|
أوروبا وإمدادات الطاقة
الروسية
|
حاجة أوروبا للطاقة الروسية ستتضاعف خلال العشرين سنة القادمة
سياسة الأنابيب الروسية قديمة وتهدف الى تحقيق المكاسب السياسية في
أوروبا
اعداد ـ محمد نجيب السعد:منذ ازمة الغاز في
يناير 2006 بين روسيا واوكرانيا، لم تتخذ الدول الاوروبية ما يكفي
من الخطوات لتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية. علاوة على ذلك استمرت
الخلافات بين الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي مما اوهن اوروبا
امام الضغوط الروسية التي تستعمل مصادرها الكبيرة للطاقة لزيادة
تأثيرها السياسي. ان المستهلك الاوروبي سيدفع كلفة مرتفعة من اجل
الحصول على مشتقات الطاقة بسبب هيمنة الروس على تدفق الغاز والنفط
القادم من اواسط آسيا. لذلك فان دول الاتحاد الاوروبي مطالبة باتخاذ
الاجراءات المناسبة للتقليل من الاعتماد على روسيا والا فان ذلك
سينعكس سلبيا على الدور السياسي للاتحاد في توحيد اعضائه ضد التحديات
الخارجية التي يمثل النفط الروسي احداها.
عندما اوقفت شركة غاز بروم الروسية صادراتها من الغاز الى اوكرانيا
وجورجيا في يناير 2006 فسر الكثيرون الخطوة على انها انذار روسي
صريح باستخدام مصادر الطاقة سلاحا في فرض بعض الاجندات السياسية
الروسية على دول أوروبا.
وعادت روسيا بعد سنة من ذلك التاريخ لتوقف صادراتها النفطية الى
بيلاروسيا لمدة ثلاثة ايام مما سبب بعض الارباك في وصول النفط الى
العديد من الدول الاوروبية خاصة المانيا. يومها ادانت المستشارة
الالمانية انجيلا ميركل ، التي تتولى بلدها رئاسة الاتحاد الاوروبي
في دورته الحالية، الخطوة الروسية وقالت انها غير مقبولة .
ان ادانة ميركل توضح القلق الالماني من الاعتماد على واردات الطاقة
الروسية، الا انها تؤثر في الوقت عينه ضعف الاتحاد الاوروبي في منع
موسكو من استخدام النفط والغاز كسلاح سياسي خاصة ضد جيرانها الاوروبيين.
بالرغم من ان الخلاف الروسي الاوكراني قد ادى الى ردود افعال ولو
قصيرة من قبل قادة الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، الا ان ذلك
لم يؤد الى ظهور سياسة اوروبية واضحة تستهدف الحد من الاعتماد على
مصادر الطاقة الروسية. ان المقترحات الجديدة للمفوضية الاوروبية
الخاصة بالطاقة والتي اعلنت في العاشر من يناير 2007 يعتبرها البعض
خطوة في الاتجاه الصحيح. تطالب المقترحات بتبني اوروبا اقتصادا يقلل
من الاعتماد على النفط والبحث عن مصادر للطاقة البديلة مع التأكيد
على نظافة البيئة بتقليص نسب انبعاث غازات الدفيئة التي تسبب ظاهرة
الاحتباس الحراري. وحتى في حالة تبني الحكومات الاوروبية لتلك المقترحات
فانها ستكون محدودة التأثير على العلاقات الروسية الاوروبية في مجال
الطاقة. فالسياسات الجديدة لن تجبر روسيا على انتهاج سياسات نفطية
شفافة وتنافسية تمنح الاستثمار الخارجي دورا واضحا.
الا ان الدول الاوروبية واصلت ابرام الاتفاقيات الثنائية مع موسكو
دون الالتفات الى مصالح شقيقاتها في الاتحاد الاوروبي. ولم تبد الدول
الاوروبية الغربية المؤسسة للاتحاد الاوروبي اهتماما باساليب الضغط
الروسي ضد دول وسط وشرق اوروبا التي انضمت حديثا الى الاتحاد مما
اثار الكثير من التساؤلات حول التضامن الاوروبي في شئون الطاقة وهل
يشمل التضامن الدول الجديدة ايضا. فالاتحاد الاوروبي رفض دعم المحاولة
البولندية بالضغط على روسيا من خلال جعل المصادقة الروسية على معاهدة
الطاقة التي وقعت في عام 1994 شرطا لاية اتفاقية شراكة وتعاون بين
روسيا والاتحاد الاوروبي. ان معاهدة الطاقة وضعت في الاساس لتعزيز
التعاون الصناعي بين الشرق والغرب من خلال توفير ضمانات قانونية
في بعض المجالات مثل الاستثمار والنقل والتجارة.
وقال المعارضون للمقترح البولندي ان روسيا سترفض المصادقة على تلك
المعاهدة.
ان هذا الموقف الاوروبي الضعيف سيعزز الموقف الروسي ويدفع موسكو
الى مواصلة سياستها الحالية. خاصة وانها (اي موسكو) قد استفادت من
عدم جدية الموقف الاوروبي بعد الازمة مع اوكرانيا في زيادة الاعتماد
الاوروبي على نفطها وغازاها، حيث من المتوقع ان تزداد الحاجة الاوروبية
للغاز الطبيعي من اربعين بالمائة الى ثمانين بالمائة في عام 2020
، ومن المتوقع ان يشكل الغاز الروسي حوالي 40 ـ 50% من تلك الحاجة
وللفترة ذاتها، وهذه النسبة الكبيرة قد تؤدي الى زيادة التأثير السياسي
الروسي في اوروبا. كما ان روسيا واصلت سياسة فرق/ تسد التي تنتهجها
مع الحكومات الاوروبية. فمنذ يناير 2006 بدأت موسكو مفاوضات ثنائية
مع شركات للطاقة من المانيا وفرنسا وايطاليا وهنغاريا وصربيا وسلوفاكيا
والدنمارك قد تقطع الطريق على محاولات اوروبية لبناء شبكات انابيب
لنقل النفط لكسر الاحتكار الروسي لنقل النفط القادم من دول وسط آسيا.
ورفعت موسكو اسعار غازها الطبيعي الذي تبيعه الى اوكرانيا وجورجيا
وارمينيا ومولدافيا، كما زادت موسكو احكام قبضتها على شبكة انابيب
نقل الغاز في اوروبا. وتردد موسكو دائما القول انها زادت اسعارها
لمستوى اسعار السوق من خلال الغاء التسهيلات التي كانت تقدمها في
السابق، وتلك قضية لا تستطيع الدول الاوروبية الاعتراض عليها. وفي
نهاية عام 2006 اضطرت بيلاروسيا الى الخضوع الى المطالب الروسية
بمضاعفة اسعار الغاز والسيطرة على نصف شبكة انابيب نقل الغاز فيها
بالرغم من العلاقات الوثيقة التي تربط موسكو ومنسك. واتهم لوكاشينكو
رئيس بيلاروسيا موسكو باتخاذ اجراءات معادية لبلاده واعلن عن فرض
ضريبة تبلغ خمسة واربعين دولارا لكل طن من النفط الروسي ينقل عبر
بلاده مما دفع الروس الى ايقاف الصادرات. وتتعرض سلوفاكيا الى ضغط
كبير لاعطاء ملكية بعض انابيب نقل الغاز والنفط الهامة وبعض المصافي
الرئيسية لشركة روسية. واذا نجحت هذه المحاولات فان شركتي غازبروم
وترانفت (وهي الشركة الوحيدة الناقلة للنفط والغاز الروسي) ستزيدان
من سيطرتهما على امدادات الطاقة المتوجهة الى اوروبا. وفي ديسمبر
2006 وبعد شهور عديدة من الضغط اجبرت موسكو شركة شل على التنازل
عن حصة الاسد في حقل شتوكمان/ رقم اثنين لمصلحة شركة غاز بروم كما
اضطرت شركة تي أن كي/ بي بي الروسية / البريطانية المشتركة الى اجراء
الخطوة ذاتها في حقل كوفيتكا الكبير. وفي الوقت نفسه وافقت فرنسا
وايطاليا على عقود غاز طويلة الامد تمنح بموجبها شركة غاز بروم الحق
في دخول سوقيهما والعمل بحرية اكبر.
واعطت انجيلا ميركل في تناقض واضح للإشارات الالمانية السابقة في
ان برلين مهتمة بحاجة دول وسط وشرق اوروبا للطاقة، اعطت الضوء الاخضر
للشروع ببناء خط انابيب لنقل الغاز عبر بحر البلطيق، وهو ثمرة اتفاق
بين المستشار السابق شرودر والرئيس الروسي بوتين. وقد اثارت الخطوة
غضب بولندا التي لن يمر الانبوب بأراضيها. ان المشروع الجديد سيتكلف
ثمانية اضعاف كلفة بناء خط يامال/ اثنين البديل والذي يمر ببولندا
بالرغم من النوايا الحسنة للمفوضية الاوروبية فان الدول الاعضاء
الكبيرة مازالت ترفض الانصياع لسياسة الاتحاد الاوروبي في مجال الطاقة.
في منتصف نوفمبر الماضي فشل وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي في الاتفاق
على اسلوب موحد بشأن الواردات الروسية من الطاقة، حيث قالت تقارير
ان موسكو ربما تلجأ الى تشكيل كارتل من مصدري الغاز الطبيعي على
شاكلة منظمة اوبك للدول المصدرة للنفط. وقال خبراء ان موسكو لن تنجح
في مسعاها لتشكيل منظمة قد تضم دولا مثل الجزائر وقطر وليبيا ودول
وسط آسيا وربما ايران ايضا. الا ان دراسة سرية لخبراء اقتصاديين
من حلف الناتو اخذت المسعى الروسي على محمل الجد وحذرت في ان نجاح
موسكو سيمنحها مزايا سياسية واقتصادية. ان هذه التطورات تثير اسئلة
بشأن علاقة اوروبا بديمقراطية بوتين المقننة واعتمادها على الشركات
الروسية التي تملكها الحكومة الراغبة في توظيف مصادر الطاقة لتحقيق
مكاسب سياسية. ان هذه المخاوف تثير سؤالين احدهما قصير الامد والآخر
بعيد الامد. يتعلق السؤال الاول بامتلاك الاوروبيين للأرادة السياسية
لمواجهة الاعتماد المتزايد على روسيا في المستقبل القريب والسؤال
الثاني يتعلق بضمان تدفق النفط والغاز الروسيين في حالة اعتماد الدول
الاوروبية على تلك المصادر في المستقبل البعيد. وبينما يبحث الروس
عن اسواق مضمونة في اوروبا فان الاوربيين يريدون مصادر طاقة تتدفق
عليهم بشكل مستمر في المستقبل وهذا السر وراء تسابقهم لتوقيع اتفاقيات
ثنائية طويلة الاجل مع موسكو.
الا ان بعض الدلائل تشير الى ان روسيا لن تكون قادرة على تلبية الحاجات
الصينية والاوروبية والاميركية واليابانية المتزايدة للطاقة، الا
اذا سمحت للاستثمارات الاجنبية في مجالات الاستكشاف وتطوير حقول
النفط والغاز. على كل حال ستكون روسيا قادرة على الايفاء بعقودها
مع اوروبا خلال العقد القادم فقط من خلال الاعتماد على حقول الغاز
في كازاخستان وتركمنستان واوزبكستان.
الدلائل تشير ايضا الى ان صادرات النفط والغاز الروسية لا تزيد بالنسبة
ذاتها التي كانت عليها قبل ثلاث سنوات كما ان الاستثمارات في مجالي
الاستكشاف والتطوير في انخفاض مستمر. هذه المؤشرات لا تقلق موسكو
التي تريد ابقاء الاسعار مرتفعة من خلال تقنين الانتاج والسيطرة
على سياسة التصدير واحكام القبضة على صادرات دول وسط أسيا.
الحكومة الروسية بدورها لم تخف نواياها في استخدام الطاقة لاستعادة
الدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي ايام الحرب الباردة، خاصة على
الدول المجاورة التي كانت في السابق تحت السيادة السوفيتية. الا
اننا يجب ان ننتبه الى حقيقة ان الاتفاقيات الخاصة بشئون الطاقة
لا تخضع لمعيار واحد فالبعض منها يعكس محاولات فردية للثراء على
حساب الوضع الاقتصادي في روسيا التي مازالت تعاني من مخلفات النظام
الشيوعي. المسئولون الروس قالوا ان حكومة بلادهم ترى في الطاقة ورقة
رابحة وبدون زيادة الضغط الاوروبي على موسكو للعمل وفق شروط المنافسة
والابتعاد عن الاحتكار فان الكرملين سينجح في الاحكام على اسواق
الطاقة ومنشآتها في اوروبا. يعتقد الكرملين ان الحكمة تقتضي الحفاظ
على سيطرتها على انابيب النفط طالما ان الاتحاد لا يستغل ثقله الاقتصادي
لأجبار موسكو على الانصياع لبنود معاهدة الطاقة خاصة تلك المعنية
بالمرور (الترانسيت) والتي ستلزم موسكو بفتح شبكة انابيبها امام
الشركات الاوروبية التي تشتري النفط والغاز من روسيا. وهذا يعني
زيادة المنافسة وخفض كلفة مصادر الطاقة. الا ان الحكومة الروسية
تحاول تنفيذ خططها، وهي تعلم انها وعلى المدى المتوسط سوف لن نستطيع
الاعتماد على عدم رغبة الاتحاد الاوروبي في تبني سياسة طاقة مشتركة
او عدم تطبيق القوانين التي تقف بوجه السيطرة المتنامية لشركتي غازبروم
وترانسنفت.
تعتقد موسكو ان السوق العالمي للطاقة واسعارها المرتفعة يعطيانها
افضلية على الغرب ، خاصة تواجدها المتزايد في السوق الاوروبية وعدم
السماح للاوروبيين بالتواجد في السوق الروسية الخاصة بالطاقة ، ويبدو
ان التحليلات الروسية قد اصابت في نتائجها ولا توجد بوادر تشير إلى
تغييرات متوقعة على الموقف الروسي طالما ان دول الاتحاد الاوروبي
غير قادرة على تبني سياسة مشتركة ضد التوجهات الروسية ، في العام
2006 اعترضت موسكو على الانتقادات البريطانية لمحاولة شركة غازبروم
شراء شركة سنتريكا وهي الاكبر بين شركات الغاز البريطانية ، حذر
اليكس ميلر رئيس مجلس ادارة غازبروم سفراء دول الاتحاد الاوروبي
في موسكو من ان روسيا قد تحول الغاز الطبيعي من اوروبا إلى الصين
والولايات المتحدة إذا لم تحصل شركته على المزيد من الحرية في شراء
مؤسسات الطاقة الاوروبية ، إلا ان ميلر لم يتحدث عن منح الاوروبيين
الامتيازات ذاتها في سوق الطاقة الروسية وتحدث الرئيس بوتين بالاتجاه
نفسه واطلق بعض التهديدات لدول الاتحاد الاوروبي .
ومع ذلك فان موسكو تنفي على الدوام استخدامها مصادر الطاقة وسيلة
للضغط على الحكومات الاوروبية وقالت: ان تراجع صادرات الغاز الطبيعي
إلى دول اوروبا الغربية خلال الازمة مع اوكرانيا في يناير2006 يعود
إلى السرقة التي مارستها اوكرانيا ، واتهمت موسكو بيلاروسيا في يناير
2007 بانها تقوم بالسرقة ايضا من الانابيب التي تمر بأراضيها ، كانت
موسكو لطيفة مع حكومة الرئيس الاوكراني يانوكوفيتش المؤيدة لها والتي
لا تمانع منح الاولى سيطرة اكبر على البنى الاساسية لصناعية الطاقة
في اوكرانيا وبعد عدة اشهر من المفاوضات اتفقت روسيا واوكرانيا في
اكتوبر الماضي على اسعار جديدة للغاز تصل إلى مائة وثلاثين دولارا
للطن المكعب ، إلا ان الاتفاقية نافذة لعام واحد والاسعار قابلة
للزيادة ، اعتمادا على ما يبدو على سلوك الحكومة السياسي تجاه موسكو
، بالاضافة إلى ذلك ان تغير الحكومة الاوكرانية ربما سيضر بالجهود
التي يبذلها الاتحاد الاوروبي للتحرر من الضغط الروسي وذلك من خلال
بناء شبكة انابيب للطاقة لا تمر بالاراضي الروسية لقد وافقت حكومة
يانوكوفيتش على صرف النظر عن الخطط الرامية لبناء انبوب يربط المدن
الاوكرانية على البحر الاسود بمدينة برودي قرب الحدود البولندية
، كان الاتحاد الاوروبي يأمل باستخدام هذا الانبوب لنقل النفط من
كازاخستان إلى دول اوروبا الغربية دون المرور بالاراضي الروسية ،
بالاضافة إلى ذلك فان شركة أزجو الروسية الاوكرانية ستتولى لوحدها
بيع الغاز الروسي وغاز دول وسط آسيا لاوكرانيا ، ويعتبر وزير الطاقة
الاوكراني يوري بويكو أحد المؤسسين لهذه الشركة وهو من الداعمين
لسياستها الحالية ، ومما يزيد الامور تعقيدا عدم رغبة الاتحاد الاوروبي
تقديم الدعم لاوكرانيا خاصة وان انصار الرئيس الاوكراني السابق ليونيد
كوتشما (والذي تدعمه موسكو) قد وصلوا إلى السلطة ، إلا ان الامر
لا يقف عند اوكرانيا فقط ، فخلال ازمة يناير 2006 مع اوكرانيا قطعت
روسيا وعلى نحو غير متوقع الغاز والكهرباء عن جورجيا بدعوى الارهاب
، ولم تثر الخطوة الروسية التي جاءت في ذروة فصل الشتاء أية ردود
أفعال أوروبية ويبدو أن الحسابات الروسية كانت صحيحة لأن هذا القطع
لم يؤثر على الإمدادات الأوروبية وعندما حل صيف 2006 تعرضت جورجيا
من جديد لضغوط قوية من روسيا وبعد هذه الأزمة (مع اوكرانيا وجورجيا)
قام جوزيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية بزيارة الى موسكو
للقاء الرئيس بوتين . كان هدف باروسو ينحصر في إقناع بوتين بضرورة
التوقيع على معاهدة الطاقة لأنه يصب في مصلحة الجميع الا ان باروسو
عاد خالي الوفاض من هناك . وفي مارس التقى وفد رفيع المستوى من خبراء
الطاقة في الاتحاد الاوروبي بنظرائهم الروس في مدينة سوشي الروسية
للحديث عن الموضوع ذاته الا ان الروس اعلنوها صراحة انهم غير راغبين
في التوقيع على الاتفاقية وانهم يتوقعون الحصول على المزيد من الحرية
للاستثمار في قطاع صناعة الطاقة الأوروبي دون تقديم تسهيلات مماثلة
في قطاع صناعة الطاقة الروسي للاستثمارات الأوروبية . وفي الاتجاه
نفسه صادق مجلس الدوما على قانون يضمن احتكار شركة غازبروم لعمليات
نقل الغاز ويبدو ان الجهود الأوروبية قد طرحت نتائج معاكسة حيث اعلنت
موسكو وبشكل واضح وصريح انها لا تفكر بالتصديق على معاهدة الطاقة
.
ويبدو ان الأوروبيين انشغلوا عن الإجراءات الروسية بحل خلافاتهم
الثنائية حول الطاقة ولم يتطرقوا الى هيمنة شركتي غازبروم وترانسنفت
في الاتفاقية التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع موسكو حول شروط عضوية
روسيا المعلقة في منظمة التجارة العالمية . إن هذه الاتفاقية مع
الاتحاد الأوروبي ستسمح لموسكو الحصول على بعض الفوائد التجارية
من خلال إبقاء أسعار الطاقة المحلية اقل من الأسعار السائدة في السوق
العالمية يعتقد الكثير من الخبراء ان الاتحاد الأوروبي وافق على
الاحتكار الروسي مقابل موافقة موسكو على توقيع بروتوكول كيوتو حول
التغيرات المناخية كي يدخل حيز التنفيذ . وستستفيد موسكو بشكل غير
مباشر من البروتوكول لأن الدول الاوروبية ستزيد من اعتمادها على
الغاز الروسي في محاولة لتقليل انبعاثات الغاز الضارة بالبيئة خاصة
الغازات الدفيئة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري . ويعتقد بعض المحللين
ان شركات الطاقة الروسية تستخدم كغطاء لتنفيذ بعض الأنشطة الاستخبارية
خاصة اذا عرفنا ان العديد من ضباط المخابرات الروسية يحتلون مناصب
متنفذة في الحكومة وفي شركات الطاقة الروسية . فرئيس شركة روزنفت
هو أحد ضباط الكي جي بي السابقين والذي ساهم في الإطاحة بشركة يوكوس
والاستيلاء على معظم أرصدتها الهامة في العام 1999 عينت موسكو ضابطا
سابقا من الكي جي بي سفيرا لها في ليتوانيا في محاولة لتقديم دعم
غير مباشر لمفاوضات شركة لوك اويل مع الحكومة الليتوانية في الخلاف
حول بيع مجمع ميزيكاي النفطي من قبل شركة ويليامز الأميركية وكان
السفير يتولى منصب ضابط الارتباط بين المخابرات الروسية وشركة لوك
أويل . ان بعض ضباط المخابرات السابقين متنورون في وجهات نظرهم الا
ان الغالبية تعارض اي إضعاف للدولة من خلال قيام قطاع خاص مستقل
وشفاف وهم يعتبرون الصفقات المتكافئة مع الشركات الغربية مبدأ غريبا
كما ان المشاركات الأجنبية تقلل من فرص تحقيق البعض في الداخل للأرباح
. يعتقد بعض ضباط المخابرات السابقين ان حصول الشركات الغربية على
الحصة المسيطرة في الشركات الروسية تهديدا مباشرا للأمن الروسي ولم
يعد يسمح للمديرين الغربيين في شركة تي آن كي / بي بي الاطلاع على
تقارير المسح الجيولوجي العائدة لشركاتهم . وهنالك توجه لتوسيع سيطرة
القطاع الروسي العام الى خارج الحدود وينصب جانب من الاستراتيجية
الحالية للكرملين على تأمين زيادات جيدة في سعر الغاز المباع لدول
الجوار الفقيرة لضمان تحملها ديون كثيرة تجعلها غير قادرة على دفع
اثمان الغاز تضطر في النهاية الى التخلي عن شبكات الأنابيب في أراضيها
لشركتي غازبروم وترانسنفت حدث ذلك مع بيلاروسيا وأرمينيا ومولدافيا
وأوكرانيا . كما ان سيطرة شركة غازبروم على صادرات الغاز القادمة
من تركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان تعزز من قوة موسكو السياسية
في وسط وشرق اوروبا وترفع أسعار الطاقة في أوروبا .
ان الجدل الدائر في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية حول الابعاد
الأمنية للاعتماد المتزايد على روسيا قد ادى الى تباطؤ الجهود المبذولة
لتنويع مصادر الطاقة لقد اهتمت حكومات دول الاتحاد الأوروبي بمساعدة
شركاتها الوطنية في الحصول على استثمارات في الواردات الروسية بدلا
من تطبيق سياسة أوروبية موحدة في مجال الطاقة . ان المصالح التجارية
كثيرا ما غطت على المخاوف الأمنية وكما حدث في هنغاريا وصربيا وجمهورية
التشيك وسلوفاكيا ويقال ان لشركة غازبروم علاقة قوية مع شبكة من
المصارف الأوروبية خاصة في المانيا والنمسا وهولندا ، كما ان هناك
العديد من شركات الطاقة الأوروبية مملوكة لبعض الشركات الخارجية
الروسية دون شك ان المانيا تعتبر مفتاح السياسة الروسية في أوروبا
في حقل الطاقة وقد أعلن بوتين انه مستعد لجعل المانيا محور الصادرات
الروسية من الغاز المتوجهة الى اوروبا . بالرغم من ان انجيلا ميركيل
قد وافقت على المضي بمشروع انبوب غاز شمال اوروبا الذي يمر ببحر
البلطيق ، الا انها لم تتحمس لاقتراح موسكو حول علاقة متميزة في
الطاقة بين البلدين وربما زاد الخلاف بين روسيا وبيلاروسيا من مخاوف
المستشارة الألمانية حيث انها وصفت وقف الصادرات الروسية بأنه يقلل
الثقة ويجعل من بناء علاقات بناءة امرا صعبا الا ان بناء انبوب يامال
(2) الذي يمر عبر بولندا كان يمكن ان يكون اقل تكلفة على المستهلك
الألماني .
ان كلفة الأنبوب الأول تتراوح بين (18.5 - 30) مليار دولار في حين
ان كلفة الأنبوب الثاني قدرت بمليارين وثمانمائة مليون دولار . ان
كلفة الأنبوب الأول العالية سيتحملها المستهلك الألماني الا انها
بالتأكيد ستدر الأرباح على الشركات الروسية وعلى المصارف والشركات
الألمانية .
ان توسيع انبوب يمال كان سيوفر وعلى المدى الاستراتيجي المزيد من
الأمن في مجال الطاقة لبولندا ودول بحر البلطيق وكذلك لجيران المانيا
الاخرى. ان الاتفاقية الروسية الالمانية ستمنح شركة غازبروم ثقلا
واضحا في السياسات الالمانية الخاصة بالطاقة. سيكون لها تأثير غير
مباشر على اسواق الغاز في وسط وشرق اوروبا. ويمكن وفقا لذلك ان تواجه
المانيا المصير ذاته الذي تواجهه اليوم جمهوريات الاتحاد السوفيتي
السابق. وعند انتهاء العمل في انبوب غاز شمال اوروبا ستعتمد المانيا
على ثمانين بالمائة من حاجتها للغاز على الواردات الروسية، في حين
تحتاج اليوم اربعة واربعين فقط بالمائة من تلك الحاجة.
الا ان الاتفاقيات التي وقعت مؤخرا بين الشركات الروسية وشركات باسف
وآيون ورورغاز الالمانية تثبت ان برلين ستدعم جهود شركة غازبروم
في الدخول بقوة في سوق الطاقة والكهرباء الالماني. ان الحصص التي
تملكها غازبروم في شركة رورغاز سيجعلها في موقف مؤثر في قرارات الشركة.
ان هذه السياسة التي تتبعها المانيا تثير قلق الكثير من دول وسط
وشرق اوروبا. حول دور دول غرب اوروبا في حماية سيادة تلك الدول.
الا ان لبرلين رأياً آخر. حيث تعتقد نسبة كبيرة من الالمان ان اتفاقية
الغاز طويلة الامد ستعزز الصادرات الالمانية لروسيا وستعزز ايضا
علاقات روسيا الاقتصادية والسياسية مع الاتحاد الاوروبي، مما سيشجع
الكرملين على تبني القيم الديمقراطية الاوروبية وسياسة التجارة الحرة
التي تنتهجها الدول الاوروبية. ان زيادة التعامل التجاري مع روسيا
تحظى بدعم المؤسسة الاقتصادية الالمانية التي تعتمد عليها انغيلا
ميركل. الا ان الدول الاوروبية التي يزعجها انبوب غاز شمال اوروبا
تشكل بالثقة الالمانية في ان علاقتها مع موسكو ستلّين السياسات الروسية.
ان سياسة الانابيب الروسية تعود الى عام 1990 عندما اوقفت موسكو
امدادات الطاقة الى دول بحر البلطيق في محاولة يائسة لخنق حركات
الاستقلال في تلك الدول. وعادت موسكو واستخدمت سلاح الطاقة ضد الدول
ذاتها في عام 1992 ردا على طلب تلك الدول من موسكو سحب قواتها العسكرية
من المنطقة. وفي عامي 1993 و1994 خفضت موسكو من صادراتها من الغاز
الى اوكرانيا بسبب عدم دفع اوكرانيا لديونها السابقة وكذلك للضغط
على كييف للتتخلي عن مزيد من السيطرة لروسيا على اسطول البحر الاسود
وكذلك على المنشآت النفطية في اوكرانيا. وفي عام 2006 طلبت موسكو
من جورجيا دفع اربعة اضعاف السعر الحالي ثمنا لصادرات الغاز ردا
على محاولات جورجيا في مواجهة عمليات التجسس الروسية. لقد عانت بيلاروسيا
وبولندا وليتوانيا من توقف صادرات الطاقة الروسية في عام 2004 بسبب
محاولات الكرملين السابقة للسيطرة على شبكة الانابيب البيلاروسية.
وبين الاعوام 1988 ـ 2000 وفي محاولة لمنع بيع مصفاة ومنشآت تصدير
وانابيب لشركة وليامز الاميركية اوقفت شركة ترانسنفت صادرات النفط
الى ليتوانيا حوالي تسع مرات تعتقد دول الاتحاد الاوروبي الجديدة
مثل بولندا ولاتفيا وليتوانيا ومعها بعض الدول التي تحولت حديثا
صوب النهج الديمقراطي مثل اوكرانيا وجورجيا ومولدافيا ان الهيمنة
الروسية على الطاقة وعواقب تلك الهيمنة على المستوى السياسي ليست
جديدة الا ان لا أحد يعبأ في الاتحاد الاوروبي. ان موافقة المفوضية
الاوروبية السريعة على مشروع انبوب غاز بحر البلطيق في عام 2005
دون مراجعة جدية للجدل الذي دار حول المشروع قد اعطت الانطباع لموسكو
بأن مخاوف الاتحاد الاوروبي بشأن الطاقة محصورة بأوروبا الجديدة.
فبين العامين 2000 ـ 2005 لم توجه الدعوة الى دول البلطيق ووسط وشرق
اوروبا ومنها ثماني دول دخلت الاتحاد الاوروبي في مايو 2004 للمشاركة
في عمليات اتخاذ القرار او المشاورة بشأن انبوب بحر البلطيق. وبالرغم
من ان لاتفيا وليتوانيا دخلتا الاتحاد الاوروبي الا ان بروكسل لم
تفعل شيئا بشأن الحصار النفطي الذي فرض لسنوات ثلاث على ميناء فينتسبيلس
في لاتفيا. والحصار سببه قرار لموسكو باستحواذ احدى شركاتها على
ملكية منشآت الميناء. وقالت شركة ترانسنفت ان التصليحات الجارية
على الانبوب ستحرم مصفاة مازيكياي ومنشآت الميناء في بوتينج في ليتوانيا.
جاء قرار التصليحات بعد فترة قصيرة من اعلان الحكومة الليتوانية
انها عازمة على بيع منشآت الميناء الى شركة اورلين البولندية وليس
إلى شركة روسية. وحجة التصليحات ليست بالجديدة، خاصة اذا علمنا ان
شبكة الانابيب الروسية قديمة وهي بحاجة الى التصليح الا ان الغريب
في الامر هو التوقيت وعدم السماح لأحد بالتأكد من حاجة الشبكة الآن
الى التصليح. وينطبق الامر ايضا على الحريق الغريب الذي شب في المصفاة
بعد سفر المدير الى فنزويلا للتفاوض حول شراء نفط منها بديلا عن
النفط الروسي. التحقيقات مما زالت متواصلة الا ان كلفة الحريق وصلت
الى مائة مليون دولار. علاوة على ذلك تضغط شركة غازبروم على بلغاريا
التي دخلت الاتحاد الاوروبي في مطلع هذه السنة للتنصل عن اتفاق حول
سعر الغاز وتوفيره سيسري حتى عام 2010! بروكسل لم تبد اي ردود افعال.
الا ان بولندا اقترحت ان تقوم بلغاريا بطرح الامر على الناتو. تخشى
دول وسط وشرق اوروبا انها ما زالت تعامل على يد دول اوروبا الغريبة
بالرغم من دخولها الاتحاد على انها دول اعضاء من الدرجة الثانية
وان هناك جدارا للطاقة يفصلها عنها بديلا عن جدار برلين.
الخيارات المطروحة امام الاتحاد الاوروبي للتعامل مع مشكلة الطاقة
الروسية عديدة منها ما يرتبط باتخاذ قرارات شبيهة بتلك التي اتخذت
بحق شركتي مايكروسوفت وهوني ويل الاميركية والمتعلقة بقوانين المنافسة
او منع دول الاتحاد الاوروبي من عقد اتفاقيات ثنائية مع روسيا قد
تعرقل الجهود المبذولة في الحصول على مصادر بديلة الطاقة خاصة من
دول وسط اسيا وكذلك بناء شبكة طاقة كهربائية بين دول الاتحاد الاوروبي.
كما قد تلجأ بروكسل لمراقبة الاجراءات الروسية بقطع النفط والغاز
عن بعض الدول بغية الضغط عليها واتخاذ اجراءات مضادة على جميع المستويات
(السياسية، الاقتصادية) ومنها الحديث مع البنوك لتقديم المساعدات
الى اوكرانيا وبلغاريا ومولدافيا وبولندا لتحديث شبكات انابيبها
او بناء شبكات جديدة (مثلا خط انابيب غاز نابوكو الذي ينطلق من بحر
قزوين مروراً بتركيا وبلغاريا ورومانيا وهنغاريا والنمسا) تساهم
في تعزيز قدراتها في مجال الطاقة وتبديد مخاوفها بشأن وارداتها ،
خاصة من روسيا. ومع ذلك ما زال البعض يطالب بتوفير المزيد من الفرص
امام روسيا لاغرائها بالتحول صوب ما يسمى الديمقراطية وصوب الاتحاد
الاوروبي والغرب، وهذا يعني ان اوروبا ستبقى الى حين اسيرة الشركات
الروسية خاصة وان الارقام تقول ان ادمان اوروبا على الطاقة الروسية
سيزداد في العقد القادم. الا ان الحاجات المحلية الروسية للطاقة
ستزداد ايضا ولكن بنسب عالية كما ان موسكو ملتزمة بعقود اخرى (مثلا
مع الصين) مع ضعف واضح في مجالات الاستثمار والتطوير للبنى الاساسية.
ان سياسة الانابيب الروسية قد تكون وسيلة مرتبطة بشكل أو آخر بعضوية
منظمة التجارة العالمية خاصة اذا اخذنا بالتجربة الصينية بنظر الاعتبار.
من المهم جدا اقناع الكرملين ان الانفتاح على الاستثمارات الاجنبية
ربما سيعطي مصادر طاقتها قيمة مضافة معززة بالانظمة التجارية والقانونية
الدولية.
أعلى
|
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|