين منه بصمت مشتعلين بالحنين إليه ويذوبون فيه روحاً
وتنبري أجسادهم من شدة الوجد والكَمَد .. وحين يصرخ حاجةً لهم واستنجاداً
بالمخلصين من أبنائه يتراكضون إليه ويسفحون دمهم من أجله بصمت وامتنان
.. تاركين لأسَرهم من بعدهم الفقر والمعاناة وبعض الانتشاء والذكريات
التي لا تلبث أن تُنسى ويُنسى أصحابها ، وهي في وقت سخونتها وراهنيّتها
لا تقيم لأولئك المقبلين على الموت الكريم من أجل حياة الوطن ، لا
تقيم لهم عند بعض مواطنيهم أية ملامح لأشخاص وذوات لها وجوه وأسماء
وحضور وغنى .. وإنما تدخلهم مَجْهَل الذاكرة بوصفهم كتلة غائمة مجهولة
تصعّد بتسامٍ في حالات إلى مرتبة الشهادة والشهداء .. وهي كلمة تبقى
لدى كثير من شرائح الناس وفي مساحات من الذاكرة والوجدان والممارسة،
مجرد ومضة تشبه رفرفة علم الوطن في الريح عند أداء التحية لـه في
صباح يوم شديد البرودة.
ولك أن تقارن هذه الشريحة الأخيرة ممن يعني لهم الوطن هذا المعنى
مع شريحة أخرى في الوطن تأكل الأخضر واليابس، أو تسعى لتأكل الأخضر
واليابس، وتتعالى على الناس بفسادها في الأرض وقدرتها على الإفساد
والقفز فوق القانون، وتسيء إلى الوطن وتدعي أنها تحسن إليه ، وتراوغ
بادعاءات كثيرة وكبيرة منها "احتكارها الوطنّية " من دون
الناس في ادعاء فارغ من أي مضمون وممارسة نوع من الوصاية وهي وصاية
قصَّر على راشدين تفرضها القوة أو الجهل ، وترى أن من حقها أن تضع
في رصيدها الخاص تضحيات الآخرين ودماءهم ودموعهم لتجبل من ذلك لبنة
تقف عليها فترتفع فوق الرؤوس والقامات والمقامات "بوصفها الوطن"!
وما هي في حقائق الأمور إلا سرطانه القتال.
ولك أن تعقد مقارنة بين المتزاحمين على أبواب الوطنّية من هذا النوع
وفي هذا الاتجاه وهم يستلّون سيوفهم لينتزعوا قمر الوطن ممن يمسكون
به ينظرون إلى بهائه ويحافظون عليه أو يهمهم أمره .. يمسكونه بدعوى
أنهم نوره ، والأشد حرصاً عليه، والأقدر على خدمته، والأكثر وعياً
باحتياجاته واحتياجات الناس فيه وبما يرفعه وما يبنيه.. وحين يدمره
" حرصُهم المدعى" يتفرقون كمن يفارق ميتاً، ملقين العبء
والمسؤولية على الآخرين ، متهمين من يحرص على الوطن حرصاً نبيلاً
بأنه مسؤول .. مسؤول عن إخفاق هو سببه وليس من صنع أيديهم التي طعنت
ونهَبت وأفسدت وباعت واشترت.
الوطن قيمة والحياة منظومة قيم ، والإنسان الحي بوصفه مواطناً حريصاً
على حقه في الحياة وعلى نوع الحياة التي ينشدها والوطن الذي يرفعه
هو مجموعة من الاختيارات والمبادئ والمشاعر والاحتياجات والمصالح
والعلاقات ومقومات الانتماء والاعتقاد ، تتداخل وتتفاعل عضوياً لتجعل
منه قيمة في الوطن والحياة أو عبئاً على قيم الوطن والمواطنة والحياة.
إنه يعيش .. ومن حقه أن يعيش ، ولكن كيف ، وبأية وسائل وأدوات، ولأية
أهداف وغايات، وماذا ينشُد في الحياة؟ وهل يراها تكليفاً، أم ممراً
لمستقر، أم أنها نموٌ طبيعيٌ نتيجة تفاعلات حيوية لا ترتّب شيئاً
من بَعد الفَناء ومن ثم هي انفلات طاقة شيطانية من كل قيود العقائد
والقيم والمعايير والضوابط ومن قيود المجتمعات والقوانين والدول،
إن استطاع صاحبها إلى ذلك الانفلات سبيلا؟!
إنه يعيش ومن حقه أن يعيش .. ولكن هل يكون ذلك على حساب الآخرين
وحرياتهم وحقوقهم في العيش والمواطَنة؟! وإذا انفلتت فئة من الناس
من كل قيمة وقيد وقانون ، مستفيدة من فهم خاص للحرية والشطارة والقوة
والمواطَنة ، وبطشت بالآخرين والتهمت حقوقهم وأفسدت بذلك أو من أجل
ذلك شروط العيش جماعة ودمرت البيئة الخلقية والاجتماعية والطبيعية
ومفاهيم المواطنة والشراكة الاجتماعية .. فما الذي يفضي إليه فعل
من هذا النوع؟ وما هو مردود ذلك على الوطن والناس ومعنى الحياة ومن
الذي يوقف ذلك عند حد ويصلِح ويحاسب، ووفق أية قواعد ومعايير وقوانين
يفعل ذلك؟!
نحن في مناخ من هذا النوع وبهذه الصورة أمام شرائح من البشر قادرة
على العيش في أية أرض ، جاعلة وطنها قرشاً ومُسخِّرةً ذلك الوطن
ومَن فيه وما فيه لخدمتها ومن أجل أن تعيش في أي مكان أو مستوى على
حساب الوطن والمواطَنة والناس. إنها لا تشعر بخوف أو وخز ضمير، ولا
يضيرها أن يدفع آخرون ثمناً مكلفاً من أي نوع جراء فسادها وممارساتها
، ولا تَسأل عما يمكن أن يدفعه الوطن من ثمن جراء تلك الممارسات
وما يصيب الأجيال من تلف أو إحباط أو انحطاط سلوك وقيم وهمم.
وحيال مفاهيم ومعايير من هذا النوع وشرائح من البشر قادرة على التعاون
مع الشيطان في سبيل أن تصل إلى امتلاك قمر الوطن الذي تشوه صورته
إن كان بيد الآخرين وتبهرجه إن هو آل أملاكاً وبضاعة ونقداً في حوزتها.
وتفعل ذلك أحياناً في إطار ممارسة ثأرية أو سلطوية متخلفة في غرائزيّتها
وبدائيتها، لتظهر وطنية على حساب الوطن ، ولا وطنية على حساب الوطن؟!
وتخوض حرباً على الوطن باسم الوطن ومن "أجل الوطن؟"، مستبيحة
كلَّ شيء ، كلَّ وسيلة وأداة وكلَّ قول وفعل. إنها تدخل السوق بشراسة
الجشع وبكل الأساليب وأنواع "البضائع" وتعمل وفق أخلاق
السوق؟ والهدف واضح والنتائج أوضح ولكنها لا تهم أولئك بشيء.. فهم
عندما يدمرون وطناً يمتطون قرشهم وطناً ويبحثون عن أرض أخرى ، وقد
تكون الأرض الأخرى مهيأة في جواز سفر يصبح وطناً متنقلاً.
نحن في الحالين أمام شرائح تجبل لبنات "مجدها" بدم الشهداء
ودموع البسطاء ومعاناة الفقراء والأنقياء من أبناء الوطن الذين يرون
المواطَنَة واجبات ولا تصلهم منها حقوق ، ونحن أيضاً أمام مشهد تَدافع
نحو السلطة بادعاءات عريضة مريضة لا يحكمه معيار قيمي سليم.
ويتساوى في هذا المشهد من يمارس تجارة بسياسة ومن يمارس سياسة بأسلوب
تجاري ، والفرق، وهناك ثمة فرق، بين تاجر يمتلك بضاعة و"طنيّة"
وتاجر وكيل لبضاعة أجنبية قائم معيارياً وعملياً ، ولكن الهمّ الأول
والمهم بالدرجة الأولى عند كل من التاجرين هو: الربح والمتسوِّق
والمستهلك ومن يدفع القيمة.. أما الربح فهو المواطن الذي يعيش متاهة
الانتماء للوطن من دون أن يعرف مسالكها فهو في جبلّتها ومن تلك الجبلّة،
يشقى في الوطن ويحرم من المواطَنة ويركض عندما يصرخ الوطن طالباً
نجدة وحماية.. يركض ليقدم دمه معترفاً بأنه، وهو في منفى فرضته عليه
لقمة العيش وقبضة المتاجرين بها، كان مقصّراً بحق الوطن الذي لم
يفسح لـه أصلاً فرصة لكسب لقمة العيش في الأرض التي أحب.
الوطن إن لم يكن حضناً دافئاً يجتمع فيه أبناؤه على الحب والاحترام
والمساواة والإخلاص لـه والاستعداد للتضحية في سبيله يفقد الكثير
من معانيه ومنزلته في النفوس ويفقد مسوِّغ الانتماءُ إليه ، وخيرَ
ما في الانتماء من معان واستعدادات الاعتزاز بذلك الانتماء وبتلك
التضحيات من أجله. والوطن حين يفقد سلم المعايير الروحية والخلقية
والاجتماعية والقومية والوطنية والقانونية يصبح جثة لمجتمع يتفسخ،
مجتمع يُخترَق بأشكال عدة وينتَهَك بكل الأشكال ويصبح عبئاً ثقيلاً
على أفراده كلهم.
ومن مصلحة كل من يعيش في وطن أن يرتفع شأن القانون والقيمة والمعيار
والضوابط السليمة للأداء والسلوك في ذلك الوطن وأن تسود حالةٌ من
الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بين أبنائه وفئاته وأن يعرف
فيه الناس أقدارَهم ومنازلهم من خلال معرفتهم لقدراتهم العلمية والعملية
وإنجازاتهم ومثابرتهم على الأداء والإنجاز، وأن يعترفوا بفضل ذوي
الفضل والعلم والاقتدار، وبإنجاز من أنجز أياً كان انتساب ذلك الذي
أنجز، وأن يدركوا ما يحتاج إليه الوطن وكيف الوصول إليه ليصبح ذلك
الذي يحتاجه برنامج عمل الجميع من أجل الجميع، البرنامج الذي يوضع
موضع التنفيذ حسب الآلية الدستورية والقانونية والإدارية والمالية
النافذة والناجعة في الوطن، ويعرفه الأشخاص ويعرفون أهدافه ويستطيعون
متابعة ذلك.
وحينما يكون وطن شعب ما في الاستلاب أو تحت الاحتلال جزئياً أو كلياً،
ويتعرض دورياً للأزمات والتهديد والحصار، يصبح عبء المواطَنة أثقل
على من تعني لهم المواطَنة حرية وسيادة وتحريراً يعطي للحرية والسيادة
معنى، وتدبيراً للأمور وتقديراً لها وتحملاً للمسؤوليات والتبعات
وشراكة تامة في السراء والضراء والمصير وعلى من تشغلهم مصلحة الوطن
ومكانته واستقراره وازدهاره، ويدركون المخاطر المحيقة به واستحقاقات
المواجهة وضروراتها. إن من هم وقود نار المعارك في كل الأوطان من
أجل حريتها وتحريرها واستقلالها معروفون، وهم على استعداد لأن يلبوا
نداء الوطن في كل حين حتى لو حرمهم الوطن من كل شيء ؛ أمّا الأشخاص
الذين يحسنون انتهاز الفرص ويركبون الموجة المندفعة ، ويشوهون صور
الأداء السليم وصورة الأشخاص الجيدين والمعايير السليمة ، ويأكلون
الأخضر واليابس ويظهرون على حساب المجاهدين والمجتهدين فهم جزء من
الداء ولا يملكون دواء.
حرية المواطن روح المواطَنَة، وعندما تزهق روح كائن ما سواء أكان
شخصية طبيعية أو اعتبارية، لا يبقى منه سوى هيكل ينشر الدود والفَرْث
والرائحة الكريهة. وروح المواطَنة الحقيقية حرية حقيقية يتشربها
كيانه ويتفتح في ازدهارها وترتب عليه مسؤولية تتلاءم مع درجات التكليف
والعمل والإنجاز وتتناسب مع الوعي والانتماء والقدرات والإمكانيات
والطاقات، وتحفظ الحقوق وتطلب القيام بالواجبات. ولا يكلف الله نفساً
إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
علي عقلة عرسان
كاتب وأديب سوري
أعلى
واشنطن/بغداد/طهران .. الدراما والمؤدون
إن المتابعة الدقيقة لما يجري ولما يؤديه الأميركيون
في بغداد وبإتجاه طهران تميط اللثام عن أن هذا المحور إنما يشكل
مسرحاً ساخناً يقع تأثيره على المتابعين في واشنطن: فهنا لدينا لاعبين
وهناك لدينا جمهور مشدود، والهدف النهائي هو ما ستكون عليه الحال
في واشنطن. ربما لم تشهد العاصمة الأميركية مواجهة بهذه الدرجة من
الحرارة بين الرئيس والكتلة الديمقراطية ذات الأغلبية في الكونغرس،
بيد أن المهم هو أن المتصارعين يتخذون من بغداد وطهران ميداناً لصراعهم.
لنحاول أن نجمع الخيوط المتشابكة لما يجري: فقد تمكن الديمقراطيون
من الحصول على أغلبية ضئيلة لتمرير مشروع قرار بمباشرة سحب القوات
الأميركية من العراق في شهر أكتوبر المقبل بواقع 51 صوتا مؤيدا مقابل
46 صوتا رافضا. لم تتم هذه الخطوة إلا بعد استعراض عضلات لفظي ساخن
بين الجمهوريين والديمقراطيين، حيث كرر الفريق الأول خوفه الوسواسي
من ترك العراق ليغدو بؤرة لللاإستقرار وللصراعات الدموية في الشرق
الأوسط، وهي صراعات يمكن أن تطال الولايات المتحدة ذاتها بالعنف
والدمار فيما بعد. أما الفريق الثاني، فقد استذكر حجم الخسائر الأميركية
بالأرواح والأموال كخطاب لإعلان فشل الرئيس بوش وخسارة أميركا لحرب
ما كان ينبغي أن تكون. أما بطل الدراما رقم واحد، الرئيس جورج بوش
ذاته، فإنه كان قد أعلن أكثر من عشر مرات إنه سيستخدم الحق الرئاسي
بـ"الفيتو" لإفشال مشروع القرار أعلاه، طالباً المزيد
من الأموال والقوات استكمال "المهمة". والنتيجة النهائية
واضحة المعالم الآن: حيث سيحبط مشروع القرار أولاً، وحيث سيتجلى
الإنشقاق في واشنطن ثانياً.
أما ما يجري في العراق وإيران والمنطقة بأسرها، فهو لا يزيد عن صدى
أو تصديات لهذا الشرخ الأول من نوعه في التاريخ المعاصر في التنافس
بين المؤسسة الرئاسية والمؤسسة البرلمانية هناك. ففي الوقت الذي
يضخم فيه الديمقراطيون الوثابون للرئاسة القادمة آثار الحرب في العراق
وتضاؤل شعبيتها بين الجمهور الأميركي، يستعمل البيت الأبيض أدواته
الفنية لمقاومة ذلك، خاصة وأن الرئيس بوش، سوية مع زملائه الجمهوريين
، يدرك جيداً أن ما يفعله الديمقراطيون اليوم لا يتجاوز مزايدة لاستثمار
الإخفاقات في العراق وإيران والشرق الأوسط عامة كعتبة لإرتقاء ناصية
الرئاسة. لذا أعلن الجنرال بيترايوس، القائد العام لقوات التحالف،
وبطريقة شديدة "المهنية العسكرية" أن الوضع في العراق
هو بدرجة من التعقيد والشائكية المخيفة. ومرد ذلك يعود لتدخل الإيرانيين
في الشأن العراقي، زيادة على مسؤوليتهم في قتل خمسة من الجنود الأميركان
في كربلاء، مؤكداً قيام قوات القدس الإيرانية بتغذية الميليشيات
الشيعية والسنية التي تستهدف الأميركان والقوات العراقية الفتية.
هذا الخطاب لا يمكن أن يندرج في حقل دفاع الجنرال عن سياسة قائده
العام، الرئيس جورج بوش. وبكلمات أخرى، هناك ثمة تضخيم إعلامي وعسكري
إداري يرنو إلى جعل الجمهورية الإسلامية خطراً داهماً باعتبار أن
الموضوع الخطير أعلاه لا يمكن أن تحده حدود العراق السياسية.
بيد أن الأخطر هو ما قدمته شبكة الـCBS مساء يوم 26 أبريل من معلومات
استخبارية حكومية تفيد أن طهران لا تحتاج لأكثر من ثلاث سنوات لامتلاك
سلاح نووي، الأمر الذي يعني توظيف هذا الخطر الجديد، ليس فقط من
أجل إحراج الديمقراطيين أمام اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة،
ولكن كذلك من أجل تأليب مشاعر جيران إيران من الدول العربية الصديقة
للولايات المتحدة الأميركية. لم تقدم الـCBS هذا التسريب الاستخباري
مجرداً، ولا مدعوماً بالتوثيق الصوري فقط، ولكنها إدّعت أن خطر إمتلاك
الجمهورية الإسلامية لسلاح نووي يشكل خطراُ محدقاً بكيان واحد، هو
إسرائيل، الأمر الذي أطلق إمكانية تأمل خبراء هذه الفضائية ذات التأثير
العالمي الواسع بشن إسرائيل لغارة جوية ضخمة وشديدة الدقة لضرب المنشآت
النووية الإيرانية بطريقة مباغتة ومفاجئة مشابهة لما فعلته إسرائيل
عندما حطمت مفاعل تموز القريب من بغداد إبان بدايات الحرب العراقية
الإيرانية. وبهذا النوع من التصميم والإخراج الإعلامي تدعو الإدارة
الأميركية إسرائيل ضمنياً لمثل هذه الغارة الجوية، بطريقة تتعهد
من خلالها بأن إسرائيل إذا ما فعلت ذلك وحاول الإيرانيون الرد عسكرياً
فإن القوات الأميركية المنتشرة في العراق والخليج العربي لن تقف
مكتوفة الأيدي للدفاع عن حليفتها. هذا السيناريو يقدم صورة قاتمة
لمستقبل المنطقة بأسرها: بمعنى أن الرئيس جورج بوش قد يعمد إلى مثل
هذا التوسيع في الحرب من أجل حصد الشعبية المبكرة التي أطلقت أيديه
في حرب العراق، خاصة وأن "باروميترات" الرأي العام الأميركي
زئبقية وسريعة التذبذب صعوداً ونزولاً عندما يأتي الأمر إلى الأمن
القومي الأميركي.
إن الرئيس جورج بوش يدرك جيداً أن الديمقراطيين يحاولون ركوب الموجة،
موجة التذمر والتضايق الشعبي من تواصل حرب العراق لمدة أطول من الحرب
العالمية الثانية، لذا فإنه يفكر ملياً بعمليات صناعة وتسويق أعداء
جدد وجبهات جديدة متوسلاً الخوف الهاجسي والشعبي من تنامي الحركات
الإرهابية وإمكانيات حصولها على اسلحة دمار شامل يمكن أن تؤذي الولايات
المتحدة نفسها. هذا الخوف الذي يمكن تأبطه من قبل البيت البيض لا
يبتعد كثيراً عن تهويل صورة الخطر من خلال الأرضية الهشة للوضع في
العراق، خاصة وأن عملية التحقيق التي أعلن عنها مع الجنرال "وليام
ستيل"، مدير السجن الأميركي الذي يقبع بداخله شواخص النظام
السابق. لقد وجهت إلى ستيل عدد من الإتهامات، منها الإحتفاظ بعلاقة
مشبوهة بمترجم عراقي يعمل معه في السجن وبتهمة الإحتفاظ بمواد وأفلام
إباحية خلاعية، بيد أن التهمة الأخطر والأهم هي تهمة "التعاون
مع العدو". هذا التعاون حسب منظور القيادة العسكرية يتجسد في
سماحه لبعض الموقوفين في هذا السجن باستخدام هاتفه الشخصي للإتصال
بمن يريدون داخل وخارج العراق. ويبدو للمرء أن هذا النوع من "الخيانة"
أريد له أن يكرس باعتباره خذلان للجنود الأميركان الذين يقاتلون
في أرض أجنبية. وبكلمات أخرى، يكون الإيحاء النهائي هو أن الجنرال
ستيل الذي يتعاون مع العدو لا يختلف عن الديمقراطيين الذين يفعلون
الشيء ذاته على نحو غير مباشر!
وللمرء أن يتأمل هذا الصراع بين البيت الأبيض ومبنى الكابيتال (الكونغرس)
من منظور آخر: فلو افترضنا أن الوضع في العراق والمنطقة بقي كما
هو عليه اليوم، وإن الإنتخابات الرئاسية قد جرت وإنتهت إلى فوز رئيس
ديقراطي يجمع تأييد الكونغرس معه: فهل أن الرئيس الديمقراطي المفترض
أو المرتقب سيسحب قواته من العراق؟ وللإجابة على هذا السؤال الافتراضي،
للمرء أن يضع في حسبانه أن هذا الرئيس الديمقراطي لن ينسحب من العراق
قط، وإنه سيناور ويستخدم أنواع الحجج والذرائع لتبرير البقاء في
العراق، ليس فقط من أجل الثروات والخوف من سقوط هذا البلد الغني
بأيدي القوى الإرهابية، ولكن كذلك بحجج وضع حد للخطر الإيراني على
إسرائيل وبقية دول المنطقة الصديقة. إن الديمقراطيين يتلاعبون بعواطف
الجمهور الأميركي لتحقيق نصر رئاسي قادم مفترض، ولكنهم حين يحققونه،
فإنهم لن يلبوا مطالب هذا الجمهور الذي ضاق ذرعاً بهذه الحرب.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
إيران .. والتبسيطات المخلة الخطيرة
في الأشهر الأحيرة , أصبح برنامج إيران النووي
موضوعاً من أكثر الموضوعات الساخنة للمناقشة في الصحافة العالمية
.
فمن ناحية, يرى كثير من الخبراء خطوات إيران على أنها ردة فعل إلى
حد كبير على سياسة الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط, والتي
أوجدت إحساسا بفقدان الحماية في معظم دول المنطقة. ويقولون: إنه
على الرغم من أن إيران بدأت إنشاء مفاعلها للطاقة النووية في عام
1975, إلا أنها لم تحاول أن تعطي مشروعها ملمحا عسكريا حتى التاسع
والعشرين من يناير عام 2002, عندما وضع جورج بوش إيران ضمن ما أسماه
" محور الشر " .
وقد تأكدت مخاوف إيران في عام 2003, عندما سقطت جارتها العراق ضحية
عمل عدواني أميركي. وفي مثل ذلك الوضع, يبدو السعي إلى برنامج نووي
مثل وسيلة مبررة للدفاع عن النفس, وإيران قررت اتباع مثل ذلك المسار
بسهولة إلى حد ما, وهي ترى خمولا وعدم فعالية المجتمع الدولي .
والمادة رقم 10 في اتفاقية حظر الانتشار النووي الموقعة في الأول
من يوليو عام 1968 تسمح لأي دولة موقعة على الاتفاقية بالانسحاب
منها بعد إعطاء الأطراف الأخرى إخطارا مدته ثلاثة أشهر, ولا يستتبع
مثل ذلك الانسحاب أية عقوبات. وليست هناك أية آليات دولية أخرى لمنع
الدول من تطوير أسلحة نووية ( فلم تتخذ إجراءات قاسية ضد باكستان
أو الهند أو كوريا الشمالية ) . وأخيرا, فإن قرارات مجلس الأمن الدولي
لا تحمل وزنا ( يكفي تذكر أنه لمعاقبة العراق على تجاهل مثل تلك
القرارات, قامت الولايات المتحدة بمهاجمته بدون أي تفويض من الأمم
المتحدة, كما أن إسرائيل - وهي " أكبر مزعزع للاستقرار "
في الشرق الأوسط - مازالت زعيمة في عدد خروقات قرارات الأمم المتحدة
).
ومن وجهة نظر قطاع كبير من مجتمع الخبراء, فإن التهديد الرئيسي لزعزعة
الاستقرار لا ينبع كثيرا من إيران, حتى إيران النووية, بقدر ما ينبع
من موقف الغرب غير المتعاون , فضلا عن خطوات تقنع طهران بشكل متزايد
بأن العدوان حتمي لا محالة.
ومن ناحية أخرى, يقول كثير من المحللين: إن إيران تعد خططا حقيقية
لتطوير أسلحة نووية لكي تكون لديها قدرة الضربة الأولى ضد إسرائيل
وحلفاء أميركا التقليديين الآخرين في المنطقة, وإن المشكلة قد تفاقمت
ليس كثيرا بفعل الموقف الأميركي ولكن بصعود نجم القوات الإسلامية
الإيرانية في أعقاب فوز محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية
التي جرت في الرابع والعشرين من يونيو عام 2005. وهذا المنطق يشير
إلى أن إجراءات لابد من اتخاذها لوقف خطط إيران, حتى لو وصل الأمر
إلى شن ضربات عسكرية تستهدف منع " الأصوليين الإسلاميين "
من الحصول على أسلحة نووية .
( وكمثال يحتذى في النجاح, يذكر الخبراء عادة " العملية أوبرا
" في السابع من يونيو عام 1981 , والتي غزا فيها سرب من الطائرات
الإسرائيلية المقاتلة المجال الجوي العراقي ودمر مفاعل " تموز
1 " , والذي كان على وشك تلقي شحنة من الوقود النووي ) . وهذا
الاتجاه يوافق الموقف الرسمي للولايات المتحدة وأقرب حلفائها.
ومن وجهة النظر هذه , تبدو روسيا داعمة ومحرضة على التجاوز النووي
الإيراني, وهي الدولة التي حاولت لوقت طويل إقناع العالم بالطبيعة
المدنية للبرنامج النووي الإيراني وتسعى الآن إلى سياق رسمي لإنهاء
تعاونها مع إيران في المجال النووي .
لا أحد يشك في أن الولايات المتحدة وحلفائها استخدموا ويستخدمون
ما يسمى ب" الحرب على الإرهاب " للتدخل في شؤون المنطقة
على نطاق واسع. وبفعلهم ذلك, يزيفون رؤيتهم الخاصة للوضع في الشرق
الأوسط في العالم, ويصورون القوى الصاعدة في المنطقة على أنهم متعدون
خطرون ويصورون أنفسهم على أنهم مدافعون عن الأمن والحرية .
إن القوى المعارضة لزيادة في النفوذ الأميركي في المنطقة - والتي
تواجه وضعا كهذا - لا يمكنها إلا أن تنمو . وما هو أكثر أن إيران
تستمتع بوضعها في المنطقة مؤخرا. فقد اقتلع العدوان الأميركي عمليا
العراق من السباق في الوقت الذي سمح فيه خصمه الأساسي للأغلبية الشيعية
بتعزيز سطوتها في العراق. وفي العام الماضي, خسرت إسرائيل حربا أمام
حزب الله, وجاءت " حماس " إلى السلطة في فلسطين .
والتهديد الحالي النابع من إيران - في الحقيقة - يدور حول نشر أيدلوجيتها
في المنطقة , وليس حول إمكانية أن تحصل على أسلحة نووية . فإيران
- على العكس من باكستان , على سبيل المثال - ليس لديها خلايا "
قاعدية " يمكن أن تضع أيديها على قنبلة نووية إذا ما تزعزع
النظام ( وهو شئ لا يضمنه الغرب إذا كان هناك محاولة ثانية تستهدف
حياة الجنرال برويز مشرف ) . وبمحاولة عرض الصورة في ضوء مختلف,
إنما يزيد الساسة الخلاف بأن خطط أيات الله في طهران ستثبت نجاحها
.
وإذا قرر الغرب معارضة ثقل إيران المتزايد, فيجب ألا يفرض عقوبات
جديدة من مجلس الأمن, والتي يتم تجاهلها حتى من قبل أعضائه الدائمين,
ولكن يسعى بالأحرى إلى اتصالات مع القادة الإقليميين القلقين من
تعزيز ممكن للنفوذ الإيراني. إن أوروبا والولايات المتحدة لا ينبغي
لهما بعد الآن أن توجههما حملتهما الدعائية الخاصة ؛ ولكن الأحرى
هو أنهما يجب أن يميزا بين ما سيجلب الاستقرار الإقليمي وما سيطيل
أمد ما يسمى ب" الحرب على الإرهاب " , والتي تساعد فقط
في حل المشاكل الداخلية وجعل شركات مثل " هالليبرتون "
غنية .
يحتاج الشرق الأوسط الآن إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى. وقد
حان الوقت لإدراك أن الدولة التي ستبذل أقصى جهدها لتحقيق ذلك الاستقرار
ستحظى بمعظم النفوذ في المنطقة في السنوات القليلة القادمة. وسواء
أكان لديها قنبلتان نوويتان أو اثنتا عشرة حاملة طائرات فسيكون ذلك
ذا أهمية ثانوية .
فلاديسلاف إنوزيمتسيف ويكاتيرينا كوزنتسوفا
محللان بمركز دراسات مجتمع ما بعد الصناعة ؛ وقد كتبا هذا المقال
لصالح وكالة الأنباء الروسية " نوفوستي"
خدمة " إم سي تي " - خاص بـ" الوطن "
أعلى
فلتفهم الأمور بالطريقة الصواب يا نائب الرئيس
شن نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني هجوماً
مؤخراً ضد البرنامج الانتخابي الذي خضت به منافسات الرئاسة الأميركية
عام 1972 وتحدث عن قناعته أن الحزب الديموقراطي اليوم يعيد مرة ثانية
الخطوط العريضة لهذا البرنامج الذي دافعت عنه في 1972. والحقيقة
هذا إطراء ومديح لي وللديموقراطيين بيد ان تشيني لم يكن بالطبع يقصده
كذلك. وبدلا من هذا فقد عمد إلى لي عنق حقيقة تلك الرؤى التي تضمنها
البرنامج الانتخابي. وقد حول تشيني أجواء البرد في شيكاغو بكلماته
الى لفح حار.
وعاب تشيني على نهج الديموقراطيين اليوم الذي يستلهمونه من برنامجي
السابق أنهم يسعون الى زيادة الضرائب. إلا ان برنامجي كان يتضمن
موازنة معتدلة ولم أكن قد ضمنته أي جديد دون تحديد واضح لطريقة نقله
الى حيز التطبيق بشكل صحيح. وفي المقابل فقد وصل تشيني وفريقه بالدين
الوطني الى رقم قياسي لم يسجل من قبل.
وقال تشيني أيضا: إن طريقة ماكغوفرن هي الاستسلام في العراق وترك
الولايات المتحدة معرضة لأخطار جديدة. والحقيقة أنني أعارض الآن
بالفعل حرب العراق كما عارضت في السابق حرب فيتنام لأن كلا الحربين
أضعفتا الولايات المتحدة ونالتا من مكانتها وأمنها الوطني.
وعندما كنت شابا خلال الحرب العالمية الثانية تطوعت للخدمة العسكرية
وكان عمري 19 عاما وتوليت قيادة 35 مهمة قتالية وحصلت على ميدالية
التميز كطيار وفي المقابل فقد حصل تشيني عندما كان شابا على خمس
تأجيلات من الخدمة العسكرية خلال حرب فيتنام ولم يشارك يوماً واحداً
في مهمة قتالية وهو سجل ينافسه فيه الرئيس بوش.
ويتهم تشيني الديموقراطيين اليوم أنهم لا يقدرون الخطر الإرهابي
جيدا في سعيهم لإنهاء مشاركة الولايات المتحدة في حرب العراق. والحقيقة
ان بوش وتشيني قد ضللا الشعب الأميركي بإدعائهم ان العراق متورط
في هجمات 11 سبتمبر على الرغم من ان الواقع كان خلاف ذلك. كما أن
تشيني وبوش أهدرا فرصة القبض على أسامة بن لادن بأسلوب الرد الأخرق.
ثم قاما بغباء بإرسال القوات الاميركية الأميركية الى العراق خلافا
للنصائح والخبرة التي قدمها لهم كثير من الخبراء والمطلعين ومنهم
الرئيس الأسبق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر ومستشاره للأمن
القومي برنت سكوكروفت. وكما أكدت إدارة بوش مخطأة أن العراق متورط
في هجمات 11 سبتمبر راحت تؤكد بخطأ أكبر على تملكه لأسلحة دمار شامل.
وعندما حاول السفير السابق جوزيف ويلسون أن يفند تلك الأكاذيب التي
أثيرت حول سعي العراق للحصول على مواد نووية من النيجر قام تشيني
وعدد من كبار مساعدي بوش بتسريب أخبار الى وسائل الإعلام أن زوجة
ويلسون عميلة للسي آي إيه ( علما بأن إفشاء هوية عميل سري مخالف
للقانون)
ألم يتذكر تشيني عندما هاجم برنامجي الانتخابي لعام 1972 أن الحزب
الديموقراطي بقيادتي كان يسعى لإصلاح عملية التسمية لمنصب الرئيس
لإتاحة الفرصة أمام النساء والشباب وهذا البرنامج اقتبسه عنا الجمهوريون
في وقت لاحق ؟
ويبدو أن تشيني يغمض عينيه عن حماقات حرب فيتنام التي لقي فيها 58
ألف أميركي وأكثر من 2 مليون فيتنامي مصرعهم. ولم تكن فيتنام آنذاك
تمثل خطرا يتهدد الولايات المتحدة.
أما حرب العراق فقد زادت بالفعل من خطر الإرهاب بينما لم يكن هناك
إرهاب او مقاتلون أو حرب أهلية في العراق قبل أن يأخذ هو وتشيني
الجيش الأميركي الى هناك قبل خمس سنوات. والآن أصبحت العراق أرضا
خصبة لتفريخ الإرهاب والمقاتلين الدمويين والحرب الاهلية.
وقد كبدتنا الحرب حتى الآن أكثر من 3100 قتلى من الشباب الأميركي
و600 ألف قتيل عراقي ناهيك عن إنفاق ما يناهز 500 مليار دولار. وليس
ثمة شك ان الديموقراطيين محقون في مطالبتهم بإعادة القوات الأميركية
من تلك الحرب التي لا أمل فيها.
وهناك نقطة أخرى حول انتخابات 1972 أذكرها كي يعلمها تشيني. فبعد
أن كسبت أصوات11 ولاية في الانتخابات الاولية من بين 16 مرشح استطعت
الفوز واصبحت مرشح الديموقراطيين غير أنني خسرت الانتخابات العامة
أمام المرشح الجمهوري نيكسون الذي كان يستند الى موازنة تفوق عشرة
أضعاف موازنتي الى جانب وقوف البيت الابيض بجانبه ناهيك عن حملة
سلبية غير أخلاقية انتهت بهزيمتي. إلا أنه لم تمض عدة اشهر حتى أسفرت
نتائج التحقيقات التي أجراها مجلس النواب عن إقصاء نيكسون من الرئاسة
ليكون الرئيس الأميركي الوحيد على مر التاريخ الذي يجبر على ترك
منصبه بفضيحة وعار. فمن الذي يستحق لقب الخاسر لعام 1972 ؟
ولأنني أعلنتها منذ اليوم الأول لحملتي الانتخابية آنذاك: هدفي هو
الحقيقة ولن أقول سواها كان هذا هو السبب أنني لم أشعر مطلقا أنني
خسرت منذ ذلك الوقت. وفي المقابل فقد كذب تشيني وبوش مرارا وتكرارا
على الشعب الأميركي. واكاد أجزم القول بأن الجرائم التي ارتكبها
بوش وتشيني تفوق تلك التي تسببت في إقصاء نيكسون ونائبه سبيرو أغنيو
ووزير العدل من البيت الأبيض. والواقع فإن المزيد من المراجعات والتحقيقات
ستكشف عن الانتهاكات المتكررة التي يرتكبها بوش وتشيني سواءا للدستور
والتشريعات الفيدرالية أو خرقهما للقانون الدولي. وأعتقد أن ذلك
سيجبرهما على مغادرة منصبهما قبل انتهاء عام 2008.
جورج س. ماكغوفرن
عضو سابق في مجلس الشيوخ ومرشح الحزب الديموقراطي في انتخابات الرئاسة
الأميركية عام 1972
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ (الوطن)
أعلى