|
فتاوى وأحكام
*جماعة دخلوا المسجد الحرام من قبالة الميزاب ومشوا عكس الطواف حتى
وصلوا إلى الحجر الأسود؟
**هم لم يكونوا طائفين في تلك الحالة وإنما هم يؤمون المطاف، هم قاصدون
إلى بداية المطاف فلا حرج عليهم في ذلك .
*رجل أثناء الطواف تجاوز الخط الذي يبتدأ منه الطواف نسياناً ثم تذكره
بعد عدة خطوات، هل يبدأ طوافه من حيث تذكر؟
**لا، بل لا بد من أن يرجع ويبدأ طوافه وهو في مقابل الحجر الأسود،
لا بد من أن يكون الحجر داخلاً في بداية طوافه، وإلا فذلك الشوط لا
يعتد به .
*رجل طاف الشوط الأول في الطابق الأول ثم أراد أن يكمل الستة المتبقية
في الصحن فهبط إلا أن الهبوط اضطره إلى أن يخرج من المسجد ثم دخل مرة
أخرى ليكمل الستة؟
** بما أنه باق على
وضوءه الذي توضأه لطوافه ذلك لم ينتقض وضوءه فإنه يبدأ من أول المطاف
أي من قبالة ركن الحجر لبقية الأشواط، ولا عليه حرج في كونه بدأ الطواف
من أعلى ثم وجد الفرصة ليكمله أسفل، والله تعالى أعلم .
* لكثرة الزحام في المسجد لم يستطع البعض أن يركع أو يسجد بشكل صحيح
فاضطروا إلى الإيماء، فما الحكم؟
**الأمر لله ، حقيقة الأمر الأصل أن الركوع والسجود ركنان من أركان
الصلاة، ولا يمكن الإخلال بهما مع القدرة على الإتيان بهما، أما العاجز
فإنه يعذر، ذلك لأن الله تعالى يقول ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً
إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7) ، ويقول ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286)، ويقول النبي صلى الله
عليه وسلّم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فالعاجز يعذر،
أما غير العاجز فعليه أن يوفي الصلاة جميع حقوقها، وأن يستوفي جميع
أركانها وشروطها، والله تعالى أعلم .
*رجل كبّر تكبيرة
الإحرام ثم جاءت موجة من الناس زحزحته عن مكانه إلى مكان بعيد عن المكان
الذي كبّر فيه، هل يقطع الصلاة، أم يستمر؟
**بما أن فعله ذلك
لم يكن اختياراً منه وإنما كان عن اضطرار فصلاته إن شاء الله صحيحة
وليكمل صلاته، لأنه لم يخرج من مكانه بسبب اختياره، وإنما كان ذلك
بدون قصد منه، وهذه من العوارض. على أن الإنسان له في حالة الاضطرار
أن يدع ذلك المكان إلى مكان آخر، عندما يكون في حالة الصلاة وينزل
به المطر وهو لا يطيق ذلك المطر فله أن يدخل في مكان يقيه المطر، وهكذا
ما كان من نحو ذلك .
*حتى لو كانت هذه الزحرحة اضطرته إلى أن يستدبر الكعبة؟
**هو لم يستدبرها
مختاراً، وإنما استدبرها اضطراراً .
*في من صلى خارج
المسجد خلف باب المروة في الساحة المبسوطة هناك، هل له أجر الصلاة
داخل المسجد؟
**الإنسان يرجو من
الله تعالى الخير، ولكن الفضل إنما هو في الصلاة داخل المسجد الحرام،
لا خارج المسجد الحرام، فحيث ما يعد مسجداً فثم من الأجر ما هو موعود
به من صلى داخل المسجد الحرام، أما إن كان صلى خارج المسجد فتلك صلاة
يرجى له أيضا ثواب عليها ولكن بطبيعة الحال ليس هو ثواب من صلى داخل
المسجد الحرام .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
(رسالة من القلب)
المؤمن نور يمشي على الارض يهتدي بنوره التائهون
في الظلمات وفي الليالي الحالكات وإذا ما تحول عن هدفه وانحرف عن دربه
أصبح وبالا على نفسه وعلى الأمة، لا بد من وقفة لمحاسبة النفس على
التقصير فالكل مطالب أن يزن أقواله وأفعاله بميزان الحق ومن رأى أنه
قد حاد عليه أن يرجع سريعا قبل أن تتنازعه الأهواء وتضل به المسالك
ويؤلم النفس ويتفطر الفؤاد وتدمع العين عندما نرى البعض ليس له هدف
إلا بعثرة الأوراق وتشتيت الأفكار بدعاوى كثيرة، هؤلاء في الحقيقة
يفسدون أكثر مما يصلحون لان الهدف وان كان ظاهره الرحمة ففي باطنه
مر العذاب.
فعليهم أن يراجعوا ماضيهم وما قدموا ويتداركوا ما فاتهم ويندموا فالنفس
اذا لم تحمل على التزكية والترفع عن سفاسف الامور انحطت بصاحبها في
قعر عميق من الغواية ولربما عانى صاحبها زمنا في إعادتها الى الجادة
والصواب.
الأمة رزئت وترزأ يوما بعد يوم في أبنائها وثوابتها ومبادئها وتتكالب
عليها الأمم شرقا وغربا ولا زلنا نراوح مكاننا نساهم في زيادة الخرق
وتمزيق الصف وتفريق الكلمة فلنتق الله عزوجل ولنصحح النية ونسخر طاقاتنا
ومواهبنا في خدمة ديننا وامتنا ومجتماتنا فهذا ما ينفعنا في آجل امرنا
وعاجله ولا مناص عن هذا الطريق إن أردنا السلامة في الدين والدنيا.
فالله الله أخي لا يكن هم أحدكم محاكاة الناس فكتاب الله وسنة رسوله
ـ صلى الله عليه وسلم ـ هما المنهج وعند التنازع يفزع اليهما ففيهما
الإخلاص والخلاص.
وما ضل من كان القران دليله ....
وما خاب من سير القران يسير
تمسك به في حاله السخط والرضى ....
وطهر به الآفات فهو طهور
ولن يضيع عمل مخلص لله تعالى كان الله أسمى غايته وهم قليل نسأل الله
أن نكون منهم انه سميع مجيب .
سيف بن عبدالله اليحيائي
أعلى
مفهوم العبادة في الاسلام
قد يفهم كثير من المسلمين أن (العبادة) في الاسلام
مقصورة على مسألة الصلاة خمس مرات بركوعها وسجودها، والزكاة التي تحصّل
في قدر من المال مملوك لصاحبه، وحال عليه الحول، فيخرج صاحبه عنه اثنين
ونصفا بالمائة، ثم يحج اذا كان مقتدرا وإلا سقط عنه الحج، ثم يمضي
في الحياة وقد حقّق معنى العبادة دون أن يكون لها دخل في كل حياته
وسائر شؤونه، والحقيقة أن هذا فهم قاصر، وهو في الوقت نفسه يدل على
ضعف في النظرة، وقلة وعي بمقاصد هذا الدين العظيم، إن العبادة لها
مفهومها الشامل والجامع إذ هي التطبيق العملي لما يتلقاه المسلم من
تعليمات دينه، ومن ثم فهي تشمل كل حركة يتحركها الانسان، وتنتظم كل
دقة قلب ورجفة فؤاد ورشفة ماء، وشهقة هواء، إنها بحق تجعل الحياة محصورة
بين قوسين مكتوب بينهما (الحياة كلها عبادة)، فإذا جعل الانسان إرضاء
ربه قبالة عينيه من لحظة استيقاظه إلى لحظة نومه، ومن ساعة ممارسته
عمله إلى إخلاده للراحة ـ فذلك عبادة، لكنّ ثمة أموراً ينبغي التنبه
لها ونحن في طريق عبادتنا حتى تصحّ وتكون أقرب إلى القبول منها.
* أن العبادة قد تردّ على صاحبه ولا تقبل إذا عملها صاحبها بسوء وبشكل
غير صحيح أو دون علم كما ورثها عن أبيه او جدهّ دون الالتزام بصحة
او ارتكان إلى سلامة ودقة كالذي يصلي دون إعطاء كل ركن من أركان الصلاة
حقه وبلا اطمئنان، ينقرها نقر الغراب، ونحن نحفظ حديث المسيء صلاته
الذي قال له الرسول (ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ قالها ثلاثا حتى قال الصحابي،
والذي بعثك بالحق لا أحسن سواها)، فعلّمه الرسول الصلاة الصحيحة، فالعبادة
قد تقبل وقد لا تقبل قال تعالى:(واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ
قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال
إنما يتقبل الله من المتقين)، وقال ـ جل جلاله ـ:(قل أنفقوا طوعا أو
كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين)، فرغم أنها قرابين وإنفاق
وأعمال جليلة إلا انها لم تقبل وردت عليهم لأنها لم تكن ترضي الله
ـ سبحانه ـ.
* أن العبادة حتى تكون صحيحة يلزمها شرطان: الإخلاص والسير على نهج
النبوة أو الاتباع وعدم الابتداع، لابد من هذين الاساسين قال ـ تعالى
ـ:(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)،
عمل صالح وعدم شرك، والعمل الصالح هو ما ترسم خطى الرسول وسار معه
كظله، وعدم الشرك يعني الاخلاص الكامل لله.
* أن يستمر المرء في تصحيح النية أو العمل ووسطه وآخره، ويخشى الرياء
والظهور والسمعة حتى لا يذهب العمل والعبادة أدراج الرياح كالهباء
المنثور والذرّ المبعثر أشلاء، قال ـ تعالى ـ: (وقدمنا إلى ما عملوا
من عمل فجعلناه هباء منثوراً).
* لابد من العبادة التي يتبعها الوجل وخشية الله في عدم القبول والسؤال
المتتابع المخبت المتضرع، (الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم
إلى ربهم راجعون)، ونجد ذلك واضحا في السيرة، إذ يروي ابو دواد والنسائي
عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أخذ بيده ذات مرة، وقال له:(يا معاذ، والله إني لأحبك، ثم أوصيك يا
معاذ لاتدعنّ في دبر كل صلاة تقول:(اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك)، وحسن العبادة أن تخرج من قلب محبّ وجل خائف خاشع، يعمل العمل
ويرجو قبوله، ويقوم بالطاعة يسبقها الاخلاص ويتبعها الإشفاق ويملؤها
الخضوع والخشية والدموع والرجفة لأن الناقد بصير، فقد يتخللها شيء
من الرياء يودي بها.
* إن العبادة التي خلقنا من اجلها (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)
يجب ان تكون محل تنافس وموضع استباق (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)
(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ..) (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم
احسن عملا) وحسن العمل ـ كما يقول الفضيل بن عياض ـ: (هو خلق الموت
والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وحسن العمل إذ كان خالصا ولم يكن
صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا
وصوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة)، ولذلك لابد
من البعد عن البدع او الزيادة على ما هو مسنون، ففي الحديث المتفق
عليه:(من أحدث في أمرنا ماليس منه فهو رد).
* اتباع السنة في مسائل العبادات من أوجب الواجبات ، فقد ترد العبادات
من هذا الجانب وهو عدم الاقتداء بالرسول في قضايا العبادة والاكتفاء
بالقرآن الكريم فقط، فهذا جهل بالقرآن لأن الله ـ تعالى ـ يقول في
كتابه العزيز:(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم
ذنوبكم) وقال ـ سبحانه ـ:(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم..) قال ابن القيم في تهذيب مدارج السالكين:(وكل من عبد الله
بغير أمره، واعتقد عبادته هذه قربة فهو في ضلال كمن يظن أن سماع المكاء
والتصدية قربة، وأن الخلوة التي تضيع الواجبات عبادة، وأن ذكر الله
بالاسم المفرد عبادة، وأن مواصلة صوم النهار بالليل عبادة إلى غير
ذلك مما يفعله الجاهلون). لابد من تحقيق التوازن بين الاخلاص والاستنان
وعدم الاختراع في قضايا العبادة، وجعلها كلها لله وارتباطها بكل شؤون
الحياة (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك
له وبذلك أمرت وانا أول المسلمين)، نسأله ـ سبحانه ـ أن يرزقنا فهما
صحيحا للعبادة يدفع إلى فهم أنضج وإدراك أشمل وأنبل والحمد لله رب
العالمين.
مها محمد البشير حسين نافع
ماجستير في الشريعة الاسلامية
أعلى
الإسلام والذوق الرفيع
رقيقة هي اخلاق هذا الدين، وسامية هي تعاليمه،
وكاملة هي توجيهاته وارشاداته، والمرء في هذه الحياة يسعى دوما للارتقاء
بنفسه، والتسامي نحو العلا بذاته، ويكبر في عين غيره اذا نصب قدميه
على طريق الجادة وسبيل اهل الاستقامة والاخلاص، وان رجلا يمشي بآداب
دينه وقيم تعليماته لهو نعم الرجال ومحط الآمال، قال تعالى (واذكر
اسم ربك وتبتل اليه تبتيلا)، وقال (والذين آمنوا أشد حبا لله)، وحبهم
لله يدفعهم الى تنفيذ اوامره واجتناب نواهيه والعمل بأحكامه والوقوف
عند حدوده، والصبر على مشاق الطريق وأعبائها، ومن ثم يعمد القرآن الى
تبصير الدعاة برسالتهم، وضرورة الصبر على لأوائها وتكاليفها قال تعالى
(واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) المزمل 10، انه لخلق رفيع،
ان يتحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ورائه المسلمون قاطبة ما
يتفوه به اهل الباطل، وارباب الهوى واساطين الفسوق، إنهم يستهزئون
بالمؤمين (واذا مروا بهم يتغامزون) واذا رأوا اهل الايمان يسخرون منهم،
ويزدرونهم بأعينهم ويزلقونهم بأبصارهم، واذا عادوا الى اهليهم رجعوا
متفكهين مستظرفين مستخفين بأهل الهدى (واذا انقلبوا الى اهلهم انقلبوا
فكهين) ثم انهم يصدون عن سبيل الله من آمن، ويبغونها عوجا، ويلصقون
التهم الجائرة لاهل الطهر والنقاء، وذوي العفة والصفاء، ولذلك وجب
ان يتسلح المؤمنون بسلاح اقوى وامضى وهو سلاح الايمان والصبر ، فالصبر
نصف الايمان والصبر مفتاح الهدى وطريق التمكين وسبيل الموحدين الصادقين
، ويكفي ان الله مع الصابرين ويحب الصابرين وليس للصبر جزاء إلا الجنة،
فقيمة الصبر بعاقبته وعاقبته حميدة ونهايته كريمة، واهله منعمون ومن
ربهم مكرمون، لكن هذا الصبر على اقوال الفساق والعابثين ينبغي ان يقابل
بشيء من الهجر الجميل، والهجر الجميل يعني الوصال بالحسنى، واللقيا
والابتسام لا ان يتطور الى نزاع وخصام، او هجر غير جميل يتناسى فيه
الناس اخلاقهم ويضيعون اعمالهم واعمارهم ـ انما يكون الهجر جميلا اذا
راع حرمة الانسان وعرف حقوقه ولو كان خصما لدودا وعدوا حقودا، هجر
يحمل في طياته الرحمة، وعنوانه التسامح، وغايته الرضا عن الله وسبيله
الاخلاص ورقابة السماء وعاقبته الجنة ومنازلها، وهذا ما يجب فهمه من
هذه الصفة التي تبعت الموصوف (هجرا جميلا) والملاحظ ان كلمة (جميل)
صفة مشبهة وتعني ان الجمال في الصبر امر ملازم له، مستمر معه، كالإنسان
وظله او المرء ونفسه لا يفترقان وهو معنى نبيل وأدب جليل نحن في امس
الحاجة اليه وضرورة الاعتماد عليه.
وفي قوله عز من قائل (إن ربك يعلم انك تقوم ادنى من ثلثي الليل ونصفه
وثلثيه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم ان لن تحصوه
فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون
يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا
ما تيسر منه واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واقرضوا الله قرضا حسنا وما
تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا واعظم اجرا ، واستغفروا
الله إن الله غفور رحيم ). المزمل 10.
آية جامعة مانعة تحملت من الآداب اكملها ومن التعاليم اوفاها وأتمها
وأسناها، حيث تحترم شرائح المؤمنين، فهم إما مرضى وإما ساعون في الارض
يبحثون عن ارزاقهم واما مجاهدون في سبيل الله، فهم مجتمع العاملين
، واهل النشاط والعمل لا يعرف الكسل اليهم طريقا، ولا يحل باحدهم ملالة
او سأم، دأبهم الكلال وعنوانهم السعي لكسب الحلال والخوف من رب العزة
والجلال، ومع ذلك كله هم اذا دخل الليل واسدل ستاره افترشوا الجباه
وسمع لصدورهم أزيز البكاء وحنين الى رب العالمين، مرغوا وجوههم لعزة
ربهم وجلال مولاهم، يرون اكمل العز في اكمل الذل، وأرق العبادة في
سجود القلب للمولى، فهم لا ينسون قيام الليل، فهو موزع بين ثلثي ليلهم
ونصفه وثلثه، والله يراقبهم ويباهي بهم ملائكته في عليائه، ومن ثم
فهم عنده كرام وعملهم مقبول ، وثوابهم كبير وعظيم. ومن هنا كان لزاما
على المسلمين ان يحافظوا على اقامة الصلاة وايتاء الزكاة، وقرض الله
ـ الذي هو مستغن عن كل ما في ايدي عباده ـ قرضا حسنا لا ربا فيه ولا
زيادة، ولينظر احدهم ان ما يقدمه اليوم سيحصده غدا وما يزرع هنا يثمر
هناك، وما خرج بإخلاص وصل سريعا، واثمر سريعا ، لكن لابد ان يقدم بتواضع
واستغفار واجلال لله وإكبار حتى نستنزل الرحمة، ونستمطر المغفرة، نعم
انها آداب الاسلام كله رفعة وسمو وذوق وعلو، وجلال وحنو، ما أعظم الكتاب
العزيز وما أسمى ذوقه وما أجل إرشاداته، وصلى الله وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
د. جمال عبدالعزيز احمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم
أعلى
عمرو بن الجموح...
كان عمرو بن الجموح سيد بني سلمة قد جاوز الستين
من عمره حين بدأت أشعة الإيمان تغمر بيوت يثرب بيتا فبيتا حتى على
يد الداعية الأول مصعب بن عمير رضي الله عنه فآمن على يديه أولاده
الثلاثة: معوذ ومعاذ وخلاد، وصاحب لهم يدعى معاذ بن جبل، وآمنت مع
أبنائه الثلاثة أمهم هند وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئا رأت هند
زوجة عمرو بن الجموح أن يثرب غلب على أهلها الإسلام، وأنه لم يبق من
السادة والأشراف أحد على الشرك سوى زوجها ونفر قليل معه، وكانت تجله
وتشفق عليه من أن يموت على الكفر فيصير إلى النار، وكان هو في الوقت
نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدوا عن دين آبائهم وأجدادهم وأن يتبعوا
هذه الداعية مصعب بن عمير الذي استطاع في زمن قليل أن يحول كثيرا من
الناس عن دينهم وأن يدخلهم في دين محمد، فقال لزوجته: يا هند، احذري
أن يلتقي أولادك بهذا الرجل "يعني مصعب بن عمير" حتى نرى
رأينا فيه.
فقالت: سمعا وطاعة، ولكن هل لك أن تسمع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا
الرجل؟.
فقال: ويحك وهل صبأ معاذ عن دينه وأنا لا أعلم؟.
قالت كلا ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية وحفظ شيئا مما يقوله.
قال: ادعوه إلي... فلما حضر بين يديه قال: أسمعني شيئا مما يقول هذا
الرجل.
قال: "بسم الله الرحمن الرحيم*الحمد لله رب العالمين*الرحمن الرحيم*مالك
يوم الدين*إياك نعبد وإياك نستعين*اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين"
فقال عمرو: ما أحسن هذا الكلام وما أجمله! أوكل كلامه مثل هذا؟. فقال
معاذ: وأحسن من هذا يا أبتاه، فهل لك أن تبايعه، فقومك جميعا قد بايعوه...
سكت عمرو.. ثم قال: لست فاعلا حتى أستشير مناة فأنظر ما يقول.
فقال له معاذ: وما عسى أن يقول مناة يا أبتاه وهو خشب أصم لا يعقل
ولا ينطق؟
قال عمرو في حدة: قلت لك لن أقطع أمرا دونه.
ثم قام عمرو بن الجموح إلى مناة وكانوا إذا أرادوا أن يكلموه جعلوا
خلفه امرأة عجوزا، فتجيب عنه بما يلهمها إياه ـ في زعمهم ـ ثم اعتمد
أمامه واعتمد على رجله الصحيحة، فقد كانت الأخرى عرجاء شديدة العرج،
فأثنى عليه أطيب الثناء ثم قال: يا مناة لا ريب أنك قد علمت بأن هذا
الداعية لا يريد أحدا بسوء سواك... وأنه إنما جاء إلينا لينهانا عن
عبادتك.. وقد كرهت أن أبايعه على الرغم ما سمعته من جميل قوله حتى
أستشيرك فأشر علي، فلم يرد عليه مناة بشيء، فقال: لعلك قد غضبت...
وأنا لم أصنع شيئا يؤذيك بعد... ولكن لا بأس فسأتركك أياما حتى يسكت
عنك الغضب.
كان أبناء عمرو بن الجموح يعلمون مدى تعلق أبيهم بصنمه مناة وكيف أنه
غدا مع الزمن قطعة منه، ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه،
وأن عليهم أن ينتزعوه من قلبه انتزاعا.
سار ليلا أبناء عمرو بن الجموح وصاحبهم معاذ بن جبل إلى مناة وحملوه
من مكانه وذهبوا به إلى حفرة لبني سلمة يرمون فيها أقذارهم وطرحوه
هناك وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد، فلما أصبح عمرو مشى إلى
صنمه لتحيته فلم يجده.
فقال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟!. فلم يجبه أحد بشيء، فأخذ
يبحث عنه في داخل البيت وخارجه وهو غضبان ويتهدد ويتوعد حتى وجده منكسا
على رأسه في الحفرة فغسله وطهره وطيبه وأعاده إلى مكانه وقال له: أما
والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه، فلما كانت الليلة الثانية عدا
الفتية على مناة ففعلوا فيه مثل فعلهم بالأمس، فلما أصبح الشيخ التمسه
فوجده في الحفرة ملطخا بالأقذار، وغسله وطيبه وأعاده إلى مكانه، وما
زال الفتية يصنعون بالصنم مثل ذلك كل يوم، فلما ضاق بهم ذرعا راح إليه
قبل منامه، وأخذ سيفه وعلقه برأسه وقال له: يا مناة إني والله ما أعلم
من يصنع بك هذا الذي ترى ،فإن كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا
السيف معك... ثم أوى إلى فراشه فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد
غط في نومه حتى هبوا إلى الصنم فأخذوا السيف من عنقه وذهبوا به خارج
المنزل وربطوه إلى كلب ميت بحبل وألقوا بهما في حفرة الأقذار، فلما
استيقظ الشيخ، ولم يجد الصنم، خرج يبحث عنه فوجده مكبا على وجهه في
البئر مربوطا إلى كلب ميت، وقد سلب منه السيف فلم يخرجه هذه المرة
من الحفرة، وإنما تركه وأنشأ يقول:
والله لو كنت إلها لم تكن..
أنت وكلب وسط بتر في قرن
ثم ما لبث أن دخل في دين الله.
إعداد: صفية بنت سعيد بن خلفان العيسرية
..معهد العلوم الشرعية..
أعلى
|