|
فتاوى وأحكام
* نرجو من الشيخ توضيح حديث ( لا هجرة بعد الفتح
)
** نعم ، كانت الهجرة إجراءاً ضرورياً حتى أن الصلة التي يُعبّر عنها
بالولاية ما بين المهاجرين أنفسهم وما بينهم وبين الأنصار هذه الصلة
كانت لا تمنح لمن تلكأ عن الهجرة ولو آمن ، فالله تبارك وتعالى يقول
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا
)(الأنفال: من الآية72) ، فالله سبحانه وتعالى ما جعل لهم من الولاية
نصيباً إلى أن يهاجروا ، ذلك لأن الهجرة صارت أمراً ضرورياً لا بد
منه ، هذا لأجل أن تقوى شوكة المسلمين من ناحية ، ومن ناحية أخرى لأجل
أن يجد المسلم جو الحرية الذي يتنفس فيه بحيث إنه يعبد الله تعالى
وهو حر لا يضايقه مُضايق في عبادته لله سبحانه وتعالى .
وبعد أن كان الفتح جاء الناس وأخذوا يدخلون في دين الله أفواجا ، فلم
يعد هنالك داعٍ إلى الهجرة ، إذ الناس وجدوا المتنفس الذي يتنفسونه
، وجدوا الجو الحر الذي يتنفسون فيه في أي بقعة من جزيرة العرب فذلك
قال النبي صلى الله عليه وسلّم ( لا هجرة بعد الفتح ) .
فالمسلمون غير مطالبين بأن يهاجر أحد منهم إلى مكان آخر . بلاد الإسلام
كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها هي بلاد واحدة من هذه
الناحية ، لا ريب أن بعض البلاد أفضل من بعض ، فالحرمان الشريفان أفضل
من غيرهما ، ولا شك أن الأعمال الصالحة يُضاعف أجرها هناك ، ولكن هذا
لا يعني أن يترك الناس بلادهم وأن يهاجروا إلى الحرمين الشريفين ،
أو أن يهاجروا إلى أحد الحرمين الشريفين ، أو أن يهاجروا عندما كان
بيت المقدس في أيديهم إلى بيت المقدس ، لا ، لأن بلاد الإسلام كلها
يجب أن تُعمر ، فاستقرار الناس في أماكنهم إنما هو لأجل عمارة هذه
الأرض والقيام فيها بأمر الله وإبلاغ دعوة الله وتعليم دين الله بعد
تعلمه ، هذا مما ينبغي أن يُحرص عليه .
ولكن لو وجد المسلمون مضايقة بسبب سيطرة بعض الناس الذين يضايقونهم
في أمر دينهم كالذي حصل إبّان الحروب الصليبية وكالذي حصل في الأندلس
عندما أُبيد المسلمون هناك وفرض عليهم أن يتنصروا ، أي فُرض على باقيهم
إما أن ينتصر أو أن يُقتل ، وكالذي حصل عندما قامت الثورات الشيوعية
وأخذت تحارب الدين محاربة لا هوادة فيها فلم يستطع أحد في تلكم الأجواء
أن يعبد الله تعالى عبادة كاملة كما يراد منه وكما يريد بنفسه ، ففي
مثل هذه الأجواء يؤمر الإنسان أن يهاجر حتى لا يضايق وحتى يجد المتنفس
، ولكن ليست هذه الهجرة إلى بلد معين ، وإنما هي إلى أي بلد يجد فيه
الإنسان الجو الملائم ، جو الحرية ليتنفس فيه وليقوم فيه بواجبات الدين
.
*هل الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم
كانت في شهر محرم ؟
**الهجرة على أي حال صارت بعد بيعة العقبة الأولى ، كانت هجرة محدودة
، هاجر من هاجر إلى المدينة المنورة من أجل أن يعلّم الأنصار أمر دينهم
، هاجر مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه من أجل أن يبصّر الأنصار بأمر
دينهم ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية فهاجر بعد ذلك الناس أرسالاً
إلى المدينة المنورة ، إذ وجد الناس الحمى الذي يحتمون به والمأوى
الذي يأرزون إليه ، ووجدوا الجماعة التي يلتفون حولها .
أما النبي صلى الله عليه وسلّم فقد كانت هجرته في شهر ربيع الأول ،
ولكن عندما درس المسلمون قضية التاريخ وأرادوا أن يُنشئوا لأنفسهم
تاريخا كما هو الحال عند الأمم الأخرى إذ الضرورة داعية إلى ذلك لأنهم
كانوا قبل هذه الفترة إنما يؤرخون بالأحداث ، فأرادوا أن يكون لهم
تاريخ زمني محدد ، وقد كان ذلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنه ، قلّبوا
وجوه الرأي ونظروا بماذا يبدأون هذا التاريخ ، فرأوا أن يبدأوه بهجرة
الرسول صلى الله عليه وسلّم ، لأن هذه الهجرة كان بها ميلاد الدولة
الإسلامية ، فذلك رأوا أن الأمة كأنما ولدت بهذه الهجرة ، إذ كان المسلمون
قبلها أفراداً متفرقين ، لم يكونوا جماعة يلتف بعضها حول بعض ، وبالهجرة
صاروا جماعة يلتف بعضها حول بعض ، ثم مع ذلك وجدت لهم دولة ، وجدت
لهم سياسة مستقلة ، فرأوا أن الأمة ولدت بهذه الهجرة ، فأرخوا بهذه
الهجرة .
ثم نظروا بأي شهر يبدأون ، فاتفقوا على أن يبدأوا ببعد شهر ذي الحجة
نظراً إلى أن شهر ذي الحجة كان هو الشهر الذي يجتمعون فيه في الحرم
الشريف من أجل أداء المناسك ، وبعد هذا الشهر ينصرف كل أحد لأهله ،
فرأوا أن تكون البداية بشهر المحرم أي بعد شهر ذي الحجة الذي تؤدى
فيه مناسك الحج .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
درس من الهجرة النبوية الشريفة
الهجرة الحق مفتاح النعم والرزق
ـ الشعبني : حادثة الهجرة أكدت سيرورة سنة الله في التدافع بين الخير
والشر، وغلبة الخير في النهاية
ـ الهجرة في سبيل الله ذاتها مفتاح خير للمرء إن أُلجِئَ إليها إذ
كل من هاجروا ممن ذُكِروا في القرآن قد نالوا خيرا
ـ الهجرة ظاهرها اشتداد للمحنة، وباطنها انفراج لها ، فبها يُتفاءَل
ـ المهجِّر ظلما لا يلبث أن يهجَّر خِزياً
ـ الإخبار بحِكَم الهجرة النبوية دعوةٌ إلى الله ، وتحميل للمسؤولية.
حاورة ـ أحمد الجرداني
من حادثة الهجرة النبوية الشريفة يمكن استخلاص العديد من الدروس والحكم،
وهذا الحوار سيقتصر على درس هام يمكن استخلاصه منها ؛ وهو أن الهجرة
الحق مفتاح للنعم والرزق ، وبعض متعلقات الدرس التوضيحية الهامة ،
ومن النعم والأرزاق المبثوثة في ثنايا الحوار ؛ الآتي : نعمة زيادة
اليقين في تحقق موعود الله ، نعمة معية الله ، نعمة التفاؤل ، نعمة
السلامة والنجاة ، نعمة الفتح والنصر وحول ذلك كان للشيخ الدكتور مبارك
بن مسلم الشعبني هذه الوقفة في ظلال الهجرة النبوية لنعطي القارئ الكريم
جرعة إيمانية لتعينه ويستنير بها في حياته...
نعمة زيادة اليقين
من خلال دراستنا للهجرة النبوية أنها نعمة زيادة اليقين في تحقق موعود
الله ؟ ماهو تعليقكم لذلك ؟
لقد أثبتت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
وصحابته الكرام رضي الله عنهم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة
تحقُّقَ سنةٍ ربانية شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلها في عباده على
وجه هذه البسيطة ، متمثلة هذه السنة في الحصول على الرزق العميم لمن
يُضطر إلى الهجرة من الوطن ، لا هجرة هجر وترك اختياري ، وإنما هجرة
سعي وتخطيط للتغيير في مكان آمن ، للعود إليها بحال غير التي كان عليها
حال الخروج منها ، وأهمها السعي والتخطيط لتغيير حال الوطن عما هو
عليه من سوء حال ، فضلا عن تغيير حال المرء نفسه .
لقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة وهو مستضعَف
من قِبَل قوى الاستكبار والجبر في بلده حينها ، صناديد قريش وعتاتها
، وسوء الحال التي آل إليه وضعه في قومه هو وصحبه رضي الله عنهم ،
فخرج بأمر الله له من ذلكم الضيق ليجد الفسحة والسعة في أرض الله الواسعة
، وهجرته تلك عليه الصلاة السلام ليست إلا تأسٍيا بمن أُخبر عنهم في
القرآن الكريم ، الذين كانت تتنزل عليه قصصهم مطمئنة له ومثبتة ، ومحددة
المسار له في هذه الحياة من أن سبيل الهجرة سبيل كل مناضل من أجل التغيير
إلى الأفضل له ولمجتمعه ، وأن ما هو عليه من ضعف حال ليس قاصرا عليه
فحسب وفي زمنه فقط، بل هو ديدن كل الناس العظام ، وقد فتح الله لهم
الآفاق عندما ضاق عليهم بلدهم ومسقط رأسهم ، فهم كبار على مجتمع شأنه
صغير لا يتحمل ما يحملونه من فكر ، وحتى يتحولوا - أي أهل بلدهم ،
وبلدهم ككل ، على مدى الزمان ، القصير كان أو الطويل- لا بد من التحرف
إلى مكان يهيئه العودة بحال أفضل أو التحيز إلى فئة تقدر وتجل المراد
وتعين عليه .
إنها سنة الله- أي الهجرة- المتحققة فيمن يتأسى بهم الرسول صلى الله
عليه
وسلم في هجرته القسرية المتعبد فيها ربه ، من أمثال ؛ أصحاب الكهف
؛ الذين آووا إلى الله فرزقهم الله نعمة الإيواء في رحمته حتى في الدنيا
قبل الآخرة ، ويوسف عليه السلام من قبل ؛ الذين أسلمه أقرب الناس إليه
ليعاني الحياة وحيدا طريدا فإذا به في كنف الله رعاية وحفظا وحماية
ورفعة ومرزوقا بما وصفه الله بالتبوؤ من الأرض حيث يشاء ، الملك ،
وموسى عليه السلام الذي ألجأته الأحوال التي كان عليه مجتمعه إلى الهجرة
ليعود إليها محفوظا مفتوحا عليه ومرزوقا بالهداية والمدد الرباني ،
وسيدنا إبراهيم عليه السلام من قبل الذي قال الله على لسانه صريح هجرته
قومه ، فوهبه الله ما وهبه من الخير العظيم وهذا ما حدث للرسول صلى
الله عليه وسلم فمِن خروجٍ كان فيه الرسول مستضعَفاً وهِناً متعقَّبا
يخاف هو وصحبه أن يتخطفهم الناس فإذا بالحال بعد حين كما وصفه الله
ممتنا : (َواذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي
الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم
بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(
الأنفال 26، ومن سد للأبواب في وجهه صلى الله عليه وسلم إلى ما وصفه
الله مبشرا إياه : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ( الفتح1،فقد
كانوا قلة فكثرهم عددا، وكانوا ضعفاء فقواهم شوكة ، وكانوا أذلاء فأعزهم
، وكانوا فقراء فأغناهم من فضله ، فهم استدروا بهجرتهم في ربهم ، في
نصرتهم دين ربهم وإجابتهم دعوته بهجرتهم استدروا الكثرة ، فهو سبحانه
المكثر ، كما قال واصفا نفسه فعلتَه ذلك مع مِن قبل : (.. وَاذْكُرُواْ
إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ .. ( الأعراف86، واستدروا الرزق
والقوة والعزة من الرزاق القوي العزيز سبحانه : (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ
يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ ( الشورى19 كما
أنهم من بعد أن كانوا لا شأن لهم يحتقرهم الكفار أصبحوا بفضل الله
ممكنين في الأرض ظاهرين على الناس ، وهذا فضل من الله سبحانه على عباده
، ونعمة تستحق الذكر والشكر على تعاقب الأجيال ، ومن قِبل كل مسلم
لله ، وتذكر شأنهم في مناسبة كتلك وما غدوا عليه يعد حافزا يدفع المرء
المسلم إلى السير على مناهجهم ، من حيث خدمة الدين ورفعة أهله ، وذلك
تحقيقا لأمر الله للمؤمنين في نصرتهم ربهم ، أي دين ربهم إذا ما أرادوا
تلكم المعاني السامية من عزة ومنعة وظهور على العدو وغلبة ، في أي
مكان كانوا ومتى ما كانوا، وذلك في قوله جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ
فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ( الصف14 لقد تحقق في الرسول صلى الله عليه
وسلم وصحابته موعود الله الحق ، الذي وعد به من قبلنا وقد تحقق فيهم،
والمتمثل في قوله جل شأنه : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ ( القصص 5.
الهجرة الحق مفتاح الرزق
الهجرة قد تكون واجبة عندما يتعلق الأمر بالدِّين كيف يكون ذلك ؟
إنه ومن خلال استقراء آيات الهجرة في القرآن الكريم والقصص القرآنية
يُلحظ بحق أن الهجرة الحق مفتاح الرزق ، الهجرة التي يلجأ إليها المرء
من أجل الله سبحانه وفي الله، لا أشرا ولا بطرا ولا رياء ، خاصة إن
كانت من أجل رفعة دين الله سبحانه ، وإنقاذ الناس من وضع سيئ هم عليه
؛ من جهل في الدين وسوء في المعاملة وظلم بين الناس وغيره ، كل هذا
وذاك- أي رفعة الدين وإنقاذ الناس وغيره - هدف أسمى لا يخذل الله صاحبه
، إذا وجد منه الجد والمثابرة العملية في ذلك ، لدرجة الرحيل عما يعز
عليه تركه ، كيف والله سبحانه يوجب في بعض الأحيان الخروج والهجرة
من الوطن ، ومن ذلك عند الخوف على الدين من الضياع ، بحيث لا يستطيع
المقاومة ليبقى مسلما لله طاعة وانقيادا ، وله القدرة على الهجرة من
ذلك الوضع المهين ، يقول سبحانه
: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ
قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا
فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ( النساء97،
مع ضمانه له الحياة الكريمة بعد ذلك حسب سنته في خلقه.
بعد الشدة اليسر
لقد عانى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحبه في مكة ظلما كبيرا ..
لهذا كانت الهجرة تأذن بانفراج الشدة وانبلاج نعمة التيسير ، نرجو
توضيح ذلك؟
إن من يُخرَج من بلده ظلما لا يلبث أن يفتح الله عليه بفتح من رحمته
، مالا وولدا، فهو سبحانه الفتاح الذي لا ممسك لرحمته إذا أرسلها ،
فقط ما عليه إلا أن يأتي ذلكم الفتح من بابه المشروع ، فلئن استطاع
الظالم أخذ شيء منه فإنه لا يعدو أن يكون أذى مؤقتا لا يلبث أن يزول
ويرجع حسن الحال بل وإلى الأفضل منه ، لا ضرا دائما ، كما يقول سبحانه
لعباده : ( لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ..( آل عمران111، فالله
سبحانه هو من بيده مقاليد الأمور وتصريفها ، يقول سبحانه في تبشيره
عباده : (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ
لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( فاطر2، وقوله سبحانه:
( وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ
وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( يونس107، وقوله
سبحانه: (َإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ
هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ
( الأنعام17.
أعلى
من معالم الهجرة النبوية
بقلم ـ علي بن محمد الحامدي:
قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ )الجاثية13.
هكذا هي إرادة الله من خلقه لنا معشر البشر ومن خلق الكون من حولنا
..قوى مبثوثة تحيط بنا ..ويريد الله منا أن نكتشفها وأن نسخرها في
أداء رسالتنا في هذه الحياة .هذه القوى المسخرة لخدمتنا لا يتأتى تسخيرها
بدعاء الكسالى ولا بعبادة الخاملين.. كما لا يتأتى تسخيرها بدعوى الإيمان
واليقين ولا بدعوى الكرامة للمتواكلين.. إن هذه القوى لا يمكن تحصيلها
بغير السنة الإلهية التي تقضي بإعمال العقل والفكر والتشمير عن ساعد
الجد من أجل الظفر بها والحصول عليها . فليس من سنة الله في تسخير
هذه القوى أن نعتمد على قول القائل:.. أنتم تخرجون النقود من الجيب
وأنا أخرجها من الغيب أو قول آخر:سيأتي المسيح المخلص أو المهدي المنتظر
الذي سيقيم شرع الله وحكمه وأمره في الأرض وسيملأ الأرض عدلا بعد أن
ملئت جورا.
لقد عانت شعوب الأرض من غير المسلمين ردحا من الزمن من دعوى تسخير
قوى الكون بقوى غيبية توصل الإنسان إلى تحقيق مآربه دون تدخل منه.
هذه الدعوى ما جاءت أديانها الا لتأصلها فيها عقيدة راسخة لا تقبل
التغيير وإيمان لازم لا يقبل التبديل. فما الإنسان بالنسبة لها الا
ريشة في مهب الريح ليس له أية فاعلية أو تأثير في مجريات الحياة وأحداثها
.هذه الدعوى ظلت قائمة لديها ومهيمنة على تفكيرها إلا أنها لم تجد
لها نفعا ولم تزدها إلا تعاسة وشقاء دائمين. فما كان منها بعد طول
معاناة إلا أن نبذتها وتحررت من أساطيرها وخرافاتها وألقت بها بعيدا
عن مسار حياتها. وبدأت تسعى جادة نحو تسخير قوى الكون من حولها وفق
السنة الإلهية :(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا
فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )الملك15.
فسلكت سبيل الاكتشاف والبحث والتنقيب حتى بلغت ما بلغت إليه وان كانت
قد أخفقت في الجانب الأخر حيث أنها لم تتعد برؤيتها خارج نطاق ما حولها
فكفرت بأنعم الله وكان الأحرى بها أن تؤمن. فجعلت ما وصلت إليه عن
طريق الاكتشاف سبيلا إلى مادية عمياء بغيضة لا تؤمن إلا بالمحسوس المشاهد
,مما أغرقها في تيه من الرجعية والخواء الإنساني أدى إلى تدمير الإنسان
لنفسه بما وصل إليه. ولا أدل على ذلك من حالة الإنسانية اليوم وما
تعاني منه من مشكلات لا تزداد مع الأيام إلا تعقيدا.
إن أمتنا اليوم تعاني من أزمة سؤ فهم لأمر ربها لها في قرآنه حين قالها
وللإنسانية جمعاء: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ )الجاثية13. فظنت أنها بدعوى كونها أمة مسلمة ,كتابها
القرآن ونبيها محمد عليه السلام ودينها الإسلام ,أنها بذلك فقط سيسخر
لها الوجود بأسره وسيمكن لها في الأرض وستكون قيادة العالم من حولها
تحت تصرفها دون أن تبذل جهدا وفق السنة الإلهية ودون أن تقدم شيئا
في ميدان العلم والمعرفة . وأنها ستنال كرامة الله بخرق سنن العادة
من أجلها رغم أنها صباح مساء تقرأ قول الله عز وجل: (وَقُلِ اعْمَلُواْ
فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ
إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ )التوبة 105 وقوله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ
وَعَدُوَّكُمْ..الآية )الأنفال60.
إن حادث الهجرة بالذات أعتبره بحق خير دعوة تحقق عمليا الأخذ بالسنة
الإلهية في تحقيق المطلوب ونيل المرغوب . فالنبي عليه السلام بعد أن
ضاقت برسالته مكة وما حولها وبعد أن وجد النصير والمعين في أؤلئك النفر
اليثربيين الذين بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون به أنفسهم وأهليهم
وأموالهم, وبعد أن أذن الله تعالى له بأن يهاجر إليهم فقد اطمأن على
هجرة أصحابه كلهم ولم يبق منهم غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
بعد كل هذا قرر عليه السلام الهجرة إلى المدينة بصحبة أبي بكر رضي
الله عنه.. فما الذي فعله حتى يحقق النجاح الكامل لهذه الهجرة دون
أن يصاب هو وصاحبه بأي أذى من قبل المتربصين به والمتآمرين ضده.
لقد وضع عليه الصلاة والسلام حين اتخذ قرار الهجرة بعد أن أذن الله
له بذلك وبمعاونة صاحبه وخليله أبي بكر الصديق رضي الله عنه خطة واضحة
المعالم للإفلات من قبضة قريش التي عقدت العزم على قتله والتخلص منه
ثم سعى إلى تنفيذ تلك الخطة بإحكام وبكل تفاصيلها وأجزائها فكانت الخطة
كالتالي:
ـ الإفصاح عن قرار هجرته وبشكل سري لصاحبه ورفيقه أبي بكر رضي الله
عنه حين قدم إلى منزله في غير الوقت الذي اعتاد زيارته فيها ثم تشديده
عليه على كتمان هذا الأمر.
ـ تهيئة أبي بكر لراحلتين تقلهما في سفر الهجرة إلى المدينة وبرفقة
دليل (عبدا لله بن أريقط) يعرف مسالك الطرق التي لا عهد لقريش بها.
ـ تحديد موقع الاختباء (غار ثور) بعد خروجهما من مكة مباشرة إلى حين
أن تهدأ ثائرة الطلب عليهما. هذا الغار الذي يقع في الجبال الجنوبية
من مكة رغم أن المدينة (وجهته في هجرته هذه) تقع جهة الشمال من مكة
وذلك إمعانا في التمويه على قريش لعلمه أنها لن تهدأ عن البحث عنه
مهما كلفها الأمر.
ـ تكليف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بتزويدهما بما يحتاجان إليه
من طعام وشراب ليلا طيلة فترة الاختباء في الغار.
ـ تكليف عبدا لله بن أبي بكر رضي الله عنه بنقل أخبار قريش ليلا إليهما
وذلك لمعرفة حركة العدو وسيره واتجاهه.
ـ تكليف عامر بن فهيرة برعي الأغنام نهارا حتى يعفى على آثار أقدام
عبدا لله وأخته أسماء أثناء أدائهما لمهمتيهما فلا تشك قريش في الأمر.
ـ تكليف علي كرم الله وجهه ورضي عنه بالنوم في فراش النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ وأن يلتحف ببردته حتى يموه على المحاصرين للمنزل بأنه
عليه السلام لا زال في فراشه فيؤخر بحثهم عنه إلى حين إتمام خروجه
وصاحبه من مكة ووصولهما إلى غار ثور.
ـ اختيار طريق آخر للوصول إلى المدينة غير الطريق المعتاد والذي لا
يعرفه إلا الخبراء بطرق الصحراء ولذلك أستأجر لهذه المهمة الصعبة عبدا
لله بن أريقط وكان مشركا ليكون دليلهما في هذا الرحلة.
نعم .. لقد كانت خطة النبي عليه السلام في مواجهة تحدي قريش وإصرارها
على قتله خطة مدروسة بإحكام, محددة لأهدافها وغاياتها ومحددة لأدوار
منفذيها ومحددة كذلك لإطارها الزمني بمكوثهما في غار ثور ثلاثة أيام
ثم الانطلاقة بعد ذلك إلى المدينة. هذا وقد تم تحقيق الهدف المنشود
بنجاح منقطع النظير.
وتأتي هذه الخطة النبوية في مقابل خطة أخرى أقرتها قريش بدار الندوة
بعد مداولات عديدة وبعد الأخذ والرد في عدة أطروحات وضعت لكيفية الخلاص
من محمد ودعوته ..هذه الأطروحات القريشية ذكرها المولى سبحانه بنصها
في القرآن في قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ
اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )الأنفال30. ثم أستقر رأي قريش
بعد ذلك على اختيار فتى قويا من كل قبيلة منها على أن يقوم جمع الفتيان
بعد ذلك بمحاصرة بيت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ما خرج مهاجرا
ينقضون عليه فيقتلوه. وبذلك لا تستطيع بنو هاشم (أسرة النبي عليه السلام
) محاربة قريش بأسرها فترضى عند ذلك بالدية.
لقد كان هناك تخطيط قرشي جماعي يقابله تخطيط نبوي فردي وإمكانيات مادية
وبشرية لدى قريش تفوق بمئات المرات تلك التي لدى النبي صلى الله عليه
وسلم. لكن رغم ذلك كله نجح عليه السلام في الإفلات من قبضة قريش والوصول
إلى المدينة في الوقت المحدد ووفق الخطة المرسومة. وأما قريش فقد أصيبت
بحالة من الارتباك والذعر شديدين حين علمت بخروجه من بيته من بين المحاصرين
له إذ لم تكن قد أعدت ما يمكن إن تفعله في حالة إفلاته من حصارهم هذا
. فما كان منها إلا أن جن جنونها وأخذت تتخبط خبط عشواء دون أن تصل
إلى شيء فقد حقق المصطفى عليه السلام مراده ووصل إلى أتباعه في المدينة
سالما .
إن النصر الذي حققه المصطفى عليه السلام في هذه المواجهة الفردية ضد
قريش بأسرها ببأسها وقوتها وعنفها وهو أعزل من كل سلاح ومجرد من كل
نصير لأمر يستحق التأمل والتدبر ولذلك دعانا الحق تبارك وتعالى إلى
ذلك حين قال مخاطبا من تخلف عن نصرته صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك
:(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ
عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا
وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )التوبة40.
إن نسبة النصر الذي حققه المصطفى عليه السلام في حادث الهجرة إلى الله
عز وجل كما جاء في هذه الآية الكريمة إنما هو في حقيقته جهد النبي
عليه السلام وبذله في إحكام تصميم الخطة التي مضى عليها وذلك بدراسة
الواقع القرشي وما لديه من خطط واستعدادات وما ينوي القيام به ضده
ودراسة الإمكانيات المتوفرة لديه سواء كانت مادية أم بشرية ثم دراسة
الاحتمالات الواردة أثناء تنفيذ الخطة وما يمكن القيام به ساعة إذ
ثم توزيع الأدوار على المنفذين وأخيرا السعي إلى تنفيذ الخطة بكل دقة
ودون إخلال بأية جزئية فيها .هذا الجهد الذي بذله المصطفى عليه السلام
إنما هو في حقيقته ومن خلال دراسة أحداث الهجرة كما جاءت به كتب الحديث
والسير لم يكن إلا جهدا بشريا لا يتجاوز ما لدى البشر من قدرات وإمكانات.
فالنصر هنا لم يكن بمثابة الأمر الخارق للعادة الذي لا يتأتى لغيره
عليه السلام فلم يكن هناك من معجزات جرى حدوثها وصح الخبر عنها في
هذه الهجرة أدت إلى إنقاذ المصطفى عليه السلام وصاحبه ممن يطاردوهما
وأنه لولا تلك المعجزات لم يكن ليتحقق النصر . يقول الإمام محمد رشيد
رضا في كتابه تفسير المنار: وقد ورد في كتب الحديث والسير أخبارا وآثارا
كثيرة في قصة الهجرة ودخول الغار فيها كرامات وخوارق يتساهلون بقبول
مثلها في المناقب وان لم تصح بطرق متصلة يحتج بمثلها في الأحكام العملية
ولا في المسائل الاعتيادية بالأولى.وهنا قد يقول قائل: إذا كان الأمر
كذلك فلماذا ينسب المولى سبحانه هذا النصر إليه بقوله إلا تنصروه فقد
نصره الله ثم يذكر خروجهما من مكة فردين وحيدين(إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ) ثم يذكر أشد المواقف في هذا الحدث حين
وصل المشركون إلى باب الغار (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) ويذكر بعد ذلك إنزال
السكينة عليه وتأييده بجنود غير مرئيين(فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ
عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا). والجواب على ذلك
أن ما حققه المصطفى عليه السلام من نصر في هذا الحدث إنما يقع في دائرة
إرادة الله ومشيئته الكلية إذ لا يتحرك من متحرك ولا يسكن من ساكن
في هذا الوجود إلا بأمره سبحانه هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنه عليه
السلام عمل بمقتضى إرادة الله وأمره له إذ أنه سبحانه هو من أذن له
بالهجرة وهو الذي سخر له كل الأسباب التي هيئت له النصر وأعانته على
تحقيقه وهو في ذات الوقت يعمل بمقتضى أمر الله له في تسخير هذه الأسباب
لتحقيق ما يرنو إليه ولهذا تمت نسبة النصر إلى فاعلها الحقيقي وهو
الله عز وجل. إننا نقرأ قول الله تعالى لنبيه: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ
رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى )الأنفال17رغم أن من قام بالرمي
هو النبي عليه الصلاة والسلام لكن نسبتها إلى الله عز وجل من قبيل
ما ذكرنا آنفا . وأما التأييد بالجنود الغير مرئيين فمعناه أن كل سبب
من الأسباب التي أعانت على تحقيق هذا النصر بشكل مباشر أو غير مباشر
فهي من جند الله سواء كانت مادية أم معنوية . يقول الشيخ الشعراوي
في تفسيره موضحا معنى تلك الجنود:وأول الجنود غير المرئية هو أنه لم
يخطر على بال القوم ولا فكرهم أن ينظروا في الغار, مع أن آثار الأقدام
انتهت إليه. لكن الله طمس على قلوبهم وصرفهم عن هذه الفكرة بالذات,
ولم تخطر على بالهم. ولا يظنن أحد أننا بما ذكرنا ننفي وجود معية الله
تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في هجرته هذه ..لا بل هي معية متحققة
بتسخير كل الأسباب التي حققت النصر ومتحققة كذلك بتسديده صلى الله
عليه وسلم للأخذ بها دون غيرها. وأما أن تعني هذه المعية تأييده بخوارق
ومعجزات لولاها لما تحقق النصر فهذا ما نرفضه وننفيه في هذا الحادث
بالذات.
إن هذه الحقيقة التي نطرحها من خلال تدبرنا لمضمون هذه الآية الكريمة
مع مطابقة ذلك المضمون على تفاصيل الأحداث في قضية الهجرة إنما يؤكد
لنا المعنى الحقيقي لاقتضاء السنة الإلهية في كيفية التعامل مع القوى
المسخرة لنا في هذا الوجود. وأن هذا التسخير لا يتم بغير بذل الأسباب
الموصلة إلى ذلك . فالنبي عليه السلام وهو أفضل الخلق ورسول الحق وقد
قال له ربه : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
)المائدة67. فوعده بعصمته من الناس فلا يصلون إليه بالقتل وأنه منصور
على كل حال.. إلا أنه عليه السلام لم يكن ذلك كله ليعني له بحال من
الأحوال الارتكان إلى خوارق العادات التي لا دخل له في تحقيقها أو
الاعتماد على تدخل القدرة الإلهية المباشر من أجل حمايته ممن يريدون
به شرا. بل كان يعني له الأخذ الكامل بكل الأسباب المتاحة والإمكانيات
المتوفرة لديه لتبليغ رسالته وتحقيق النصر على أعدائه ثم الرضى والتسليم
بعد ذلك لقدر الله وأمره فيه. وهذا ما يتجلى بوضوح في حادث الهجرة
بالذات كما أشرنا إليه, إذ ليس فيما ما جرى من حدث في هجرته عليه السلام
ما يشير إلى حدوث خوارق أو معجزات أدت إلى نجاته من قبضة قريش ومكنته
وصاحبه من الوصول إلى المدينة سالمين, بل كل ما حدث كان بتخطيط مسبق
منه وبجهد تكاتفت فيه أياد أمينة أوعز لها عليه السلام بمهمات جسام
فأدتها خير أداء وبتفان وإخلاص كبيرين.
هذا هو حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التعامل مع الأحداث ومجرياتها
ينفذ فيها أمر الله له ببذل الوسع واستفراغ الجهد لتحقيق رسالته وتبليغها
للناس وليس حادث الهجرة فقط ما يدل على ذلك بل سيرته كلها عليه السلام
تؤكد هذا المعنى وأما حال الحالمون دوما بالخوارق والمعجزات والمترقبون
للتدخل المباشر للقدرة الإلهية من أجل تمكين الأمة في الأرض وتحقيق
النصر على أعدائها فلا يرون ألا أن بعض الخوارق قد حدثت بالفعل ضمن
سلسلة أحداث الهجرة وأن هذه الخوارق هي السبب الرئيس وراء تحقيق النصر
للنبي عليه السلام في هذه المواجهة ولولاها لكانت الكارثة التي تعني
قتل النبي صلى الله عليه وسلم على يد قريش. فمن تلك الخوارق التي راجت
كثيرا في سوق الحالمين بها أن حمامتين باضتا على باب الغار وان العنكبوت
لتوها نسجت نسيجها على فم الغار كله وأن تلك الخارقة هي التي منعت
قريشا لدى وصولها إلى باب الغار من اقتحامه وإلقاء القبض على من فيه
.
وتذكر رواية أخرى أنه عليه السلام أرى أبا بكر الصديق رضي الله عنه
حين قال له والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا أراه سفينة في عرض
بحر تجلى في الغار فاطمئن لذلك.
ولهذا حين يقرؤون الآية الكريمة:(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ
اللّهُ )التوبة40 يعتقدون مباشرة أن كل ما جرى في حدث الهجرة إنما
كان بالتدخل المباشر للقدرة الإلهية عن طريق الخوارق والمعجزات التي
يرون أنها قد وقعت تأييدا للنبي صلى الله عليه وسلم ولولاها لما كان
للنبي عليه السلام وجود أو بقاء وأن دوره عليه السلام في هذا الحدث
دور المترقب والمنتظر لحدوث الخارقة التي تنجيه من قبضة أعدائه وتوصله
وصاحبه إلى المدينة سالمين, رغم أن المتتبع لهذا الحدث في كتب السير
يرى غير ذلك كما أوضحنا سلفا.
ولهذا لا يزال قطاع كبير من الأمة يرقبون النصر والتمكين من بعيد يأتيهم
على يد مخلص أو ولي كريم يجود عليهم بتحقيق ما يصبون إليه عن طريق
كراماته الخارقة التي لا سبيل لأحد في تحقيقها إلا به, وشعوب الأرض
من حولهم يتقدمون آخذين بزمام المبادرة إلى سنة الله في تحقيق فاعلية
الأسباب وتسخير قوى الكون لخدمة مصالحهم وما يتوقون إليه من تقدم ورقي
وان كانوا لا يؤمنون بالله ولا يطبقون شرعه.
أعلى
فضل المدينة المنورة
المدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار
هجرته ، ومهبط وحيه ، حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم
سيدنا إبراهيم مكة المكرمة فقال : ( اللهم إن إبراهيم حرم مكة ، وأنا
أحرم ما بين لا بتيها ـ حرتيها ـ ) رواه مسلم إن المدينة المنورة على
ساكنها أفضل الصلاة والسلام لها منزلة عليا ومكانة سامية في الإسلام
فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله
تعالى سمى المدينة طابة ) روه البخاري ومسلم . أي من الطيب وحسن الرائحة
وكثرة الخيرات . وعن جابر رضي الله عنه قال : جاء أعرابي إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فبايعه على الإسلام فجاء من الغد محموما فقال أقلني
؟ فأبى ثلاث مرات . فخر الأعرابي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها ) البخاري ومسلم ، أي لها
مزية خاصة اختصها الله بها من سائر القرى . فعن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الإيمان ليأرز إلى المدينة
كما تأرز الحية إلى جحرها ) . رواه البخاري ومسلم أي أنها دار الإيمان
ومثوى الحلال والحرام فيأوي إليها الإيمان عند فساد الدنيا . والله
سبحانه قد تكفل بحفظها وصيانتها وجعل لها حرمة عظيمة وعناية فائقة
وهي محروسة بعناية الله تعالى . فعن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون
ولا الدجال وفي رواية : لا يدخل المدينة رغب المسيح الدجال لها يومئذ
سبعة أبواب لكل باب ملكان ) رواه البخاري ومسلم .أي أن الله تعالى
جعل على أبوابها ملائكة لحفظها من الطاعون ومن فتنة المسيح الدجال
. أهل المدينة هم جيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة مسجده
، وسكان بلده ، والمرابطون في حرمه ، والحامون لحماه ، متى استقاموا
وصلحوا كانوا أعلى الناس قدرا ، وأشرفهم مكانا ، حذر رسول الله صلى
الله من أذيتهم وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم . طيبة ولها أسماء
كثيرة منها طيبة بتشديد الياء والطيبة والمحببة والدار والإيمان وغير
ذلك وان كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى . وما فضلت المدينة إلا بالمسجد
النبوي الشريف وقد ورد في فضل المسجد النبوي أحاديث كثيرة تبين منزلته
المباركة وتحث على شد الرحال لزيارته والصلاة فيه لما فيها من مضاعفة
الأجر والثواب . . لان الصلاة في المسجد النبوي الشريف : بإلف صلاة
فيما سواه إلا المسجد الحرام فعن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من
ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد
الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا ) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان
في صحيحه وزاد : ( يعني في مسجد المدينة ) وروى البزار أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما
سواه من المساجد إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة صلاة في هذا
) وإسناده صحيح . . فمن تدبر في هذه النصوص النبوية الشريفة وما فيها
من جمال باهر ونر وضاء يسحر القلوب والأبصار ويكشف حقائق الأمور ويبين
فضل المدينة والحرم النبوي الشريف يجدر به أن يسارع إليها بشوق شديد
ولهفة عارمة وأدب تام لاستحباب الصلاة والصدقة والصيام بها ولا يجب
عليك البقاء فيها مدة معينة بل يستحب المحافظة على أداء الفرائض في
المسجد النبوي ما استطعت إلى ذلك سبيلا ليكتب لك الفوز بالبراءة من
النار والنفاق . . ويكفي المدينة شرفا وفخرا أنها دار الهجرة ومأوى
الأنصار وتحوي أشرف بقعة ضمت الجسد الطاهر الزكي على ساكنها أفضل الصلاة
وأتم التسليم .
عبدالرحيم محمد جاد الرب
أعلى
هجرة النبي صلي الله
عليه وسلم
ركن الطفل المسلم
ناصر عبدالفتاح
اشتد إيذاء المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واشتد عنادهم
وكفرهم فأخذ النبي يدعو القبائل التي كانت تفد إلى مكة في موسم الحج
فآمن به ستة رجال من أهل يثرب في العام الحادي عشر من النبوة، ووعدوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة قومهم.
وفي موسم الحج التالي جاء اثنا عشر رجلا والتقوا بالرسول صلى الله
عليه وسلم وبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يرتكبوا
الفاحشة، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه، ولا يعصوا
الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع
هؤلاء المبايعين أول سفير في الإسلام وهو مصعب بن عمير، ليعلم المسلمين
فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين الذين
لا يزالون على الشرك.
أقام مصعب بن عمير في بيت أسعد بن زُرَارة، وأخذا يدعوان الناس إلى
الإسلام، وأسلم على أيديهما كثير من الناس أبرزهم سعد بن معاذ وأُسَيْد
بن حُضَيْر سيدا قومهما من بني عبد الأشهل وأسلم قومهما بعدهما.
عاد مصعب بن عمير إلى مكة قبيل موسم الحج وبشر النبي صلى الله عليه
وسلم بإسلام كثير من أهل يثرب. وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة
من النبوة اجتمع ثلاثة وسبعون شخصا من يثرب مع النبي صلى الله عليه
وسلم سرا وبايعوه على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وتعهدوا بنصرته وعرضوا عليه الإقامة في يثرب.
لكن بعضهم خشى أن يترك النبي يثرب بعد أن ينتشر دينه فيعود إلى مكة..
تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "أنا منكم وأنتم مني،
أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم "
قالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: (الجنة).
قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
واختار القوم اثنا عشر زعيما منهم يتعهدون بتنفيذ بنود البيعة ، وأذن
رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى يثرب.
وبدأ المسلمون يهاجرون رغم الأخطار التي تحيط بهم، وأخذ المشركون يتعقبون
المسلمين لمنعهم من الهجرة وصبوا غضبهم عليهم وكان أبوسلمة أول المهاجرين
إلى يثرب لكن المشركين فرقوا بينه وبين زوجته وابنه ومنعوهما من الهجرة
معه.
تحدى المسلمون عناد قريش وفروا بدينهم من مكة ولم يبق بمكة من المسلمين
إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي وبعض الصحابة الذين
حبسهم المشركون.
مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ينتظر إذن الله إليه بالهجرة
وقد أعد راحلته وكذلك أبو بكرالصديق وعلي بن أبي طالب والذين استبقاهما
الرسول معه.
شعر المشركون بالخطر الرهيب الذي كان يهددهم فاجتمعوا في دار الندوة
بزعامة أبو جهل ابن هشام وجبير بن مُطْعِم وأبو سفيان بن حرب والنَّضْر
بن الحارث وأمية بن خَلَف.
ودخل عليهم إبليس متنكرا في هيئة شيخ عجوز فسألوه: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون،
وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا. قالوا: أجل، فادخل.. فدخل معهم.
وبحث الجميع الخطر الداهم الذي سيقضي عليهم وفكروا في وسيلة للقضاء
عليه فقال أحدهم: نخرج محمدا من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا
نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع.
قال إبليس: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة
منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك
ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه
ـ حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا
غير هذا.
قال آخر: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما
أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن
مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم.
قال إبليس: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه ـ كما تقولون
ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا
أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على
أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.
قال أبو جهل: والله إن لى فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا قويا، ثم نعطي كل واحد
منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه،
فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم
يقدر بنو عبدمناف على حرب قومهم جميعًا.
قال إبليس: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره.
وأجمع زعماء الشرك على تنفيذ هذا الاقتراح الآثم في جنح الليل.
نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمؤامرة
قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج فقال له: لا تبت هذه الليلة
على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وقال له:
" قد أذن لي في الخروج".
فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته وأمر علي بن أبي طالب أن ينام
في فراشه هذه الليلة ويلتحف بغطائه وطمأنه أنه لن يصيبه أذى وأخبره
أنه لم يتركه في مكة إلا لأداء الأمانات التي كان يحفظها المشركون
عنده صلى الله عليه وسلم.
وأقبل الليل بظلامه المعتم ووقف المشركون أمام بيت النبي صلى الله
عليه وسلم يتحينون لحظة خروجه للصلاة فينقضوا عليه.
وحانت لحظة الخروج.. فتح النبي صلى الله عليه وسلم باب بيته فرأى أجساما
واقفة وبأيديها سيوف لامعة لكنها كانت عمياء لا تبصر.. لقد أعماهم
الله عن رؤية نبيه فخرج آمنا واخترق صفوفهم ووضع ترابا على رؤوسهم
وهو يتلو: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ
خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ). ذهب
النبي إلى أبي بكر وانطلقا معا في ظلمة الليل الدامس.
رد الله للمشركين أبصارهم فظنوا أن محمدا لم يخرج بعد لولا أن مر بهم
رجل فسألهم:
ما تنتظرون؟
قالوا: محمدًا.
قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر ـ وضع ـ على رؤوسكم التراب،
وانطلق لحاجته.
قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم.
نظر القوم من ثقب الباب فرأوا عليًا، فقالوا: والله إن هذا لمحمد
نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. وقام علىٌّ من الفراش.
واصل النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه الصديق سيرهما وقد اختارا طريقا
مخالفا لطريق المدينة المعروف تضليلا لقريش حتى لا تتعقبهما .
وصل النبي وصاحبه إلى جبل ثَوْر فصعداه ولما وصلا إلى الغار الموجود
أعلاه قال أبو بكر:
والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك.
دخل أبوبكر الغار واستكشفه فوجد في جانبه جحرا فشق إزاره وسده به،
ووجد جحران آخران فسدهما برجليه، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
ادخل.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يرتاح من تعب السفر فوضع
رأسه في حجر أبي بكر ونام، وأقبلت حية فلدغت الصديق لكنه لم يتحرك
حتى لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفلتت دموعه من الألم
فسقطت على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما لك
يا أبا بكر؟"
قال: لدغت، فداك أبي وأمي.
وضع النبي صلى الله عليه وسلم ريقه الطاهر على الجرح فشفي بإذن الله.
مكث النبي وصاحبه في الغار ثلاث ليال وكانت أسماء بنت أبي بكر تحضر
لهما الطعام وكان عبدالله بن أبي بكر يبيت معهما ثم يعود إلى مكة فيتسمع
الأخبار عنهما ويبلغهما حتى يأخذا حذرهما وكان عامر بن فهيرة يسير
بغنمه خلف عبدالله بن أبي بكر حتى يمسح آثار أقدامه فلا يتتبعه المشركون
الذين جن جنونهم فجرى أبو جهل وطرق باب أبي بكر ولطم وجه ابنته أسماء
من الغيظ الشديد.
ورصد زعماء قريش مائة ناقة مكافأة لمن يعيد محمد وصاحبه إليهم.. انطلق
كثير من الكفار في جميع الطرق المؤدية للمدينة وتوقفهم بعضهم أمام
غار ثور فقال أبو بكر الصديق:
يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين
الله ثالثهما".
وصرف الله أعين المشركين عن النبي وصاحبه فقفلوا عائدين بعد أن كانوا
بجوارهم.
غادر النبي وصاحبه الغار واستأنفا رحلة الهجرة واستأجرا رجلا مشركا
هو عبدالله بن أريقط كي يدلهم على الطريق إلى يثرب وسار معهم عامر
بن فهيرة وسلكوا طريقا وعرا غير مألوف.
ومر النبي وصاحبه بخيمة سيدة عجوز تدعى أم مَعْبَد الخزاعية وكانت
عندها شاة نحيفة لا تدر لبنا فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده
ضرعها، وسمى الله ودعا، وحلب الشاة النحيفة فامتلأ الإناء باللبن..
سقى النبي أم معبد، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب،
وحلب الشاة مرة ثانية، حتى ملأ الإناء، وتركه للعجوز وارتحلوا.
وفي تلك الأثناء كان سراقة بن مالك ينهب الصحراء بحثا عن الرسول وصاحبه
وما كاد يقترب منهما حتى عثرت فرسه فسقط على الأرض.. قام سراقة وركب
فرسه وتقدم نحو النبي وصاحبه فعثرت فرسه وغاصت أقدامها في الرمال وعندئذ
أيقن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فعاد إلى مكة نادما.
وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول من العام الأول من الهجرة نزل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ببلدة قباء وخرج المسلمون لاستقباله وهم يكبرون
فرحا بوصوله.
أقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام أسس فيها مسجد قباء
وصلى فيه وهو أول مسجد في الإسلام، وفي اليوم الخامس توجه النبي وأصحابه
إلى المدينة المنورة واستقبله أهلها بالفرح والهتاف وأنشدوا:
طـلـع الـبــدر علـينا مـن ثـنيــات الـوداع
وجـب الشـكـر علـينا مـــا دعــا لـلـه داع
أيـهـا المبـعـوث فـينا جـئـت بـالأمـر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع .
وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى بني
مسجده وبيته فانتقل إليه ووضع نواة الدولة الإسلامية العظيمة من المدينة
بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار والأوس والخزرج ثم تفرغ لنشر الدين
الإسلامي في كافة ربوع الأرض.
قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) صدق الله العظيم.
أعلى
سر نجاح الهجرة النبوية
لقد حفظ الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه
وسلم: من كيد أعدائه عندما اجتمعوا في دار الندوة, وأجمعوا على قتله,
وهنا ينزل قول الله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك
أو يخرجوك ويمكرون, ويمكر الله والله خير الماكرين) وهنا كان الأمر
من الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة المنورة, حيث هناك أرض خصبة
للدعوة, وهناك الأنصار ينتظرون رسول الله بكل حب واشتياق, ولم تكن
هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هروباً من المواجهة وفراراً من
الجهاد, ولكنها كانت في الحقيقة فتحاً ونصراً وعزاً وتمكيناً للدعوة
إلى الله تعالى. وبرغم ما بذلته قريش في منع نور الله تعالى أن ينتشر
لكن كل هذه المحاولات فشلت, وانتشر نور الله في كل أرجاء الجزيرة العربية,
لقد أذن رسول الله لأصحابه الكرام بالهجرة إلى المدينة وبقي هو بعض
الوقت في مكة حتى يأذن له ربه العلي العظيم, وأبقى معه أبو بكر الصديق,
وعلي بن أبي طالب لأن كل منهما له مهمة يقوم بها, وكل هذا بتدبير الله
تعالى.
ومن أسرار نجاح الهجرة أيضاً: استعمال السرية في تنظيم الخروج من مكة
وعندما اتفقت قريش على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم, جاء الأمر من
الله تعالى. لا تبت الليلة في فراشك فلما كان الليل أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم علياً كرم الله وجهه, أن يبيت مكانه على فراشه,
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الذين اجتمعوا لقتله, وقد
جعل الله على بصرهم غشاوة وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه, قد أعد
الراحلتين للسفر, وخرج رسول الله مع أبي بكر من باب صغير, في ظهر بيت
أبي بكر, ثم ذهبا سوياً إلى غار بجبل ثور فدخلاه وبقيا فيه ثلاث ليال,
وكان التنظيم في أعلى صوره هو السائد في هذه الرحلة, حيث كان هناك
تنظيم للمهمات لكل فرد من أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه, فكان
عبدالله بن أبي بكر يتسمع الأخبار في مكة طوال النهار, ثم يذهب فيخبر
بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل, وكانت أسماء بنت أبي بكر
رضي الله عنها تأتيهما بالطعام كل مساء, وكان عامر بن فهيرة مولى أبي
بكر يرعى غنم أبي بكر طوال النهار فإذا جاء المساء يريحها عليهما فيحلبان
منها ويمر بالأغنام صباح ومساء, لكي يزيل أثر الأقدام حتى لا يقتفي
أثرهما أحد, وبعد مضي ثلاث ليال, وبعد أن هدأ الناس, ويأسوا من العثور
عليهما, بدأ رسول الله مع صاحبه الرحلة إلى يثرب أو المدينة المنورة
كما يُطلق عليها الآن, وقد كلل الله تعالى جهود رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالنجاح والتوفيق, ووصل إلى يثرب بأمان ومن هناك بدأت الدعوة
في الانتشار وأعز الله فيه الإسلام, وكان سر النجاح: أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعد لكل شيء عدته, وضحى هو وكل أصحابه بكل شيء
فداءً لعقيدتهم فلما فعلوا ذلك جاءهم المدد والعون من الله تعالى,
وفشلت مخططات الأعداء وكان لا بد أن تفشل, لأن الله تعالى دائماً يكون
مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهكذا فإن النجاح يأتي دائماً بعد
أن يقدم البشر, ما في طاقاتهم ويبذلوا ما في وسعهم رغبة فيما عند الله
تعالى ونتيجة كل ذلك الفوز برضاء الله تعالى.
أخي المسلم: نتعلم من الهجرة النبوية عندما نقرأها, نتعلم الكثير والكثير,
مثلا: نتعلم الأمانة, ولا بد من أن نعطيها لمن يأتمننا عليه, وهذا
ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع من كان له عنده أمانات من قريش,
حيث استبقى علياً ليرد هذه الأمانات, ثم يلحق بهم بعد ذلك, أيضاً من
الهجرة نتعلم حب رسول الله صلى الذي أظهره أبو بكر الصديق, رضي الله
عنه, حيث أنفق أبو بكر كل ماله ولم يبق شيئاً لأولاده, ولما سُئل:
قال أبقيت لأولادي الله ورسوله, وهذا من كمال الإيمان وقوة العقيدة,
التي نريد لكل مسلم أن يتخلق بها, ويجعلها نُصب عينيه, لكي يفوز في
الدنيا والآخرة. ونستفيد من الهجرة وذكراها العطرة أيضاً: أهمية المسجد
في حياة كل مسلم ومسلمة, حيث كان أول عمل قام به رسول الله صلى الله
عليه وسلم, بعد وصوله إلى المدينة المنورة, قام ببناء المسجد ومن هذا
المسجد تخرًج رجال, وأبطال عظام على أيديهم انتشر الإسلام في كل بقاع
الأرض, لقد تعلم الصحابة الكرام من رسول الله في المسجد. تعلموا الرجولة,
ومكارم الأخلاق, وحب التضحية, وحب الإسلام عامة, وقبل كل ذلك تعلموا
حب الله ورسوله, إن في الهجرة دروس وعبر كثيرة, ليتنا نقرأ التاريخ
الإسلامي من منابعه الأصيلة, حتى نصل بأنفسنا وبأهلنا إلى بر الأمان,
فما أحوج المسلمين اليوم إلى الرجوع إلى كتاب الله تعالى, وسنة الحبيب
محمد صلى الله عليه وسلم, وكذلك نريد أن نغرس في قلوب أطفالنا, حب
الذهاب إلى المسجد والتعلق بحب الصلاة في جماعة, فهذا له أفضل الأثر
في قلوب الأطفال, ندعوا الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً إلى التمسك
بكتاب الله وسنة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم اللهم آمين وآخر دعوانا
أن الحمد لله رب العالمين ...
إبراهيم السيد العربي
أعلى
زيارة المدينة المنورة
قال عليه الصلاة والسلام :"لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".
فمن السنة شد الرحال إلى مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لقصد
الصلاة فيه والتسليم على النبي المصطفى، إذ يقول عليه السلام:"
من زارني ميتا كمن زارني حيا". والحج والعمرة يتمان بلا زيارة
قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن في زيارته فضل عظيم، ينبغي الحرص
على نيله.
عند دخول المدينة المنورة
الاغتسال إن أمكن قبل دخول المدينة.
الصلاة ركعتين في مسجد ذي الحليفة، فإن حضرت صلاة الفرض صلاها وتكفيه.
على المسلم أن يكثر من الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى
إذا قرب من المدينة المنورة ورأى بيوتها فليقل :"أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (ماكان لأهل المدينة ومن حولهم
من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولايرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك
بأنه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا
يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله
لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون
واديا إلا كتب لهم وليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). اللهم إن
هذه بلدتك التي اخترتها لرسولك في حياته مأوى، وجعلتها له من بعد حياته
مثوى، وقد جئت إليها لزيارته طالبا لرضاك عني، أنت ربي فأعطني مرادي،
ووفقني لسداد رأيي، وأشرح لي صدري ويسر لي أمري، وأحلل عقدة من لسان
سري، وأعني على أداء واجب حق زيارته، وتقبلها مني".
وإذا أراد دخول المدينة فليقل: "بسم الله وفي سبيل الله، وعلى
ملة رسول الله، اللهم وفقني لما تحب وترضى، وعافني في الآخرة والأولى،
ياكريم، ياعظيم، يامنان".
إذا دخلها فليقل: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو
عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)
عند توجهك إلى المسجد الحرام أكثر من الصلاة على الحبيب المصطفى صلى
الله عليه وسلم.
عندما تأتي إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم تستقبل القبر وتقول:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا
صفوة خلق الله، السلام عليك محمد بن عبدالله، أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أنك رسول الله، بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت
الغمة، وجزاك الله عنا وعن جميع أمتك خير ما جزى نبيا عن أمته.
ثم تتأخر قليلا وتسلم على أبي بكر قائلا: السلام عليك يا خليفة رسول
الله، السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار، السلام عليك يا
أبا بكر، السلام عليك يا صديق، السلام عليك يا عتيق، السلام عليك ورحمة
الله وبركاته، جزاك الله عن رسوله ودينه وأمة رسوله خير ما يجزي به
عباده الصالحين.
ثم تتأخر قليلا وتسلم على عمر رضي الله عنه قائلا: السلام عليك يا
أمير المؤمنين، السلام عليك يا عمر بن الخطاب، السلام عليك يا حليف
المحراب، السلام عليك يا شديد الغار في ذات الله، جزاك الله عن رسوله
ودينه وأمة رسوله خير ما يجزي به عباده الصالحين.
مصطفى بن ناصر الناعبي
أعلى
(دور المرأة المسلمة
في الهجرة)
الهجرة النبوية الشريفة تحمل في ثناياها أمجادا
خالدة لأمتنا بمناسبة قيام دولة مسلمة على الأرض وهذه الهجرة اختارها
الصحابة لتكون رمزا لتاريخنا، لأنه بتحقيقها وجد الكيان الإسلامي والدولة
المسلمة، وهذا التاريخ الهجري تم اختياره في خلافة عمر بن الخطاب ففي
السنة الثالثة او الرابعة من خلافته كتب إليه أبو موسى الأشعري: انه
تأتينا منك كتب (رسائل) ليس لها تاريخ.. فجمع عمر بن الخطاب الصحابة
فاستشارهم فبعضهم قال: ارّخوا كما تؤرخ الفرس بملوكها كلما هلك ملك
أرخوّا بولاية من بعده، بتاريخ الروم فكرهوا ذلك أيضا. فقال بعضهم:
أرخوّا بمولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال آخرون من بعثته وقال
آخرون من هجرته، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرّخوا بها
واتفقوا على ذلك ثم تشاوروا من أي شهر يكون ابتداء السنة، قال بعضهم
من رمضان الذي قدم فيه النبي مهاجرا لكن عمر وعلي اختاروا من شهر محرم
لماذا؟
لأنه الشهر الذي يؤدي فيه المسلمون حجهم والذي به تمام؟ أركان دينهم
(من شهادة وصلاة وصيام ـ وزكاة وحج) كما كانت فيه بيعة الانصار للنبي
والعزيمة على الهجرة، ولسنا هنا في مجال استعراض الأحداث بل اننا سنتناول
الموضوع من زاوية واحدة وهي دور المرأة والفتاة المسلمة في الهجرة.
فقد سجل التاريخ لنا مواقف عظيمة للمرأة من
بينها:
إن أول من اخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر دار الندوة وانهم
اجتمعوا على قتل الرسول وتفرقة دمه بين القبائل من بطون قريش هي امرأة
وهي رقية بنت صيفي بن هاشم.
كان أول سباق إلى المدينة مهاجرا ركب صغير مكون من رجل وامرأة وطفل
هم أبو سلمة وزوجته أم سلمة وابنها سلمة فقد خرجت مع زوجها للهجرة،
لكن أهله وأهلها الحاقدين على الإسلام أخذوها عنوة من زوجها، هي وابنها
الرضيع وبدأت معاناتها ببعدها عن زوجها ومما زاد الأمر سوءا أن أهل
زوجها اخذوا عنها الطفل الرضيع، فقد خرجت المرأة المسلمة بلا زوج ولا
ولد وأمست كل أيامها بكاء وحزنا وألما ومر عليها عام وهي على هذه الحال..
فأشفق عليها أحد اقاربها فتركوها ترحل لزوجها بعد ان ردوا لها ابنها
وحيدة في تلك المسافات في المظلمة وفي الوحشة انيسها رب العالمين فأرسل
الله لها من يدلها الطريق ووصلت إلى زوجها، ما الذي يدفعها الى ذلك!؟
إنها العقيدة.
لقد اعلن النبي (صلى الله عليه وسلم) عزمه على الهجرة أمام أسماء وعائشة
بنات سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ترى أي ثقة هذه بالفتاة المسلمة
وأي إكبار هذا ويكفيها شرفا هذه الثقة العالية مما يدل على ان النبي
يعلن انها أهلا لتحمل المسؤولية وأهلا للكتمان وأهلا للمشاركة في اصعب
المواقف.
دور اسماء بنت ابي بكر فهي جزء من عملية الهجرة فقد كان دورها دور
ضابط التموين وكان عليها ان تقطع المسافات لتوصل الزاد لرسول الله
(صلى الله عليه وسلم) وصاحبه أبي بكر. ولقد واجهت اسماء 3 ازمات ولكنها
استطاعت ان تجد لها حلا وتتخلص منها.
اما الازمة الأولى: أنها لم تجد ما تجمع به زادها فهداها ذكاؤها الى
ان شقت نطاقها نصفين وربطت الطعام بإحدهما.
لله درها هل كانت تعلم وهي تشق النطاق أن هذا سيغدو علما عليها أبد
الدهر: ذات النطاقين؟!
والأزمة الثانية: يوم طرق عليها الباب بعنف ففتحته ففوجئت بفرعون الأمة
ابي جهل يسأل عن ابيها متجهم الوجه. والذي يمكن لأكبر رجال قريش ان
ينهاروا امام هذا الموقف خوفا منه لكن اسماء لم تنهار وأجابت بصلابة
وثبات كالطود قائلة: لا ادري. فصفعها ابو جهل صفعة اطارت قرطها من
أذنها فبقيت كرزانة الجبال بينما مضى هو يأكل قلبه من الغيظ.
والأزمة الثالثة: يوم ثار جدها أبو قحافة على ابنه أبي بكر لأنه اخذ
ماله كله وفي ذكاء نادر وعبقرية عجيبة جمعت كوما من الحصى وغطته بثوب
وقادت جدها الأعمى ليتحسس الحصى على انه مال وجوهر فهدأت ثائرته وكف
عن الكلام.
وبذلك أثبتت اسماء ان المرأة أهل للمسؤولية والثقة ولو كانت في الصبا
وريعان الشباب ورغم قلة الخبرة.
وقد جنت اسماء من ثمار الهجرة فأسماء تزوجها الزبير بن العوام حواري
الرسول (صلى الله عليه وسلم) واصبحت فيما بعد أما لعبدالله بن الزبير.
فهذه بعض النماذج للفتاة المسلمة ودورها في الهجرة وانت أيتها الفتاة
المسلمة اليوم عليك ان تتخذي من هؤلاء الرائدات مثلا يحتذى.
فعليك ان تجاهدي على مقعد الدرس تنهلين العلم والمعرفة لتكوني فيما
بعد مربية للأجيال وصانعة للأبطال وان تكون هجرتك في هجرة ما نهى الله
عنه.
ومن الدروس التي ينبغي أن تستفيدها من الهجرة:
التخطيط والتنظيم في حياتك فخططي لعامك الجديد
اهدافا واسع إلى تحقيقها ولا تجعلي امورك عشوائية.
ان تكوني على يقين بأن النصر للاسلام والمسلمين وخير شاهد على ذلك
من حادثة الهجرة قصة سراقة بن مالك الذي اراد قتل النبي (صلى الله
عليه وسلم) فقال له الرسول ارجع فلك أساور كسرى!. فالرسول عنده يقين
بان الله سيفتح عليه ممالك الفرس والروم, وحتى قبل ذلك حيث قال أبو
بكر (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)
ان نعتز بتاريخنا الهجري فهو أساس حياتنا وهو الذي يبرز شخصيتنا الاسلامية
فهو ميقات لعباداتنا. فالصوم في شهر رمضان والحج (شوال ـ ذي العقدة
ـ ذي الحجة) والزكاة إذا حال الحول عليها بالسنة القمرية.
حتى الفناة فبلوغها بنهاية السنة التاسعة في الاشهر البحرية وهكذا
وليس احتفالنا معناه فقط بسبب كونه أجازة او نقيم حفلات فقط.. لا بل
علينا ان نحاسب انفسنا على عام مضى.. ماذا حققنا فيه.. وعام سيأتي
ماذا أعددنا له.
وأردت ان انبه على موضوع وهو لنحذر من ان نبدأ عامنا الهجري الجديد
بما يخالف ديننا وهي الاعياد المبتدعة مثل (عيد الحب) الفلنتاين وهو
اسم لشخص قتل وهو يدافع عن الحب ليس حبا شريفا بل محرما والناس تحتفل
الآن بهذا الحب وتعبر عن ذلك باللون الأحمر وللأسف، المسلمات يقلدن
دون وعي وهذا التقليد خطر ومن تشبه يقوم كان منهم حتى ولو كان شيئا
بسيطا.. فالأولى ان تتشبهي بالصالحات ولك في السيرة النبوية اسوة حسنة.
يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (من صام يوم عاشوراء كان كفارة
لستين شهرا أو عتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام).
فصيامه مستحب وإذا وافق يوم عاشوراء يوم الجمعة فلا بأس بصيامه منفردا
والأفضل أن يسبق بيوم أو يتبع بيوم. ويستحب صيام يوم التاسع من المحرم.
فقد رغب النبي في صيامه حيث قال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع
والعاشر)
وصيام عاشوراء على مراتب هي:
1 ـ ادناها أن يصام وحده
2 ـ وفوق ذلك ان يصام التاسع معه
3 ـ وأعلاها ان يصام التاسع والحادي عشر معه
إعداد : عبير بنت سعيد الخصيبي
واعظة بقسم الإرشاد السنوي
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
أعلى
وفي الختام كلمة
تمر الشهور بعد الشهور والأعوام بعد الأعوام
ونحن في سبات غافلون ومهما عشنا فإلى الثمانين أو التسعين، هب أن أحدنا
عاش المائة أو المائتين فما أقصرها من مدة وما أقله من عمر، قيل لنوح
عليه السلام وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الإيمان
كيف رأيت هذه الدنيا قال: كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر،
فعلينا أن نتقي الله تعالى ونعتبر بما نرى ونسمع فإن الدنيا مرحلة
نقطعها إلى الدار الآخرة وكل يوم يمر بنا فإنه يبعدنا عن الدنيا ويقربنا
من الآخرة فطوبى لعبد اغتنم أيامه بما يقربه إلى الله تعالى وطوبى
لعبد شغل لياليه بالطاعات واتعظ بمن فات.
قبل أيام طوى سجل هذا العام وختم فيه العمل فهنيئا لمن أحسن فيه واستقام
وويل لمن أساء وارتكب الإجرام، فهلم نتساءل عن هذا العام كيف قضيناه
ولنبحث في كتاب أعمالنا كيف أمليناه فإن كان خيرا حمدنا الله وشكرناه
وإن كان شرا تبنا إلى الله واستغفرناه، كم من شخص يتمنى تمام شهره
وهو يعلم أن ذلك ينقص من عمره ، وأنها مراحل يقطعها من سفره، وصفحات
يطويها من دفتره، وخطوات يمشيها إلى قبره، فهل يفرح بذلك إلا من استعد
للقدوم على ربه بامتثال أمره.
القارئ الكريم ألم تر هذه الشمس كل يوم تطلع وتغرب ففي طلوعها ثم غروبها
إيذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما هي طلوع ثم غروب ألم تر
هذه الأعوام تتجدد عاما بعد عام فنحن نودع عاما شهيدا علينا ونستقبل
عاما جديدا مقبلا إلينا فبماذا نودع العام الماضي ونستقبل العام الجديد.
فليقف كل منا مع نفسه محاسبا ماذا أسلفت في العام الماضي فإن كان خيرا
ازداد وإن كان غير ذلك أقلع وأناب فإنما تمحى السيئة بالحسنة قال صلى
الله تعالى عليه وسلم (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) ليحاسب كل منا نفسه
عن فرائض الإسلام وأدائها، وعن حقوق العباد والتخلص منها، وعن أمواله
التي جمعها من أين جاءت وكيف أنفقها .
أيها القراء الكرام، كبارا وصغارا شيوخا وشبابا رجالا ونساءً ، حاسبوا
أنفسكم فأنتم اليوم أقدر على العلاج منكم غدا فإنكم لا تدرون ما
يأتي به الغد، حاسبوها في ختام عامكم وفي جميع أيامكم، فإنها خزائنكم
التي تحفظ لكم أعمالكم وعما قريب تفتح لكم فترون ما أودعتم فيها، روي
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال (أيها الناس إن لكم معالم
فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم وإن المؤمن
بين مخافتين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وأجل قد بقى لا يدري
ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن
الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت) وقال أبو بكر الصديق رضي
الله عنه في خطبته ( إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد غاب عنكم علمه
فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا)
وقال عمرو بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في خطبته ( أيها الناس حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وتأهبوا للعرض
الأكبر على الله تعالى ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) سورة الحاقة
آية 18 .
لنتذكر أيها القارئ الكريم بانقضاء العام انقضاء العمر، وبسرعة مرور
الأيام قرب الموت، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة، فكم مولود
ولد في هذا العام، وكم من حي مات فيه، وكم استغنى فيه من فقير، وافتقر
فيه من غني، وكم عز فيه من ذليل، وذل فيه من عزيز (قل اللهم مالك الملك
تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء
بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار
في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير
حساب) آل عمران 26 / 27.
على كل مسلم أن يراجع نفسه على أي شيء قبل أن تطوى صحائفه، فلعله لم
يبق من عمره إلا ساعات أو أيام فالموت يأتي فجأة لا يقف أمامه شاب
صحيح البدن معافى من الأمراض والهموم ولا ولد صغير ولا عروس يوم عرسها
ولا شيخ كبير ، فكم من صحيح مات لا من علة وكم من عليل عاش حينا من
الدهر وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قُبضت روحهما ليلة القدر.
يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل
هرمك ، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل
موتك) هكذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باغتنام هذه الخمس
قبل حلول أضدادها، ففي الشباب قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب،
ضعفت قوته وفترت عزيمته، وفي الصحة نشاط، فإذا مرض الإنسان، قل نشاطه
وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال، وفي الغنى راحة وفراغ، فإذا افتقر
الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه وعياله، وفي الحياة ميدان فسيح لصالح
الأعمال، فإذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم
ينتفع به أو ولد صالح يدعو له
فعلى المسلم أن يستقبل ما فات بالتوبة والاستغفار والإنابة ويستقبل
ما بقى بالعمل الصالح فإن الإقامة في هذه الدنيا محدودة والأيام معدودة
والأعمال مشهودة.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
|