
اقول لكم
في خط النار
شوكت عزيز رئيس وزراء باكستان كان يصافح ضيوفه
من الاعلاميين المشاركين في حفل تدشين 2007 عاما للسياحة في باكستان
، خلال حفل شاي أقامه له بمنزله في اسلام اباد ، وعندما جاء دوري
قلت : شوقي يمكن ان تصبح شوكت في اللغة الاوردية ، وابتسم الرجل
قائلا: وهكذا فانك قد تحلم ان تكون رئيسا لوزراء باكستان ! .. لكن
هذا الحلم يضع صاحبه في خط النار كما يقول الرئيس برويز مشرف في
كتاب له يحمل نفس الاسم ، فمن يجرؤ على تولي منصب قيادي في بلد غني
بثروته البشرية شديدة التنوع والتباين والتعصب في الانتماءات القبلية
والدينية والمذهبية والطائفية .. تلك التي تعصف بالبدن الباكستاني
وتخضب ساحته كثيرا بلون الدم ؟
بي نظير بوتو كانت في خط النار منذ ان دخلت معترك السياسة خلفا لوالدها
ذو الفقار علي بوتو ، واستقبلتها جذواته المتقدة لدى عودتها إلى
كراتشي من منفاها الاختياري ، ودفعت حياتها ثمنا للوجود فيه ، بتأكيد
على ان تغيير الواقع يتطلب جهودا تراكمية طويلة لكسر شوكة التعصب
القبلي والديني والمذهبي ، وتبني خطاب اسلامي وسطي يعلي من شأن توحد
الاصول وليس الاختلاف في بعض الفروع والتفاصيل الصغيرة ، ويجعل الحوار
أداة وحيدة للتواصل والتعبير عن الرأي بدلا من ألسنة النيران وأنهار
الدم .. وهو جهد يجب ان تشارك فيه جميع مؤسسات المجتمع المدني ،
ولا يستطيعه ـ بمفردهم ـ من يتقدمون إلى خط النار ، وبي نظير كانت
جزءا من هذا الواقع بما دفعها للتوجه إلى جمهورها قائلة : انني أتحدث
إليكم كامرأة بشتونية .
الاعتراف بالآخر وبحقه في التعبير عن رأيه وتوظيفه ضمن نسيج سياسي
اجتماعي يستفيد من هذا التنوع والتباين لتنفيذ أجندة وطنية موحدة
، ربما يكون المدخل الوحيد للاستقرار في بلد التنوع والتباين المناخي
من ما دون الصفر إلى 50 درجة حرارة مئوية ، والجغرافي من السواحل
والسهول والصحاري والاودية إلى المرتفعات الجبلية شاهقة الارتفاع
، والاقتصادي من الزراعة والصناعة والتعدين والتقنيات المتطورة إلى
الحرف اليدوية فائقة الجودة ، والديني من مسلمين سنة وشيعة وطوائف
أخرى متعددة .
ومسيحيين وبوذيين وهندوس إلى بعض الاقليات اللادينية ، وهو مدخل
ينقذ هذا البلد من تداعيات خط النار ويفوت الفرصة أمام من يضمرون
له الشر ، ولا نملك إلا دعاء : رب اجعل هذا البلد آمنا .. يا ناركوني
بردا وسلاما على أرض الاطهار !
شوقي حافظ
أعلى

باختصار
سقوط السياسة أمام التنجيم
يسقط الاهتمام السياسي لدى الناس بعدما أوصلتهم
السياسة حسب اعتقادهم إلى مالايريدونه وإلى عكس ماينشدوه .. وعندما
يحدث هذا الامر فإن الأحزاب هي الاخرى تصبح " جنرالات بدون
عساكر " باستثناء تلك التاريخية التي تستند إلى مفاهيم إسلامية.
هذا الكلام ليس من عندياتي ، انه نتيجة لما حط عليه مهرجان الكتاب
العربي في بيروت الذي اشتركت فيه أكثر من مائة وخمسين دارا عربية
وشهدت انقطاعا كبيرا عن الكتاب ، في وقت خرجت الاحصاءات عن الكتب
المباعة بأن السياسة فيها لم تتجاوز الخمسة بالمائة بينما ذهب اكثر
من خمسين بالمائة إلى كتب التنجيم والفلك.
هذه النتيجة حاصرت الكتاب بقدر ماعبرت عن حالة عامة لدى الشارع العربي
الذي يعتبر لبنان طليعته بالنسبة للكتاب . ولهذا نجحت عشرات الكتب
التي يزيد فيها كل عام المنجمون والذين بات معظمهم يسمي نفسه بفلكلي
وليس منجما ، حيث لم يعد لهذا التعبير الأخير نكهته لدى المواطن
والباحث عن إجابات لواقع عام وشخصي مجهول الابعاد.
ومع ان كتاب التنجيم او الفلك قد ازدهر في السابق الا انه لم يصل
إلى هذه النسبة من المبيع كما كان عليه هذا العام ، فهو تجاوز الكتب
الثقافية والشعر تحديدا ، كما تجاوز الكتب المتخصصة وفي طليعتها
تلك السياسية التي تهم كل مواطن وترشده إلى الواقع الذي هو فيه كما
تمسك بيده لاضاءة العتمة التي تواجه مفاهيمه.
إذا ماقدر لك محاورة المشترين لكتب التنجيم والفلك فان الاجابة الاولى
التي تحصل عليها " اننا مللنا السياسة التي اصابتنا بوجع الرأس
" .. ومع شك هؤلاء بما يكتبه المنجمون او الفلكيون فإنهم يميلون
إلى تصديق مايناسبهم ويترفعون عما لايجدونه مواكبا لظروف حياتهم
. واذا ماذهبنا بعيدا في إلقاء الضوء ، فإن نجم العام عادة هو المنجم
الذي تأتي به إحدى محطات التلفزة ليقرأ من خلالها رؤيته للعام المقبل
.. لاشك انك لو ذهبت إلى جميع البيوت ليلة رأس السنة البارحة فسوف
تجد الجميع مشدودين إلى منجم يدعى ميشال حايك على سبيل المثال ،
حيث يعتقد البعض ان هذا الرجل تربطه علاقات دسمة بالكثير من السياسيين
وربما بأجهزة ما توفر له بعض الاضاءات يتدخل فيها ذكاؤه اللماح ليتمكن
من ربط المعلومة بقراءة متأنية.
هل تحتضر السياسة ليصبح العربي كالأميركي مثالا المهتم بمعدته وبالضرائب
وبسهره وعلاقاته النسائية دون حساب لما تشهده السياسة حوله ، بل
هو تعلم ان بلاده قارة كبرى تتمتع بقوة جبارة لادور له فيها بل تركها
لمن يديرونها ويقودونها . ربما يريد العربي الوصول إلى هذه النتيجة
، او ربما ان الاحداث المتفاقمة هي التي أوصلته او بعض السياسات
المدروسة هي التي دفعته لميوله الحالية.
نجاح كتب التنجيم سيجعل كثيرين يميلون إلى الكتابة فيه لنصبح لاحقا
جمهورا من المنجمين الذين ينجمون لبعضهم البعض . كلما ازدادت تجارب
السياسة اشكالا زادت معها الحاجة إلى البحث عن صنف المجهول وشكله
وأبعاده . فلا خوف في هذه الحياة إلا من الغد الذي لايحمل اجابات
ولا يعطي ضمانات ، وما تبقى ثرثرة لاتقنع الناس ولا تستجيب لدوافعهم
الدفينة وإلى أحلامهم التي يريدونها حقيقة واقعة.
نجح المنجمون والفلكيون والمعبرون عن قراءة ناجحة لسيكولوجية البشر
ولن تستطيع السياسة لزمن قادم في لعبة الاقناع الا اذا حققت اجابات
صارمة في إفهام المجهول وفك رموزه وألغازه .
زهير ماجد
أعلى

كلمة ونصف
صناديق الاستثمار
هناك جهات يستهويها تأسيس مشروعات بالإعلان
عن أفكار ، وإعطاء زخم لها ، إلا أن هذه المشروعات أو تلك لا تعدو
إلا أن تكون فقاعات تفتقر للآليات التنفيذية ، والإجراءات الفعلية
الهادفة إلى الاستفادة منها بما يطور العمل ، ويعزز النشاط إلى غير
ذلك.
وتأسيس صناديق الاستثمار في سوق مسقط للأوراق المالية ، يندرج ضمن
هذا الإطار ، وبين فترة وأخرى يعلن عن صناديق استثمارية وخاصة أوقات
الأزمات لتهدئة الرأي العام ، إلا أن هذه الصناديق سرعان ما تختفي
من الوجود وبدون أن تساهم في تحقيق الأهداف من الإعلان عنها.
ومنذ أن تأسس سوق مسقط للأوراق المالية قبل عشرين عاماً ، والمشتغلين
بالاستثمار في الأوراق المالية يسمعون عن صناديق استثمار ، أو ما
يسمى بصناع السوق إلا أن هذه الصناديق تبدو كالبالونات التي تبدو
كبيرة الحجم وعظيمة الأهداف ، إلا أنها مع أول اختبار فعلي للعمل
تتلاشى من الساحة ، وتعمل على استحياء وخجل غير مرغوب لذا تكون فاعليتها
مثل عدمها.
ونحن مع تأسيس صناديق للاستثمار وتدعيمها للاستثمار في سوق مسقط
للأوراق المالية والنهوض بهذا المرفق الحيوي والهام ، إلا أن هذا
يحتاج إلى مراجعات دقيقة وجهات مسئولة تشرف عليها و تعمل على تحفيز
هذه الصناديق على الاستثمار.
إن كل المؤشرات تشير إلى أن الاستثمارات في السلطنة وفاعليتها أكثر
من أي استثمارات خارجية ، أو الاستثمار في مجالات أخرى ، إلا أنه
يبدو أن هذه الصناديق تفتقر إلى العديد من أدوات الاستثمار الفاعلة
، ومنها الكوادر المؤهلة التي عليها استغلال الفرص المواتية للاستثمار
في هذا المجال أو ذاك وافتقار هذه المؤسسات إلى قرارات فعلية تهم
في تحريك مواردها المالية المجمدة في المصارف.
وضعف القرار في صناديق الاستثمار على اختلاف أنواعها بالطبع مرده
إلى عدم وجود هيئات متخصصة في الاستثمار تتبع الفرص في الأوقات المناسبة
، كما في هيكلة هذه الصناديق وعدم تفاوض في الصلاحيات ومركزية العمل
يجعل هذه الصناديق مؤسسات ادخارية لا أكثر .
إن سوق مسقط للأوراق المالية يعد من أفضل الأسواق العربية من حيث
الشفافية والإفصاح وغير ذلك من المزايا التي يتمتع بها كسوق ناشئ
، إلا أنه يبدو أن لعنة نكسه أسعار الأسهم في 1997 مازالت تلاحقه
، ولم يستطع بعد تصحيح الصورة المترسبة في أذهان المستثمرين الذين
خسروا أموالهم ، وصناديق الاستثمار العاملة في البلاد تعمل وفق آليات
مازالت تعد بدائية غير متجددة للنهوض بالاستثمار في هذا الجانب الحيوي
والهام ، الأمر الذي بالطبع زاد الأمر سوءاً في هذا المرفق يتمثل
في عدم تفضيل المستثمرين على اختلاف مستوياتهم المغامرة مرة أخرى
ومع ضعف تصحيح الصورة عن جدوى الاستثمار في السوق ، وهو ما انعكس
على حركة الشراء والتداول وأسعار الشركات التي بعضها يحقق أرباحاً
مغرية وجذابة للمستثمرين والمضاربين والصناديق ، إلا أن الوقوف موقف
المتفرج على حركة التداول وعدم إبداء الاهتمام الكافي من جميع الجهات
بسوق مسقط أسهم بلا شك على النمطية في العمل والرتابة في الاستثمار
في الأوراق المالية.
إن معالجه هذا الوضع لا يتمثل في إنشاء صناديق جديدة تكون ناشئة
، وإنما تحريك المياه الراكدة في الصناديق القائمة وبالعمل بفاعلية
لترغي في الاستثمار في هذا المجال الحيوي والهام والعمل بشكل جماعي
ومنظم من جانب الجهات المختصة ومتخصصة بالطبع في الاستثمار .
والجهود التي تبذلها الجهات المختصة في سوق مسقط للأوراق المالية
والهيئة العامة لسوق المال على ضوء اختصاصاتها وصلاحياتها كبيرة
ومقدرة من الجميع ، إلا أنها لا تملك عصاً سحرية في الدفع بالأمور
بشكل أفضل خاصة إذا بقيت صناديق الاستثمار في صوامعها جامدة منها
ما ينتظر عوائد الاشتراكات من جانب المتطوعين تحت مظلتها ومنها ما
ينتظر عوائد الفوائد السنوية على الإيداعات إلى غير ذلك من حالة
الجمود التي تعتري عمل الصناديق في كل جوانب عملها وليس الاستثمار
فقط .
إن صناديق الاستثمار في بلدان العالم منها مؤسسات المعاشات ومنها
المؤسسات الاستثمارية التي أنشئت لهذه الإعراض وهيئات كبيرة تحرك
الاستثمار في هذه البلدان وليست كيانات متفرقة هنا وهناك لا تمثل
رقماً مهماً في الاقتصاد ولا حتى المشتركين فيها .
ونتطلع إلى تغيرات هيكلية في صناديق الاستثمار والعمل على لملمتها
بشكل يساهم في زيادة فاعليتها والنهوض بالعمل بها وتدعيم الجوانب
الاستثمارية بها والإسهام في حركة التعمير والبناء التي تجتاح البلاد
في مختلف محافظاتها ومناطقها ولتكون عاملاً هاماً ومساعدا ، ومحركاً
للاستثمار سوق مسقط للأوراق المالية أو غيره من المجالات.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

رحاب
مُسَلّم
جاء مسلم من منطقة تبعد عن مدينة صلالة مسافة
192 كيلومترا، كان يعلم بأنه سيقفل عائدا بعد ست ساعات مجتازا نفس
المسافة لكي يكون في ولاية (ضلكوت) قبل السابعة صباحا ليبدأ عمله
في مدرسته قبل مجيء الطلبة وبقية المعلمين. فهو يعمل أخصائي توجيه
مهني ولا بد أن يعطي الصورة المثالية لطلابه ولزملائه؛ كيف يجب أن
يسلك المربي؟ وماذا عليه أن يفعل لكي يعبر بكل مصداقية عن المربي
القدوة؟.
وصل مسلم بعد عناء إلى مدينة صلالة، قابلني في المكتب ظنا منه بأن
برنامجا تدريبيا في التحفيز الذاتي سوف يبدأ مساء ذلك اليوم، أخبرته
بأن البرنامج تأجل وسوف يبدأ بعد يومين، وبعد أن قمت معه بالضيافة
همّ مسلم بالانصراف بنفس الابتسامة التي دخل بها، وبنفس النشاط الذي
ظهر عليه عندما صافحني بحرارة، بحيوية لم ينل منها عناء السفر من
ولاية ضلكوت الى مدينة صلالة شاقا طريقه بين الجبال، والوديان والمنحنيات.
السفر من ضلكوت الى صلالة مغامرة لا تخلو من اضطراب الروح بين الحلقوم
والصدر، لكن مسلم اجتاز كل تلك المسافة وهو يعلم بأن عليه أن يقطعها
بعد ساعات، حيث يقترب الوقت من منتصف الليل. فالبرنامج الذي كان
سيشارك فيه ينتهي في تمام التاسعة والنصف ليلا، وعندما يحين موعد
خروجه من الفندق الذي كان سيقام فيه البرنامج ويبدأ تشغيل سيارته
تكون الساعة قد وصلت تمام العاشرة وحين سيصل إلى (المغسيل) تقترب
عقارب الساعة من العاشرة وأربعين دقيقة تقريبا.
يمكنك أن تتخيل طوابير الماشية والهوام على الطريق مرورا ببعض النقاط
التي عليه أن يتوقف عندها لكي يعرف بنفسه ويثبت هويته ويبرر بأن
دواعي وأسباب سفره في هذا الوقت منطقية وطبيعية حفاظا على سلامته
وسلامة المنطقة. وعندما سيصل ولاية ضلكوت سيكون الوقت قد شارف على
الساعة الثانية صباحا.
أستطيع بكل دقة أن أُمثلّ حالة مسلم العضوية والإرهاق الذي سوف يكون
عليه، وحجم النعاس الذي سيغلق عينيه بكل جبروت، وشكوى أعضائه جراء
اختلاف درجات الحرارة ومستوى الضغط الذي اجتازه صعودا وهبوطا، كل
ذلك السيناريو مر في عقلي بسرعة الضوء وأنا أنظر إلى مسلم متوهجا
حماسا وثقة ورغبة عارمة في التعلم والاستفادة من البرنامج.
أجريت حوارا داخليا وأنا أتلقى برنامجا حقيقيا من مسلم أضيفه إلى
خبرتي لعلي أتعلم منه بالرغم من أنه يصغرني بواحد وعشرين سنة. تساءلت
في نفسي: كم من شبابنا يمكن أن يقطع نفس المسافة ويدفع رسوما لكي
يحضر ورشة تطبيقية في تحفيز الذات؟ كم من شبابنا يتمتع بنفس حماس
مسلم؟ كم من مربينا في المدارس ومؤسسات التعليم ينظر إلى التطوير
الذاتي وتنمية مهاراتهم بنفس اهتمام مسلم؟
عدت إلى مسلم، كان يعتبر كل ما فعله عاديا جدا، ولم يكترث كثيرا
عندما اعتذرت له بحرارة وبصدق عن تأجيل البرنامج قائلا له: أرجو
أن تلتمس لنا عذرا من سبعين عذرا لأن البرنامج سوف يعقد بعد يومين،
لكنه رد بكل أدب: لا عليك! لكن أرجو ألا يتغير موعد البرنامج مرة
أخرى!! وأردف قائلا وهو يكتب بريده الالكتروني: من فضلك ابلغني عن
جميع برامجكم القادمة!
أكدت له قائلا: يا مسلم! سوف نفعل، بل سوف نستضيفك لكي تقدم برامج
تدريبية في التنمية الذاتية، وعندما سمع مني هذه الجملة ناولني ملفا
يحتوي على برامج رائعة أعدها ويقدمها في مدارس البنين والبنات في
المنطقة الغربية من محافظة ظفار، تناولت منه الملف: وتصفحت الملف
وشرعت اقرأ بنهم العبارات الجميلة التي كتبها على شرائح (الباوربوينت)
فأخذت أقرأها وأمعن في مغزاها، كانت تضم قصصا وأمثلة لناجحين بدءا
من الرسول صلى الله عليه وسلم ومرورا بعدد من الشخصيات أمثال محمد
علي كلاي وإديسون وولت ديزني، عظماء كثيرون يسكنون في عقل وصدر مسلم،
وينشر فكرهم بين أبنائنا وبناتنا لكي يوقظهم من سبات الاتكالية والنظر
إلى الخارج بدلا من النظر إلى الداخل، بدلا من استلهام العبقرية
والحكمة والتميز من الداخل من الذات ومن الدين ومن التجارب ومن التراث
العماني ومن الثقافة ومن القدرات الفائقة التي حبانا الله سبحانه
وتعالى بها.
عدت إلى مسلم، وقلت له: يبدو أنك أنت الذي علمتني اليوم يا مسلم!
أنا فعلا وبكل صدق في حاجة أن أجلس تلميذا أمامك لا أن أقف محاضرا
أمامك.
غادر مسلم عائدا وأنا أقول: هل يحتاج مسلم إلى برنامج في التحفيز
الذاتي؟ أم نحن الذين بحاجة إلى مسلم لكي يعلمنا بسلوكه وأفعاله
كيف تكون التضحية من أجل أشياء وقيم نؤمن بها ونعتقد بأنها يمكن
أن تفيدنا وتفيد الآخرين وتجعل الحياة أفضل مما هي عليه.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية
أعلى

أصداف
فشل سياسي هائل
أثار تأجيل الاستفتاء على مصير مدينة كركوك
العراقية لمدة ستة أشهر، حفيظة بعض أطراف العملية السياسية، بسبب
إدراك هذه الأطراف أنها وصلت إلى نقطة قريبة من النهاية، لكن هذه
النهاية تحمل تفاصيل الفشل الحقيقي للعملية السياسية، التي انطلقت
مع بداية احتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية في
ربيع عام2003.
إن الأطراف السياسية، التي بذلت كل مابوسعها لتطبيق الفقرة(140)
من الدستور الحالي، تجد نفسها في فضاء الفشل التام، لأن القضية ترتبط
بموضوع المصالح الخاصة لهذا الطرف أو ذاك، وبما يطمئن المشاركون
في العملية السياسية بأنها تسير باتجاه النجاح، وهذا الطريق، هو
الوحيد الذي يعيد الثقة إلى تلك الأطراف، التي بدأت تدرك خلال السنة
المنصرمة، أن كل ما وضعوه في جدران العملية السياسية، لم يتم التحقق
من ثباته، ثم تأكد للجميع أن الهشاشة والوهن، هما سمات هذه العملية،
وما يؤكد ذلك، هو الصورة الاخيرة، التي بدت واضحة خلال زيارة كوندوليزا
رايس وزيرة الخارجية الأميركية إلى مدينة كركوك مثار النزاع، والتي
خصصوا لها فقرة كاملة في قانون إدارة الدولة، الذي تم وضعه في عهد
بول بريمر، وأقره مجلس الحكم أواخر عام2003. كما تم تخصيص المادة(140)
في الدستور الحالي، الذي تم الاستفتاء عليه في ظل وجود قوات الاحتلال
الأميركي في الخامس عشر من اكتوبر عام2005.
ان زيارة كوندوليزا رايس إلى مدينة كركوك، مع الاعلان عن تأجيل تطبيق
المادة الخاصة بها، لمدة ستة اشهر تؤكد حالة الخيبة والفشل الكبيرين،
وقناعة أطراف العملية السياسية بذلك، وايمان الادارة الأميركية بهشاشة
مابنوه خلال اربع سنوات ونصف.
ان الحديث عن مدينة كركوك العراقية ياخذ اكثر من زاوية واتجاه، وهنا
سنحاول ان نركز على دلالات التاجيل، الذي نتحدث عنه، وهو في الواقع
بمثابة انهاء لهذا المشروع ، الذي ارادته العملية السياسية، لان
ضم مدينة كركوك إلى المنطقة الشمالية، يعني تحقيق مشروع الأطراف
المشاركة في الميدان السياسي الحالي، لتنفيذ البنود الأساسية في
مفاصل العملية السياسية، ويدفع بها لإعلان الاقاليم التي تحاول هذه
الاطراف اقامتها منذ مايقرب من ثلاث سنوات، وهذه الدعوات غير خافية
على أحد، لانها تعلن بصورة متواصلة، وهناك حرص من تلك الاحزاب على
إعلان اقليم الوسط واقليم الجنوب واقليم المنطقة الغربية، ولو نجح
الحزبان الكرديان(الاتحاد الكردستاني والديمقراطي الكردستاني) في
ضم كركوك إلى اقليم الشمال، لتحقق للاخرين مايريدون، وتوصلوا الى
احد اهم اهداف العملية السياسية، وهو تقسيم العراق على اسس عرقية
وطائفية.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
العام الأخير 1 - 2
بحلول شهر يناير يبدأ العد التنازلي لانتهاء
رئاسة الرئيس بوش. وفي السنة الأخيرة له في الرئاسة يعتزم الرئيس
الأميركي البحث عن سجل يذكر به في التاريخ. للسنوات السبع الماضية
لم يكن ممكنا أن يوصف الرئيس بوش بأنه رجل زار العالم، أو فتح قلبه
له. فالرئيس الأميركي فضل خلال السنوات السبع الماضية، أن يدعو زعماء
العالم المفضلين إليه لزيارته في ضيعته الصحراوية في قرية كروفورد
في ولاية تكساس. زيارات الزعماء للبيت الأبيض لم تكن بالضرورة دليلا
على حب أو إعجاب أو تقارب. لكن ضيعته في تكساس هي التي استضافت المفضلين.
وبقي سفر الرئيس بوش إلى العالم الخارجي محدودا، بينما بدا واضحا
أن نبرة سياسته الخارجية تحددت، ليس بزياراته لعواصم العالم الخارجي،
بل باختياره الزعماء الذين يوجه إليهم الدعوة لزيارته في تكساس.
لكن هذا الاتجاه قد يتغير في السنة الأخيرة من رئاسته. جواز سفره
سوف يختم بأختام دول عديدة ، وطائرته الرئاسية (اير فورس 1) سوف
تقطع البحار والمحيطات، في مسعى اخير من جانبه لترك ارث او سجل قد
يفخر به للتاريخ.
سيبدأ الرئيس بوش هذه الموجة الجديدة من الرحلات الخارجية إلى دول
العالم في أوائل يناير، وسيزور سبع دول خلال اسبوع في الشرق الأوسط.
سيزور بوش اسرائيل، والأراضي الفلسطينية، والسعودية، ومصر، والكويت،
والبحرين، والإمارات العربية المتحدة. ثم في فبراير سوف يزور الرئيس
بوش افريقيا السوداء، حيث سيسلط الضوء على دور حكومته في مكافحة
وباء الإيدز ، كما سيركز المساعدات التنموية الأميركية على دول افريقيا
التي تبذل مجهودا أكبر في مكافحة الفساد. وفي إبريل سوف يشارك الرئيس
بوش في قمة حلف ناتو في بوخارست عاصمة رومانيا. وفي يوليو سيزور
الرئيس بوش اليابان لحضور قمة الدول الثماني الكبرى. وفي أغسطس سيحضر
الرئيس بوش الدورة الاوليمبية في الصين.
والرئيس بوش يتبع ، إلى حد، ما النمط نفسه الذي سار عليه رؤساء أميركيون
سابقون. فالسنة الأخيرة في البيت الأبيض هي فيما يبدو سنة السفر.
مع قرب انتهاء رئاستهم يجد الرؤساء الأميركيون أنفسهم وقد اضمحل
نفوذهم داخليا، في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار والاهتمام على الحملة
الانتخابية الرئاسية ومن سيفوز فيها. مع اضمحلال النفوذ الداخلي
يلجأ الرؤساء الأميركيون في السنة الأخيرة إلى السياسة الخارجية
والسفر إلى العالم الخارجي في محاولة لترك بصمة أو لمسة أخيرة على
إرثهم أو سجلهم.
لكن هناك فارقا بين بوش والرؤساء الأميركيين الذين سبقوه. فالرئيس
بوش يخرج اليوم في عامه الأخير لزيارة عالم لا يكن له حبا كبيرا.
عالم لا يحبه شخصيا ولا يحب سياساته بالقدر نفسه. فماذا يمكن للرئيس
بوش أن ينجزه في سفره وكيف سيكون حضوره الدورة الأولمبية أكبر إنجاز
واكبر احراج في وقت واحد؟
سنواصل المناقشة.
عاطف عبد الجواد
أعلى

أما آن لليلهم أن ينجلي عنا؟....
لم نكن، نحن المعنيين جداً بما يجري لأهلنا
وإخواننا في العراق منذ كارثة الاحتلال الأميركي له ، بحاجة إلى
تقرير أعدّته الخارجية الأميركية وتمّ رفعه إلى الرئيس جورج بوش
، كي نتأكّد من الاستهداف المقصود والتصفية الجسدية المنتظمة للعلماء
والأطباء والمفكرين والمدرّسين وأساتذة الجامعة في العراق. ولكنّ
التقرير أكّد، على كلّ حال ، أن وحدات "الموساد" و"الكوماندوز"
الإسرائيلية تعمل في الأراضي العراقية خصيصاً لقتل العلماء والمهندسين
العراقيين وتصفيتهم جسدياً بعد أن فشلت الجهود الأميركية منذ بداية
الغزو في استمالة عدد منهم للتعاون والعمل في الأراضي الأميركية،
ويؤكّد التقرير أنّ هناك فريقاً أميركياً خاصاً يساند القوات الإسرائيلية
في أداء هذه المهمة الدموية، وأنّ الفريق الأمني الأميركي يختصّ
بتقديم السيرة الذاتية الكاملة، وطرق الوصول إلى هؤلاء العلماء العراقيين،
وأنه ترتب على ذلك قتل 350 عالماً و200 أستاذ جامعي حتى الآن في
الشوارع العراقية بعيداً عن منازلهم. وتستهدف هذه العمليات وفقاً
للتقرير الأميركي أكثر من 1000 عالم عراقي. إلا أنّ العبارة الجديدة
الهامة في التقرير هي أنّ "أحد أسباب انتشار الانفجارات في
بعض شوارع المدن العراقية يكون المستهدف منه قتل العلماء".
أي أنّ قتل العلماء العراقيين لم يحدث نتيجة عمليات إرهابية غامضة،
بل إنّ عمليات الإرهاب تحصد في كلّ مرة عشرات الناس خلال عملية تستهدف
قتل عالم أو أستاذ جامعي، أي أنّ هؤلاء العلماء ليسوا ضحايا إرهاب
عبثي يُلصقُ بـ "القاعدة" كالعادة، بل ضحايا عمليات قتل
متعمّد من قبل أجهزة مخابرات مدرّبة على الاغتيال ولديها قائمة تستهدف
سلب العراق خيرة علمائه ومفكريه.
وقد كتبت جهات عدّة عن هذا الموضوع منذ احتلال العراق إلى حدّ اليوم،
من ضمنها جريدة لوس أنجلس تايمز (8 نوفمبر 2007) والتي تحدثت عن
خطف وقتل أساتذة الجامعة، كما أشارات تقارير وكالات الأنباء إلى
مقتل أكثر من ثلاثمائة أستاذ جامعي، وإلى "هجرة" ثلاثة
آلاف منهم بعد الاحتلال الأميركي الذي استهدف، كما يقول بوش وعلى
ذمته، نشر "الديمقراطية" في العراق ليكون "نموذجاً"
للبلدان الأخرى في الشرق الأوسط. يترافق ذلك مع حملة منظمة لخطف
أشهر وأفضل الأطباء وقتلهم، وتهديد البعض الآخر ودفعهم إلى الهجرة
خارج العراق أو مواجهة الموت المحتّم. كما أكّدت الحركة الإيرلندية
المناهضة للحرب في تحقيق أجرته منذ شهر مارس 2006 أنّ قوات الاحتلال
الأميركية، ولا ننسى أنها جاءت لنشر "الديمقراطية" تساعدها
في ذلك فرق الموت التابعة للموساد الإسرائيلي، يقومون بإبادة "الثروة
الفكرية والمهنية" في العراق، مطالبة اليونسكو بحماية من تبقى
منهم. وقال التحقيق "رغم أن هناك مغدورين من ديانات وطوائف
متعددة"، لكنّ التقرير شدّد على أنّ "النموذج الوحيد السائد
هو أنّ الغالبية المطلقة من الضحايا هم إثنياً من العرب حصراً، وأن
الاختصاصات الرئيسية المستهدفة هي العلوم والحقل الطبي وحملة الدراسات
العليا من الماجستير والدكتوراه ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات
والأكاديميين الناجحين والمعروفين".
وتتزامن حملة الإبادة الجسدية هذه مع سرقة المتاحف، وحرق المكتبات،
وتفجير الكنائس، والمساجد والجوامع، خاصة ذات القيمة الأثرية والفنية
والمعمارية منها. فرغم كلّ ما مرّ على العراق من غزوات وحشية مدمّرة
في تاريخه لم يشهد وحشية مثل التي قامت بتفجير منارتي مرقد الإمامين
العسكريين في سامراء، وتفجير مئذنة مسجد "العشرة المبشرة"
في حي الزهراء في البصرة. وقد بلغ عدد المساجد، ومراقد الصحابة،
ودور العبادة ذات المكانة الواسعة التي تمّ تدميرها منذ احتلال العراق
أكثر من عشرين. وفي السياق ذاته يأتي تفجير وحرق المكتبات في الجامعات
والمدن، بما في ذلك تفجير شارع المتنبي في بغداد والذي هو الشارع
الوحيد في العالم المتخصص كلياً بالكتاب والمكتبات وهو دليل حيّ
على ألق فكر وحضارة أبناء ما بين النهرين.
ولكن هل هي محض صدفة أن تلقى مكتبة الشيخ عفيف النابلسي في مجمع
الزهراء في صيدا اللبنانية ذات المصير، من قوات الدمار الإسرائيلية،
الذي لقيه شارع المتنبي في بغداد؟ فقد دمّرت الطائرات الإسرائيلية،
الأميركية الصنع، مكتبة السيدة الزهراء في صيدا خلال حرب يوليو عام
2006 وهي المكتبة التي كانت تضمّ آلاف الكتب والمخطوطات والمدونات،
كما دمّرت أيضاً مكتبة العلامة محمد حسين فضل الله، والتي كانت تعتبر
من أغنى المكتبات في المنطقة. كما دمّرت إسرائيل البنية التحتية
للمدارس والجامعات والمبرّات والمراكز التربوية والاجتماعية والإنمائية.
والشيء ذاته تمارسه إسرائيل منذ عقود في فلسطين، والذي ظهر جلياً
خلال اجتياحها للبنان عام 1982، حين دمّرت بشكل منظّم مراكز الأبحاث
والتراث والمكتبات الفلسطينية في بيروت والجنوب، كما اغتالت المئات
من الكتّاب والمثقفين والفنانين الفلسطينيين، وتقوم حالياً بحرمان
الشعب الفلسطيني من إدخال أي كتاب إلى الضفة والقطاع ضمن سياسة فرض
حصار ثقافي وفكري على الشعب العربي الذي شكّل، طوال تاريخه الممتدّ
لآلاف السنين، منارة للفكر والثقافة والعلوم والفنون والفلسفة والآداب
في التاريخ الإنساني.
وإذا قرأنا في ضوء ما تقدّم من حقائق ما كتبته جريدة الجارديان البريطانية
في 10 أغسطس2007 عن مصير المكتبة والأرشيف الوطني في العراق، نستطيع
أن نحدّد من هم "المتطرّفون" الذين يُتَّهَمون عادةً بحرق
مكتباتنا، وبقتل علمائنا، والذين يصدرون بياناً في موقع للانترنت
تتبنى فيه "القاعدة" كعادتها المسؤولية. فقد كتب مايكل
هاورد من أربيل مقالاً بعنوان "يخشى من السرقة بعد إحكام القبضة
على المكتبة الوطنية العراقية" إنّ آلاف الكتب النادرة والمخطوطات
في المكتبة ومركز التوثيق العراقي، وهي أهمّ مؤسسة ثقافية عراقية،
أصبحت في خطر بعد أن تمّ احتلال المبنى من قبل قوات الأمن العراقية.
وقال سعد اسكندر أمين المكتبة: "لقد حولوا مكتبتنا وأرشيفنا
الوطني إلى هدف عسكري، وغداً أو بعد غد، سوف يأتي "المتطرفون"
ويهاجمون القوات العراقية هنا" وأضاف "نحن بين فكّي كماشة
الإرهابيين والمتطرفين من جهة، والقوات الأميركية من جهة أخرى".
وفي ضوء ما تقدّم نرى أن التخطيط لقتل العلماء، وإحراق المكتبات
يتمّ التخطيط لهما بين القوات الأميركية والإسرائيلية في حرب إبادة
شاملة ومنظمة على الفكر والإبداع العربي.
من الواضح من كلّ ما لديّ من وثائق، والتي أشرتُ إلى النزر اليسير
منها في هذا المقال، أنّ الإستراتيجية الصهيونية في فلسطين والعراق
ولبنان، وفي أيّ بلد عربي، تقوم على جذب أو تهجير أو قتل العلماء
العرب، ونهب الآثار، وحرق المكتبات، ومن جهة أخرى اتهام العرب والمسلمين
أنفسهم بالإرهاب، ويترافق ذلك مع منع أبنائهم من دخول فروع الطبّ
والعلوم في الجامعات الغربية والأميركية. ومن الواضح أيضاً أنهم
بهذا يحاولون إعادة تجربة إبادة السكان الأصليين في الولايات المتحدة
وأستراليا وإقامة دولتهم الاستعمارية الاستيطانية مكان الدول العربية،
إذ يحلمون أن تكون هذه منطقتهم بعد مائة عام، ولكنهم أخطأوا العنوان
هذه المرة، فهذه الأمة لن تموت ولن يتمكنوا من إبادتها، فقد قتلوا
غسان كنفاني، كما اعترفوا مؤخراً، في بيروت فانبعثت مؤسسة غسان كنفاني
لتخرّج عشرات الكتاب والمؤلفين، وقتلوا ناجي العلي، فتمّ تأسيس مؤسسة
ناجي العلي لتخرّج عشرات الفنانين، وفي غمرة إحراقهم للكتب في العراق
نالت الرواية العراقية المرتبة الأولى بين الروايات العربية المترجمة
إلى الإنكليزية ونشطت حركة الشعر والكتابة والفنون والموسيقى لدى
العراقيين في المهجر.
هذه ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها العرب لمثل هذه الغزوات
الوحشية، فهذه الأمة تعرّضت إلى سرقة فكرها وعلمائها وحرفييها مراتٍ
عديدة طوال تاريخها الطويل، وأُفرِغَت بلادنا من أمهر الحرفيين والمهندسين
والأطباء الذين صاغوا هويتها أكثر من مرة، وقد كان لذلك أسوأ الآثار
طبعاً على تقدمها وحركتها وتطورها ونمائها، ولكنها ما لبثت أن أنجبت
البدلاء وإن استغرق ذلك وقتاً، ووضعها في موكب مختلف عما كان يمكن
أن تكون لو قدّر لهذه الأمة ألا يمرّ عليها الطغاة من الغزاة ممن
سلبوها أفضل أبنائها. فالغزاة من جيوش الأجانب المتوحشين والمتحضرين،
القدماء والمعاصرين، على حدّ سواء يستهدفون علماءنا أولاً بقدر استهدافهم
ثرواتنا وقلاعنا. فهم الذين أحرقوا مكتباتنا عندما كانت كتبنا رُقماً
طينية، وأحرقوها في بغداد والإسكندرية وطرابلس والأندلس عندما تحولت
إلى الورق الذي نشره العرب ليكون أداة لحمل ونقل المعارف والحضارة
لكلّ البشر. والغزاة الرومان، والتتريين، والمغول والعثمانيين، كالأميركيين
والإسرائيليين أفرغوا عواصم الحضارة الإنسانية: بغداد، ودمشق، والقاهرة،
وقرطبة وكلّ المدن العربية التي غزوها، وفي كلّ مرة، من مئات الألوف
من الفلكيين، والكيميائيين، والبنّائين، والحدادين، والأطباء، والمعماريين،
والسيّافين والصيادلة والأطباء والعشّابين وغيرهم من شاغلي آلاف
الحرف التي طورها الإبداع العربي، وحملوهم إلى مواطن الغزو الوحشية
لينشروا فيها منتجات الحضارة العربية، وليحرموا أمتنا من فرص التطور
والتنمية. هذا ما عمله هولاكو ببغداد، وتيمور بحلب ودمشق وحمص، وهذا
ما كرره السلطان سليم العثماني بالقاهرة ودمشق وغيرها من مدن الشام،
حين أقام أشهراً فيها وهو يرسل قوافل طويلة يومياً من العلماء والحرفيين
وأدواتهم وكتبهم براً وبحراً إلى بلاده لتعميرها. وهذا ما يفعله
بوش، وحلفاؤه من طغاة كيان الاستيطان الغربي في فلسطين، من جديد،
بعلمائنا وأطبائنا ومهندسينا ومثقفينا. ولكن عبثاً يحاولون! فالطغاة
هم الذين ينتهون وأمتنا تجدد نفسها كلّ مرة رغم ظلام التجهيل، وظلم
الغزاة?
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
www.bouthainashaaban.com
أعلى

الخصومات .. نجم عام 2007 عربياً
من المحزن حقاً أن تكون الخصومات بين بعض المكونات
العربية قد استأثرت بنوع خاص من النجومية خلال عام 2007، بحكم سيطرتها
على مفاتيح العديد من طروحات الرأي العام العربي.
لسنا هنا بصدد تقديم جرد إحصائي عن مظاهر الخصومات التي ظهرت في
فضائيات عربية عديدة ضمن برامج يفترض أن تكون مجالاً لتبادل الآراء
والتصورات التي تتعارض، ولسنا أيضاً بصدد تقديم إحصائية عن الخصومات
بين الأفراد وما بت به القضاء في الدول العربية لحلها، كما أننا
لا يمكن ان نلم بالخصومات بين قبائل متجاورة جغرافياً ومتباعدة اجتماعياً.
إن كل ذلك من الأمور الطبيعية التي يمكن ان تحصل في بلدان ومناطق
أخرى من العالم ، بل نشير هنا إلى الخصومات السياسية بالعلامة العربية
الفارقة التي تجاوزت ملامحها حد الشجار التقليدي إلى استخدام أقسى
المفردات في التعبير عن رفض الآخر وتخوينه، وفي بعض الأحيان تم اللجوء
إلى السلاح تصعيداً للغة الحقد والنكايات والتشفي والتلويح بالويل
والثبور، على الرغم من أن هذا التوجه لا يمكن له في يوم من الأيام
أن يصنع منتصراً، ومع ذلك ما زالت الخصومات مستمرة، ومن المؤكد أن
عام 2008 سيرثها على قاعدة مزج رائحة الياسمين برائحة الثوم، ولا
نعرف (الشذى) الذي يمكن أن يحصل نتيجة هذه الخلطة.
على رأس تلك الخصومات ما حصل بين حركتي حماس وفتح الفلسطينيتين في
اعتماد التصفية الجسدية وإلقاء بعض المتخاصمين من أعلى البنايات
لتهشيم عظامهم، وما زالت جروح هذه الخصومات مفتوحة إلى الحد الذي
جعل صحيفة هآرتس الإسرائيلية تعترف أن إسرائيل تعيش عصرها الذهبي
حقاً بما حصل بين غزة ورام الله، وأن الاقتتال بين الفتحاويين والحماسيين
ساعد إسرائيل على حرق المزيد من المراحل لتفكيك الفلسطينيين، مع
ان ما يجري بين فتح وحماس هو موضع إدراك كل الفلسطينيين لكنه لم
يحصل حتى الآن ظهور ما يؤدي إلى إسقاط نتائج هذا التفكيك.
ولنا في العراق نجومية أخرى للخصومات تمتد بين نزعات الترهيب والشطب
والإلغاء والانتقاص من الآخر، فكل طرف من الأطراف السياسية يدعي
أنه يملك الحقيقة وحده، ويكفي للتدليل على إشكالية الخصومات في العراق
أن الوضع الأمني تحسن نسبياً بينما ما زال وضع النفوس على ما هي
عليه من ضغائن وأحقاد وتربص وشكاوى وافخاخ منصوبة للإيقاع بهذا الطرف
أو ذاك، وفي إطار ذلك لا يجد المتخاصمون سوى اللجوء إلى التأجيل
المتكرر بالنسبة للقضايا الجوهرية التي كان يجب ان تحسم.
وبالانتقال إلى لبنان فلسنا نحتاج إلى عينات كثيرة لنقول ان الخصومات
السياسية حولت الفراغ الدستوري إلى (جنرال) يفرض سطوته بالمزيد من
الاعتبارات اللوجستية وضمن حرص واضح على جعل كرسي الرئاسة اللبنانية
شاغراً بامتياز في الوقت الذي لا ينقطع فيه النفاق من أن جميع الكتل
السياسية هي مع الإسراع في انتخاب الرئيس المنتظر والحفاظ على وحدة
لبنان، في الوقت الذي تحولت فيه بيروت إلى فندق كبير للمبعوثين والوسطاء
الذين شمروا عن عقولهم وسواعدهم للمهمة ذاتها.
وللمغرب العربي حصته من نجومية الخصومات بشأن الصحراء وإشكالية العلاقات
بين دول هذه المجموعة، مع أنها تمتلك الكثير من المعالم الجغرافية
والتاريخية والحضارية والقيمية التي تجعلها مكوناً إقليمياً على
درجة راسخة من التوحد.
ولنا أن نتوقف عند أزمة إقليم دارفور، حيث تتمحور الخصومات بلبوس
وطروحات تنطلق من (12) فصيلاً متمرداً كل واحد منهم يدعي أنه الممثل
الشرعي لسكان الإقليم.
وامتداد لهذه الظاهرة لا يمكن فرز الخصومات التي تتم عادة من تحت
الطاولات، وفي غطاء من ابتسامات عريضة، ولكن يكفي للتدليل عليها
قياس المرارة التي يعاني منها أمين عام جامعة الدول العربية عمرو
موسى، فقد اعترف في يوم من أيام (2007) أنه محبط، وصار إحباطه إعلاناً
فضائياً معروفاً.
والسؤال المترتب على زخم كل تلك الخصومات، ترى ماذا امتلك العرب
من نجومية الخصومات خلال عام 2007، لا نريد ان نقدم جرداً بالمآسي
التي تسببت بها، ولكن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
أزمة "الفراغ الرئاسي".. وخطايا النخبة السياسية في لبنان!
يدخل لبنان العام الجديد 2008 بلا رئيس، بعد
الفشل المتكرر في انتخاب رئيس جديد منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق
إميل لحود في 23 نوفمبر 2007، مما أوجد أزمة سياسية ودستورية محتدمة
يطلق عليها "أزمة الفراغ الرئاسي" في لبنان، وهي أزمة
تثير تساؤلا كبيرا إلى متى يبقى لبنان بلا رئيس؟ ومن المسئول عن
هذه الأزمة السياسية والدستورية؟ وهل من سبيل ليخرج لبنان من هذه
الأزمة ويتجنب السيناريوهات الدراماتيكية المتشائمة التي يمكن توقعها
في حال استمرار هذه الأزمة إلى أمد بعيد؟
يمكن القول، إن أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان هي نتاج للأزمة السياسية
المتفاقمة التي يعيشها لبنان بصفة خاصة منذ انتهاء العدوان الاسرائيلي
على لبنان في حرب صيف عام 2006، حيث ظهرت بوضوح معالم انقسام النخبة
السياسية في لبنان حول كيفية إدارة شئون البلاد، ومنذ ذلك الحين
تمايزت بوضوح مواقف الأطراف السياسية في لبنان التي تبلورت في فريقي
الموالاة التي تقودها الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة وقوى 14 آذار
برئاسة تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري، والمعارضة التي تضم
أقطابا رئيسية تشمل حزب الله وحركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب
نبيه بري والجنرال الماروني ميشال عون. وجوهر الصراع يتمحور حول
هوية لبنان وانحيازاته السياسية في الإطار العربي والاقليمي والدولي،
ومرة أخرى يكون لبنان ساحة لتصفية حسابات الصراعات الاقليمية والدولية،
فهناك اتهامات للمعارضة بزعامة حزب الله بانها موالية لسوريا وإيران
، في حين يتم اتهام فريق الموالاة أو الأكثرية النيابية التي تشكل
الحكومة بأنها موالية للغرب وبعض الدول العربية الاقليمية أي انها
موالية لأميركا وفرنسا والسعودية ، وهناك خلافات بين هذه القوى الدولية
حول الوضع في لبنان وما يجب أن يكون عليه، وتفاقمت الأزمة عندما
انقسمت النخبة السياسية بحكم ارتباطاتها السياسية والمصلحية بين
هذه القوى الاقليمية والدولية المتصارعة. والسؤال الكبير المطروح:
إلى متى يستمر هذا الحال السلبي الذي أدى في نهاية المطاف إلى حال
من الشلل السياسي في لبنان قاد إلى العجز عن انتخاب رئيس جديد ؟
في تقديرنا، أن مشكلة لبنان الأزلية تكمن في خيارات نخبته السياسية
التي تقود إلى ارتكاب خطايا في حق وطنهم واستقلاله وسيادته ومصيره،
إذ لا يمكن لوطن أن ينمو أو يتطور أو يخرج من أزماته إذا استمرت
قياداته السياسية في لعبة بيع المواقف والمتاجرة بها في بازار أو
سوق السياسة الاقليمية والدولية، والتحول في هذه المواقف من النقيض
إلى النقيض كلما اقتضت المصلحة الذاتية للزعماء السياسيين أو المصلحة
الطائفية لهم فعل ذلك. فلبنان على هذا النحو سوف يظل أسيرا للتموجات
والاهتزازات الاقليمية لأن نخبته السياسية غير قادرة على أن تبعده
عن محيط الصراعات الاقليمية والدولية، وان تتخذ مواقف حقيقية مستقلة
في إطار تضامني تعايشي جماعي يقوم على الاحترام المتبادل بين جميع
القوى السياسية والطائفية في لبنان والإيمان بضرورة حماية مقومات
التعايش المشترك، والتي أسس لها زعماء تأسيس الدولة اللبنانية في
الأربعينيات مثل رياض الصلح وبشارة الخوري والقائمة على مبدأ "لا
غالب ولا مغلوب". إن لبنان لا يمكنه الهروب من واقعه الديموجرافي
والطائفي الذي يتكون من نحو 18 طائفة رئيسية من مسلمين ومسيحيين
تمثل طليعتهم الطوائف الرئيسية التالية : السنة والموارنة والشيعة
والدروز. ولقد كان أمل كل الوطنيين المستقلين في لبنان هو السعي
لبناء وطن يتخلص من النزعات الطائفية على قاعدة العلمنة الكاملة
التي تتبنى مبدأ "المواطنة" التي لا تفرق بين المواطنين
اللبنانيين على أي أساس للتمييز العرقي أو الطائفي أو الديني أو
المذهبي، حتى ان اتفاق الوفاق الوطني في الطائف عام 1989 الذي نجح
في انقاذ لبنان من براثن حرب أهلية طاحنة امتدت زهاء 16 عاما (1975
ــ 1991)، كان طموحه النهائي الانتقال من صيغة المحاصصة الطائفية
التي قامت عليها قاعدة الحكم في لبنان منذ إصدار الميثاق الوطني
عام 1943 الى صيغة حكم عصرية تكفل المساواة المواطنية بين جميع اللبنانيين.
ولكن في ضوء الأزمة السياسية الراهنة في لبنان، وبعد نحو 18 عاما
على اتفاق الطائف يمكن القول بكل أسف ووضوح ان حلم بناء لبنان السياسي
غير الطائفي والقائم على فكرة المواطنة الكاملة بلا تمييز عرقي أو
طائفي سيظل حلما بعيد المنال في المستقبل المنظور طالما ظلت القيادات
السياسية التي تتحكم في مجريات اللعبة السياسية في لبنان، تعتبر
البعد الطائفي هو أساس قوتها السياسية ومعيار وجودها في الحلبة السياسية.
أما الشق الثاني في الأزمة اللبنانية فهو ناجم عن تطلعات النخبة
السياسية اللبنانية دائما الى الدعم الاقليمي والخارجي ومحاولة الاستقواء
بذلك على الأطراف السياسية والطائفية الأخرى في المعادلة اللبنانية
الداخلية. وهو أمر يرتب أن يصبح القرار السياسي والمصيري لهذه القوى
الداخلية بأيدي مصدر العون الاقليمي والخارجي، وحتى لو لاح في الأفق
امكانية تحقيق توافق سياسي داخلي في أي مرحلة من المراحل، فإن هذا
التوافق مهدد بالفشل إذا صدر ضده فيتو خارجي أو اقليمي. والنتيجة
أن يصبح أقطاب النخبة السياسية في لبنان لعبة بأيدي القوى الاقليمية
والدولية وغير قادرين على اتخاذ قرار مستقل لأنهم يخشون فقدان هذا
الدعم الخارجي في حال تطورت تفاعلات الصراع إلى صيغة صراع مسلح أو
حرب أهلية، لهذا فإن مراعاة طلبات القوى الاقليمية والدولية تظل
لها الأولوية حتى على حساب طموحات المواطن اللبناني الذي يصبح تائها
وسط هذه المعمعات. في ضوء ذلك، ما هو السبيل للخروج من الأزمة السياسية
الراهنة في لبنان، والتي أصبح العجز عن انتخاب رئيس جديد عنوانا
لها؟ في ضوء المعطيات السابقة، يمكن الجزم بكثير من الثقة انه لا
مخرج للأزمة اللبنانية الحالية إلا من خلال تبلور صيغة توافق اقليمي
ودولي على إخراج لبنان من واقع الأزمة الحالية. وتاريخ لبنان كله
يشير إلى أن اللبنانيين لم يستطيعوا بأنفسهم الخروج من أزمات احتدام
الخلافات السياسية إلا بمعونة اقليمية ودولية. ففي عام 1958 نجح
الرئيس جمال عبدالناصر بالتوافق مع الرئيس اللبناني فؤاد شهاب في
بلورة توافق لبناني داخلي بين أنصار العروبة وأنصار الولاء للغرب
داخل الصيغة اللبنانية. وفي عام 1968 نجح عبدالناصر أيضا من خلال
اتفاق القاهرة في منع تفجير أزمة بين المقاومة الفلسطينية والقوى
السياسية المسيحية في لبنان قبل ان تتفاقم الأوضاع عام 1975 لتندلع
الحرب الأهلية التي امتدت زهاء 16 عاما. وفي عام 1989 نجح اتفاق
الطائف في بلورة اتفاق للوفاق الوطني في لبنان على انهاء الحرب الأهلية،
وكان هذا الاتفاق ثمرة توافق اقليمي دولي تمثل في وفاق سعودي سوري
أميركي فرنسي على وضع نهاية للحرب الاهلية في لبنان. والوضع الراهن
هو تجسيد جديد للحاجة إلى وفاق اقليمي ودولي على صيغة للتوافق السياسي
في لبنان تمكن اللبنانيين من الخروج من الأزمة الراهنة. ففي وقت
سابق، كان الجدل يحتدم حول المرشح الرئاسي الذي يمكن أن يتوافق عليه
اللبنانيون ليكون خليفة للرئيس المنتهية ولايته اميل لحود، وظلت
بورصة الترشيحات تدور حول عدد من المرشحين انتهت الى أن يرشح البطريرك
الماروني مجموعة مرشحين يتم التوافق على اختيار احدهم بين الاطراف
اللبنانية، ولكن ثبت ان ذلك ليس هو مفتاح الخروج من الأزمة والنجاح
في انتخاب رئيس لأن الأطراف ظلت مختلفة حول من سيكون الرئيس القادم!
وفي الوقت الراهن ، لم تعد المشكلة من يكون شخص الرئيس القادم، فقد
تبلور شبه إجماع على انتخاب قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان
ليكون هو الرئيس الجديد، لكن لم يتم انتخاب الرئيس في نهاية المطاف،
لأن البرلمان غير قادر على الانعقاد بنسبة الثلثين اللازمة دستوريا
لانتخاب الرئيس، على الرغم من حل مشكلة تعديل الدستور الخاصة بعدم
انتخاب موظف عام في الدولة رئيسا وهو مازال تحت الخدمة، واشتراط
ضرورة تقاعده قبل عامين لانتخابه رئيسا، فهناك مخارج دستورية وسوابق
سياسية تساعد على تجاوز هذه العقبة بشأن انتخاب العماد ميشال سليمان
للرئاسة. لكن المشكلة أكبر من كل هذا؟! فالموضوع لم يعد محاولة سد
الفراغ الرئاسي بانتخاب رئيس جديد، بل بالحاجة الى توافق سياسي على
صيغة الحكم المشترك في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس الجديد. فقوى
المعارضة تقول ان الحكومة الحالية برئاسة السنيورة هي حكومة غير
شرعية وغير ميثاقية وغير دستورية بعد أن انسحب منها الوزراء الستة
الشيعة في نوفمبر 2006، والدستور اللبناني ينص على ان تكون الحكومة
ممثلة لكل الطوائف الرئيسية في لبنان. وليست المشكلة في ايجاد وزراء
يمثلون الطائفة الشيعية فقد يتم تعيين وزراء مستقلين لسد الفراغ،
وقد تجد حكومة السنيورة من يقبلون بذلك، لكن القوى السياسية الشيعية
ممثلة في حزب الله وحركة أمل لن تعترف بذلك وسوف تستمر المشكلة.
وجوهر المشكلة يتمحور حول البرنامج السياسي للحكومة والسياسات التي
تتبعها، ففي مراحل سابقة كان هناك توافق سياسي قاعدته الاتفاق على
شرعية دور المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله في الدفاع عن
لبنان ضد التهديد الاسرائيلي. لكن هذا التوافق لم يعد قائما منذ
حرب صيف 2006 حيث اتهمت حكومة السنيورة قادة المقاومة اللبنانية
بزعامة حزب الله بالانفراد بقرار الحرب وتوريط لبنان في حرب كان
يمكن تفاديها لو لم يقم حزب الله بخطف الجنديين الاسرائيليين في
يوليو 2006، ومن هنا ظهرت مطالبات بضرورة اخضاع سلاح المقاومة لسلطة
الدولة، وذهبت هذه الاتجاهات الى أقصى مداها من قبل أطراف متحالفة
مع الحكومة مثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والقائد الماروني سمير
جعجع بضرورة تفكيك سلاح حزب الله واعتباره ميليشيا مسلحة يجب تفكيك
سلاحها طبقا لمقررات اتفاق الطائف. وهنا تبرز نقطة خلاف كبيرة تحتاج
الى توافق سياسي لبناني داخلي ، لان قوى المعارضة ترفض تفكيك سلاح
حزب الله وتعتبر ذلك يمثل مطلبا أميركيا ـ اسرائيليا هدفه تحقيق
ما عجزت اسرائيل عنه عبر حربها عام 2006م. كذلك تطالب قوى المعارضة
بالاتفاق أولا على صيغة "للشراكة السياسية" تتيح تشكيل
حكومة وحدة وطنية أو حكومة وفاق وطني جديدة بعد انتخاب الرئيس الجديد،
على ان تمثل هذه الحكومة جميع الطوائف والقوى السياسية الرئيسية
في لبنان، حتى لا تتكرر أزمة ما قبل انتخاب الرئيس بعد انتخابه،
وتظل لبنان في حالة انقسام سياسي محتدم وشلل كبير. لقد اقتربت الوساطة
الفرنسية من المساعدة على تأمين انتخاب قائد الجيش الجنرال ميشال
سليمان رئيسا، عندما اقتربت من معالجة الواقع السياسي اللبناني بنظرة
واقعية حين عملت على التنسيق مع سوريا على انتخاب الرئيس الجديد
في إطار صيغة توافق سياسي جديد داخل لبنان يقوم على فكرة توفير ضمانات
بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتجاوب مع مطالب المعارضة اللبنانية غير
ان صيغة التوافق الاقليمي والدولي لم تكتمل لأن الفيتو الأميركي
تدخل في وقت حاسم ليخرب كل شيء ويعيد أزمة انتخاب الرئيس اللبناني
الى نقطة الصفر. فقد جاء تدخل الرئيس الأميركي جورج بوش ليطالب قوى
الأكثرية النيابية بالتوقف عن محاولة التوافق مع قوى المعارضة، والاتجاه
إلى انتخاب رئيس جديد بصيغة الأغلبية البسيطة أي نصف عدد النواب
زائدا واحدا، لينسف كل الترتيبات التي تمت لإنجاح عملية انتخاب قائد
الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا جديدا، وذلك في ضوء المعطيات التالية:
أولا: ان صيغة النصف زائدا واحد هي صيغة تجاوزتها الأطراف اللبنانية
في المعارضة وقوى الأكثرية ذاتها منذ بدايات الأزمة، لأن المعارضة
أعلنت انه إذا تم اللجوء إلى ذلك لن تعترف بالرئيس الجديد، وسوف
تحرك مقاومة سياسية مثل الاضرابات والاعتصام السياسي والمظاهرات
ستقود الى إدخال لبنان في أتون أزمة سياسية طاحنة قد تتفاقم تاليا
إلى سيناريوهات خطيرة مثل اندلاع حرب أهلية جديدة، رغم حرص قوى المعارضة
بقيادة حزب الله على القول بأنها لن تذهب بلبنان إلى ذلك المصير
المجهول، لكن لا أحد يعلم ما الذي يمكن أن تجره حركة الأحداث في
لبنان إذا تم انتخاب الرئيس بصيغة النصف زائدا واحدا التي يدعو إليها
بوش. ثانيا: انه ليس صحيحا ان قائد الجيش الجنرال ميشال سليمان سوف
يقبل انتخابه على قاعدة النصف زائدا واحدا، فهو قبل فكرة ان يتم
انتخابه رئيسا على أساس انه مرشح التوافق والاجماع الوطني ليكون
مخرجا سياسيا ملائما لأزمة الاستحقاق الرئاسي ، ووضع نهاية لأزمة
الفراغ الرئاسي. ومن هنا، فحتى لو حاولت قوى الأكثرية انتخاب رئيس
بصيغة النصف زائدا واحدا فلن تجد إلا مرشحا من جانبها، وهو ما يجعله
رئيسا مرفوضا من المعارضة مما يهدد بمفاقمة الأزمة السياسية في لبنان،
وليس حلها فهل هذا ما أراده بوش لتعم الفوضى في لبنان وفق مخطط الفوضى
الخلاقة الذي تتبناه إدارة بوش، والذي يعكس غياب أي حرص على أمن
واستقرار أو مستقبل لبنان؟ ثالثا: يبدو ان إدارة بوش تعتبر ان انتخاب
رئيس توافقي في لبنان سيشكل هزيمة لقوى الأكثرية اللبنانية التي
دعمتها واشنطن، وانتصارا للمعارضة اللبنانية، مما قد يشكل هزيمة
للمشروع الأميركي في لبنان، وتأكيدا للنفوذ السوري ـ الإيراني فيه،
ومن هنا تدخل الرئيس الأميركي بوش في اللحظة الأخيرة لإفساد جهود
الوساطة الفرنسية من ناحية ولإبقاء مناخ الأزمة قائما في لبنان حتى
اشعار آخر. في هذا السياق يروي مراقب سياسي لبناني انه خلال مطلع
شهر نوفمبر وقبل حلول موعد الاستحقاق الرئاسي اللبناني في 23 نوفمبر
2007، وخلال سهرة في بيروت، جمعت أحد المرشحين الذي كان اسمه متداولا
كمرشح للرئاسة مع السفير الأميركي في لبنان فيلتمان، سأل السفير
الأميركي ذلك المرشح عما إذا كان يقبل بانتخابه رئيسا وفق صيغة النصف
زائدا واحدا في حال تعذر حصوله على ثلثي المجلس النيابي. فرد المرشح
الرئاسي معربا عن معارضته تبني ذلك الخيار، لأنه بحسب تقديره، يكون
قد أدخل لبنان في المجهول وأسس الأرضية المواتية لتجديد الحرب الأهلية.
وعندئذ انفعل السفير فيلتمان وعلق على جواب المرشح الرئاسي قائلا:
إذن، ليستعد لبنان لعودة القوات السورية! وهذا ما يعكس ان الحسابات
الأميركية بعيدة تماما عن حسابات الوفاق السياسي في لبنان. في ضوء
هذه المعطيات جميعا، يمكننا ان نتوقع ان تطول أزمة الفراغ الرئاسي
في لبنان، وعدم قرب توقع انتخاب رئيس جديد للبنان، لأن هناك حاجة
لتوافق اقليمي دولي على انتخاب رئيس جديد في لبنان يتمثل في توافق
عربي أولا سوري ـ سعودي ـ مصري يضغط باتجاه توافق دولي مع أميركا
وفرنسا وايران لتسهيل عملية انتخاب الرئيس الجديد على قاعدة توافق
سياسي داخلي. لكن هذا الأمر، يبدو سيظل مرتبطا بمدى استعداد إدارة
بوش للانفتاح على كل من سوريا وايران، وخاصة بعد صدور تقرير وكالات
الاستخبارات الأميركية حول الملف النووي الايراني، الذي يفترض ان
يخفف من لغة المواجهة والصدام بين واشنطن وطهران، ولكن هل سيقود
ذلك الى فتح حوار بين واشنطون وطهران أو على الأقل تسهيل تحقيق تفاهمات
سياسية اقليمية حول بعض الملفات الصراعية مثل الوضع داخل لبنان؟
أما الخيار الأفضل لأهل السياسة في لبنان هو ان يتعظوا من تجارب
الماضي المرير ويرتقوا جميعا الى مستوى المسئولية الوطنية بأن يتوافقوا
جميعا على انتخاب رئيس جديد يتمثل في قائد الجيش العماد سليمان،
وبرنامج انقاذ وطني بعيدا عن الحسابات والصراعات الاقليمية والدولية.
ولكن السؤال الكبير: هل اللبنانيون قادرون حقا على تحقيق ذلك؟
عبد المالك سالمان
كاتب وباحث في الشؤون السياسية
أعلى
الفراغ الذي تركته بوتو بعد رحيلها
ترك اغتيال بي نظير بوتو فراغا سياسيا هائلا
في صميم باكستان الدولة النووية التي يبدو أنها باتت تنزلق إلى هاوية
من العنف والتشدد الإسلامي. وربما يكون من المستحيل الإجابة على
تساؤل عما يمكن أن يحمله المستقبل وعلى وجه الخصوص في تلك اللحظة
التي تبدو بوتو فيها هي نفسها الإجابة الوحيدة.
وبالطبع ما يزال الباكستانيون يعيشون الصدمة التي تركت كثيرين منهم
مشدوهين فيما يتجرع آخرون كأس حزن يفوق التصور. وقد اندفع الآلاف
هناك إلى الشوارع وقاموا بأعمال عنف تمثلت في إحراق المركبات والهجوم
على مراكز الشرطة. وربما يؤدي تغيب بوتو إلى إرجاء إجراء الانتخابات
البرلمانية المقررة في 8 يناير(وكان ثاني أكبر حزب في باكستان قد
دعا إلى مقاطعة الانتخابات إذا أجريت) كما تظل هناك احتمالات بفرض
حالة الطوارئ مجددا. وبالمثل فإن المستقبل السياسي للرئيس مشرف يكتنفه
الكثير من التشكك.
وقد خلفت وفاة بوتو أكبر فراغ في صميم النظام السياسي الباكستاني
المهزوز الملطخ بالدماء. وبوتو التي انتخبت مرتين كرئيسة للوزراء
في التسعينيات وأقصاها الجيش مرتين لاتهامات بالفساد وعدم الكفاءة
كانت تمثل عملاقا سياسيا في أرض أقزام السياسة والمساعدين العسكريين.
وبي نظير بوتو وحزب الشعب الباكستاني كانا الأقرب في جمهورية باكستان
الإسلامية إلى تبني ثقافة سياسية علمانية ديموقراطية. و كان ذلك
هو الدور الذي ملأته بوتو بمحاولتها أن تجلب الحداثة إلى هذا البلد
الذي يبلغ تعداده 165 مليون نسمة. ومهما كانت أوجه القصور فقد أحبت
بلدها وقدمت حياتها لها. وقادت هي وحزبها عددا كبيرا من المؤيدين
الرافضين للتغيير. واتخذ مؤيدوها موقفا مناوئا لحكم الجيش وللتشدد
الاسلامي. وفي الأسابيع الاخيرة أخذت بوتو موقفا معلنا معاديا لمتشددي
طالبان وهو الشئ الذي لم يجروء مشرف على القيام به على الرغم من
كل ما يصدر عنه من تهديدات وتجاوب مشترك مع الرئيس بوش منذ هجمات
11 سبتمبر 2001. ومع غياب بوتو لم يعد هناك من يستطيع لعب مثل هذا
الدور.
ولم تكن معركتها الاطول مع المتشددين ولكن مع الجيش الذي لم يثق
قائده فيها على الإطلاق. كما انها كانت علمانية الى حد بعيد ومحبة
للحياة ومتقدة الذكاء. وقد قتلت بوتو تاركة حشدا سياسيا في روالبندي
على مسافة ميلين فقط من المكان الذي أعدم فيه والدها ذو الفقار علي
بوتو على يد دكتاتور عسكري آخر قبل 30 عاما. ومأساة عائلة بوتو (
كان أخواها قد قتلا أحدهما بإطلاق الرصاص عليه والآخر بالسم كما
أمضى زوجها سبع سنوات في السجن) قد أصبحت جزءا من قصة ونضال الباكستانيين
لخلق دولة حديثة وديموقراطية قادرة على البقاء.
والواقع فان موت بوتو يزيد من مشاكل باكستان التي تفاقمت خلال الأشهر
القليلة الاخيرة والتي تدور حول كيفية ايجاد قدر يسير من الاستقرار
السياسي من خلال حكومة ذات صفة تمثيلية يقبلها الجيش ولا يناصبها
العداء إلى جانب معالجة التشدد المستشري في أنحاء باكستان.
فإذا ما ألغيت الانتخابات من المحتم ان مشرف سيتخلى عن رغبته في
التفرد بالسلطة ويؤسس لحكومة وطنية تضم جميع القيادات السياسية والحزبية.
فمعا ربما يمكنهم الاتفاق على كيفية إجراء انتخابات منظمة والتصدي
في الوقت نفسه لشبح التطرف الذي يطارد باكستان.
بيد ان مشرف قد لا يستطيع أن يجابه تداعيات مقتل بوتو فلا أحد من
المعارضة السياسية يبدي رغبة في الجلوس معه. ومن غير المحتمل أن
يقبلوا باستمرار بقائه في السلطة.
وإذا تفاقمت احداث الشغب والفوضى الى ما هو أسوأ ، وإذا رفضت المعارضة
التعاون مع مشرف واتخذت الولايات المتحدة قرارها أن تنأى بنفسها
بعيدا عنه عندئذ سيطالب الجيش مشرف أن يتوقف عند هذا الحد. وإذا
حدث ذلك ربما يكون هناك حاجة أثر الحاحا ان يقدم العالم دعما لحكومة
وطنية وانتخابات وعودة سريعة الى الحكم المدني وليس الى ديكتاتور
عسكري آخر.
أحمد رشيد
صحفي باكستاني مؤلف "طالبان والجهاد : ظهور الاسلام المسلح
في آسيا الوسطى"
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ (الوطن)
أعلى