الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







في انتظار روائع جديدة نخلدها مع الإنجازات السابقة
(الأدب العربي) صناعة أساسها التراث وسقفها الحداثة

القاهرة ـ(الوطن): لا تزال جذور الثقافة والأدب والفكر العربي المعاصر, تمتد إلى معالم التراث المعرفي الأصيل, رغم المحن والمصاعب التي تعتريها, لتضيء أرض الأمة كلها عبر الحقب والقرون المتتالية , وتتناقل ثرواتها المعلوماتية والإنتاجية من قبل الأمم والحضارات في كافة المجالات .

حاضر ثقافي
لقد صارت الحداثة المعاصرة على الساحة الثقافية حاليا تخترق نبضات الإبداع العربي على الساحة , كالبرق لتخطف العقول بسهام العولمة , ولتبين أركانا مختلفة كما يعتقد الكثيرون من خلال التطور الثقافي والإبداع الأدبي , بعيدا عن الإفرازات الاجتماعية , بكل ما تحمله من هموم على مستوى الأفراد والمجتمعات
وتحتاج هذه الجوانب الثقافية ذات تيارات التحديث لوعي كامل بدوامات العولمة الثقافية, حتى لا يضيع عبق الماضي, فروائع التراث هي نموذج تأصيل المعاني الإنسانية والمادية ، ولكم من تراث لا يقدر بثمن , ولكم من مؤرخ صنع تاريخا أكبر من عمره بعقود وقرون , فالخلط بين الماديات والمعنويات كان ولا يزال اكبر خطر على سمعة الأدب العربي , وحتى العالمي رغم الفارق الشاسع في المفاهيم وهناك تجارب افضت إلى تحول كثير من الحضارات الثقافية العالمية إلى فوضى فكرية, بعد أن تآكلت أو انتكست بفعل عوامل خارجية أو داخلية أقوى منها، وهكذا الحياة الثقافية عند بعض الشعوب المنكوبة بطوفان المتغيرات.
فمرت السنون الطويلة بعد الصراعات الطاحنة, التي تعرضت لها الحضارات والشعوب منذ القدم، وجاء النموذج العالمي الجديد, وتحديث الأجيال فكريا, وإخراج مفكرين غير مكتملي النضج المعرفي , لتتخبط التيارات الثقافية في بحور الغوغائية , دون وعي بقيمة ما لدى الرواد من نفائس الأدب وقطوف الإبداع التراثي .
إمكانيات الإبداع
ولعل العالمين العربي والاسلامي يمتلكان مقومات رائعة من الابداع الزماني والمكاني والحضاري صنعته الاقدار, بحضارات قلما وجدت في بقعة ارضية خلال قرون متشابكة, ورغم هذا فاستيلاء الغرب على كنوز الأدب الشرقي منذ حقب الاحتلال والاستعمار, جعلت النقيض للحال ووجود النقل والترجمة العكسية, ليصير ما كان في المقدمة عند المبدعين العرب, متراجعا خلف براكين المعرفة المعولمة بإنتاج أوروبي غزير منذ تراجم الالياذة والأوديسة , وحتى تحول المؤلفات الأجنبية إلى روائع بالسينما العالمية وبغض النظر عن العلوم الفلسفية التى واكبت مجريات الأحداث الحضارية ، فما شهدته البلدان العربية , كان هو الاجدر بالدراسة المنهجية لكنوز المعرفة البشرية فقد احتضنت الشعوب من المحيط للخليج ثقافات الأمم الأخرى , ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، وكانت ولادة الإبداعات على أيدي جهابذة الفكر العربي , لتتلاقح التيارات الفكرية ما بين المسلمين والأقباط والإغريق والرومان, وحتى من قبل هذا في عهود الفراعنة من قدماء المصريين, فهذه الرموز الحضارية لم تكن سوى كنوز للمعرفة نجحت في وضع أممها في صدارة العالم وعندما يبني المرء حضارته فلن يترك ماضيه يضيع هباء منثورا, بل سيستفيد بلا شك من قطوف الزمان, ويرمم تراث الماضي السحيق, فصناعة الادب والمعرفة والإبداع الحقيقي , تتطلب كلها سلك طرق واضحة , نحو الأصالة المبنية على المعاصرة, وعدم فقدان بريق الحضارات فالبناء الهرمي للتقدم لا يأتي سوى بأساسيات متينة من التاريخ التراثي, والتحرر من قيود الماديات الى الروحانيات, فمن يكسب معارك المعرفة يمكنه صون نفسه ووطنه, ومعالجة هموم شعبه بوعي مستنير كما يبدو المخاض الطويل الذي أثر على الحركة الأدبية العربية , بحق أحد ينابيع الإبداع في المعرفة , وما تعرضت له الشعوب من اضطهاد وتعسف انعكس, حتى على آمال الجماهير فالحداثة ليست مصطلحا خاضعا للتفسيرات الخاصة بالأدب والنقد فحسب , وانما هي صور جديدة دالة على المفهوم الحضاري , لتقفز بأنماط مختلفة زمانيا ومكانيا على المفاهيم السائدة في حقب تاريخية , خضعت لصيغ تقليدية وتمردت عليها الكثير من التيارات وكما يقول المفكرون فإن الزمان والمنشأ واللغة والأصول ، كلها أطياف المعرفة التاريخية للحضارات , ويصفها آخرون بأنها المضمون التنويري , وتتصارع التيارات الحاضرة مع نزعات الشر والعداء للماضي والقديم ، بل وتشكل إفرازا طبيعيا وفنيا للعزل الحضاري بين مفاهيم الدين , وتطور مؤسسات الدول , لما تمنحه من حرية للفرد في ممارسة حقوقه الشخصية من رغبات وميول.

أصالة بلا حدود
وينتقد المؤرخون العرب ما يصاغ من هجوم على كل ما هو قديم بوصفه متخلفا عن دورة الحياة المتجددة فكريا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، ولهذا يتأكد للجميع أن الحداثة لا يختص مفهومها بعلوم الثقافة والآداب.
وتعتبر المدن الأوروبية العريقة هي الوجوه الحضارية لانطلاق حركات الحداثة في بداية القرن التاسع عشر بعد أن دبت الفوضى الشعبية, وثوراتها المتباينة, وانعكست آثارها على الحياة الثقافية, حتى امتدت لتشمل أوروبا كلها لتتفاعل مع التقلبات السياسية والاقتصادية , ثم واصلت ذروتها بعد انتهاء حقب الحروب العالمية ثم الحرب الباردة، لتبقى منارات الإبداع الغربي تنقل سحر المعرفة, رغم اختلاط الأوراق.
ويرى المفكرون أن ما يصاغ من آداب في الحقبة الراهنة هو امتداد لحقب طويلة من العطاء الحضاري, ولهذا فمهمة العرب اليوم ليست مستحيلة للإمساك بتلابيب الإشعاع العابر للحدود ، ومن أبرز ما نقل عنهم المثقفون العرب من المؤسسين للأدب الغربي رواد الرمزية , وفي ذلك اقتبس البعض من الماركسية والعبثية ، كالنتاج الثقافي للفرنسي شارل بودلير , وغوستاف فلوبير , وشاعر الثورة البلشفية الروسي مايكوفسكي وهذا النقل والتأثر جاء من حيث المضمون والمحتوى, وليس في جوهر المعتقدات السياسية, فالقضية برمتها صبت في منعطف تطوير الأدب العربي القديم بمعاول الثورات الثقافية الغربية المعاصرة.
ونتج عن التفاعلات المعرفية الأوروبية والعربية ظهور أدباء ومبدعين من الأمة على الساحة في مقدمتهم محمود درويش, وعبد العزيز المقالح, وعابد الجابري, وعبد الوهاب البياتي, وصلاح عبد الصبور, وأسماء كثيرة أخرى ، وكان لهذه الحفنة من الأدباء الأثر الكبير في تأجيج الثورة فكراً وأدباً , وأيضا ممارسة في الواقع المؤلم سياسيا واجتماعيا , وسلطويا للهرم الحاكم في البلاد العربية.
ولكن يعاب على التيارات الأدبية المعاصرة في عالمنا العربي عدم تأثيرها القوي على المد الغربي المعولم, وتقويمها لبعض تيارات الأجيال الناشئة الراغبة في الاستيلاء على كل شيء مادي , وقد يكون السبب في ذلك طغيان القضايا السياسية على الساحة الشعبية العربية, مما سحب البساط من تحت أقدام المنادين للتحرر الفكري من طغيان الاستعمار المعرفي على مدى أكثر من نصف قرن.
تفاعلات فكرية
وجاء تنوع النظريات الفلسفية ليؤثر بشكل واضح على علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والأدب بكل أشكاله، فكل هذه روافد تصب في نهر الحداثة الساري الجريان في الوطن العربي ، وتؤثر أيضا في تغيير النظرة إلى التقاليد السائدة والقيم والأخلاق, فأصبحت لغة التطوير كثورة النقيض على كل ما هو قديم .
فيما ظهرت سلبيات الرمزية, وما تضمنته من ثورة في التحرر من الأوزان الشعرية، ومن هنا بدأ إشعاع التحديث تظهر آثاره بجلاء في الأدب العربي, من خلال ترجمات شعراء الأدب الأوربي الحديث أمثال بودلير ورامبو ومالاراميه. وبرزت إلى الوجود الصحافة المتعددة الجنسيات ووسائل الإعلام المعولمة في بعض البلدان بالمنطقة، لتتبنى الحداثة على أنها حركة فكرية, حررت الأدب وخاصة الشعر من قيود الأوزان التقليدية, وجعلت حرية الخيال في التعبير بإيقاع مبني على التتابع المنطقي للقصص, والتسلسل العقلي للقصائد .
ولا يزال الإبداع يحتاج إلى الحداثة المقننة, والتطور المنطقي للكون الأدبي مع مراعاة المشاعر الإنسانية والتجارب الحياتية فالحركة المعرفية وحدة متكاملة من الأفكار, الدالة على النفس المتجددة في كل شيء ضمن الضوابط الإنسانية, التي لا تقبل إلا محاكاة العقل, بأن يبقى الأدب هو الرئة التي يتنفس بها الشاعر والقاص والمسرحي والموسيقي والتشكيلي والروائي، في تجارب غير خاضعة للمعايير والمعادلات فالإبداع هو انفلات من سبات الموروث القديم , ومؤسسات المعرفة البالية لتتمرد الأفكار عليها , ولكن سرعان ما تتفاعل معها فيما يشبه التاريخ , ليصقل إنتاج الحاضر بعبق الماضي , ويستنسخ تراثا جديدا تتوارثه الأجيال والشعوب العربية من المحيط للخليج .
وقد فطن الدارسون والمثقفون العرب في هذا العصر لما تجيش به صدور المستشرقين الغربيين من تساؤلات حول الهوة العميقة ما بين إبداع الماضي وتخبط الحاضر على الساحة الأدبية العربية, ومصير المستقبل الفكري على الساحة إذا ما تم تقويم إرهاصات التيارات الفلسفية والطوفان المعلوماتي .
وعكف هؤلاء الجهابذة المخلصين من ذوي العقول العربية الراجحة على اقتباس أطياف التفوق الحضاري منذ عصور الخلفاء الراشدين وحتى الآن, لاطلاق سهام الإبداع لتخترق عنان السماء نحو غد أفضل, تشرق فيه شموس الأدب التفاعلي, الذي يستطيع به العلماء والأدباء الرقي بالأمة فوق همومها المادية والاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية.

أعلى






فيلم "الفتاة الميتة" للمخرجة كارِن مونكرييف
حين يَمنح الموتى الحياةَ للأحياء!

تخطو المخرجة الأميركية كارِن مونكرييف Karen Moncrieff في فيلمها "الفتاة الميتة" خطوة في السرد السينمائي سائرة في طريق تجريبي دشنه قبلها عدد من المخرجين القلائل حول العالم، وذلك بالاشتغال على الحكاية الدرامية من حيث مدى قابلية الفيلم السينمائي لاستيعاب أكثر من قصة، بدون أن يفقد الفيلم الترابط في سيرورة أحداثه أو يبدو كما لو أنه حفنة من قصص قصيرة تم تجميعها قسرا والزج بها تحت عنوان واحد. المدهش في أمر مونكرييف أن تجربتها هذه في "الفتاة الميتة" تأتي ناضجة قياسا بمسيرتها الفنية، فـ "الفتاة الميتة" هو مجرد الفيلم الثاني لـ مونكرييف، وقد دلل على امتلاك مخرجته لحساسية إخراجية راقية تعززها ثقافة نظرية نابعة من منظورها الأنثوي للأشياء.
* * *
كارِن مونكرييف ممثلة تليفزيونية سابقة اتجهت مؤخرا إلى التأليف والإخراج السينمائي وتوقفت عن التمثيل منذ بضع سنوات. لـ مونكرييف فيلمان سينمائيان فقط لغاية الآن، يفصل بين الأول والثاني أربعة أعوام كاملة. إلا أنها تعمل حاليا على فيلم جديد من المتوقع عرضُه في وقتٍ ما من عام 2008.
الفيلم الأول الذي أخرجته مونكرييف حمل عنوان "السيارة الزرقاء"، وتم عرضه عام 2002 ضمن فعاليات مهرجان صندانس للأفلام الأميركية المستقلة، أي الأفلام القادمة من خارج استوديوهات هوليوود السينمائية الكبرى. يعالج "السيارة الزرقاء" قصة طالبة مدرسة في الثامنة عشرة من عمرها. تعيش بطلة الفيلم مرحلة كئيبة بسبب الحياة العاطفية شبه الميتة بين والديها، إذ إن الجفاء بين أبويها وعدم إحاطتهما لها بالحب ينعكس على الفتاة. وهروبا من واقعها المليء بالضجر تغرق الطالبة في كتابة القصائد، وأخيرا تجد قلبا حنونا مصغيا إليها هو معلم الأدب في المدرسة الذي يشجع موهبتها الشعرية، لكنه يخبئ في داخله أجندة سرية تجاه هذه الفتاة الغضة.
في "السيارة الزرقاء" يبدو الرجل ـ حتى وإن تظاهر باللطف الخارجي ـ كائنا غير مأمون الجانب، لا أحد يعرف صدق نواياه من خبثها، وهو يمكن أن يتحول ببساطة إلى ثعبان يلدغ متخفيا تحت جلد أملس ناعم. بعد أربعة أعوام تعود كارين مونكرييف إلى هذه الثيمة بتفصيل أكبر في فيلمها الجديد "الفتاة الميتة" (عرض عام 2006)، حيث نلتقي بمجموعة من النساء اليائسات التعيسات. ليس جميع الرجال في فيلم "الفتاة الميتة" مسببون للتعاسة، لكن الفيلم لا يعفي غالبيتهم من أن يظهروا في صورة غير ودودة مع استثناءات بسيطة.
* * *
"الفتاة الميتة" فيلم من خمسة فصول، لكل فصل عنوان خاص وشخصيات مختلفة، لكن هناك الكثير مما يجمع بين هذه الشخصيات سواء في قصة الفيلم أو في معالجته وأسلوبه الإخراجي وإيقاعه العام. خيط القصة الذي يجمع هذه الشخصيات هو العثور على جثة فتاة مجهولة مقتولة في منطقة نائية بضاحية بعيدة من ضواحي مقاطعة لوس أنجلوس.
الفصل الأول يحمل عنوان "الغريبة"، والغريبة هي الشابة التي عثرت على جثة الفتاة. هذه الشابة، واسمها آردِن Arden (لعبت دورها بإتقان الممثلة الأسترالية توني كوليت)، تعيش مع أمها التي لا تستطيع الحراك من فراشها. لكن علاقة الأم بالبنت سيئة للغاية. آردن لا تزال عازبة وقد تجاوزت سن الارتباط. لعل سبب بقائها عازبة هو ملازمتها لأمها طريحة الفراش، هذه الأم التي لا يبدو أنها تحمل أي امتنان لملازَمة ابنتها لها، بل على العكس من ذلك تبدو أنانية متسلطة ولا تتورع عن سب ابنتها بأفظع الكلمات إن حاولت البنت أن تخرج للنور قليلا وتفكر في نفسها بعض الشيء.
أثناء تجولها في المنطقة الخلوية حولها، تكتشف آردن جثة الفتاة المقتولة مخضبة بالدماء ومنزوعة الملابس. لا يصدمها المشهد لأن حياة آردن الجافة باتت خالية مما يمكن أن يثير الدهشة. يبث التليفزيون المحلي للبلدة صورة آردن مكتشفة الجريمة. وحين تكون آردن بالمحل التجاري الكائن في الحارة يبدي أحد الباعة بالمحل التجاري اهتماما بها، فقد تعرّف عليها من الخبر الذي بثه التليفزيون عن العثور على جثة الفتاة القتيلة. يدعوها الشاب لموعد، لكن آردن تتردد في الاستجابة للموعد الذي ضربه الشاب للقائهما. بسبب توترها النفسي، تعود آردن للبيت لتتخانق مع أمها في واحدة من خناقاتهما المتكررة، إلا أن صبرها ينفد هذه المرة فتهجم على المرأة العجوز بكأس زجاجية تنكسر بين يدي الإثنتين فتجرحهما معا. تخرج آردن غاضبة وقد عافت نفسها ذلك البيت وعافت حياتها فيه، تلك الحياة التي أفنت فيها شبابها في إنكارٍ للذات وخدمةِ أم متسلطة وسليطة اللسان رغم أنها طريحة الفراش. لقد قرفت آردن من حياتها ففرت من البيت مولية وجهها صوب بائع المحل التجاري ـ الذي بالكاد تعرفه ـ في مغامرة لا تعرف أين ستقودها.
لإضفاء مزيد من التشويق، يشككنا الفيلم في أن بائع المحل التجاري الذي لجأت آردن إليه بعد هروبها من البيت وترْكِها لأمها تنزف جراحها وحيدة، يشككنا الفيلم بأن هذا الشاب هو القاتل، فلديه شهية مفتوحة للحديث عن القتلة العميان وأساليبهم في القتل. إلا أن آردن لا تجد هذا مخيفا أو مثيرا للريبة، بل إنها تتجاوب مع الشاب بشكل نفهم من خلاله أنها قد وصلت أخيرا إلى تجربتها الأعمق في التواصل الجسدي الحميم برجل.
رغم التوجس والظلام وأجواء الموت المخيمة، تنجح آردن في التحرر من كبت حياتها وسنواتها الضائعة في خدمة امرأة عجوز طريحة الفراش، وها هي تتواصل أخيرا مع رجل. لقد كُتبت لآردن حياة جديدة من رحم الموت. إن العثور على جثة الفتاة الميتة أيقظ غريزة الحياة لدى آردن لتدرك أنها هي الأخرى ميتة بالحياة، وأن عليها فعل شيء لتشعر ولو لمرة واحدة أنها حية كبقية البشر الأحياء. تقرر آردن عدم العودة للبيت، وتتصل بجهة اختصاص لتتولى رعاية أمها. كما تطلب من صديقها أن يكف الآن عن الحديث عن القتلة العميان، فالوقت وقت الحياة وليس للحديث عن الموتى.
ميّتةٌ تعيد الحياةَ إلى امرأة حية. هذه هي الثيمة التي تجمع جميع قصص فيلم "الفتاة الميتة". إن شخصيات الفيلم المختلفة التي ترتبط بشكل أو بآخر بقصة الفتاة المقتولة، هي شخصيات معطلة عن الحياة، لا يبعث فيها الأمل سوى الأثر الذي يخلّفه في عتماتها العثورُ على جثة فتاة مجهولة ميتة.
* * *
الفصل الثاني من الفتاة الميتة يحمل مسمى الأخت. حيث تظن إحدى الشابات أن جثة الفتاة التي عُثر عليها تعود إلى أختها التي اختفت قبل خمسة عشر عاما وهي طفلة. على مدى تلك الأعوام كان كل شيء معطلا أمام هذه الشابة. ذلك لو أنهم عرفوا أن الطفلة المختفية ميتة لكان الأمر قد هان عليهم ولكانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها مع الوقت، إلا أن ما يشل الحياة هو اللا يقين.
لهذه الشابة اليافعة صديق يطلب ودّها منذ ثلاثة أعوام. ورغم أنها تحمل له حبا صامتا إلا أنها لا تستطيع البوح بذلك حتى أمام نفسها، فحياتها مشلولة ومعطلة عن الحب والوصال الآدمي. إن حياتَها مستلبةٌ حتى تصلَ إلى يقين معين بخصوص أختها الصغرى الغائبة. وحين توقن الشابة أن الجثة التي عثروا عليها تعود لأختها فإن ثمة انفراجا يبدأ بشق طريقِهِ إلى حياتها. لكأنها قد أدركت غريزيا أخيرا أن موتها الذاتي قد انتهى وأن عليها أخيرا أن تحيى. تستجيب الشابة أخيرا لدعوة من صديقها الشاب الذي قضى ثلاثة أعوام خاطبا ودها. هي دعوة للسهر معه في حفلة تضم جميع الرفاق. الحفلة التي يقيمها الشاب هي شأن عادي في حياته مثلما هي شأن عادي في حياة المحيطين به، إلا أن رفيقتنا الشابة كانت بعيدة عن هذه الحياة، وها هي تستجيب أخيرا لنداء التواصل الاجتماعي والوجداني وتتفتح للحياة كوردة صباح ندية بعد أن استبعدت شبح غياب الأخت من داخلها حين علمت بالعثور على جثة أختها: لقد انتهى القلق والشك في مسألة موت أو حياة الأخت المفقودة، فإحدى الإجابتين ـ مهما كانت مرارتها ـ أرحم من بقاء الأمر معلقا بلا حسم طوال 15 عاما! إنها نفس الثيمة مجددا: فتاة ميتة تمنح الحياة لفتاة حية. إن الأخت لم تُقبِل على الحياة إلا بعد أن وصلت في داخلها لقناعة بأن أختها قد ماتت. لقد انطوت تلك الصفحة وعليها أن تبدأ صفحة جديدة مليئة بالحياة.
من رحم الموت تولد الحياة. وموت شخص قد يعني بداية حياة جديدة لشخص آخر. ذلك هو ما يحدث في بقية فصول الفيلم: موتٌ يتسبب في ميلاد. الميت شخصية واحدة، ومن يعودون للحياة من غفوة طويلة هم من ارتبطوا بهذه الفتاة الميتة بشكل أو بآخر.
* * *
سأتجاوز هنا الحديث عن الفصلين الثالث والرابع من الفيلم، وذلك بعد أن أدركنا الثيمة الرئيسية للفيلم وأسلوب معالجته لموضوعه. الثيمة: فتاة ميتة تمنح الحياة لأنصاف الموتى (أو فلنسمّهم أنصاف الأحياء). المعالجة: شخصيات جديدة في كل فصل من فصول الفيلم ترتبط بالفتاة الميتة بشكل أو بآخر.
نصل إلى الفصل الخامس والأخير من الفيلم حيث نتعرف على الفتاة الميتة ذاتها (وهو أول ظهور لها في الفيلم وهي حيّة). نعيش مع "الفتاة الميتة" الساعات الأخيرة في حياتها قبل مصرعها لنكتشف أنها كانت شخصية محبة للحياة. كانت القتيلة شابة عادية قادها قدرها السيء لتحيى سنواتها الأخيرة على غير ما تشتهي، وفي نهاية المطاف قادها كل ذلك إلى نهاية فاجعة. ورغم أن حياة تلك الفتاة كانت مليئة بالشقاء إلا أن ذلك لم يكن يعني أنها لم تكن تحب الحياة. لقد كانت عاشقة للحياة، ولعل ذلك الحب للحياة هو ما جعلها حتى بعد موتها قادرة على أن تهب الحياة للآخرين.
"دعِ الموتى يدفنون الموتى" مقولة منسوبة للمسيح عليه السلام ومعروفة جيدا في الفكر الغربي. إنها تعمل بامتياز في فيلم "الفتاة الميتة". فـ آردِن وأخت الفتاة المقتولة وجميع الشخصيات النسائية اللاتي ظهرن في هذا الفيلم هن شخصيات ميتة حية أو كما يقال ميتة بالحياة، ولا تعود هذه الشخوص للحياة الحقة إلا حين تدفُنُ جثمانَ ماضيها الأليم.
ميّتٌ يَهِب الحياةَ للأحياء، يحدث ذلك أحيانا! ذلك ما يتحدث عنه فيلم "الفتاة الميتة" للمخرجة كارِن مونكرييف.

عبدالله بن خميس
كاتب عُماني

أعلى




يرى أن النقد يعيش أزمة فقدان الهوية
الأديب السوري وليد قصاب: الحداثة هي التجديد الواعي الأصيل
الذي لا يتناقض مع ثوابتنا

دمشق ـ من وحيد تاجا:هل استطاع النقاد العرب المعاصرون ان يبلوروا نظرية خاصة في النقد الأدبي العربي؟ وما هي سبل الخروج من اشكالات واقع النقد الأدبي العربي الحديث؟ وما هي التساؤلات المفترض ان يجيب عليها النقد الأدبي العربي المعاصر؟.. هذه النقاط شكلت أهم المحاور في لقائنا مع الأديب والناقد السوري الدكتور وليد قصاب.
والدكتور قصاب شاعر وقاص وناقد، أستاذ جامعي من ثلاثين عاما، وهو حاليا استاذ الدراسات العليا بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية في الرياض. له حوالي أربعين كتابا في الأدب والنقد وتحقيق التراث، منها خمس مجموعات قصصية، وثماني مجموعات شعرية. حاز على عدد من الجوائز الأدبية والنقدية.. في السطور القادمة نسوق حوارنا معه..
* كيف ترى وضع النقد الأدبي العربي الحديث اليوم، وهل استطاع النقاد العرب المعاصرون ان يبلوروا نظرية خاصة في النقد الأدبي العربي؟
** وضع النقد العربي الحديث اليوم، كما بينت في كتابي الأخير (مناهج النقد الأدبي الحديث: رؤية إسلامية) نقد مأزوم، يشتغل على فضلات النقد الغربي، ولذلك فهو يعيش أزمة فقدان الهوية، وانعدام الخصوصية، ولذلك لم يستطع هذا النقد (الذي نسميه تجاوزا) عربيا ان يبلور نظرية خاصة به لانه يعيش على الآخر عيش محاكاة وتقليد، وليس عيش مثاقفة وانتقاء، انه يسوق لمناهج متناقضة في كثير من الأحيان، ومقتبسة من أدب آخر ذي تصورات ورؤية فكرية وفنية مختلفة على أدبنا العربي.
* ما هي سبل الخروج من اشكالات واقع النقد الأدبي العربي الحديث؟
** لا سبيل إلى الخروج من اشكالات واقع النقد الأدبي العربي الحديث الا بالتحرر من التبعية، وطرح سؤال الهوية الحضارية المميزة لنا، من نحن؟ ان النقد العربي الحديث يتنازعه تياران: أحدهما لا يريد ان يغادر التراث او يستشرف ثقافة اخرى، والثاني يستدبر التراث ويختصره ويقطع كل صلة به، وكلاهما عقيم، وان كان الثاني اخطر لأنه يعني التماهي في الآخر الذي يختلف عنا في الرؤى والتصورات وفي انطلاقه ـ في التنظير النقدي ـ من أدب مختلف في مضموناته، وقيمه الفنية، ولغته، وذوقه عن أدبنا العربي الذي يفترض ان يستمد نقدنا منه.
* ما هي التساؤلات المفترض ان يجيب عليها النقد الأدبي العربي المعاصر؟
** التساؤلات التي يفترض ان يجيب عنها أي نقد مجد هي ان يبحث قيم الأدب الجمالية، أو ان يقف عندها ولا يتجاوزها بحال من الأحوال، ولكن عليه ألا يهمل القيم الفكرية التي يقدمها هذا الأدب، وان يبحث عن قدرته على إغناء التجربة الإنسانية بما هو خير ومفيد. ان النقد الأدبي هو نشاط فكري جاد، وظيفته ان يوضح الخطاب الأدبي شكلا ومضمونا، وأن يبين قيمته، ويكشف أسراره الجمالية والفكرية، وان يكون وسيطا فعالا بين المبدع والمتلقي.
* كيف ترى ثنائية العلاقة بين الناقد والمتلقي؟
** الناقد ينبغي ان يعين المتلقي على تذوق الخطاب الأدبي وعلى فهمه، وفك أسراره، ولذلك ينبغي ان يكون واضحا غير مطلسم، ولا ملغز، كما هو نقد الحداثة وما بعد الحداثة اليوم، ان النقد الأدبي هو خطاب شارح موضح، يقدم خبرة قوم أكفاء هم النقاد، وينبغي ان يستفيد منه المبدع والمتلقي معا، لا ان يتصالف ويتعالى، حتى لا يفهمه النقاد أنفسهم، بل ان يفهمه المتلقي العادي كما هو نقد هذه الأيام.
* يرى د.عبد الله الغذامي أن النقد العربي اقتصر على الناحية الأدبية وابتعد عن مفهوم النقد الثقافي الشامل.. ما رأيكم بهذا القول؟
** كلام د.الغذامي غير صحيح كما بينت، فهذه النصوص التي أشرت إليها تدخل في النقد الثقافي الذي هو نقد القيم. والغذامي نفسه الذي كان داعية للنقد الشكلاني متمثلا في البنيوية والتفكيكية او غيرهما ينقلب إلى الاتجاه المعاكس، فيصبح من دعاة النقد الثقافي الذي يعيد للقيم والأفكار التي أهملها النقد الشكلاني الحداثي اعتبارها، وهو يسلط الضوء عليها، ويجعلها من صميم رسالة النقد لأنها هي المسؤولة عن ترسيخ (انساق ثقافية) معينة.. ولكن الغذامي يقع في التعميم عندما يتهم النقد الادبي، عند العرب وغيرهم، بانه: ظل يبحث عن الجمال حصرا، وعما هو خلل فني، لا يتجاوز ذلك في مدارسه كلها: قديمها وحديثها، وهذا ما جاء في كتابه (نقد ثقافي أو نقد أدبي)، وهذا الكلام لا ينطبق على النقد العربي ولا على النقد الغربي كذلك. كما عمم الغذامي حينما جعل الشعر العربي مسؤولا عن عيوب الشخصية العربية باستشهاده بنماذج من الشعر المخالفة للتصور الإسلامي ناسيا ـ في الوقت نفسه ـ ما في هذا الشعر من قيم ونماذج خيرة استمع الى بعضها رسول الله عليه السلام نفسه، واستنشدها وحث على تعلمها (ان في الشعر لحكمة)، وعلى كل فان النقد الثقافي الذي يهتم بنقد القيم، ولا يبحث عن الجمال فقط، هو نقد أصيل يتفق مع التصور الإسلامي.
* في كتابك (النقد العربي القديم: نصوص في الاتجاه الإسلامي والخلقي) تعرضت للنقاد الذين يقولون ان النقد العربي القديم كان نقدا جماليا فنيا فقط، بمعنى انه كان يركز على الشكل وليس على المضمون. هل يمكن تلخيص النتائج التي توصلت إليها؟
** في كتابي المذكور رد علمي مدعم بالنصوص الكثيرة التي بلغت ألف نص تقريبا لأثبت ان النقد العربي التراثي لم يكن كله نقدا جماليا شكلانيا، عني بالأساليب والصيغ التعبيرية وأهمل القيم والمضامين الدينية والاجتماعية والفكرية كما زعم ذلك بعض الدارسين المحدثين، ولاسيما نقاد الحداثة الذين أرادوا ان يوهموا ان النقد الفني الشكلاني الحديث المهمل للفكر هو نقد عربي أصيل، وبالتالي فان لهم امتدادا تاريخيا تراثيا مشروعا. فندت نصوص هذا الكتاب تلك الادعاءات القائمة على استقراء ناقص، فلم تنكر وجود اتجاه شكلاني قوي في النقد العربي التراثي، ولكنها لفتت النظر الى الاتجاه الاخر، وهو الاتجاه الإسلامي الخلقي الذي كان شديد الحضور، قوي الصوت، تبنته طوائف متنوعة من النقاد العرب وكان ـ كما بينت النصوص المجموعة، وهي ليست كل ما يمكن ان يرصد ـ أقوى حضورا، واجهر صوتا.
* صدر لك اكثر من كتاب حول نقد الحداثة. فهل ترى أن الناقد العربي استطاع أن يستوعب مفهوم الحداثة فعلاً وينتهي من إشكالياتها؟
** لم يستطع اغلب النقاد العرب ـ لاسيما الحداثيون منهم ـ ان يستوعبوا مفهوم الحداثة، لأنهم لم يحسنوا انتقاء النقاط الإيجابية فيها، وتوظيف الجيد منها، ولكنهم فهموها على طريقة بعض الغربيين بانها قطيعة معرفية تامة مع الماضي، وبانها الخروج على جميع القيم المتوارثة مهما كان مصدرها، وبذلك كانت هذه الحداثة ـ كما هي شائعة متداولة عند رموزها من نقاد العرب ومفكريهم ـ لا تعني الا التغريب، والانبهار بالثقافة الغربية، ثم ـ وذلك هو الأخطر والاهم ـ احتقار الثقافة الإسلامية والعربية، والاستهانة بمنجزاتها، والنظر إليها دائما نظرة الدونية والاحتقار، وعد الفكر الغربي وما تمخضت عنه حداثته من ترهات ـ رفضها الكثيرون من عقلاء الغرب ـ شاهدا على كل ما هو إسلامي أو عربي.
* بناء على ما ذكرت، ما هو مفهومك للحداثة.. وما بعد الحداثة؟
** مفهومي للحداثة انها تعني التجديد الواعي الأصيل الذي لا يتناقض مع أي ثابت من ثوابتنا العقدية. ان باب المتغيرات غير المنضبطة بنص شرعي قطعي الدلالة كثيرة جدا، وهذه يقع فيها التحديث والتجديد ـ الذي لا ينسف ما هو معروف من الدين بالضرورة ـ والتحديث مطلوب، ولا شيء يقف في طريقه. ونحن مجتمع متخلف، ودول نامية، ونحن أحوج إلى التحديث من أية أمة أخرى، ولكنه التحديث الراشد الأصيل الذي نبحث عنه وهو ـ كما ذكرت ـ ما لا يخالف عقديتنا، ولا هويتنا الفكرية، ولا طبيعة لغتنا العربية الفصحى التي هي مكون أصيل من مكونات شخصيتنا.
* من المعروف انك من المدافعين عن مقولة الأدب الإسلامي. والسؤال هل هناك مشروع عند دعاة الأدب الإسلامي للتنظير لنقد أدبي عربي؟
** نعم عند دعاة الأدب الإسلامي مشروع حضاري للتنظير لأدب أصيل، ونقد أصيل، يستمدان قيمهما من التصورات الإسلامية وقيم اللغة العربية والأدب العربي، وهم يشتغلون على هذا المشروع النقدي المنشود، هم سائرون على الدرب، لما يصلوا بعد إلى المبتغى المأمول، لأن تجربة الأدب الإسلامي الحديث قصيرة العمر اذا ما قيست بتجربة الأدب العربي الحديث الذي اصبح عمرها اكثر من قرن ولما تحقق مثل هذا المشروع الحضاري المنشود. تجربة الأدب الإسلامي ماضية بجد واجتهاد وإخلاص، تواجه حربا ضروسا من أعداء أي توجه إسلامي، وما أكثرهم! وتواجه تغييبا وتعتيما إعلاميا متعمدا، وتتعرض للإقصاء، ولكن التجربة ماضية، وقد صدرت كتب ودراسات كثيرة رصدها أخونا الدكتور عبدالباسط بدر في إحصائيته عن الأدب الإسلامي ودراساته ونقده، ولكن المشروع لما ينضج بعد النضج المطلوب.
* ما هي سمات هذه النظرية المنشودة.. وما هي مصادرها، وبالتالي ما هي علاقتها بالمناهج النقدية الحديثة؟
** من أهم سمات هذه النظرية المنشودة انها منطلقة من التصور الإسلامي بما فيه من رحابة ووسطية ومرونة. نظرية تضع سؤال الهوية الفكرية لهذه الأمة في رأس سلمها، وهي لذلك متحررة من قبضة أي فكر غربي أو عربي يخالف التصور الإسلامي، متحررة من الأحادية التي وصمت النقد الغربي الحديث، فكان دائما ينحاز إلى طرف ويهمل الآخر، ينحاز إلى الشكل ويهمل المضمون، أو إلى المتعة ويهمل الوظيفة والهدف، أو إلى الجسد ويهمل الروح، أو إلى المؤلف ويهمل النص والمتلقي، أو عكس ذلك من أحاديات قصيرة يقع فيها النقد الغربي دائما. ان نظرية النقد الأدبي الإسلامية المنشودة تقوى على التكامل والوسطية والاعتدال، وهي منفتحة على جميع الثقافات والمناهج عند الأمم جميعها، ولكنه انفتاح اصطفاء وانتقاء، وليس انفتاح انبهار وتقليد وذوبان، لا تتعصب لماض ولا لحديث، بل تبحث عن كل ما هو مفيد نافع في قديم وحديث. تهمها طبيعة الأدب مثلما تهمها وظيفته، وهي متطورة نامية، لا ترفض أي شكل من أشكال التعبير مادام جميلا مفيدا.
* نشرت أكثر من كتاب ودراسة حول الأدب الإسلامي، فما هو مفهومك لهذا الأدب، وكيف نتعامل مع الأدب العالمي من منظور إسلامي؟
** الأدب الإسلامي هو التعبير الفني الجميل عن تجربة شعورية تصدر عن التصور الإسلامي، فهو يلتقي مع الآداب جميعها من حيث الشكل، أي من حيث كونه تعبيرا فنيا بأرقى الأساليب والأدوات، ويتخلف عنها في انه يصدر عن نبع العقيدة بمعناها الرحب الواسع، ولذلك فان تجربة الأدب الإسلامي تجربة رحبة عميقة، كل مسألة تصلح للتناول وما يميز الأدب الإسلامي هو التصور الفكري الصادر عنه، والأدب الإسلامي منفتح على الآداب الأخرى، ليس مغلق النوافذ دونها، يتعامل معها، ويستفيد من تجاربها في إغناء تجربته شكلا ومضمونا، وهو يرحب كثيرا بذلك الأدب الإنساني الذي يصدر عن فطرة الإنسان السوية التي تنضح بالقيم الخيرة النبيلة، وهذا الأدب الإسلامي بدأ منذ فجر الدعوة الإسلامية، وهو مستمر الى يوم الناس هذا، فهو ليس بدعة طارئة، أو مذهبا مستحدثا دخيلا، بل هو متدفق الجريان منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، أنتجه أدباء لا حصر لهم، من عرب وعجم ، فالأدب الإسلامي لا ينتجه العرب وحدهم، ولا هو المكتوب باللغة العربية فقط، بل هو يكتبه المسلمون على اختلاف بلدانهم وجنسياتهم ولغاتهم.
* يلاحظ اهتمام النقد الأدبي عندنا بالشعر وذلك على حساب الاهتمام بباقي الأجناس الأدبية؟
** هذا الكلام ينطبق على النقد العربي القديم الذي غلب عليه الاهتمام بالشعر الذي كان ديوان العرب، ومستودع تاريخهم وقيمهم وأعرافهم وتقاليدهم، ولكنه لا ينطبق على النقد الأدبي الحديث سواء عند العرب أو الغربيين، فهذا النقد الحديث يتعامل مع أجناس الأدب جميعها، بل ان بعض المناهج النقدية قد تعني بالرواية او المسرحية اكثر من عنايتها بالشعر.


أعلى





صوت
قنبلة سنية..قنبلة شيعية

خلال زيارة قصيرة لاسلام أباد العام الماضي، قرأت مقالا في صحفية محلية تصدر بالانجليزية حول برنامج ايران النووي، أشار فيه الكاتب الى ان هناك احتمالا ضعيفا لاقدام ايران على انتاج قنبلة نووية اذا استمرت في جهودها لتخصيب اليورانيوم، ، واضاف انه اذا حدث هذا الاحتمال الضعيف فسوف تستخدمه ايران كرادع نووي شيعي ضد القنبلة النووية السنية التي تمتلكها باكستان، وانتقد الكاتب أي محاولة لإضفاء صبغة مذهبية على اي قنبلة نووية ينتجها أي قطر اسلامي، ولعله في هذا يتفق مع آراء منسوبة للرئيس برويز مشرف ، اشار فيها الى ان القول بقنبلة نووية شيعية وأخرى سنية امر غير مقبول ويماثل القول بقنبلة هندوسية في الهند واخرى يهودية في اسرائيل وثالثة مسيحية كاثوليكية ورابعة.
واصرار البعض على اضفاء صبغة مذهبية على أي قنبلة نووية تنتج في بلد إسلامي، هو مظهر بائس ومن مظاهر التعصب والتطرف المذهبي، الذي يدفع اصحابه الى الاعلاء من شأن الفروع على حساب الأصول، ومن الشرح والتفسير باتجاه معين على حساب المتون الموحدة الموثقة التي لا خلاف عليها، وهم يساهمون بذلك ـ بوعي او بدونه ـ في تأثيرات سلبية على البدن الاسلامي أشد فتكا واعظم تدميرا من اي قنبلة نووية، ويفتحون الباب على مصراعيه امام قوى خارجية تستثمر هذا التنافر والتنقاض وتصب الزيت حتى تبقى نيرانه مستعرة، بما يمكنها من تحقيق اهدافها ومصالحها الخاصة دون ادنى اعتبار لأي مذهب او طائفة.
هذه قضية تبدو شديدة الاهمية لجميع المسلمين والعرب عموما منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، والاعلان دون مواربة ان الاسلام والصين هما عدوا مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتدشين مواجهة هذه (العداوة) بالبدء بالعنصر الأضعف وهو البلدان الاسلامية، فتم شن الحرب على افغانستان وغزو العراق وتشجيع ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وقبل ذلك ممارسة التواطؤ ضد مسلمي البوسنة، وفصل تيمور الشرقية عن اندونيسيا، والسعي الآن لفصل الجنوب والغرب عن البدن السوداني، وما يترافق مع كل هذا من حملات سياسية واعلامية مسعورة تنعت الاسلام والمسلمين بالارهاب والتطرف، وتنال من جميع مقدساتهم دون حياء، مع الاشارة الى ان صواريخ الكروز والتوماهوك والمقذوفات الذكية والغبية التي ألقيت على بلدان اسلامية لم تفرق بين سني وشيعي او اي مذهب او دين آخر ، فالجميع مستهدفون.
ولا علاج لهذه الآفة الا بالرجوع الى الأصول المتفق عليها ، والحوار المتواصل البناء حول القضايا الخلافية، ونبذ التعصب المذهبي الأعمى، والسعي نحو بناء الثقة المتبادلة وتأكيد مبدأ السواسية في المواطنة بكل حقوقها وواجباتها للجميع دون تمييز، وتبني خطاب اسلامي وسطي ينسجم مع كون الاسلام دين الرحمة والتسامح والسلام الذي لا يحث اتباعه على استعمال القوة إلا دفاعا عن النفس، ويضمن العدل والمساواة بين الجميع مسلمين وغير مسلمين، وغير ذلك من القيم السامية التي تؤكد عالمية الاسلام كدين أتى ليتمم مكارم الأخلاق ، بحوار الحكمة والموعظة الحسنة والتعامل الرفيق مع كل الكائنات والخلائق.
ولعل هذه الرسالة هي أهم ما يضطلع به مركز السلطان قابوس للدراسات الاسلامية باصداراته وندواته ومحاضراته، ومعه مراكز نظيرة في عدد من الحواضر والبلدان العربية، وما تتبناه العديد من المؤتمرات والندوات الاسلامية التي تنظمها بعض الجمعيات الاسلامية، ربما يكون اهمها مؤتمر: الوحدة الاسلامية..وديعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي نظمته نهاية الشهر الماضي جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية في مملكة البحرين، وقد يكون مفيدا اختتام هذا المقال بفقرة من التوصيات الختامية لهذا المؤتمر تقول:
الاسلام هو الدين، وكل مذهب في الاسلام هو مذهب او فرقة في دين واحد لا يخرجهم عن هذا الدين أي انتماء مذهبي، والادعاء بان الجنة حكر على فرقة او مذهب ادعاء باطل، ولا يجوز لمسلم ان ينتهك حقا مدنيا لمسلم آخر لمجرد انه يختلف معه في المذهب او بعض التفاصيل، فالحقوق المدنية والسياسية والمالية حق لكل مسلم في الوطن، تتفرع من كونها حقا لكل مواطن مهما كان مذهبه او دينه، وينبغي على المسلمين نصرة المظلوم أيا كان والحذر من الاستغلال السياسي لتباين مذاهبهم.

شوقي حافظ


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر يناير 2008 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept