مؤرخون يهود مبدعون .. وآخرون خانوا كتاباتهم !
د. فايز رشيد *
بالامس ، ابدع المؤرخ اليهودي ايلان بابيه في كتابه (التطهير العرقي
للفلسطينيين) ومن قبله ابدع المؤرخ اسرائيل شاحاك في مجموعة مؤلفاته
القيمة ، وكذلك المؤرخ اليهودي يعقوب رابكن ، الروسي الاصل ، الكندي
الجنسية في كتابه القيم (المناهضة اليهودية للصهيونية) ، وكذلك اليهودي
الاميركي نورمان فلنكشتاين في مؤلفه (كيف صنعنا الهولوكوست) ومن
قبلهم كثيرون من الكتاب اليهود الذين حملوا على عاتقهم فضح الحركة
الصهيونية ، باعتبارها خطرا على اليهود اكثر من كونها خطرا يهدد
الفلسطينيين والعرب وشعوب العالم والانسانية جمعاء . وبصدق نقول
ان قائمة هؤلاء طويلة ولا تتسع لها صفحات كثيرة .
اليوم ، كاتبان يهوديان جديدان ينضمان إلى القائمة :
الاول ، هو : اسرائيل شامير ، مؤلف كتاب (أزهار الجليل) ، والصادر
حديثا عن دار كنعان في دمشق ، ترجمة (ناصرة السعدون) والذي يلقي
الضوء (اضافة إلى حقائقه الكثيرة) على النهاية التي يتوقعها المؤرخ
لهذه الدولة:
الافتراضية ، اخذت تفقد بسرعة كل ما بقي لها من ارتباط بالواقع ،
فهي دولة للغزاة .. والتي لو صلبت آخر فلسطيني على كل الجلجلة ،
فلن تعود الحياة إليها ، دولة تسعى لأن تكون يهودية ، وبرغم انها
تبدو عملاقا نوويا ، لكنها تنهار ، فالبطالة تتصاعد ، وانهارت فيها
صناعة السياحة ، وصار الاسرائيليون يشترون شققا في فلوريدا وبراغ
في حين يتوسل اصحاب العقارات في اسرائيل ، المشترين هذا المؤرخ اختار
مثلما يقول (ان يكون فلسطينيا) !
الثاني ، هو المؤرخ اليهودي الالماني : دانيال تسيل بريشار ، الذي
ألقى محاضرة منذ اسبوعين في الاحتفال الذي نظمته : مجموعة عمل من
اجل السلام في الشرق الاوسط ، بمناسبة مرور 25 عاما على تشكيل منظمتها
، وذلك بالقرب من مدينة كولونيا .
افتتح المؤرخ محاضرته ، بالجملة التالية :
(عندما قامت الحركة الصهيونية بالتطهير العرقي للفلسطينيين ، قامت
في الوقت ذاته بتطهير الضمير الاسرائيلي ، لأنها تنفي قيامها بانتهاكاتها
لحقوق الفلسطينيين .. بل هي تحمل الضحية مسؤولية ما حدث) بريشار
هو يهودي ألماني ، من مواليد 1951 ، هاجر في عام 1976 إلى اسرائيل
، عمل اثناء خدمته في الجيش ، مرشدا ثقافيا للجنود والضباط كما ترأس
معهد (ليوبيك) للدراسات في القدس ، ونتيجة لعذاب ضميره ، قرر ترك
اسرائيل نهائيا ، فغادرها في عام 1986 ، ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن
يعيش في امستردام .
باللغة الالمانية ، اصدر في عام 2005 كتابه الجديد (غريب في الدولة
الصهيونية) وفيه يتطرق إلى الاضاليل الاسرائيلية ، ويعمل على كشفها
وفضحها ، وذلك منذ عام 1947 حتى وقت اصدار الكتاب يستغرب بريشار
من اولئك الذين يلومون الفلسطينيين ، على رفض قرار التقسيم في عام
1947 ، متسائلا : (كيف يقبل الفلسطينيون الموافقة على سرقة وطنهم
في ظل قرار يمنح اليهود معظم الاراضي الفلسطينية ، مع انهم بالكاد
كانوا يشكلون ثلث السكان ، موضحا ، انه في عام 1947 كانت الامم المتحدة
تتشكل من 56 دولة معظمها مسيحية ومتعاطفة مع اسرائيل (لأسباب انجيلية
، وتوراتية ، واستعمارية) مضيفا: بان الفلسطينيين كانوا ممثلين آنذاك
من خلال الباكستان ـ الدولة الضعيفة ، مبينا ان قرار التقسيم الذي
اصدرته الامم المتحدة ، كان متحيزا ومجحفا للغاية لذا فمن وجهة نظره
(فان المنظمة الدولية عندما اصدرت قرارها التقسيمي ، فانها كانت
تعلم ان الحرب ستندلع لا محالة ، ولذا فهي تخلت عن مبرر وجودها)
.
وفي المقابلة الصحفية ، التي اجراها مع بريشار ، الصحفي الفلسطيني:
حكم عبدالهادي ، بعد المحاضرة ، وفي اجابته عن السؤال الذي يتطرق
إلى انعكاسات ما يقوله وما يكتبه ، في الداخل الاسرائيلي يجيب المؤلف
: (بان الاغلبية الاسرائيلية لا تتقبل هذه الانتقادات ليست لانها
غارقة في الترويج لاساطير التضليل الايديولوجية الصهيونية فحسب ،
بل لأن مصالحها ايضا تقتضي ذلك ، فهذه الاغلبية تعيش على الاراضي
الفلسطينية المسلوبة ، وفي املاك الفلسطينيين ، لذا ليس من المنتظر
على المدى المنظور ، ان تعترف اسرائيل بالحقوق الفلسطينية) ، ولذلك
يؤكد المؤرخ الاسرائيلي على ان : اطروحات (السلام) الاسرائيلية تنطلق
ليس حبا في السلام وانما بهدف تجنب مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية
، وهو ما طرحه آلون في السبعينيات . لذا فان (الغول) الاسرائيلي
(يمينه ويساره) يصر على الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية والقدس الكبرى
التي تبلغ مساحتها عشرة اضعاف مساحة القدس الشرقية ، ويؤكد المحاضر
(بانه لا يرى حاليا اية فرصة لتحقيق السلام بين العرب واسرائيل)
يتطرق المؤلف في كتابه إلى (الحرص الصهيوني على استمرار اجراء عملية
مسح دماغ اليهود من خلال الاساطير المصطنعة على شاكلة : النفي المطلق
للتسبب في تشريد الفلسطينيين ، ومن ثم رفض الاعتراف بالتبعات السياسية
والمادية والاخلاقية لذلك ، والاستمرار في تبرير العدوانية والاستيطان
والتوسع والاحتلال ، مستغلة التأييد الاميركي لها ، لذا فهي مستمرة
بمصادرة الاراضي وانتهاك حقوق الفلسطينيين .
بالمقابل ، فان بعض المؤرخين الاسرائيليين ، تخلوا عما كتبوه في
السابق ، فكتاباتهم الجديدة ، وادعاءاتهم بالانتساب إلى ما يسمى
(باليسار الاسرائيلي) تفنده الوقائع ، ولعلني اسوق نموذجين على اصحاب
هذا الاتجاه :
المثال الاول : هو الكاتب والمؤرخ بني مورس ، الذي وباختصار شديد
خان كل ماضيه وكتاباته ، واقواله المسجلة في كتب صدرت له ! ففي مقابلة
معه نشرتها صحيفة هآرتس (الجمعة 9/1/2004) ، يقول : بان بن غوريون
ارتكب خطأ استراتيجيا كبيرا بعدم اتمام مهمة الترانسفير في عام 1948
، وهو يرى : استحالة اقامة دولة اسرائيل النقية دون طرد العرب (في
الخط الاخضر) من مدنهم وقراهم ! ويرى بان اقامة (الدولة اليهودية)
هي مهمة (اخلاقية) وهذه الاخيرة هي فوق قضية (العدالة) ! اما العرب
والمسلمون بالنسبة إليه ، فهم (بربريون) .. وحياة الفرد في الاسلام
ليست ذات قيمة كما هي في الغرب !
بني موريس يعيد إلى الاذهان مقولة المستشرق برنارد لويس عن (غياب
اية ديناميكية للتحول في المجتمعات العربية والاسلامية) بمعنى آخر
انه يعيد إنتاج نفس النظرة العنصرية للعرب والمسلمين .
للعلم ، فان بني موريس كان في فترة ماضية محسوبا على اليسار الاسرائيلي.
المثال الثاني : الكاتب (التقدمي) عاموس عوز ، المحسوب على حركة
(ميرتس) اليسارية .. ففي مقابلة معه نشرتها صحيفة يديعوت احرونوت
(الاحد 29/4/2007) ، ورغم محاولته الظهور بالجوهر التقدمي المعروف
عنه ، لكن وجهة نظرة تكتشف وبلا أدنى ذكاء ، ويظهر على حقيقته الفعلية
! فهو يرى (ان طلب اعادة اللاجئين الفلسطينيين يجب ان يرفض ، لأنه
إذا تحقق فستوجد هنا دولتان فلسطينيتان ولن تكون أي دولة للشعب اليهودي
.. لذلك فان حق العودة يلغي مبررات الدولة اليهودية والخطاب الذي
نهضت عليه) ! وفي اعتباره (ان القادة الفلسطينيين والذين هاجروا
هم المذنبون .. فهم قد هربوا من بيوتهم مذعورين) , ويعتبر ان حرب
عام 1948 (كانت حربا شاملة : حيا ازاء حي ، وبيتا ازاء بيت ، وقرية
ازاء قرية) ! أي انه وباختصار ينكر أي مسؤولية لاسرائيل في تهجير
الفلسطينيين في عام 1948 !
لكن ، هذا لا يعني بالضرورة الانتقاص من قيمة كتابات بعض المؤرخين
اليهود الذين يفضحون الصهيونية .. لذا فعلينا متابعة هؤلاء واولئك
بدقة كبيرة .
نطرح مثل هذا الموضوع لهدفين :
الاول : الرد على كل اولئك المثقفين والكتاب والسياسيين العرب ،
الذين يتعاملون مع اليهود ككتلة واحدة نمطية بعيدا عن التفريق بين
بعضهم والبعض الآخر ، وبعيدا عن التفريق بين اليهودية وبين الصهيونية
.
الثاني : لتوضيح الصورة لأولئك الذي يلومون القيادة الفلسطينية على
رفضها لقرار التقسيم في عام 1947 ، ففلسطين لا تقبل القسمة على اثنين
، وفي الوقت الذي يقول فيه عشرات بل مئات الآلاف من اليهود باستحالة
اقامة السلام مع الدولة الصهيونية يؤمن بعض الفلسطينيين والعرب بامكانية
ومشروعية التعايش مع اسرائيل .
* كاتب فلسطيني
روسيا بعد بوتين:
البوتينية ستبقى سائدة بعد انتخابات 2008 الرئاسية
التغير قد يحدث بعد عام 2012
إعداد ـ محمد نجيب السعد
كيف ستبدو روسيا بعد انتهاء ولاية بوتين الثانية في العادم القادم؟
البعض يتحدث عن مواصلة روسيا نهجها الحالي (حكومة قوية وعلاقات متأزمة
مع الغرب) وآخرون يتوقعون مسيرة جديدة لروسيا. بوتين قاد الحزب الحاكم
لفوز ساحق وبشر بخليفته التالي ديمتري ميدفيديف واعلن قبوله بمنصب
رئيس الوزراء في الحكم الجديد وهي تحركات يراها بعض المحللين محاولة
لبوتين للبقاء في السلطة من خلال نقل بريق الكرملين الى مكتب رئيس
الوزراء بيت موسكو الابيض، المبنى الذي يعود الى ايام الاتحاد السوفيتي
والذي ضربه بوريس يلستين (الرئيس السابق) بالدبابات إبان التمرد
الذي اعلنه بعض اعضاء البرلمان في عام 1993.
ان اختيار بوتين لخليفته ربما اسكت ولو لفترة قصيرة حربا نشبت بين
رجال حاشيته اندلعت بعد سلسلة اعتقالات لضباط كبار وتراشق التهم
علانية بين بعض رجال بوتين المؤثرين، خاصة الذين عملوا معه في الكي
جي بي . حيث اعتقل الجنرال الكسندر بولبوف وهو الساعد الايمن لفيكتور
تشيركيسوف مدير وكالة مكافحة المخدرات والمقرب من بوتين من قبل ادارة
الامن الفيدرالية (وهي خليفة الكي جي بي) مما دفع تشيركيسوف الى
اتهام زملائه السابقين في الكي جي بي بشنهم حربا عليه سيأتي شررها
على الحكومة وعلى الاستقرار في روسيا. ويعتقد بعض الخبراء ان الاعتقال
جاء على خلفية الصراعات بين بطانة بوتين خاصة تشيركيسوف وايغور سيشين
نائب رئيس موظفي الكرملين والذي يرأس ايضا شركة روسنفت النفطية العملاقة.
وقال اندريه ايلارينوف مستشار بوتين السابق للشئون الاقتصادية ان
هذه الصراعات شبيهة بقتال شيوخ القبائل وانها ستضر كثيرا بالاستقرار
والامن في روسيا . لانها تضعف الادارات المسئولة عن فرض القانون
والامن. وقال تشيركيسوف في مقالة له في صحيفة الكومرسانت اليومية
ان الاعتقالات الاخيرة تشير الى صراع قوي بين الادارات الخاصة واضاف
دون ان يشير الى اسماء ان هذا الصراع لن يكون فيه رابح أبدا. جاء
اعتقال بولبوف لاتهامه بالتنصت على الهواتف بالرغم من ان الجهاز
الذي يعمل فيه وهو مكافحة المخدرات هو من اجهزة الامن الفيدرالية
وهي مخولة بالتنصت على الهواتف لانه يتعبر جزءا من التحقيقات. البعض
يعتقد ان بولبوف تنصت على احاديث جرت بين سيشين وحليفه فلاديمير
اوستينوف وهي احاديث اغضبت بوتين فنحى الاخير من منصبه (المدعي العام).
المهم ان مجموعة قوية من صقور الكرملين لها علاقات وطيدة بالجيش
والمخابرات لم تبد رأيها باختيار بوتين لولي عهده الا انه يشكل تهديدا
كبيرا لمصالحهم بسبب تطلعاته الليبرالية المعتدلة.
الا ان بعض المحللين يقولون ان هناك سؤالا اكثر اهمية لا يرتبط بخليفة
بوتين انما بالنظام السياسي الذي سيأتي يومها، خاصة وان بوتين جاء
بالاختيار (اي ولاه يلتسين) الا انه انتهج طريقا متشددا مختلفا فور
دخوله الكرملين وهم (اي المحللون) يتحدثون تحديدا عما اسموه بالبوتينية
(نسبة الى بوتين) التي امضى بوتين ثماني سنوات في وضع اسسها وتدعيمها
والتي ستبقى كنظام سياسي وفكري حتى بعد ترك الرئيس منصبه.
ويضيف هؤلاء المحللون ان بوتين يفعل كل ما يستطيع لضمان ذلك. يقول
الكسندر راهر وهو خبير في الشئون الروسية في المركز الالماني للعلاقات
الخارجية ان احدى اهم اسبقيات بوتين هي اختيار الخليفة المناسب (وقد
فعل ذلك) من ضمان بقاء البوتينية بعد الانتخابات الرئاسية التي ستجري
في مارس 2008 ويضيف راهر ان ما فعله بوتين في السنتين الماضيتين
هو وضع الحواجز حول النهج الذي سيسلكه خليفته بحيث ان الاخير لن
يستطيع الابتعاد يمينا او يسارا عن طريق بوتين . لكن ماهي البوتينية؟.
منذ وصول الرئيس بوتين الى الكرملين في عام 2000 وهو يطبق نظاما
اطلق عليه الديمقراطية المقننة او الديمقراطية السيادية وهذا النظام
تميز بإدارة قوية غير مسئولة واجهزة قضائية وتشريعية خاضعة لسلطة
الرئيس وانتخابات مقننة معروفة النتائج مع وجود ما يعرف بالسلطة
الرأسية حيث تتبع جميع السلطات المحلية والاقليمية الكرملين وتعرضت
مؤسسات المجتمع المدني الى الضعف وشددت الدولة الخناق على الحريات
العامة وعلى وسائل الاعلام ونجح بوتين في اشاعة الاستقرار على الاقتصاد
الروسي من خلال السيطرة على السياسة الاقتصادية. اما على صعيد السياسية
الخارجية فتبنت البوتينية سياسة هجومية على الصعيد الدولي من خلال
استخدام الطاقة كسلاح لولوج الساحة الدولية ، خاصة مع جمهوريات الاتحاد
السوفيتي السابق. يقول بوتين ورجال حاشيته ان هذا النظام ضروري جدا
للحفاظ على سيادة روسيا ضد قوى العولمة وانتشار الليبرالية التي
يعتبرونها مصدرا للفوضى. يريد بوتين لإرثه السياسي والفكري ان يستمر
ذلك فهو جاد في ان ينتقل هذا الإرث كاملا الى القيادة الجديدة، وهذا
لا يعني الخليفة المناسب فقط وانما ضمان بقاء حاشية بوتين الحالية
والتي يسميها الرئيس الروسي بفريق سانت بطرسبرغ بقائها في اماكنها.
ان السلطة في روسيا اليوم تتركز بايدي اصدقاء بوتين الذين عملوا
معه في المخابرات السوفيتية (الكي جي بي). وعدد هؤلاء كثير ومن بينهم
ايغور سيشين وفيكتور ايفانوف وسيرجي ايفانوف (النائب الاول لرئيس
الوزراء) ونيكولاي باتروشيف (رئيس جهاز الامن الفيدرالي). وتسيطر
هذه المجموعة التي تسمى باللغة الروسية الدارجة (السيلوفيكي) وتعني
ضباط المخابرات السابقين تسيطر على كبرى المؤسسات الاقتصادية حيث
ان سيشين كما قلنا يترأس شركة روسنفت النفطية وسيرجي ايفانوف شركة
بناء الطائرات وفيكتور ايفانوف الخطوط الجوية الروسية (ايرفلوت)
وآلماز آنتي وهي شركة لانتاج الصواريخ .
يقول اندريه ريابوف المحلل السياسي في مركز كارينجي الروسي ان هؤلاء
المسئولين وآخرين مثلهم سيحافظون على مواقعهم وعلى ولائهم للبوتينية
حتى بعد مغادرة بوتين . واضاف ريابوف ان الصفوة ستبقى في مكانها
ربما قد يحدث تبادل في المواقع، الا انها ستمسك بالسلطة بقوة.
وحتى يضمن بوتين عدم خروج الرئيس الجديد عن النهج سعى بوتين الى
فرض شكل من اشكال القيادة الجماعية وهي لا تختلف كثيرا عن المكتب
السياسي للحزب الشيوعي الذي كان يقود الاتحاد السوفيتي. وقال الكسندر
راهر ان القيادة الجماعية (مثل تلك التي اعقبت موت ستالين) ستكون
موجودة بعد تنحي بوتين. سيحاول الاخير فرض رئيس للدولة وسيطوقه بقيادة
جماعية ويقول ريابوف ان نجاح البوتينية واستمرارها أمر صعب الحديث
عنه. من المتوقع ان ينجح النظام بشكل كامل لمدة سنتين تقريبا حيث
سيفرض اسبقياته واساليبه في الحوار والدعاية، الا ان التغيرات ستبدأ
بالظهور مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي التالي. ويتحدث المحللون عن
بعض العوامل مثل البنى التحتية المهترئة والاقتصاد الذي يعتمد على
صادرات الطاقة من النفط والغاز وضبابية قوانين الملكية والازمة السكانية
وهذه العوامل قد تجبر الساسة على تغير بوصلاتهم. ويقول ريابوف ان
القادة الروس لا يعبأون باهمية التغير. انهم يريدون ابقاء الامور
كما هي ، الا ان ظهور التحديات الحقيقية ستدفعهم الى التفكير بجدية
بالتغير.
ان الرئيس بوتين والبوتينية يعتمدان كثيرا على الاقتصاد الروسي الذي
يقدم الكثير بسبب مبيعات الغاز والنفط. الا ان بعض الخبراء يعتقدون
ان الاقتصاد القوي لا يكفي لضمان استمرارية البوتينية. يعتقد ستيفن
بايفر الخبير السابق بالشئون الروسية في وزارة الخارجية وهو يعمل
حاليا مستشارا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: ان النظام
الذي اسسه بوتين قد يصبح ضحية للنجاحات التي سيحققها. ان جزءا كبيرا
من الروس مقتنع بما آلت اليه الامور حتى الآن، خاصة بعد هزة التسعينيات.
واضاف بايفر: ان المزيد من الروس يتحولون الى الطبقة الوسطى ويزداد
عدد الروس الذين يثقون بقوة اقتصاد بلدهم وربما سيقود ذلك الى المزيد
من المشاركة في الحياة السياسية لكن البروفيسور دانيال تريسمان من
جامعة كاليفورنيا له رأي آخر. يقول تريسمان : ان تباطؤ معدلات النمو
سيولد ضغطا متزايدا على النظام والاخير امامه سبيلان اما زيادة سيطرة
الدولة او ارخاء الحبل، اي العودة صوب الديمقراطية.
والبوتينية قد تسقط ضحية للشللية البيروقراطية بين رجال الصفوة بوتين
كان ناجحا في السيطرة على رجاله ومحاربة الشقاق بينهم، الا أن الوضع
غير واضح امام خليفته. يقول تريسمان : ان الشللية قد تطيح بالبوتينية،
خاصة اذا فشل الرئيس الجديد في السيطرة كما يفعل بوتين اليوم على
تضارب المصالح بين اصدقاء بوتين. علينا ان لا نتناسى طموحات العسكر
الذين قد يسيطرون على اجهزة الأمن او حتى فريق سانت بطرسبرغ. ويطلب
راهر الانتباه الى الجيل الجديد من القيادة او الصفوة الجديدة وهم
ابناء الصفوة الحالية الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات الغربية او
الذين مازالوا يعيشون هناك وسيعودون الى بلدانهم خلال العقد الحالي
او القادم. وهؤلاء كما يعتقد راهر لن يرضوا العيش في روسيا دكتاتورية.
واستضاف مركز العلاقات الخارجية في واشنطن كلا من نيكولاس غفوسديف
رئيس تحرير الناشنال انتريست وسارة مندلسون الخبيرة في الشئون الروسية
في المركز للحديث عن شكل روسيا بعد بوتين وما هو تأثير خروج بوتين
على العلاقات الروسية الاميركية. يقول غفوسديف: اتذكر الاجواء التي
سادت واشنطن قبيل الانتخابات الالمانية في عام 2005 والتوقعات بان
فوز ميركيل وهي نصيرة الاميركيين سيعيد الامور الى نصابها بين البلدين.
الا ان تلك التوقعات تحطمت لوجود اجماع بين رجال الساسة والاقتصاد
الالمان حول مصالح بلدهم بحيث لا يستطيع اي واحد تجاوز الحدود بغض
النظر عن انتمائه او مشاربه. علينا ان نفكر بهذا الامر ونحن نحاول
رسم صورة لروسيا بعد مارس 2008، لأننا كثيرا ما كنا نبسط سياسة دول
الاتحاد السوفيتي السابق وترانا نتحدث عن بوريس يلتسين فقط او ميخائيل
ساكاشفيلي وحده او فلاديمير بوتين او فيكتور يانوكوفيتش وغيرهم من
القادة ونتناسى وجود مصالح روسية وطنية جوهرية لا تتغير بتغير الحاكم
الذي يجلس في الكرملين. طبعا الاميركيون يفضلون دولة اكثر ديمقراطية
(حسب قياساتهم) ومستعدة لتلبية المطالب الاميركية خاصة بشأن ايران
والطاقة.
ويضيف غفوسديف انه يتوقع ان يستمر النظام على حاله وكما حدث في التجربة
المكسيكية في الثلاثينيات والسنغافورية في بداية التسعينيات. كما
ان العلاقات الروسية الاميركية يمكن ان تتطور وتتحسن. الا ان غفوسديف
يحذر ان الدول المنفتحة والشفافة والتي تقبل النقد هي عادة دول اكثر
تحفظا من مثيلاتها الديكتاتورية كما ان ابتعاد بوتين لا يعني وجود
حكومة مستعدة لقبول الاولويات الاميركية، خاصة وان المشاكل العالقة
بين البلدين قديمة ولا تعود الى فترة رئاسة بوتين.
وتقول سارة مندلسون: ان روسيا كانت ومازالت مهمة بالنسبة للأمن الاميركي
وتضيف انها لا تتوقع تغيرات كثيرة في الفترة الرئاسية التالية (اي
بعد 2008) الا انها ترى ان ذلك ممكن بعد عام 2012 وتعتقد ان السبب
في ذلك يعود الى تراجع العمل المؤسساتي وظهور العيوب الكبيرة في
تلك المؤسسات ، خاصة المؤسسات الصحية بسبب الأزمة السكانية ، وقصور
الاجهزة الامنية. باختصار، تقول مندلسون ان روسيا بعد بوتين ستشبه
روسيا اليوم . ان قضية خليفة بوتين هي جانب من الصورة والجانب الاخير
يرتبط بمن يجلس في البيت الابيض.
ويعتقد ريتشارد هاس رئيس مركز العلاقات الخارجية ان على مسئولي السياسة
الخارجية الاميركية ان يركزوا على السياسة الخارجية لا على السياسات
الداخلية للدول الاخرى. الا ان مندلسون تخالفه الرأي لانها تعتقد
ان عدم الاهتمام بما يجري داخل البلدان الاخرى يؤثر كثيرا على الامن
القومي الاميركي وهي تشير الى قضايا الارهاب وانتشار اسلحة الدمار
الشامل والبيئة والصحة وهي تعقتد ان روسيا مهمة في هذا الشأن لأن
الولايات المتحدة ترتبط استراتيجيا واقتصاديا مع اوروبا وان مشاكل
روسيا هي مشاكل اوروبية.
وقال الدكتور فلاد ايفانينكو من مؤسسة ستايتستكس كندا ان العام القادم
يشكل علامة هامة في تاريخ روسيا المعاصر. فالرئيس الجديد سيواجه
تحديات فشل اسلافه في حلها. ان صعوبة التحديات وغياب الحلول التي
فشلت ادارة بوتين في الوصول اليها سيمنح القيادة الجديدة السبب في
البحث عن افكار جديدة. لم تظهر الادارة الحالية اية رغبة في انتهاج
سياسات شجاعة وجديدة، الا ان هذه السلبية لا يعني بالضرورة ان الحال
سيتحرك مباشرة بعد انتهاء الانتخابات التي ستجري في عام 2008.
تواجه روسيا مشاكل عدة يأتي في مقدمتها ايجاد الوضع المناسب على
الخريطة الاقتصادية الدولية. كما ان الساسة الروس يفكرون بلعب دور
مؤثر في نادي الدول صاحبة الخطوة في السياسة الدولية. كما ان المواطن
الروسي شهد تحسنا واضحا في مستوى عيشه ويسعى الآن لتحقيق بعض المكاسب
الشخصية. وحتى تتحقق هذه الاحلام على روسيا تجاوز بعض العراقيل مثلا
الشركات الروسية لن تحظى بالاعتراف الدولي الا في حالة ريادتها وعلى
المستوى الدولي في بعض الصناعات. وروسيا لن تضمن السيل الدافق من
الثراء والثروة الا عندما تغير تركيبة السلع التي تبيعها، خاصة البضائع
والخدمات ذات القيمة المضافة. اذا نجحت روسيا في ذلك فإنها ستجني
عوائد اكبر مع الحصول على موقع افضل في بعض المجالات وبالتالي المزيد
من الثروة ويعلو كعبها في الساحات الدولية. بعض الدول تنظر قلقة
الى المحاولات الروسية ومرد القلق الى أمرين الاول ان الدول التي
كانت تدور في الفلك السوفيتي بدأت الحديث مجددا عن الاطماع الروسية
وهذه الدول تعتبر النجاح الروسي خطرا يجب احتواؤه مهما كان الثمن.
الا ان الدول المتقدمة لها هم آخر، حيث تعتبر الصعود الروسي (علاوة
على الصين والهند والبرازيل) خطرا يهدد سطوتها على الصعيد الدولي.
وهناك خيار دعوة روسيا للانضمام الى نادي الصفوة (ومعنى ذلك اجبارها
على الانصياع للقوانين السائدة)، الا ان هذه الدول تخشى مثل هذه
الخطوة بسبب الماضي الروسي. هل ستنجح روسيا في الاستجابة لهذه المخاوف؟.
التأقلم الروسي وردود الأفعال الغربية:
ورثت روسيا عن الاتحاد السوفيتي بنية صناعية وتجارية كانت مناسبة
للايام الخوالي. يومها اختار الاتحاد السوفيتي وهو الذي اعتبر نفسه
محاطا بالاعداء اختار سياسة الاكتفاء الذاتي. ونتيجة لذلك لم يشارك
البلد بالانشطة التكنولوجية الدولية خارج الفلك السوفيتي. ان التعاون
المتدني مع الدول الاخرى قد وضع الثقل الاكبر على السياسة لا على
الاقتصاد. ولم يبع الاتحاد السوفيتي سوى السلاح والنفط وبأسعار خاصة
لاصدقائه من اعداء الغرب ومع انهيار الاتحاد السوفيتي كانت الصورة
غامضة امام الوريث روسيا. توقفت التجارة المدعومة وبدأت الاموال
بالتدفق الا ان الخبرة كانت ناقصة اضطرت روسيا الى الاستعانة بالغرب،
خاصة في الشؤون الاقتصادية منحت الدول الغربية البنك الدولي وصندوق
النقد الدولي الضوء الاخضر لمساعدة روسيا استنتج البنك الدولي وصندوق
النقد الدولي ان قوة روسيا تكمن في مصادرها الطبيعية خاصة الطاقة،
واقترحا نمواً عاليا للصناعات الاستخراجية وتأهيلها لاسعار التصدير
العالية. وكان لزاماً على الشركات المحلية التي ينقصها الكثير كان
عليها الاستعانة بالخبرة الغربية. في بداية التسعينيات بدى هذا المنطق
مناسبا جدا، الا أن العثرات بدأت تظهر سريعا خاصة وان الفوارق الكبيرة
بين الاسعار في الداخل والخارج قد اغرت بالاستثمار في الفروقات السعرية
بدلا من الاستثمار في عمليات الانتاج. ان تحرير التجارة الذي تزامن
مع نظام ضريبي متعثر قد أفرغ خزائن الدولة من الاموال. كما أن التضخم
المحلي والنزعة صوب الصادرات خلخلت المؤسسات الانتاجية وازدادت اعداد
الباحثين عن عمل. هذه الآثار السلبية زادت الشكوك بالنوايا الغربية
وتحولت الشكوك الى عداوة بعد احداث عام 1998. تبخرت الوعود التي
قدمت للمواطن العادي. حول تحرير الاقتصاد وبدأ المواطن يتلمس بدلا
عن تلك الوعود تراجعاً في الاقتصاد والصناعة المحلية، بينما أثرت
مجموعة صغيرة من الارث الواسع للاتحاد السوفيتي السابق ولم يستطع
يومها الساسة في الكرملين تفسير ما حدث او على الاقل اقناع المواطن
العادي بما آلت اليه الامور. نشأت رغبة في استحداث استراتيجيات محلية
بعد فشل النصائح الغربية. وبعد اصلاحات غوربا تشوف الناقصة، قدم
الفريق الذي ترأسه بوتين مقترحين. الاول يقضي بالتمسك بالوصفة الغربية
(ما يعرف اجماع واشنطن وهي افكار تتضمن تقليل دور الدولة الى ادنى
الحدود ومنح الافراد فرصة للعمل وتحقيق الثروة) لانها لم تطبق بشكل
جيد في السابق. والاقتراح الثاني يتضمن الالتفات الى التجربة الصينية
ان الجمع بين الحرية والاقتصادية والدور الواسع للدولة هما السمتان
البارزتان للنظام الروسي. لقد وجدت روسيا نفسها عالقة بين عالمين
الاول ينظر الى اوروبا نظرة حب وتقدير ومحاولة اعادة النجاح الاوروبي
والثاني الخوف من اوروبا لأنها منافس خطير لروسيا وهذا التناقض يفسر
التناقض في السياسة الخارجية الروسية كما ينظر اليها من الخارج.
اما الغرب فقد شعر بالسعادة عند انهيار الاتحاد السوفيتي لأنه مثلا،
يستطيع الآن التفكير باعادة اللحمة الى اجزائه المقطعة (المانيا
على سبيل المثال) وفكرت جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بالاستقلال
مجددا.. بما ان تلك الدول كانت غير متأكدة من مدة الفرصة التي توفرت
امامها توجهت سريعا صوب الاتحاد الاوروبي تنشد هواه وتريد الانخراط
في عضويته وشجعت الولايات المتحدة هذه التوجهات رغبة منها في تعزيز
انتصارها في الحرب الباردة على غريمها السابق. وبينما تساوت اوروبا
والولايات المتحدة في موقفهما السياسي المنتصر ازاء روسيا المهزومة،
الا انهما اختلفتا في التعامل مع الملف الاقتصادي مع روسيا.
بعدما ضمن الاتحاد الاوروبي شحنات الغاز الطبيعي من روسيا في الثمانينيات
(لم يستمع الاوروبيون لنصائح الولايات المتحدة) اصبح مدمنا بعدها
على الطاقة (الغاز والنفط) القادمة من هناك. وضعت الحرب الباردة
اوزارها وتشظى الاتحاد السوفيتي، وهددت الدول الجديدة بوقف تدفق
النفط والغاز اذا لم تحصل على حصة عادلة من العوائد. لذلك اقترح
الاتحاد الاوروبي معاهدة تحولت فيما بعد الى ميثاق للطاقة الذي طلب
الاتحاد الاوروبي من الوكالة الدولية للطاقة كتابة بنوره وعلينا
أن نتذكر أن الوكالة الدولية للطاقة شكلها مستوردو النفط في السبعينيات
ضمن تشكيلات منظمة التنمية والتعاون الاوروبية وكانت اهدافها تقضي
بايجاد السبل الكفيلة بحماية مستوردي النفط والغاز خلال الازمات
اعتبرت الدول الاعضاء في الوكالة المرحلة التي تلت انهيار الاتحاد
السوفيتي تهديداً لمصادرها في النفط والغاز، خاصة المشاكل التي ترتبط
بطرق النقل وتدني معدلات الانتاج. ولاحتواء الاضرار اقترح ميثاق
الطاقة منح جميع المنتجين حقوقا متساوية في انابيب نقل النفط والغاز
الموجودة حالياً وطريقا تنافسيا مفتوحا الى بنى المواصلات التحتية
الجديدة وثروات الطاقة المختلفة اي ان الميثاق قدم الاسس القانونية
لتطوير التعاون بين روسيا والاتحاد الاوروبي في مجال الطاقة، لكن
مع منح الافضلية للمستوردين. كان الموقف الاميركي مختلفا فقد نأت
الولايات المتحدة بنفسها عن التعاون التجاري مع روسيا، الا انها
شجعت شركات النفط الغربية على التوجه الى روسيا كما انها (اي الولايات
المتحدة) نشطت في التأثير على السياسة الروسية الخارجية. تولت الشركات
الغربية وبمعونة اميركية ادارة حقول النفط البحرية في اذربيجان وكازاخستان
وساخلين الروسية ودعمت الادارة الاميركية خططا لتطوير الخطوط الناقلة
البديلة من حقول نفط بحر قزوين دون المرور بروسيا. الا ان سياسة
الاحتواء هذه تراجعت مع الخطط التي تقدمت بها واشنطن لاعادة روسيا
الى الساحة الدولية ولكن وفق الضوابط والشروط الاميركية، على سبيل
المثال قدمت موسكو الى مجموعة الدول السبع (اصبحت ثماني بعد ذلك)
من اجل الحوار وطرح المبادرات العالمية الجديدة. الا ان التقدم تعثر
لبعض الاسباب منها ان لروسيا قيماً مؤسساتية وخصائص ثقافية تميزها
عن اوروبا وهذا بدوره ادى الى ردود افعال متباينة ازاء اخطار اعتبرتها
واشنطن تمس الجميع، كما انها ادت على عرقلة التفاهم في مجالات مهيئة
للتعاون وفي النهاية تولد المشاكل بين الطرفين وضاعت الثقة المطلوبة،
على العموم كانت السياسة الغربية ازاء روسيا متذبذية بين التفاؤل
بأن تصبح روسيا شريكا حقيقيا لأنها كما قالوا (بلدا يشبهنا) وبين
التشاؤم أن روسيا لا يمكن الوثوق بها بسبب عدائها الكامن لنهج الحياة
الغربي، ان هذا التذبذب بين التفاؤل والتشاؤم قد اثر على الساسة
الغربيين وقسمهم الى معسكرين متحاربين الاول مؤيد والثاني معارض
لروسيا.
التنافس بين الاتحاد الاوروبي وروسيا
تجاوزت روسيا المرحلة الانتقالية المضطربة في التسعينيات واجتازت
الفوضى الادارية في عام 2000 وهي تستطيع اليوم المنافسة مع الاتحاد
الاوروبي في مجالين ربما تملك روسيا فيهما بعض الافضلية على الاتحاد
الاوروبي، الاول ان روسيا غير مقتنعة بوضعها كمصدر للمواد الاولية
وهو امر مريح للاتحاد الاوروبي ولروسيا الحق في عدم الاقتناع. بالبرغم
من النمو المطرد الذي شهده اقتصادها منذ عام 1999 الا ان مستويات
المعيشة فيها ما زال متدنيا بالمقارنة مع المعدلات الاوروبية. ان
النقطة المتدنية التي انطلق منها الاقتصاد بالاضافة إلى الشروط المشجعة
التي حصلت عليها روسيا بالنسبة لصادراتها من النفط والغاز هما السبب
الاكبر للنمو الذي شهدته روسيا في السنوات 2004 ـ 2007. الا أن اي
طارئ على السوق العالمية قد يؤثر مردوداتها المالية في اي وقت. لذلك
فإن الكرملين يواجه اليوم مشكلة وضع سياسة تضمن لروسيا انها على
جادة التطور الاقتصادي الحقيقي. ولديها اليوم وسيلتان. ان تحقيق
الفائض التجاري يتطلب المحافظة على الشروط التفضيلية في التجارة
(استخدام قوتها الاحتكارية كلما استدعى الامر) عليها تخفيف سيطرتها
على خطوط نقل الغاز والنفط الى اوروبا. لقد اثبتت روسيا حتى الآن
انها لاعب مهم في هذا المجال. فقد آجلت بناء خطوط انابيب الطاقة
من بحر قزوين الى تركيا. كما انها منعت نقل الغاز والنفط الروسي
الى مناطق لم يوافق عليها الكرملين. الا ان روسيا تدرك انها لن تستطيع
ابعاد اقتصادها عن تقلبات السوق العالمية الا من خلال تنويع ذلك
الاقتصاد. لقد دخلت روسيا الاسواق العالمية متأخرة جدا لذلك فإن
عليها القتال بقوة من اجل دحر شركات متمكنة معظمها اوروبية وهذا
الامر لا يسر الاتحاد الاوروبي. والمجال الثاني يتمثل في ان روسيا
لم تقطع علاقاتها الثقافية والاقتصادية مع دول الاتحاد السوفيتي
السابق. ان انتعاش الاقتصاد الروسي في السنوات الثماني الاخيرة قد
ترك اثرا ايجابيا لدى جيرانها مما ادى الى تنامي العلاقات التجارية
وعودة التعاون التقني الى الواجهة من جديد بين شركات روسية واخرى
من دول الاتحاد السوفيتي (خاصة بيلاروسيا واوكرانيا وكازاخستان)
كان قد توقف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، ان استغلال الكرملين
لهذين المجالين لا يريح الاتحاد الاوروبي خاصة واية مستورد للغاز
والنفط وعليه ان يستفيد من ظروف المنافسة بين مستوردي الطاقة ، ان
تطور القدرات الروسية في مجال الطاقة زاد من قابليتها على الاستفادة
من روح الاحتكار ، خاصة مع دول اوروبا الشرقية ، إلا ان الوضع قد
يختلف قليلا مع اوروبا الغربية لقلة اعتمادها على وارداتها الروسية
من الطاقة. لكن مع ازدياد طلبات هذه الدول وقلة المعروض تزداد اهمية
الشحنات القادمة من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وعمدت بروكسل
ومن اجل القضاء على الاحتكار الروسي إلى دعم خطوط امداد بديلة تتجاوز
روسيا. وروسيا تحاول جاهدة احباط هذه المحاولات ، كما ان الاتحاد
الاوروبي يخشى من ان ظهور منافسين روس اقوياء في حقول اخرى تتحكم
بها حاليا شركات اوروبية عريقة (مثلا قطاع الفضاء) سيضيع من قوتها
التنافسية على الصعيد الدولي . إلا ان بروكسل تعرف ان قدرات الشركات
الروسية في مجال التكنولوجيا المتقدمة مازال ضعيفا وان الاتحاد الاوروبي
لن يسمح لتلك الشركات بتجاوز الحدود المرسومة لحصولها على تلك التكنولوجيات
.
ويشكل مستقبل الدول الواقعة بين روسيا والاتحاد الاوروبي سببا آخر
للتأزم بين الطرفين . ان الشهية الاوروبية للتوسع قد تلكأت لبعض
الوقت ولم تظهر بروكسل رغبة في دعوة دول جديدة مثيرة للجدل. تضاف
إلى المشاكل التي ثارت جراء عمليات التوسع السابقة في العقدين الماضيين
. كما ان الاتحاد الاوروبي لا يرضى بتوسع روسيا غربا . هذا الموقف
الغامض قد يفيد الاوروبيين اقتصاديا . ان دعوة دول مثل بيلاروسيا
واوكرانيا لا يمكن تبريره لأن هذين البلدين لا يمكنهما توفر منتجات
مطلوبة في اوروبا لكنهما سيحتاجان إلى الدعم وهو ما تعجز الميزانية
الاوروبية عن الايفاء به على صعيد آخر يمكن للمنتجين في البلدين
منافسة زملائهم الروس في بعض المجالات ، مثلا تصدير الاسمدة والصلب
، ان تهديد المخاوف الاوروبية يستدعي قيام المصدرين بتقديم ضمانات
اضافية حول مواعيد تسليم البضائع وتوفير الدعاية الضرورية ، السؤال
المهم هو كيف يمكن التخلص من حالة التأزم في العلاقة بين روسيا والاتحاد
الاوروبي ، هنالك مشكلتان بين الطرفين الاولى ترتبط بمستقبل اوكرانيا
وبيلاروسيا ، ان انهيار الاتحاد السوفيتي ، وكما قلنا ، لم يرفع
الحد الفاصل بين روسيا والاتحاد الاوروبي بالرغم من الاماني بزحف
الاتحاد شرقا ، قبل الاتحاد الاوروبي عضوية عشر دول من الكتلة السوفيتية
ثم توقف . في الوقت ذاته تقدمت روسيا بمقترح لتشكيل اتحاد اقتصادي
واحتارت اوكرانيا وبيلاروسيا فاقتصادهما يعتمد على روسيا وان الاخيرة
قد تتضرر ان رفضت الدولتان التعاون معها ، على صعيد آخر ، إذا فتح
الاتحاد الاوروبي اسواقه امام البضائع القادمة من بيلاروسيا واوكرانيا
وسمح للعمال بالتحرك غربا فان البلدين سيفضلان الاتحاد الاوروبي
ويغضان الطرف عن المكاسب التي عرضتها روسيا . ويبدو ان بروكسل مستفيدة
من هذه الفوضى حيث انها ارسلت اشارات متناقضة إلى البلدين ان الاتحاد
الاوروبي لا يريد رؤية تتخبط في الفراغ، الا انه في الوقت نفسه لايريد
استئناف توسعه شرقا. ويبدو هذه السياسة ناجحة حاليا حيث مازالت كييف
ومينسك يحدوهما الامل. الا ان ذلك الحال لن يستمر طويلا. فطالما
ان التجارة مع روسيا تحقق المزيد من الارباح وان موسكو تعد بالمزيد
فان اوكرانيا وبيلاروسيا يزدادان اقترابا من روسيا. عندها لن يبقى
امام الاتحاد الاوروبي سوى تأجيل المحتوم او وضع سياسة دفاعية عند
واحدة من الدولتين (اوكرانيا) قبل لجوء الدولتين الى روسيا. ربما
علينا في هذا الصدد تذكر بعض الماضي. قبل عدة سنوات وعندما ظن البعض
ان اوكرانيا ستدخل الاتحاد الاوروبي ناقش المحللون: الفوائد غير
المرئية التي ستجنيها روسيا من هذه التطورات. قال المحللون ان الاقتصاد
الاوكراني كان يتمتع بأواصر قوية مع روسيا وان رجال الاعمال الروس
كانوا يتواجدون بقوة في اوكرانيا لذلك اذا دخلت اوكرانيا الاتحاد
الاوروبي ستتوفر عندها فرصة للصناعات الروسية للوصول الى السوق الاوروبي
متجاوزة الموانع المفروضة. وفي الوقت نفسه وطالما يستطيع الروس الاشتراك
في عمليات الاندماج والاتحاد بين الشركات فان بمقدورهم الحصول على
التقنيات المتطورة لادخالها على شركائهم. ان الفوائد الاقتصادية
لدخول اوكرانيا الى الاتحاد ستتعزز بالمكاسب السياسية حيث ستصبح
كييف منبرا لايصال الصوت الروسي الى داخل اروقة الاتحاد. واذا فضلت
اوكرانيا الاتحاد الاقتصادي مع روسيا عندها ينظر للمسألة من زاوية
اوروبية. حيث ان دخول الشركات الاوروبية الى اوكرانيا سيجعلها قادرة
على الوصول الى السوق الروسية متجاوزة العقبات (مثلا الحماية)، بعدها
يدخل البعد السياسي.
ان الاستثمار الاوروبي في اوكرانيا، تحسبا لدخولها الاتحاد الاقتصادي
مع روسيا، سيصب في مصلحة الصناعات التي تعتبرها روسيا ذات اهمية
استراتيجية. ان الشركات الاوروبية لها خبرة محددة في المنتجات التكنولوجية
ذات القيمة المضافة الا ان تلك المنتجات هي بالتحديد ما تريد روسيا
تطويره بغية تغيير اقتصادها النمطي (اقتصاد المواد الاولية). وهنا
تحاول روسيا السيطرة بشدة على الامور.
لكن رغبتها في ضم اوكرانيا لها يعني منح الشركات الاوكرانية المزيد
من الفوائد وطالما ان المعروف عن اوكرانيا انها تزود روسيا بمنتجات
صناعية منذ مدة فمن المحتمل ان تقدم روسيا ضمانات انها لن تعامل
تلك المنتجات في اسواقها بشكل مختلف حتى اذا كانت تلك المنتجات تصنع
في شركات يديرها اشخاص من دول الاتحاد الاوروبي، علاوة على ذلك فان
الشركات الاوكرانية الاخرى وتحت غطاء الاتحاد الاقتصادي ستدخل عالم
التكنولوجيا حتى الحساسة منها. على العموم ان تعاونا اكبر بين الشركات
الاوروبية والروسية من خلال طرف ثالث ، مثل اوكرانيا قد يساعد على
حل مشكلة اخرى تعكر صفو العلاقات الاوروبية مع روسيا. وهي تتعلق
بنظام الحكم في روسيا والذي يعتبره الاتحاد الاوروبي غير مطابق لمعاييره،
وهذا يجعل العمل الاقتصادي هناك صعبا نظرا لانعدام المحاسبة والفوضى
اللتين تميزان العمل الحكومي الاداري. ان مطالب الشركات الاوروبية
عالية وعلى الاوكرانيين الاستجابة لتلك الطلبات، وان وجود الشركات
الروسية في هذه البيئة سيدفعهم في اتجاهين اما الانسحاب من الساحة
الاوكرانية او المطالبة بايجاد بيئة مشابهة في روسيا . لذلك فان
وجود اوكرانيا في الاتحاد الاوروبي مع روسيا ، وفي الوقت نفسه مع
وجود شركات اوروبية داخل اوكرانيا قد يكونان سببين لادخال المزيد
من الاصلاحات الديمقراطية في روسيا ، لكن على الاوروبيين الانتباه
إلى ان الاصلاحات الديمقراطية تعتمد في النهاية على استعداد الظروف
الداخلية وهو ما اثبتته التجارب في افريقيا وآسيا ومناطق اخرى ،
وعليهم الاستفادة ايضا من ردود الافعال في رومانيا وبلغاريا وهما
الوافدان الجدد للاتحاد الاوروبي واللذان يشابهان روسيا في مجالات
عدة .
لم تكن السنوات السبع الماضية يسيرة على العلاقات بين روسيا والاتحاد
الاوروبي فمع استعادة روسيا لقوتها طفت على السطح مشاكل ورثها من
الاتحاد السوفيتي ، خاصة المصالح المتضاربة والعجز الثقافي ، وفجأة
وجد الاتحاد الاوروبي منافسا قويا له وفي مجالات كان يعتبرها في
السابق حكرا له . في البداية حاول الاتحاد الاوروبي ابقاء روسيا
قريبة من خلال ايجاد آليات قانونية عند حدوده الشرقية . الدلائل
تشير اليوم ومع تصلب المواقف الروسية والبريطانية والالمانية والفرنسية
إلى عدم جدوى هذا الحل ، حيث ان سياسة الاحتواء لن تنجح على المدى
البعيد خاصة وان موارد روسيا ستعينها على مقاومة الموقف الاوروبي
. ولحسن الحظ هنالك سياسات بديلة يمكن اتباعها إلى جانب السياسة
الحالية ، هنالك ثلاث مشاكل تعصف بالعلاقة بين روسيا والاتحاد الاوروبي
، الاولى: النظر إلى مصادر الطاقة الروسية وليس امام الاتحاد الاوروبي
سوى القبول بالاحتكار في روسيا مقابل منح الشركات الاوروبية الفرصة
لدخول قطاعات الاقتصاد المختلفة في روسيا . والثانية : هي الغموض
الذي يلف مستقبل الدول الواقعة بين روسيا والاتحاد الاوروبي يزعج
الاولى ويفيد الثاني . والوقائع تفيد ان الاتحاد الاقتصادي مع روسيا
امر واقع لذلك على الاتحاد الاوروبي الاستفادة من وجوده في اوكرانيا
للوصول إلى السوق الروسية . واخيرا فان غياب القيم والمؤسسات الديمقراطية
في روسيا تحيل دون حدوث تكامل بين روسيا والاتحاد الاوروبي.
يبدو ان روسيا وبوتين اصبحا متلازمين اليوم وفي المستقبل القريب
مما يدفع البعض إلى الاعتقاد ان روسيا بلا بوتين قد لا تكون هي ذاتها
في المستقبل ونظرا لعدم وجود شخصية سياسية تفوق مما حققه بوتين من
شعبية قوية فان تأثيره سيبقى هناك حتى ان غاب عن الساحة السياسية
.
أعلى