التحديات الأمنية في آسيا الوسطى ودور الاتحاد الأوروبي في المنطقة
اعداد ـ محمد نجيب السعد
تمثل منطقة آسيا الوسطى جملة من التحديات الامنية
تطرح نفسها بقوة امام الاتحاد الاوروبي. ان هذه التحديات مثل الارهاب
وتهريب المخدرات والصراعات التي قد توجد كارثة انسانية، خطيرة جدا
حتى ان كانت بعيدة عن سياقاتها او بيئاتها. ومما يزيد من صعوبة هذه
التحديات عدم امكانية التعامل معها بشكل منفصل لانها جزء لا يتجزأ
من وضع الاقليم. وبينما تتشارك دول وسط آسيا في طريقة فهمها لهذه
التحديات الامنية، فان هذا الفهم يختلف كثيرا عن الطريقة التي ينظر
بها الاوروبيون لتلك التحديات. علاوة على ذلك فان دول هذه المنطقة
ومنذ استقلالها في عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تتبنى انظمة
سياسية مختلفة لذلك فان اية سياسة اقليمية موحدة قد لا تكون الحل
الامثل لمواجهة هذه التحديات.
في البلدان الديمقراطية حيث يترسخ العمل المؤسساتي ينظر الى التحديات
الامنية الوطنية بجدية وتعتبر اخطارا محدقة بمستقبل المواطن لذلك
يتوجب توحيد الجهود لمواجهتها بحزم. يفترض هذا التعريف وجود مؤسسات
قوية وشفافة وانتخابات تتماشى مع المعايير الدولية وقيادة سياسية
منتخبة مسئولة امام الناخبين. نتيجة لذلك فان التعريف لا يفترض وجود
تعارض او تناقض بين عمل الحكومة ومصالح المواطن. هذا التعريف مفقود
في اسيا الوسطى فلا توجد في تلك المنطقة دولة ديمقراطية بالمعنى
الذي يقبله الاتحاد الاوروبي ويظهر ذلك جليا في التقارير العديدة
التي قدمتها منظمة الامن والتعاون الاوروبي حول مراقبة الانتخابات
في الاقليم. بعض دول المنطقة لا تملك الا النزر اليسير من الممارسات
الديمقراطية. تسيطر في هذه الدول وبدرجات مختلفة مجموعة صغيرة على
مقاليد الدولة تفرض ممارسة ديمقراطية صورية لرعاية مصالحها. ومع
غياب المؤسسات وتوجيه الانتخابات فان هذه الصفوة تنأى بنفسها عن
المحاسبة من خلال التشظي الى مجاميع صغيرة ذات تأثير غير رسمي تتنافس
من اجل السيطرة على الموارد المادية. واظهرت هذه الصفوة اهتماما
بامر واحد وهو الامساك بالسلطة بقوة لتحقيق الفوائد المادية. الا
ان هذا لا يعني عدم وجود مصالح اخرى مثل الصالح العام (مصلحة المواطن)
لكن دون التسليم بها . ان حرص الصفوة على الابقاء على الوضع الراهن
ينطلق كما يقولون من الحرص على حفظ الامن والاستقرار لذلك يجري التصدي
لدعوات الغرب بالاصلاح او تطبيق المعايير الدولية على اعتبارها محاولات
لاشاعة الفوضى. فبعد ان استخدمت اوزبكستان القوة المفرطة في التعامل
مع الاضطرابات في مدينة انديجون في مايو 2005 (وهذا مجرد مثال واحد)
صدرت مطالب من مجموعة من الدول الغربية تنادي باجراء تحقيق دولي
محايد. وتجاوبت اوزبكستان من خلال اصدار سفارتها في قرغيزستان بيانا
القت به باللائمة على الايادي المأجورة التي تحاول اشاعة الفوضى
في اقليم فارغانا بمساعدة المنظمات الدولية، كما ان المؤسسات غير
الحكومية تستغل الموقف الناجم عن فشل المحاولة لتمرير مخطط الديمقراطية
المتقدمة.
وكتبت صحيفة برافدا فوستوكا الاوزبكية الحكومية في يونيو 2005 مقالة
تتحدث عن الموضوع ذاته جاء فيه :تحت ذريعة الاهتمام بحقوق الانسان،
هنالك محاولات عديدة للتدخل بالشؤون الداخلية للدولة الاوزبكية المستقلة.
وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة هذه المحاولات التي تستخدم غطاء
الامم المتحدة وتشكيل لجنة دولية من اجل اشاعة الفوضى في المنطقة.
اي ان الصفوة في هذه الدول تنظر الى التحديات الامنية على انها أمر
تعتبره تهديدا لسلطتها، ومنها المطالبة بالاصلاحات الديمقراطية.
وفي الحالات المتطرفة تؤدي هذه النظرة الى طلاق شبه نهائي مع مفهوم
الاتحاد الاوروبي للتحديات الامنية . على سبيل المثال قد يعتبر احد
الانظمة في وسط آسيا التعددية السياسية تحديا امنيا ويعمل ما بوسعه
لوقف تحقيق ذلك. اما في الحالات الاقل تطرفا قد يشجع احد الانظمة
عمليات تهريب المخدرات لانه لا يعتبر العمليات تهديدا امنيا لسيادته
ولان الصفوة تريد الاستفادة من المردود المالي لتعزيز قوتها وسيطرتها.
ان هذا الطلاق يفرض على الاتحاد الاوروبي مأزقين الاول كما في حالة
التعددية السياسية، قد يحدث موقف يعتبر فيه احد الانظمة في وسط آسيا
ما يطلبه الاتحاد الاوروبي تحديا امنيا. والثاني هي الوسائل التي
تستخدمها تلك الانظمة للايفاء بالتزاماتها الامنية وهذا يتضمن قمع
المعارضين في حالة التعددية السياسية، وهذه الوسائل قد توجد موقفا
يعتبره الاتحاد الاوروبي تحديا امنيا هو نظام سياسي مستبد يزيد من
فرص الفوضى والاضطرابات.
ان دول وسط آسيا مثلها مثل الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الاوروبي
تشترك في ارث تاريخي ولغوي لكنها تختلف في العديد من المسائل. وعلى
النقيض من الاتحاد الاوروبي فإن دول وسط اسيا تفتقر الى مشروع توحيدي
بالاضافة الى غياب البنى المؤسساتية المتطورة. وبينما تنتمي دول
وسط اسيا الى منظمات اقليمية مختلفة، لا توجد منظمة اقليمية تضم
بين دفتيها دولا كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمستان واوزبكستان
فقط كما انه لا توجد منظمة دولية مثل الاتحاد الاوروبي تنتسب اليها
هذه البلدان. علاوة على ذلك فان دول وسط اسيا اتبعت خطط تنمية مختلفة
منذ استقلالها في عام 1991. تتمتع كازاخستان بثروة نفطية كبيرة يعتمد
عليها الاقتصادي بشكل كبير، ولم تسع لتحقيق اصلاحات ديمقراطية واسعة.
اما قيرغيزستان الفقيرة فقد عانت من عسرة اقتصادية واضطرابات سياسية
منذ العام 2005 الا انها حققت شكلا من اشكال التعددية ليس له نظير
في المنطقة، اما طاجيكستان فقد جربت الحرب الاهلية (1992 ـ 1997)
وهي تعاني منذ ذلك الحين من مشاكل سياسية واقتصادية. وعانت تركمستان
من عزلة كبيرة ومشاكل سياسية واقتصادية في ظل الرئيس مدى الحياة
نيازوف وهي اليوم تواجه مستقبلا غامضا تحت ظل الرئيس الجديد بردي
محمدوف. وتواجه اوزبكستان مشاكل سياسية واقتصادية كبيرة والفوضى
قد تندلع في اية لحظة. ان هذه الظروف تدفعنا الى اعتبار وسط اسيا
اقليما بحد ذاته، وعلينا النظر الى التحديات الامنية التي تواجه
الاقليم وحظوظ الاتحاد الاوروبي في التعامل مع هذه التحديات. الا
ان علينا ان نضع بالحسبان ان هناك خمس دول لا تلتقي الا بالنزر اليسير
من القضايا.
التطرف
ان اول التحديات الامنية التي ترتبط عادة بمنطقة وسط اسيا هو التطرف
الديني او بتعبير ادق التشدد الاسلامي . بالرغم من الاهتمام الكبير
الذي حظيت به هذه القضية من حكومات دول المنطقة والقوى الاجنبية،
الا انها لا تبدو انها القضية الاهم على المستوى الامني في المنطقة.
علاوة على ذلك فان الجهود التي بذلتها حكومات دول المنطقة للتخلص
من التطرف تمثل الفيصل الذي يميز تعريفات الاتحاد الاوروبي للتحديات
الامنية عن نظيراتها المقدمة من دول وسط آسيا ، وهذا يثير التساؤلات
حول فعالية الدور الاوروبي. ان هذه المنطقة تأوي واحدة من التنظيمات
الارهابية المعروفة على المستوى الدولي واخرى معروفة بافكارها المتطرفة.
ان الحركة الاسلامية الاوزبكية والتي ترعرعت وسط القسم الاوزبكي
من وادي فارغانا في عقد التسعينيات تبنت خطا في عملها لا يختلف عن
منهج القاعدة لان الاولى لها علاقات قوية مع الاخيرة منذ العمل في
افغانستان في التسعينيات. ان الحركة الاسلامية الاوزبكية التي وضعتها
وزارة الخارجية الاميركية في قائمة المنظمات الارهابية نفذت عمليات
مسلحة في طاجكستان وقيرغيزستان واوزبكستان في اواخر التسعينيات .
وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ادت حرب افغانستان حيث كان موقع
الحركة الاوزبكية الى الحاق ضربات مؤثرة بالحركة خاصة على مستوى
العمليات ودفعت بالحركة الى الهروب واللجوء الى منطقة الجبال النائية
في باكستان. وتشير بعض التقارير ان الحركة تعيد تنظيم نفسها وانها
توسع مدار نشاطاتها مثلها مثل الحركة الاسلامية التركمستانية الا
ان الوقائع تشير الى ان الحركة الاوزبكية لا تملك القدرات للقيام
بعمليات ارهابية في وسط آسيا. كما ان العمليات الاخيرة في باكستان
دللت على ضعف الحركة الاسلامية الاوزبكية. اما حزب التحرير (وهي
منظمة تشكلت في الوطن العربي في الخمسينيات) يبحث عن دولة تضم جميع
المسلمين وهو يوظف خطابا لاذعا ضد الاميركيين وهو على ما يبدو يحاول
اسقاط الانظمة العلمانية في العالم الاسلامي، خاصة منطقة وسط آسيا
، الا ان المنظمة تقول انها تسعى الى تحقيق اهدافها بواسطة الوسائل
السلمية. ينشط حزب التحرير في منطقة وسط آسيا من خلال تنظيم سري
ولديه آلاف الانصار مما يدفع بعض المحللين الى الاعتقاد بأن حزب
التحرير قد يكون قادرا على القيام بانقلاب على الطريقة البلشفية
ان هو فكر بالتخلي عن اسلوبه السلمي.
ان مجموعة من الحوادث في اوزبكستان ومنها تفجيرات ومواجهات مسلحة
في طشقند في العام 2004 والانتفاضة في انديجون في العام 2005 تدلل
على امكانية تفجر العنف في الاقليم، بالرغم من حجم الدور الذي لعبته
الافكار المتطرفة والحركات المتشددة في هذه الاحداث غير واضح. هنالك
مؤشرات واضحة ان العنف الذي شهده العام 2004 في طشقند هو من تنفيذ
جماعة متطرفة، الا ان عدم وجود تحقيق يعتد به ترك العديد من الاسئلة
تبحث عن اجابات، تظهر الاضطرابات التي نشبت في مايو 2005 في انديجون،
والتي قمعتها السلطات الاوزبكية تظهر بوضوح الغموض الذي يكتنف قضية
التطرف الديني في آسيا الوسطى. اكدت السلطات الاوزبكية ان العنف
كان من تدبير جماعة متطرفة تطلق على نفسها اسم (الاكرامية) بالرغم
من وجود دلائل قوية على ان الانتفاضة لها دوافع سياسية واقتصادية
. علاوة على ذلك قالت تقارير مستقلة ان اجهزة الامن الاوزبكية ارتكبت
مجازر بحق المتظاهرين وان التحقيقات التي جرت لم تكن جدية وان محاكمة
المتورطين باعمال العنف لم تطابق المعايير الدولية الخاصة بالعدالة
والنزاهة.
لقد تبنت اوزبكستان سياسات هي الاعنف ضد التطرف وزجت بالآلاف في
السجون لمجرد الاشتباه بانتمائهم لحركات اسلامية، او القيام بانشطة
اسلامية واستخدمت حكومات اخرى في الاقليم اساليب قوية في تعاملها
مع هذا الخطر لذلك سجلت اتهامات عديدة ضد قوى الامن في تلك الدول
لتجاوزها حقوق الانسان في تعاملها مع مواطنيها.
وهي تحاول محاولة محاربة الارهاب والتطرف، يقول العديد من الخبراء
ان الاساليب التي تتبعها حكومات دول وسط آسيا ، خاصة في اوزبكستان
كانت سلبية في نتائجها وساهمت بشكل فاعل في تغذية الارهاب والعنف.
واذا نظرنا الى هذا الاقليم بالعلاقة مع الارهاب الدولي فان الخطر
الذي تشكله منطقة وسط آسيا لا يبرر الاساليب القمعية التي تنتهجها
حكومات الدول في المنطقة. ان عدد الهجمات الارهابية التي وقعت في
المنطقة قليلة، كما ان تورط بعض من وسط آسيا في المنظمات الارهابية
الدولية متدني جدا (ماعدا العلاقة التي تربط الحركة الاسلامية الاوزبكية
بتنظيم القاعدة الا ان هذه العلاقة ذات تأثير جغرافي محدود لا يتجاوز
باكستان وافغانستان).
لكن ذلك لا يعني ان التطرف المسلح لا يشكل تهديدا في اقليم وسط آسيا.
تتوفر في الاقليم العديد من المؤهلات التي تجعل منه ارضية جيدة للارهاب.
قد لا يشكل الفقر في حد ذاته عاملا مساعدا، الا ان المشاكل الاقتصادية
والسياسية تعصف بالمنطقة لان حكومات المنطقة غير الديمقراطية لاتعبأ
بهذه المشاكل وتنصب معظم جهودها على محاربة العنف.
المخدرات
ان اقليم وسط آسيا ممر هام لتهريب المخدرات القادمة من افغانستان
الى روسيا ثم الى اوروبا. وتظهر القضية واضحة في طاجكستان التي لها
حدود طويلة مع افغانستان ، الا انها موجودة ايضا في بقية دول الاقليم.
علاوة على ذلك ، ان الوجود المتزايد للمخدرات الرخيصة خاصة الهيروين
يغذي بشكل كبير المشاكل المرتبطة بالمخدرات. ومن ذلك ارتفاع اعداد
الاصابات بمرض نقص المناعة الايدز بسبب استخدام الحقن غير المعقمة.
لقد حذرت الامم المتحدة ان عدم السيطرة على انتشار الايدز فان كارثة
صحية ستلم بالمنطقة خلال السنوات القادمة، بالاضافة الى ذلك ان الطرق
التي يستخدمها مهربو المخدرات قد تستخدم من قبل الارهابيين لتهريب
الاسلحة والمتفجرات عبر الحدود.
غياب الامن
يعتبر غياب الامن خطرا محدقا بدول وسط آسيا ، وكما تبين من الاضطرابات
التي اندلعت في عامي 2003 ـ 2005 في جورجيا واوكرانيا وقيرغيزستان
فان الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق ودول وسط آسيا
مثال حي، لا يمكن اعتبارها دولا مستقرة. والانكى من ذلك ان عدم تطور
يذكر على اداء الحكومة بعد تغير النظام في هذه الدول الثلاث قد يعني
ان التاريخ سيعيد نفسه مع الدول الاخرى. ان الجمهوريات الجديدة التي
ظهرت بعد عام 1991 اصبحت اقل امنا واستقرارا مع مرور الزمن كما ان
انظمتها السياسية العاجزة لم تستطع اضفاء الشرعية على نفسها او معالجة
التناقضات الكثيرة التي تواجهها. والانتخابات الصورية التي جرت مجرد
دليل على ذلك. وفي حالة الانظمة المستبدة حيث تتركز السلطات بيد
رئيس عجوز وآليات عمل قهرية تستخدم للحفاظ على الأمن فان الوراثة
تشكل الخطر الاكبر. منذ نهاية الحرب الطاجكية في عام 1997 حافظت
دول وسط آسيا على وجودها واستقرارها بالرغم من الاضطرابات التي سادت
في اوزبكستان والاسلوب الذي اطيح به بالرئيس القرغيزي عسكر اكاييف
في عام 2005. وحتى الوفاة المفاجئة للرئيس التركمستاني نيازوف في
ديسمبر 2006 ووصول محمادوف (نائب رئيس الوزراء) بديلا عنه في اسلوب
وراثي متفق عليه، كلها دلائل على غياب الاستقرار في المنطقة.
لكن من الغباء القول ان الاستقرار وسيطرة المركز على الامور ستستمر
الى الابد.
على العموم ان الانظمة السياسية في الاقليم غامضة جدا تواجه مشاكل
سياسية واقتصادية واضحة المعالم. وبتعبير ادق ان غياب الامن قد يأتي
من التناحر في القيادة التركمستانية الجديدة او من اعمال العنف المتجددة
او القتال على منصب الرئاسة في اوزبكستان. وحتى كازاخستان التي استفادت
من عوائد النفط . علينا ان نتذكر ان الفقر لا يكون دوما مسئولا وحده
عن الفوضى انما الظلم ايضا. ان غياب الامن في اي من دول وسط آسيا
قد يفتح الطريق واسعا امام عدد واسع من المشاكل قد يصل مداها وتأثيرها
على البلدان المجاورة. ان اعمال العنف والصراعات الطائفية قد تنشر
الدمار في اماكن عديدة. لكن السيناريو الأسوأ هو حدوثها في وادي
فيرغانا المكتظ بالسكان. ان الفوضى والاضطرابات قد سببتا نزوحا للسكان
والاقليم غير مستعد للتعامل لاية مشكلة للاجئين كبيرة الحجم. وان
مناطق الصراعات هي الحاضنة الاساسية للارهاب والتطرف.
الحكومة
يتبين مما قلنا سابقا ان مسألة الحكم ذات اهمية مزدوجة للاتحاد الاوروبي
في تطبيق استراتيجيتها الخاصة بمنطقة وسط آسيا. اولا وبالنسبة لكل
من التحديات الامنية التي تحدثنا عنها (التطرف وتهريب المخدرات وغياب
الامن) فان الحكومة ، او شكل الحكم ذو اهمية بالغة. في حربها على
التطرف تنتهج حكومات المنطقة سياسات قمعية، ويغلب على الاجهزة الامنية
فيها الفساد بشكل يساعد او يشجع عمليات تهريب المخدرات ، وان غياب
اساليب الحكم المناسبة في المنطقة سيولد الظروف المناسبة لاشاعة
الفوضى وعدم الاستقرار. الا ان الحديث عن التواصل مع الاقليم لن
يتم الا بالتواصل مع حكومات دول الاقليم. وبينما تنتعش في بعض بلدان
المنطقة، مثل قيرغيزستان المنظمات غير الحكومية، ان الموقف العام
من هذه المنظمات سلبي واحيانا معاد تماما. في تركمستان لا توجد منظمات
غير حكومية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وفي اوزبكستان تعمل هذه المنظمات
تحت رقابة شديدة وقيود كثيرة. علاوة على ذلك ان الدور الحيوي الذي
تلعبه الحكومات في الجهود الرامية لمحاربة الارهاب والتطرف وتهريب
المخدرات وغياب الامن تعيق الحاجة لمواجهة قضايا الحكم التي تعرقل
امكانيات القضاء على هذه المشاكل.
على الاتحاد الاوروبي وهو يحاول لعب دور في الاقليم ان يعي بشكل
كامل النزعة الاقليمية في النظر الى المبادرات الاوروبية للاصلاح
باعتبارها مساسا بسيادتها وبالتالي تعتبر تحديا امنيا. ان روسيا
والصين تساهمان في تعزيز هذا الموقف والدليل على ذلك منظمة شنغهاي
للتعاون التي تهيمن عليها الصين وتضم في عضويتها الصين وكازاخستان
وقيرغيزستان وروسيا وطاجكستان واوزبكستان. حيث ان هذه الدول لا تنظر
الى قضايا الارهاب والتطرف والانفصالية بوصفها ظواهر خاصة ترتبط
بالوضع الدولي ويجب التعامل معها على مستوى دولي. تلك الدول تعتبر
هذه القضايا ظواهر منعزلة يمكن معالجتها باسلوب يرتبط بخصوصيات كل
دولة من دول الاقليم ومتطلبات سيادتها. لذلك فان ميثاق المنظمة يتحدث
في اهدافه وغاياته عن المعارضة المشتركة للارهاب والانفصال والتطرف
بجميع اشكالها الا ان مبدأ المنظمة الاول يتحدث عن الاحترام المتبادل
لسيادة الدول الاعضاء واستقلالها ووحدة اراضيها وعن احترام الحدود
وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم الاعتداء وعدم استخدام القوة
او التلويح باستخدامها في العلاقات الدولية ورفض سيادة دولة واحدة
قوية في المناطق الساخنة.
الدور الاوروبي في الاقليم
على الاتحاد الاوروبي ان يلتزم بمفهومه للتحدي الامني وان لا يلتفت
الى التعريفات الكثيرة التي تقدمها دول وسط آسيا. وعلى الاتحاد الاوروبي
ان يتوخى الدقة وهو يتعامل مع تلك التعريفات التي تمتاز بعدم الوضوح
وذلك من خلال دراسة كل قضية على حدة وان يتدخل الاتحاد الاوروبي
في القضايا التي يعتقد انه قادر على تحقيق النجاح في النواحي الامنية
حسب ما يفهمه الاتحاد لمسألة الامن وتحدياته وليس حسب ما تفهمه دول
وسط آسيا. ان سياسة الاتحاد الاوروبي تنص على تقارب وجهات نظر الاتحاد
الاوروبي مع تلك الخاصة بدول وسط أوروبا. الا ان على الجميع ان يدرك
ان التقارب قد لا يكون سهلا على ارض الواقع. كما على الاتحاد الاوروبي
بذل جهود مضاعفة للتعامل مع دول المنطقة وفق اسلوب يعتمد متابعة
قضايا معينة في دول معينة. ان هذه السياسة مهمة بسبب عدم توفر الموارد
الكافية لان التعامل مع القضايا والدول بشكل فردي سيوفر استخداما
مثالا للموارد. اما التعامل مع الدول كأقليم او كمجموعة فانه يمثل
استنزافا للموارد لان ذلك يتطلب توزيعها على البلدان الخمسة لذلك
فمن المتوقع ان يكون تأثيرها محصورا على بعض الاماكن فقط .
ان السياسة الحالية تشدد على العلاقات الثنائية، الا انها تشجع في
الوقت ذاته على العمل الجماعي لمواجهة بعض القضايا كالجريمة المنظمة
وتهريب المخدرات والبشر وقضايا الارهاب والحد من انتشار الاسلحة
والحوار الثقافي والطاقة وتلوث البيئة وادارة المياه والهجرة والسيطرة
على الحدود والمواصلات. كما ان الواقع السائد في الاقليم، خاصة فيما
يتعلق بالتعاون بين بلدان الاقليم، يحتم ان تخضع السياسة الاقليمية
الى تقديم متواصل وتتناوب العمل مع الاساليب الثنائية.
وعلى الاتحاد الاوروبي ان يلعب دورا هناك بالتعاون مع حكومات دول
الاقليم لان تلك الحكومات طرف هام في مواجهة التحديات الامنية كما
ان تلك الحكومات طرف حيوي في محاربة التطرف والارهاب وتهريب المخدرات
وغياب الاستقرار والامن. كما يجب على الاتحاد الاوروبي التركيز على
نوعية الحكومات في مواجهة تلك القضايا وليس على الجهود الرامية لدفع
خطط معالجة هذه المشاكل، اي ان التركيز يجب ان ينصب على نوعية التغير
لا على كميته. وعن الحديث عن المستويات الوطنية تمثل كازاخستان وقيرغيزستان
مثالين جيدين للاتحاد الاوروبي للبدء منهما. ان كازاخستان متمسكة
بسياسة تطوير علاقاتها مع الغرب وهي حاولت جاهدة ان تكون مستعدة
لتولي رئاسة منظمة الامن والتعاون الاوروبية في العام 2009. وهذا
يجعلها اكثر استعدادا للاصلاحات خاصة السياسية. اما قيرغيزستان فعلى
الرغم من عدم استقرارها داخليا، الا ان مؤسسات المجتمع المدني فيها
تبلي بلاء حسنا، كما ان صغر حجم الدولة يقلل من حجم الموارد المطلوبة
للتغيير. وعلى صعيد القضايا الامنية فان تركمنستان واوزبكستان هما
الاكثر حزما في قضايا الامن، خاصة في السيطرة على الحدود. واخيرا
على الاتحاد الاوروبي التعامل مع تركمنستان واوزبكستان لكن باسلوب
واقعي حول التوقعات. ومع تفتح تركمنستان على العالم بعد وفاة نيازوف
يجب الاستفادة من الفرص المتاحة، خاصة في متابعة الاصلاحات على مستوى
التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. ويجب المحافظة على مستويات
العلاقة الحالية مع اوزبكستان مع اغتنام الفرص التي قد تتوفر في
المستقبل لتطوير هذه العلاقات.
حقائق أساسية في الوضع الفلسطيني
احداث كثيرة مرت على الوضع الفلسطيني خلال
الاسابيع القليلة الماضية فمن زيارة بوش الى رام الله والمنطقة،
والتي استبقتها وزيرة خارجيته من خلال القول: بأن على الاطراف (العربية)
عدم توقع قفزات كبيرة للامام خلال زيارة بوش لانه سيؤكد للجانبين
(الاسرائيلي والفلسطيني) اهمية الاستمرار في المفاوضات! لكن الرئيس
اعلن التزامه بـ(يهودية) دولة اسرائيل بغض النظر عن كل مترتباتها
التدميرية على الوضع الفلسطيني!.
من زاوية ثانية..مازال الاسرائيليون يصاعدون من مجازرهم اليومية
في قطاع غزة واقتحاماتهم ليس لمدنه وقراه فحسب، وانما لمثيلاتها
في الضفة الغربية كما حصل في مدينة نابلس وجوارها.
على صعيد آخر، فان حالة الانقسام الفلسطينية مازالت تتعمق، وليس
هناك في الأفق ما يشير الى امكانية تجاوزها وعودة الوحدة الوطنية
الفلسطينية الى وضعها الطبيعي.
في دمشق، تتوجه الانظار الى المؤتمر الوطني الفلسطيني، المنوي عقده
بعد اسبوعين في العاصمة السورية بإشراف من بعض التنظيمات الفلسطينية
المتواجدة في سوريا، بما يعنيه من زيادة في حدة الاستقطاب في الساحة
الفلسطينية.
وعلى صعيد المباحثات بين السلطة الفسلطينية واسرائيل، فان لقاء عباس
ـ اولمرت (الذي استبق زيارة بوش) والاتفاق بين الزعيمين على إثارة
كافة قضايا الوضع النهائي في مباحثات قريع ـ ليفني القادمة، سوف
لن تعني شيئا بالمعنى الفعلي، لان التعنت الاسرائيلي (غير القابل
لأية مرونة مرتقبة) يتصاعد يوما بعد يوم حتى بالنسبة للقضايا الاولية
المطروحة على جدول اعمال التسوية: مثلا في موضوع الاستيطان! فالاسرائيليون
لم يكتفوا بالاستمرار في توسيعه بعد انابوليس، لكنهم وامعانا في
التحدي، استبقوا زيارة بوش بإقرار الحكومة لبناء (60) مجمعاً سكنياً
في القدس المحتلة.
من ناحيتها، فان السلطة الفسلطينية مستمرة بملاحقة المقاومين في
مناطق الضفة الغربية، فقد امتدت ما اسمته بـ(حملاتها الأمنية) خارج
حدود منطقة رام الله ، وترافقت في نابلس مع الاجتياح الصهيوني لها،
الامر الذي حدا بالسلطة الى اصدار بيان سياسي (يتهم اسرائيل بعرقلة
الخطة الامنية للسلطة..بعيدا عن التأكيد على عدائية وفاشية ومجازر
دولة الاحتلال مثلما هو الاعتذار عن قتل الجنديين الصهيونيين بالقرب
من الخليل، وهكذا دواليك)!.
من جانبها ، فان حركة حماس في غزة لا تزال تسعى لفرض برنامجها بالقوة
على صعيد القطاع ، في اطار بعيد كل البعد عن الديموقراطية على ارضية
التمسك بالسلطة (التي جاءت اليها دون مسعى منها، وبالتالي لن تفرط
فيها ـ وفقما تقول)، الى الحد الذي منعت فيه (على قاعدة الفعل ورد
الفعل) حركة فتح من الاحتفال بذكرى انطلاقتها ، والى الحد الذي لم
تكتف فيه باعتقال مسؤولها في غزة ابراهيم ابو النجا، بل قامت بحلق
شعره وشواربه، بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات ومعان كما انها تضيق
الخناق على كل فصائل النضال الوطني الفلسطيني.
هذه هي ابرز ملامح الوضع الفلسطيني في المرحلة الحالية ولعلنا نستذكر
ابرز الحقائق، التي قد تفيد في استعادة الساحة الفلسطينية لوحدتها
الوطنية، بعيدا عن الاسهاب والغرق في التفاصيل المملة، وعلى أرضية
الاستفادة من كل اخطاء الماضي، ولعل الأبرز هو القريب منه..نقول:
اولا: على صعيد الولايات المتحدة الاميركية ، من الاستحالة بمكان
ان تكون حكما نزيها في الصراع العربي الفلسطيني ـ الصهيوني، بل هي
الحليف الاستراتيجي للدولة الصهيونية، الذي يتبنى مواقفها بالكامل،
هكذا كانت كل مواقف الولايات المتحدة منذ انشاء الكيان الصهيوني
حتى اللحظة. والرئيس بوش لن يكون استثناء لمنظومة الرؤساء الاميركيين
السابقين، الذين باتوا في معظمهم ، يودون قبل انهاء كل منهم لولايته،
اجتراء المعجزات من خلال التحرك السياسي في قضية كبيرة واساسية على
الصعيد العالمي.
هكذا كان كلينتون، وها هو الرئيس بوش يكرر ما فعله سلفه، فهو يبدو
ومثلما قال احد الكتاب العرب (كمن يطلق طلقته الأخيرة!). المنطق
يقول: ان الرئيس الاميركي لو اراد حل الصراع في المنطقة حلا عادلا،
لفعل ذلك منذ بداية ولايته وليس في نهايتها ، لذا من الخطأ الكبير
المراهنة على موقفه الثابت رغم كل تصريحاته التي هي مثل رماد تذروه
الرياح!.
ثانيا: فيما يتعلق باسرائيل ، فان كل ما يبدو تحولا جديدا وكبيرا
في مواقفها بالنسبة للتسوية ، بما في ذلك التشدق بـ (اعطاء دولة
للفلسطينيين) ماهو إلا سراب ، بل هو في جوهره: نسخة معدلة من مشروع
آلون الذي صاغه في عام 1973 والذي يهدف في جوهره الى اعطاء الفلسطينيين
حكما ذاتيا مجردا من أية سيادة فعلية حتى لو سموا دولتهم بـ (الامبراطورية)
والدليل على صحة ذلك هو الأطروحات الاسرائيلية منذ ما قبل اوسلو،
ومرورا بها وما بعدها وحتى اللحظة، فالخطوط الحمراء الاسرائيلية
بالنسبة للتسوية مازالت مثلما كانت، بل تزداد تشددا، وكل الجديد
الذي حصل هو ان اسرائيل اخذت من الولايات المتحدة عن طريق الرئيس
بوش ضمانا استراتيجيا لها، اي انها اصبحت سياسية اميركية ايضا بالنسبة
للتسوية.
ثالثا: على صعيد الوضع الفلسطيني، فان ما يبدو انه سلطة، ان في الضفة
الغربية او في غزة، هو ايضا بعيد عن الواقعية فأية سلطة هذه التي
تنتشر الحواجز الاسرائيلية في مناطقها او حول مدنها وقراها وعلى
معابرها الحدودية؟ وأية سلطة هذه التي لا تستطيع منع اجتياح القوات
الاسرائيلية لمدنها وقراها؟ وأية سلطة هذه التي تأتي القوات الاسرائيلية
الى مناطقها لتستبيح اراضيها وتعتقل من تشاء من ابنائها؟.
لكل ذلك، فان التنازع على السلطة ما هو في حقيقته، ومثلما قال احد
الكتاب العرب (سوى تقاتل المسجونين على من يملك مفتاح السجن). السلطة
الحقيقية هي السلطة كاملة السيادة على اراضيها (وما تحتها) وعلى
أجوائها وعلى مياهها الاقليمية وعلى كل حدودها ومعابرها. وهذه لن
تتأتى وتتحقق وفقا لموازين القوى الحالية، بل يلزمها نضال وتضحيات
مريرة، وتغيير في الموازين، اي اننا بالفعل امام مرحلة اخرى من النضال
الوطني الفلسطيني، الذي يعتمد على المقاومة بكل اشكالها وابرزها
الكفاح الوطني المسلح، المشروع بقرارات صادرة عن الأمم المتحدة لكافة
الشعوب المحتلة من قبل الآخرين. برغم ان الزمن الحالي هو غير الزمن
الذي صدرت فيه مثل هذه القرارات، لكنها لا تلغى بالتقادم، تماما
مثلما هي الحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير واقامة
الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة وعاصمتها القدس، هذه الثوابت
الاساسية الفلسطينية تشكل قاسما مشتركا بين كافة التنظيمات الفلسطينية،
لذا من الطبيعي والحالة هذه ان تتحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية
على هذه القاعدة والارضية الصلبة، بعيدا عن الاقتتال الداخلي، وفرض
برامج هذا التنظيم الفلسطيني او ذاك على التنظيمات الاخرى في اطار
من الديموقراطية الحقة (وليس اللفظية) وعلى قاعدة (انا وانت نصنع
الحياة) وعدم اقصاء الآخر من خلال الادعاء بالحكمة والحقيقة المطلقتين.
فمن خلال الحوار والحوار فقط يمكن الوصول الى فض الاختلافات بين
كافة الاطراف والوصول الى برنامج الاجماع الوطني، ووضع السبل الكفيلة
لعدم تكرار ما حدث في غزة، مع اهمية محاكمة ما حصل فيها.
كذلك لابد من ادراك: ان الخطر الاسرائيلي ليس مقتصرا على فلسطين
والفلسطينيين فحسب، بل على العرب ودولهم، بالتالي فان البعد القومي
العربي هو لازمة اساسية من حيث ارتباطه العضوي بالبعد الوطني الفلسطيني.
تماما مثلما هو عدم الاستفادة من تجارب اوسلو، فإن الانقسام ساهم
ويساهم في تدمير عموم المشروع الوطني الفلسطيني، كذلك هو الاهمال
المتعمد للانجاز الوطني الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية
او اخذ الموقف السلبي منها بالتذرع انها حكر على فريق دون فريق.
منظمة التحرير الفلسطينية هي الحاضنة للفلسطينيين في الوطن والشتات
وفي كل مواقع تجمعهم مثلما هي الحاضنة لكل الفصائل الفلسطينية بيمينها
ويسارها. على ضوء الانقسام الحالي وافرازاته وتداعياته فإن هذا الانجاز
الوطني المطلوب فورا اعادة بنائه واصلاحه على قواعد الثوابت الفلسطينية
في تطوير جديد لآليات فعله.
هذا الانجاز مثلما هو المشروع الوطني ومثلما هي الهوية الوطنية مهدد
ومهددة بالضياع! لذا فهل يكون المجلس المركزي الفلسطيني بمستوى هذه
الاحداث..والرد عليها؟ وهل يدعو المجلس لدورة جديدة للمجلس الوطني
الفلسطيني..والاحداث تستحق هذا الانعقاد؟.
د. فايز رشيد*
كاتب فلسطيني
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|