بين السياسة والجغرافيا والثقافة.. والذات..!
رحلة إلى الجنوب اللبناني
د. فايز رشيد*
للريف نكهته الخاصة والمحبّبة، ذلك لارتباطه بالطبيعة.. بسحرها وبراءتها
وعذريتها الأزلية، حيث تتحد عناصر الكون في أبهى صورها: جبال عالية
تحتضن أشجاراً كثيرة، تنزرع بعيداً في التاريخ، أفُقٌ واسع ممتد،
يعمل مثل (مايسترو) وبلا كلل، فضاءات جميلة تمتلئ بسحر الأغنيات
يشدوها الساكنون، ترجع صدى متلألأ في وديان سحيقة، تُلهمُ العصافير
وكل الطيور الأخرى ألحانها الشجية في الصباحات النّدية، حيث تفرش
الأزهار أوراقها لتغني هي الأخرى مع خيوط الشمس الأولى.. معلنة بدء
نهار العمل.
يسرح الفلاحون إلى حقولهم مرددين أغنيات الصباح الدافئة، ينطلق الطلاب
إلى مدارسهم، وتأخذ الحياة دورتها المتصلة، يُبحر الصيادون لِلَّمِ
رزقهم، ويذهب الكادحون إلى أماكن عملهم.. وتطفح بيوت القرى والبلدان
الصغيرة، المتكئة على صدور الجبال برائحة القهوة المميزة في المشهد
البانورامي الشعبي، المتأصل مثل قوس قزح.. في تراثٍ تقليدي، يشهد
للساكنين بعمق ارتباطهم بالأرض.
بكل هذا العشق.. أنظر إلى الريف في كل مكان.. فكيف إذا كان هذا الريف
مرتبطاً بكل المعاني الوطنية الجميلة؟ كيف إذا كانت تلك الأرض معمدةٌ
بدماء الشهداء الذين دافعوا في سبيل عروبتها وفي الإبقاء عليها حرّة
أبيّة بعد تحريرها من دنس المعتدين؟ كيف تكون الرحلة وبأية مشاعِر..
إذا كانت للجنوب اللبناني، الذي حقق نصراً استراتيجياً على العدو
الصهيوني في عام 2006؟ والذي ما زال صامداً بسواعد أبنائه من المقاتلين،
وهم يجبرون أعداءهم (والذين هم أعداؤنا جميعاً) على التفكير ألف
مرّة قبل إعادة إنتاج عدوانهم من جديد؟ كيف تكون الرحلة لإنسان عاش
نفس المعاناة على أيدي ذات العدو، على امتداد نصف قرن زمني، منذ
نعومة أظفاره، بدءاً بتفتح الوعي لديه حتى اللحظة الحالية، في محطات
كثيرة: العدوان على بلدته، على كل مدن وقرى وطنه، الاحتلال، السجن،
الإبعاد، الاغتراب، المنفى.. وما زال يعيش هذه المعاناة مثل كل أبناء
شعبه حتى الآن؟ العدوان لم يقتصر على بلدٍ عربي دون آخر، بل مورس
على أكثر من بلدِ عربي، وما زال يُمارَس.
***
في 17 يوليو من نفس العام، كان العدوان الصهيوني الأخير على لبنان،
وكانت مجزرة قانا الثانية، ومجازر أخرى غيرها. ورغم حرصي على زيارة
لبنان في أوائل سبتمبر (بعد العدوان) ضمن وفد لاتحاد الكتاب، إلا
أننا لم نستطع الذهاب إلى الجنوب، بسبب تدمير الجسور والطرق الرئيسية
الموصلة إلى مناطقه، واقتصرت زيارة الوفد إلى العاصمة اللبنانية،
حيث شاهدنا الدمار الكبير الذي أُلحق بها، وبخاصة في الضاحية الجنوبية،
وهو ما سجّلته ضمن مقالتين سياسيتين نشرتا في حينها.
وفي هذا العام، وفي عطلة عيد الفطر وقبيل انتهاء رمضان المبارك،
ذهبنا وزوجتي في إجازة إلى صور، وأثناء ذلك، انطلقنا في زيارة إلى
غالبية مناطق الجنوب اللبناني في رحلة امتدت على مدى نهارٍ واحد..
منذ التاسعة صباحاً وحتى السادسة مساءً، رحلة أحرص على تسجيل وقائعها
في تقرير (سريع) إن جاز التعبير.. نظراً لاختلاط السياسي والثقافي
والجغرافي فيها مع المعتقدات الذاتية، التي أوردت بعضاً منها، ليس
حباً في إبرازها، بل بالمقدار الذي تعود فيه إلى الالتحام العضوي
ما بين الذات والواقع بكل معطياته، ضمن سرد قصصي، أتمنى أن يكون
ممتعاً للقارئ.
***
انطلقنا وزوجتي ابنة الجنوب، المناضلة الفلسطينية، اللبنانية الأصل،
ليلى خالد، في السيارة الخاصة للصديق الكاتب والسياسي اللبناني:
بلال شرارة، ابن مدينة بنت جبيل (عاصمة الجنوب)، والذي اعتذر عن
مرافقتنا بسبب عمله في مجلس النواب اللبناني، حيث عُقدت جلسة له
في ذات اليوم لإقرار بعض القوانين الإدارية.. لكنه، خصص (متكرماً)
سائقه الخاص، ابن الجنوب، والذي يعرف كل شبرٍ في أرضه: محمد تقلاوي،
وبذلك تجاوزت استصدار تصريح لي (كوني أحمل جنسية غير اللبنانية)
من ثكنة للجيش في مدينة صيدا، فالسيارة التي تحمل رقم مجلس النواب،
لا يجري تفتيشها.
سرنا من صور باتجاه الجنوب على الطريق الرئيسي، الذي تجري إعادة
تعبيده بتمويلٍ إيراني، أخذ على عاتقه، إصلاح كافة الطرق والجسور،
التي جرى تهديمها بفعل العدوان الصهيوني.
في الطريق إلى المحطة الأولى (قانا).. كانت تجتاحني أفكار مختلطة
كثيرة بين واقع لبنان سابقاً وواقعه الحالي من حيث:
أولاً: تصاعد وتيرة الفرز الطائفي والمذهبي، الذي بدأت ألمسه في
زيارات من قبل، على المستوى الشعبي. وبرغم معرفتي المسبقة بالواقع
اللبناني وفي مدنه الرئيسية.. فإنني لم ألمس بروز هذه المسألة في
زياراتي السابقة سوى في بعض الأوساط الضيقة الأفق.
ثانياً: التخوف لدى كافة فئات الناس من الاحتمال الكبير لتفجر الوضع
الداخلي اللبناني، في اقتتال بين الفرقاء اللبنانيين، أو من احتمال
قيام إسرائيل بعدوانٍ جديد على لبنان، وبخاصة أن لبنان عانى اقتتالاً
داخلياً امتدّ لسنوات طويلة، لم يكسب من نتيجته أحد، بل ان كافة
الأطراف، والبلد، والشعب.. عانوا جميعاً جرّائه، الأمر الذي أثّر
على بهجة العيد، وعلى الاقتصاد اللبناني، إن بالمنحى الداخلي، أو
بالزيارات السياحية الموسمية، التي عادة ما يقوم بها العرب والأجانب
إلى لبنان في الصيف وفي الأعياد، فالفنادق في معظمها فارغة، وحركة
السوق في ركود، حتى أن الناس وفي معظم الأمسيات يميلون إلى الجلوس
في بيوتهم، متتبعين أخبار الساسة اللبنانيين وحركتهم وتصريحاتهم..
وبخاصة أن البلد على أبواب استحقاق الرئاسة اللبنانية، دون وجود
ما يشي باتفاق بين الموالاة والمعارضة على الرئيس!
ثالثاً: تأثر وجهة النظر السياسية للفرد اللبناني، وفقاً لتأييده
لأيٍّ من الطرفين، حتى في النظرة إلى العدو الخارجي. فالبعض من اللبنانيين
يرى للأسف، بأن سبب العدوان الصهيوني الأخير على لبنان، كان اختطاف
حزب الله للجنديين الإسرائيليين في الجنوب، حينها! وهؤلاء يرون أن
حزب الله لم يحرز نصراً، أو يحاولون التخفيف من وقع هذا الانتصار!
في معظم النقاشات التي أدرتها مع أصحاب هذا الاتجاه، كنت أحرص على:
تأكيد عدوانية إسرائيل على الفلسطينيين والعرب، دون حاجتها إلى ذرائع!
فما الداعي لمشاركتها في العدوان البريطاني ـ الفرنسي على مصر في
حرب السويس في عام 1956؟ وما الداعي لارتكابها المجازر في كفر قاسم،
ودير ياسين، وبحر البقر وغيرها، مع أن، لا المقاومتين الفلسطينية
واللبنانية كانتا موجودتين حين قيام إسرائيل، بها!
ولماذا يتم تجاهل ما أكده الكاتب الأميركي: سيمور هيرش، من أن مسؤولين
عسكريين وسياسيين، إسرائيليين وأميركيين اجتمعوا في واشنطن في أواخر
عام 2005 للتخطيط للعدوان الذي اقترفوه في صيف عام 2006؟ وغير ذلك
من الشروحات والأحداث الكثيرة! وصلنا إلى قانا، وزرنا مكان المجزرة
الأخيرة، التي ارتكبتها إسرائيل ضد المدنيين اللبنانيين في عام 2006،
بقصف ملجئهم في إحدى البنايات، والتي ذهب ضحيتها ما يزيد على الخمسين
شهيداً، من بينهم: أطفال وشيوخ ونساء!
لهول بقايا آثار المشهد، وبعد ما يزيد على العام من المجزرة، فإن
الناظر إلى بقاياه، من مدى الوحشية التي تسكن في عقول من خططوا وقاموا
بهذه المجزرة البشعة؟ وأنا أتطلع إلى المشهد المؤثر، استوعبت بكاء
وصراخ ذلك المذيع اللبناني، وهو أيضاً يعمل مراسلاً لإحدى الفضائيات
العربية، والذي وصل مباشرةً إلى المجزرة بعد حدوثها!
وأنا أتطلع إلى الصور.. استذكرت كل المجازر الأخرى التي ارتكبتها
الدولة الصهيونية في فلسطين وفي أكثر من بلدٍ عربي، واستذكرت المجازر
الكثيرة التي قام بها النازيون، وقد رأيت الكثير من أماكنها على
الأراضي السوفيتية، وبخاصة في بيلوروسيا (حيث تخصصت) وتحديداً مجزرة
قرية (خاتين) بالقرب من العاصمة مينسك! وغيرها.. وغيرها!
في الطريق إلى بنت جبيل
على الطريق المتدرج في اعتلائه تخوم الجبال، والهابط أحياناً نحو
الوديان، مروراً بالغابات المنتشرة على الجانبين، وتلك السهوب الخضراء
البعيدة، وهي تأتلف التجاور مع البحر الممتد أزلاً وتاريخاً وزرقةً
وعروبةً.. كانت النسمات العليلة الباردة في عز الصيف، والخالية من
الرطوبة كما في مدن البحر، تنتثر في الروح قبل افتراش الجسد، تلامس
شغاف القلب، لتخاطب الطبيعة في لغة شجية تليق بعشّاق، لتصنع من نسغها
مداداً.. يخط حروف الأصالة والقوة في التخاطب مع أعداء الطبيعة واللغة
والتاريخ! كانت الحروف هي الأخرى ترسم في الأفق تباشير النصر، وتغني
ألحان سيمفونيتها الرائعة، المتدفقة حناناً وياسميناً ورقةً لكلٍ
من ينظر إلى حضنها وطبيعتها بمنظار الحب.. وكانت تحكي أيضاً لغةً
نقيضة ضد الأعداء.. لغة تليق بنسور مقاتلة، تحمي التراب والهواء
والوطن، مثلما تحمي التاريخ الممتد منذ زمن الفينيقيين وقرطاج..
مروراً بالأندلس.. وعصر النهضة فيما بعد.. إلى زمنٍ حالٍ، تختلط
فيه المفردات! لكن الطبيعة تتقن تماماً توجيه بوصلتها في معركة المحافظة
على الذات.. وعلى العروبة.. وعلى كل العلاقات مع أبناء الأمة الواحدة
من المحيط إلى الخليج. كانت المفاجأة وسط هذا السحر الطبيعي الإلهي،
أن كاميرا التصوير الحديثة، التي كنت حريصاً على إحضارها معنا، خاليةٌ
من الشحن! وما أنَجدَنا في التقاط بعض الصور هو (المحمول) الذي يستعمله
محمد.
في الطريق إلى بنت جبيل.. مررنا بقرى: صدّيقين، كفرا، حدّاثة، حاريص،
وربما غيرها، وعن كل واحدةٍ منها، حدّثنا السائق عن معاركها الصمودية
الرائعة في وجه الأهداف التي أرادها العدوان. لكل قرية من تلك، نكهتها
المميزة، حيث لو أراد الكاتب العاشق لأرض الجنوب تأليف مجلدٍ لاستطاع،
فعدا عن البيوت الجنوبية المميزة الطراز المعماري، فإن الطبيعة أيضاً
حَبَتْ هذه القرى بلون وطعم مميزين! لكن أعداء التاريخ، الذين يعيثون
فساداً في الأرض.. هم أيضاً ضد الحضارة الإنسانية، ولذلك عملوا على
تدمير هذه القرى، في محاولةٍ يائسة لمحو أصالتها وعروبتها وانتمائها
اللبناني التاريخي.
دُرْنا في بنت جبيل، في وسط المدينة التاريخي المدمَرّ عن بكرة أبيه،
بحيث يجعل من الاستحالة إجراء أي ترميم لبيوته وأماكنه التاريخية،
الأمر الذي يحتّمُ إعادة بنائه، وكما علمت، بأموالٍ عربية.
أما أسواق المدينة القديمة، فقد جهّزت قطر أسواقاً مسبقة الصنع،
وضعتها في مكانٍ قريب، ذلك بشكل مؤقت حتى تتم إعادة بناء البلدة
القديمة على نفقة الحكومة القطرية، التي حرصت على الدفع المالي،
مباشرةً إلى السكان، من خلال التنسيق مع المسؤولين الجنوبيين.
زرنا معظم أحياء بنت جبيل، التي تشهد حملة إعادة ترميمٍ نشطة.
كما زرنا أماكن البطولات العظيمة فيها. تناولنا طعام الغداء لدى
عائلة صديقة لمرافقينا، وكانا قد أخبراها بقدومنا.
في مارون الراس ويارون
استأنفنا الرحلة إلى مارون الراس ويارون، وهما قريتان تتشكلان من
أبنية ذات بناء معماري فريد، تتكون في معظمها من فلل وقصور، وعلى
الأغلب هي للمغتربين من أهلها. حتى أن الجنوبيين يطلقون على القريتين
أسماء البلدين، اللذين هاجر أبناء القريتين إليهما! وللعلم، فإن
غالبية سكانهما، بالإضافة إلى بعض القرى القليلة الأخرى مثل علما
الشعب، هم من المسيحيين، الذين عاشوا مع المسلمين تاريخياً وما يزالون
في وئام دون أية مضايقات لهم من قبل أحد.
في الطريق إلى الناقورة
مروراً بقريتي: عين إبل وراميه في الطريق الجميل رغم تعرجه الشديد،
وعلى المفرق الواصل بين موقعي قريتي: عيتا الشعب وراميه، أشرَّ لنا
محمد على الموقع الذي تم فيه اختطاف الجنديين الإسرائيليين من قبل
مقاتلي حزب الله، قبيل بدء العدوان. على يسار الطريق الطويل الممتد،
كنا نرى الحدود اللبنانية مع فلسطين، وهي عبارة عن (شيك) مكهرب بأجهزة
خاصة، يليها طريق معبّد، يمر في سهول محاطة بجبال خضراء، مليئة بالأشجار.
رأينا المستعمرات الإسرائيلية القريبة، وشاهدنا بعض الدوريات العسكرية
الإسرائيلية وهي تجوب الشريط الحدودي، وأيضاً بعض مواقع الرادارات
الصهيونية، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان: الحدود الوهمية المصطنعة
بين البلدان التي كان يُطلق عليها جميعاً: بلاد الشام. كما استوعبت:
حقيقة الاتصال السكاني بين منطقتي: جنوب لبنان وشمال فلسطين، تجارةً،
وثقافةً، وانتقالاً، وعملاً.. وغير ذلك، فالعروس في بنت جبيل كانت
تشتري تجهيزاتها من مدينة حيفا، وذلك لقربها الجغرافي، مقارنةً مع
المسافة إلى بيروت.. بالطبع كان ذلك قبيل قيام دولة إسرائيل المصطنعة،
في عام 1948.
أطللنا على القرى السبع: البستان، أم التوت، يارين، مروحين، الطهيرة
(وما عدت أذكر اسمي القريتين الأخرتَينْ). هذه القرى كانت تشكل منطقة
مشتركة بين لبنان وفلسطين، حتى أن الدولة اللبنانية أعطت المهاجرين
من سكانها الجنسية اللبنانية، في وقت ليس ببعيد.
ما أثار استغرابي، هو ذلك البيت لأحد اللبنانيين، الذي بناه مالكه
بالقرب من الشريط الحدودي، على سفح التلة المقابلة، وهو يبدو منعزلاً
ووحيداً، ودون طرقٍ ظاهرة موصلة إليه.. إنه التحدي بعينه!
المنظر ذكّرني بطفولتي وببيارات قلقيلية الحدودية، ومن بينها، بيّارة
أهلي.. كنت حين أذهب إليها، أرى فاصلاً مع منطقة 48، تليه مساحة
قليلة هي بضعة مترات فقط، ثم تبدأ البيارات العربية (والتي أصبحت
فجأة إسرائيلية في افتئات واضحٍ على التاريخ!). كان أخي الأكبر:
المرحوم عاهد، يشير إلى أرض العائلة، وراء سكة الحديد، البعيدة نصف
كيلومترٍ فقط، وكان يؤشر على بيارات أفراد عشيرتنا وحمولتنا! كنت
أتأسف..! وبمنتهى الطفولة البريئة أسأله: وماذا لو ذهبت إليها؟ فهي
لنا. كان يجيبني ببساطة: ممنوع، فهناك يسيطر أعداؤنا، الذين لا يحبوننا
ولا نحبهم، سرقوا أرضنا وبلدنا ولذلك قد يقتلوك. كان عمري آنذاك
ست أو سبع سنوات، وكنت أجيبه: عندما سأكبر.. سأطردهم من أرضنا. في
مثل هذا الواقع.. تشكل وعيي.
في الطريق كنا نرى: مشاريع الإعمار التي تتولاها: الدول العربية،
وعلى الأخص منها: الدول الخليجية. هذا ما كان يثلج صدري، فشعور المواطن
العربي في أي قطرٍ كان، هو نفس الشعور في البلد الآخر، الأحلام هي
ذاتها، أشاء الغاصبون أم أبوا! في الطريق.. نزلنا بضع مرات من السيارة،
للتفرج عن قرب على بعض المواقع الجغرافية.. ولالتقاط بعض الصور.
ومن الناقورة إلى صور، رأينا جمال الطبيعة، بعينه، جبال خضراء، سهول
خضراء، وبحر متوسطي، فيه المنارات القديمة الهادية، مررنا على قرى:
طيرحرفا، الجيّة، شمَحْ وغيرها.
ما استرعى انتباهي في الرحلة إلى الجنوب اللبناني:
انتشار حواجز الجيش اللبناني على كافة الطرقات، وجنودها يتعاملون
بود وباحترام كبير مع كل الناس ومع من يسافرون في السيارات المارة.
وكذلك الدوريات الكثيفة ومواقع كثيرة للقوات الدولية، وما أخبرنا
به السائق من أن زيجات كثيرة تمت بين أفراد من هذه القوات وبين فتيات
لبنانيات جنوبيات.
ما لفت انتباهي أيضاً: أننا لم نَرَ مقاتلاً واحداً ولا صاروخاً
لقوى المقاومة اللبنانية.. لا لحزب الله، ولا لطرفٍ آخر غيره.. كل
ما شاهدناه من أشياء عسكرية: هي بقايا دبابات وسيارات إسرائيلية
في الكثير من المواقع، تظل شاهداً على الانتصار الإسرائيلي في عام
2002، وعلى النصر المؤزر الذي حققته المقاومة اللبنانية في عام 2006.
إسرائيل تعترف بالهزيمة.. لكن البعض من العرب لا يعترفون بالنصر!
لا بل يبددوه.. لأن الهزيمة تسكنهم، وربما لأغراضٍ وأهدافٍ أخرى.
كنا نرى، صوراً معلقة لزعيم حزب الله، حسن نصر الله، ولزعيم حركة
أمل نبيه برّي.
ما رأيناه في الجنوب يجدد الثقة والأمل في النفس، وإمكانية هزيمة
المشروع الصهيوني برمته.. وهو شاهد أيضاً من شواهد وحدة الوطن العربي
من أقصاه إلى أقصاه.. وإننا نعانق الأرض التي داس عليها مقاتلو المقاومة
اللبنانية، الذين وقفوا أمام الغطرسة الصهيونية، وحافظوا على بقاء
الجنوب: أخضر، لبنانياً وعربياً.
* كاتب فلسطيني
القمة الإفريقية ـ الأوروبية.. وآفاق التعاون بين الجانبين
* إعلان القاهرة دشن أول إطار مؤسسي بين إفريقيا وأوروبا
* ديون القارة الإفريقية وصلت إلى مستويات غير معقولة
* مخاوف من أن تتحول القمة إلى ستار من أجل استعمار القارة في شكل
جديد
القاهرة ـ من حياة مشهور*:في وقت تسعى فيه
إفريقيا لامتلاك حاضرها والتغلب على الكثير من التحديات التي تواجهها
في شتى المجالات، من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية والرفاهية للشعوب
الافريقية ومن أجل بناء مستقبل مشرق لأبنائها لن يتحقق دون امتلاك
القارة لزمام أمورها، وفي وقت يشعر فيه الأفارقة بالإحباط نتيجة
عدم وجود عدالة في نظم التجارة العالمية ولعدم التزام الدول المتقدمة
بتنفيذ تعهداتها تجاه مساعدة القارة الافريقية، تأتي القمة الافريقية
الأوروبية الثانية التي يسعى فيها الأفارقة لإيجاد صيغة للتشاور
مع الغرب للاستجابة لمطالب القارة.
وبشكل عام، فإن القمة الافريقية الأوروبية التي حرص على المشاركة
فيها قادة وزعماء 54 دولة افريقية و27 دولة أوروبية، سعت لتحديد
أبعاد المشاركة الاستراتيجية بين أوروبا وافريقيا وخطة العمل خلال
السنوات الثلاث القادمة وعدد من القضايا الهامة، وهو ما تمثل في
خمسة محاور رئيسية: هي حفظ الأمن والسلام وحقوق الإنسان والحكم الرشيد
والهجرة غير المشروعة، والتكامل الاقليمي والتعاون الاقتصادي ومواصلة
الحوار السياسي الأوروبي ـ الافريقي.
وترجمت القمة ذلك، في ثلاث وثائق أساسية بالنسبة للتعاون الافريقي
الأوروبي خلال المرحلة المقبلة، أولها الاستراتيجية المشتركة للتعاون
بين الجانبين، وثانيها خطة العمل التي تحدد ملامح العمل التنفيذي
المشترك حتى انعقاد القمة القادمة بين الجانبين، والثالثة إعلان
لشبونة الذي يمثل إطارا لكافة محاور التعاون الافريقي الأوروبي المشترك
خلال المرحلة المقبلة.
القمة الأولى
إذا كنا نناقش آفاق العلاقات الافريقية الأوروبية في ضوء القمة الثانية
بين الجانبين، فإنه لا ينبغي أن ننسى منجزات القمة الأولى التي عُقدت
في القاهرة عام 2000 والتي شكلت أساسا يمكن البناء عليه، فقد دشن
إعلان القاهرة أول إطار مؤسسي بين افريقيا وأوروبا.
وتناول هذا الإعلان موضوعات التعاون والتكامل الاقتصادي، واندماج
افريقيا في الاقتصاد العالمى وما يرتبط بذلك من قضايا التجارة، وتنمية
القطاع الخاص، والاستثمار، ومشكلات نقل التكنولوجيا، والهجرة، وتعزيز
السلم والأمن وحل النزاعات بالطرق السلمية، وغيرها من المسائل الحيوية.
أما الوثيقة الثانية التي صدرت عن قمة القاهرة، فكانت (خطة عمل القاهرة)،
والتي حددت الخطوات التنفيذية لمبادئ وأسس المشاركة بين الجانبين،
وحددت ثماني أولويات لبرامج التعاون المشتركة، تتولى دولة من كل
جانب تنسيق الملفات الخاصة بها.
وقد بنيت الوثائق الخاصة بالقمة الافريقية الأوروبية الثانية في
لشبونة على وثائق القاهرة، بل انها (أي وثائق لشبونة) تضمنت كذلك
الوسائل المناسبة لمتابعة تنفيذ وثائق القاهرة، وذلك من خلال خطط
عمل متتالية تتعلق بالمجالات الاستراتيجية التي تم الاتفاق عليها
وهي السلم والأمن، والحكم والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتجارة
والتكامل الإقليمي، وتنفيذ أهداف الألفية، والطاقة، وتغير المناخ،
والهجرة، والعلوم ومجتمع المعلومات، وهي المسائل والأهداف التي تتواءم
مع مجالات التعاون الاستراتيجية التي تتضمنها (وثائق القاهرة).
وبشكل عام، فإنه من الواضح أن خطة العمل التي تم إقرارها بين الجانبين
الافريقي والأوروبي هي أهم ما يميز استراتيجية المشاركة الافريقية
الاوروبية، فقد أصرت الدول الافريقية على وضع خطة لها أهداف وأنشطة
ونتائج محددة لضمان تنفيذها وحتى لا تكون مجرد استراتيجية وتوصيات،
لذلك فإن خطة العمل سيكون لها جدول زمني مدته ثلاث سنوات وبنود تمويل
لضمان وجود آلية جاده لنجاح هذه الشراكة.
وفي هذا الإطار، تركز استراتيجية المشاركة الافريقية الاوروبية على
أربع أولويات هي:
اولاً: السلم والامن.
ثانيا: الحوكمة وحقوق الانسان.
ثالثا: التكامل الاقليمي.
رابعا: القضايا التنموية.
وبين هذه المحاور الأربع، تأتي عدة موضوعات أخرى، مثل المشاركة في
مجال البنية التحتية والأمن الغذائي والتغير المناخي والتنمية البشرية
والمساواة بين الجنسين والطاقة والمياه النظيفة وتكنولوجيا المعلومات،
إلى جانب التعاون الثقافي.
مبادرات مصرية
حرصت مصر التي تولت رئاسة القمة الافريقية الأوروبية الأولى على
التقدم بعدد من المبادرات تتعلق بهموم ومشاكل القارة وبآفاق المستقبل،
وهي مبادرات قدمت مصر بعضها في القمة الأولى فيما قدمت بعضها الآخر
للقمة الثانية، ومن هذه المبادرات تلك المتعلقة بملف المقتنيات الثقافية
الافريقية التي انتقلت بطريقة غير مشروعة لأوروبا، إذ طالبت مصر
الدول الأوروبية بإمدادها بجميع المعلومات عن كل المقتنيات الثقافية
الافريقية الموجودة في أوروبا استعدادا لإعادتها إلى البلدان الافريقية،
وفي هذا الإطار، فقد أصرت مصر على أن يتم إدراج البند الخاص بالمقتنيات
الثقافية الأثرية ضمن أولويات الموضوعات الخاصة بحقوق الإنسان وليس
الموضوعات الخاصة بالتنمية.
ومن المبادرات المصرية أيضا، تلك المبادرة المتعلقة بحقوق المهاجرين
الأفارقة في الخارج وما يتعرض له المواطن الإفريقي من عنصرية واعتداءات
في الخارج، كما تطالب مصر من جهة أخرى بضرورة إزالة الالغام ومخلفات
الحروب في إفريقيا، على اعتبار أن مصر يوجد بها أكثر من 15 مليون
لغم ناتج عن مخلفات الحرب العالمية.
الديون وحقوق الانسان
إذا كان البعض ينظر للقمة التي تعقد بين دول الاتحاد الإفريقي والاتحاد
الأوروبي على أنها محطة رئيسية لتدشين مشاركة استراتيجية بين الجانبين
تعالج آثار الماضي وتفتح آفاقا مستقبلية لعلاقات أكثر تماسكًا، فإن
هناك من حذر من أن تتحول تلك القمة عبر استخدام الاتحاد الأوروبي
للمعونات والاستثمارات إلى ستار من أجل إعادة استعمار القارة من
جديد، وهو الطرح الذي يتبناه الزعيم الليبي معمر القذافي ورئيس
زيمبابوي روبرت موجابي.
ومع أنه يوجد من يصر على أن إفريقيا ليست في حاجة إلى المزيد من
المساعدات بقدر حاجتها للمزيد من التعاون والمشاركة في مجال التنمية،
فإن آخرين يؤكدون أن أي محاولات لإخراج افريقيا من الحالة التي هي
عليها الآن لن تنجح إلا إذا تم حل مشكلة ديون القارة الإفريقية التي
وصلت إلى مستويات غير معقولة، وبعد أن أصبحت الكثير من الدول الإفريقية
تنفق على الديون أكثر من إنفاقها على مجالي الصحة والتعليم.
وفي المقابل، فإن الاتحاد الأوروبي يعلن اهتمامه بقضايا أخرى مثل
حقوق الإنسان وسبل تجنب الحروب الأهلية التي أدت إلى إبادة أعداد
كبيرة من السكان، كما يطالب بأن تسود الديمقراطية وحكم القانون كشروط
للتعاون مع إفريقيا، إلا أن هذا لا يمنع الكثير من المسؤوليين الأوروبين
من الاعتراف بضرورة الحيلولة دون تهميش إفريقيا في الثورة الاقتصادية
والتكنولوجية التي يمر بها العالم حاليا.
وبغض النظر عن اختلاف الأولويات لدى الجانبين الافريقي والأوروبي،
فإن الأهم من ذلك، هو أن ينجح الطرفان بالفعل خلال المستقبل في توطيد
التعاون على أسس عادلة وفي حل المشكلات التي تعاني منها القارة الافريقية
والتي باتت في عصر العولمة والسموات المفتوحة تنتقل إلى أوروبا،
الأمر الذي يؤكد مصلحة الطرفين في الاستمرار في الحوار وفي العمل
معا من أجل مستقبل أكثر إشراقا.
* وكالة الأنباء العربية
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|