من يكتب التاريخ؟؟
- سيف البلوشي: العالم يسير على درب التخصص
- زكريا الخروصي: الأبواب مغلقة والالتحاق بمهنة التدريس طريق الخلاص
- حارث المعمري: لم نكن نعد أنفسنا لتدريس التاريخ وإنما لنكون كتبة
للتاريخ، ولكن لم نحظ بالفرصة
- أميرة السيابي: الأمنية أحيانا لا تتحقق ولكن الواقع في أحيان
كثيرة يفرض نفسه
- ميمونة الهنائي : لا توجد ثقة في مخرجات الجامعة
- د.سعيد الهاشمي : أهل مكة أدرى بشعابها
كثيرا ما يتردد سؤال عن حاجتنا إلى التاريخ
وما هو جدوى الجدل الكبير الذي يدور حول التاريخ وماهيته وما هي
الحقيقة المجردة لذلك الكائن؟ من يطرحون تلك الأسئلة ربما لا يدركون
حاجتهم إلى المعرفة، المعرفة بوجود الإنسان في كافة مساراته، وهل
لنا أن ندرك حاضر الإنسان ما إذا فصلنا حاضره عن ماضيه نعم أنها
مسألة ديمومة واستمرار، ولكل هذه الأسباب ولغيرها من الأسباب كان
لابد من طرح قضية تعتبر من القضايا المهمة والتي يجب طرحها وتناولها
وهي غياب المؤرخين عن ساحة كتابة التاريخ وهم ذوو الأولوية نظرا
لأنهم مؤهلون أكثر من غيرهم لتلك المهمة التي صارت اليوم شيئا ثانويا
في منظور البعض بالرغم من حساسية الموضوع وأهميته فلا يعقل لبلد
تمتد حضارته لمئات السنين ألاَ يكون له جيل من المؤرخين قادر على
صياغة تاريخه, هذه هي الحكاية التي نرويها اليوم حكاية المؤرخين
الذين أعدتهم الجامعة ليكونوا الجيل الذي يكتب تاريخ عمان في حاضرها
ومستقبلها فإذا بهم في طابور الانتظار الذي يمتد دون نهاية و مشوار
الألف ميل الذي قطعوه ,ما زال هناك أميال إضافية يجب أن يقطعوها...
تحقيق ـ سلطان المقرشي:
تكاثرت الأسباب التي دعتنا إلى الحديث عن هذا الموضوع الذي يعتبر
أحد المواضيع التي تجاهلتها الجهات المعنية بكتابة التاريخ والحفاظ
عليه، لتدع المجال مفتوحا لتساؤلات كثيرة كانت أبرزها، لماذا يتم
تجاهل مخرجات جامعة السلطان قابوس من قسم التاريخ؟ وفي الواقع هنالك
أعداد هائلة منهم ولكن فرص استيعابهم قليلة وربما نادرة، وهنالك
أسباب كثيرة أخرى دعتنا للحديث والخوض في غمار هذا الموضوع من أهمها
الإنتاج الهزيل من الإصدارات في مجال التاريخ والكتب المحققة والتي
نحن بحاجة ماسة إليها كمرجع نتركه للأجيال القادمة وكما أن هذه المراجع
والمصادر والوثائق وكذا المخطوطات يتم تحقيقها وشرحها من قبل متخصصين
غير عمانيين في أغلب الأحيان. هل انعدام الثقة في الباحث العماني
هو السبب في تجاهل المخرجات؟ و كما أن هنالك مجموعة من المشاريع
الحكومية التي أوجدت لحفظ الوثائق وللحفاظ على تاريخنا و مفرزات
حضارتنا ومجتمعنا، ومن تلك المشاريع مشروع الأرشيف الوطني الذي تجاهل
مخرجات التاريخ بشكل ملفت ومن يرجع إلى تاريخ إنشاء هذا الأرشيف
يجد أنه من المشاريع الحديثة التي كانت تحتاج حاجة كبيرة إلى مخرجات
جامعية فتية تملك المؤهل والكفاءة والإمكانية لترتقي على هيكلة التوظيف
في الأرشيف الوطني ولكن هذا لم يحدث كما وان هنالك خطة إنشاء هيئة
لحفظ الوثائق والمحفوظات والتي تعتمد في هيكلتها على تأهيل مجموعة
على رأس العمل وكذلك مخرجات الشهادة العامة ويشمل هذا التأهيل 125
موظفا ينتمون إلى عدد كبير من الوحدات الحكومية ( 75 من حملة الشهادة
العامة و50 من حملة الدبلوم) وتتواصل الدراسة الجامعية مدة سنتين
يكون خلالها الموظف متفرغا للغرض. ينفذ هذا التأهيل عن طريق جامعة
مختصة في مجال الوثائق والمحفوظات، ويضاف التأهيل إلى الحصول على
شهادة جامعية في الاختصاص ( دبلوم أو بكالوريوس ) أما الجزء الآخر
فهو الابتعاث الخارجي ، وتم إرسال 25 طالبا عمانيا من جملة 50 (من
حملة الشهادة العامة) إلى الخارج للدراسة في تخصص الوثائق والمحفوظات
والحصول على دبلوم في هذا المجال. كما سوف يتم إرسال 25 طالبا عمانيا
من حملة الدبلوم كذلك إلى الخارج للدراسة في مجال الوثائق , وكل
هذه الخطط تجاهلت بشكل كبير حملة شهادة البكالوريوس بتخصص التاريخ
بجامعة السلطان قابوس. في الواقع أننا لم نجد سببا لهذا التجاهل،
هل مخرجات الجامعة غير مؤهلة؟! وإن كانت كذلك من يتحمل مسؤولية عدم
تأهيل هؤلاء الطلاب، وهل خريج قسم التاريخ بالجامعة أعد فقط ليكون
مدرس مادة دراسات اجتماعية سواء كان قد تخصص بكلية التربية قسم التاريخ
أو حصل على التأهيل التربوي بالنسبة لخريجي قسم التاريخ بكلية الآداب
والعلوم الاجتماعية؟ وجهنا كل هذه التساؤلات لمجموعة من الخريجين
وكذلك الأكاديميين وخرجنا بالحصيلة التالية:
العالم يتجه نحو التخصص
سيف بن محمد البلوشي خريج قسم التاريخ جامعة السلطان قابوس يقول:
بعد تخرجنا من الجامعة كان طموحنا بالعمل في مجال التاريخ كبيرا
جدا ولكن للأسف الشديد طالت فترة الانتظار ولم ندرك المراد،و ما
يزيد شعورنا مرارة هو أن بلدنا لا يزال في أطواره الأولى فهل يعقل
أنها وصلت إلى درجة من التشبع في مجال التاريخ؟ ولا زالت جامعتنا
فتية لم تحتفل بعيدها الفضي بعد، وما يزيد الطين بلة هو أن بعض المشاريع
المقامة والتي كنا نعتقد أنها ترتبط بالتاريخ ارتباطا وثيقا تجاهلتنا
تجاهلا تاما، كلنا اتجه إلى مجال لا يرتبط بتخصصه لا من قريب ولا
من بعيد، ولكن السؤال الذي يطرح، هل يمكن أن نبدع في مجال لم يخلق
لنا ولم نخلق له والعالم اليوم يسير على درب التخصص فلماذا نحن نمشي
مجبرين عكس التيار ؟....
الواقع صورة أخرى عن الأحلام
وعن الحلم الذي كان يحلم به زكريا بن عابد الخروصي خريج قسم التاريخ
جامعة السلطان قابوس يشير: كنت دائما أحلم منذ طفولتي بأن أصبح مؤرخا
لأنني نشأت في بيئة شجعتني على التخصص في المجال وقد تحقق حلمي بدراسة
التاريخ لكنني صدمت كثيرا حين وجدت الباب مغلقا أمامي للالتحاق بمؤسسة
تهتم بهذا المجال. أجبرتنا هذه الظروف للاتجاه نحو التأهيل التربوي
والذي من خلاله نكون مؤهلين لتدريس التاريخ أو الدراسات الاجتماعية
بمعنى آخر وهذا لم يكن طموحي أبدا ولكن سوق العمل أجبرنا على ذلك
فهل يعقل أن نبدع في حقل التعليم ونحن نفتقد الرغبة في ذلك؟ ولماذا
ليس لنا مكان في المجال الذي أحببناه وحلمنا بالعمل فيه واجتهدنا
للظفر لحجز موقعنا على خارطته؟!..
المؤسسات الحكومية أغلقت أبوابها أمام الخريجين
وحول الوضع الذي أجبره على أن يبتعد عن التأريخ
ينوه حارث بن علي المعمري خريج قسم التاريخ جامعة السلطان قابوس:
دائما كانت الرغبة في دراسة التاريخ تصحبني منذ كنت طالبا في المدرسة.
اجتهدت للوصول للجامعة للالتحاق بقسم التاريخ وتحقق حلمي أخيرا بدراسة
التخصص الذي طالما حلمت به وقد نهلت أنا وزملائي الكثير خلال دراستنا
للتاريخ ولم نكن نعد أنفسنا لتدريس التاريخ وإنما لنكون كتبة للتاريخ،
ولكن لم نحظ بفرصة الالتحاق بأي مؤسسة حكومية رغم الأهمية البالغة
لتخصصنا والتي لا يعيها الكثيرون، التحقت ببرنامج التأهيل التربوي
مجبرا وأنا لا أملك أي رغبة فيه ،ولكن الحصول على فرصة للعمل أفضل
من انتظار فرصة أخرى ربما لا تأتي أبدا، لذلك نتمنى من الجهات المعنية
مراعاة خطورة الوضع فلا يمكن لبلد تمتد حضارته منذ الألف الثاني
عشر قبل الميلاد أن يفتقر إلى كتبة تاريخ مؤهلين قادرين على تخليد
ذكراه للأجيال القادمة .
ما فائدة قسم التاريخ إذا لم نؤرخ؟
أما عن وضع خريجات قسم التاريخ تحدثنا أميرة
بنت ناصر السيابي خريجة قسم التاريخ جامعة السلطان قابوس من وجهة
نظرها حيث تقول: بعد التخرج من الجامعة كنا نتطلع للالتحاق بسوق
العمل في مجال تخصصنا، ولكن سوق العمل لم يكن مفتوحا لزملائنا الخريجين
من الذكور فكيف هو الحال بالنسبة للإناث فلم يكن بيدنا سوى الالتحاق
ببرنامج التأهيل التربوي الذي تطرحه الجامعة لتأهيل خريجي بعض الأقسام
من كلية الآداب والعلوم الاجتماعية ( التاريخ , الجغرافيا , اللغة
العربية , واللغة الإنجليزية) وذلك للانخراط في سلك التدريس، صحيح
أن الرغبة أحيانا لا تتحقق ولكن الوضع في أحيان كثيرة يفرض نفسه،
وإذا كان الهدف من القسم هو تخريج مدرسين لقسم التاريخ لماذا لا
ترفع القيمة الاستيعابية لكلية التربية في هذه الأقسام. هذا من وجهة
نظري يسهل المهمة على الطلاب كما أنه يسهل المهمة على الجامعة فمن
الأفضل أن يدرس الطالب أربع سنوات دراسية بدلا من دراسة خمس سنوات
دراسية، هذا سيخفف الحمل على سوق العمل في بعض المؤسسات ولكنه سيثقل
الحمل على وزارة التربية والتعليم هذه وجهة نظر فقط لا أكثر ولا
أقل.
المرأة المؤرخة كانت حلمي واكتشفت انه لا للمرأة
ولا للرجل
ومن حيث الرغبة تشير ميمونة بنت حمد الهنائي
خريجة قسم التاريخ جامعة السلطان قابوس: كان التاريخ هو الرغبة الأولى
لي شخصيا في مجال الدراسة وكنت دائما أطمح وأتمنى أن أكون باحثة
في مجال التاريخ لا سيما وأن مجتمعنا يفتقر إلى اضطلاع المرأة في
هذا المجال ولكن لم تتحقق تلك الرغبة فقد طال انتظارنا للحصول على
تلك الفرصة ولكنها لم تأت. كان الخيار في السنة الدراسية الإضافية
في مجال التأهيل التربوي هو الخيار المطروح أمامنا فلا توجد خيارات
كثيرة وخصوصا بالنسبة للخريجات، ولا نعرف سبب تجاهل المرأة في هذا
المجال وهي التي حصلت على حقوقها كاملة في مجتمعنا في كل المجالات
والأصعدة، ربما يكون الافتقار إلى عامل الثقة في مخرجات الجامعة
هو السبب أو ربما هنالك أسباب أخرى ولكن لا يعقل أن نكون قد وصلنا
إلى درجة من الاكتفاء لأننا لازلنا في بداية المشوار، ونحن لدينا
الكثير الذي يمكن أن نقدمه في مجالنا ما إذا حصلنا على الفرصة التي
نستحق.
رأي علم التاريخ
يبدأ الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي أستاذ التاريخ
الحديث والمعاصر في جامعة السلطان قابوس حديثه قائلا: عندما يدور
الحديث عن التاريخ على طاولة المفاوضات يدور جدل كبير حول تلك القضية
والتي هي مثار خلاف كبير ليس في وقتنا الحاضر فحسب وإنما منذ صور
التاريخ ككائن حي ونفخت فيه الروح. إننا لا نفتقر إلى وجود المؤرخين
فساحتنا بها عدد لا بأس به من كتبة التاريخ ولكننا نفتقر إلى المتخصصين
منهم وتلك مشكلة يلحظها الباحث المتخصص وكذلك القارئ المتطلع على
تاريخنا العماني صحيح أننا نقدر جهود هؤلاء فقد أسسوا لبنة مهمة
في فترات تاريخنا وكانوا الأساس الذي نحن اليوم نسير على عمود بنيانه،
ولكن هذا لا يعني أننا لا نحتاج إلى متخصصين في مجال كتابة التاريخ.
ونحن في قسم التاريخ نحاول قدر المستطاع تنشئة جيل من المؤرخين الذين
تعتمد عليهم بلدنا في المستقبل.
ويواصل الدكتور حديثه، ولكن هنالك مشاكل بدأت
تطفو على السطح وأهمها عدم استيعاب سوق العمل لهؤلاء الخرجين مما
يدفعهم إلى الاتجاه إلى مسارات مختلفة عندما تتقطع بهم السبل للارتباط
بمجال تخصصهم . لا زال هنالك الكثير في تاريخنا مما يحتاج إلى البحث
والتحقيق والتفسير فبلدنا ولله الحمد به من المخطوطات والوثائق الشيء
الكثير وكلها تحتاج إلى هؤلاء المتخصصين للعمل عليها وتطبيق ما درسوه
على أرض الواقع، فمثلا المخطوطة أو الوثيقة لا يكفي ترميمها وترقيمها
وأرشفتها بل تحتاج إلى دراستها دراسة مستفيضة ومعرفة مكنونها وسبر
أغوارها للتأكد من صحة ما ورد فيها وكل هذا بطبيعة الحال يحتاج إلى
متخصص وهذا ما نعمل عليه نحن في قسم التاريخ من تنشئة وإعداد طلابنا
الذين هم حملة لواء التاريخ لمستقبل بلدنا.
ويضيف الدكتور سعيد الهاشمي، يجب أن نمنح هؤلاء الطلاب الثقة بأنفسهم
فلا يمكننا الاعتماد على الباحثين غير العمانيين رغم جهودهم الكبيرة
في الماضي ولكن جاء الوقت الذي نعتمد فيه على الباحث العماني ونعطيه
الفرصة التي يستحق فكما يقول المثل (أهل مكة أدرى بشعابها) وليس
هنالك من يستطيع أن يسوغ تاريخ البلد مثل أبنائه لأنهم الأحق بذلك
من غيرهم .
أما عن إصدارات وزارة التراث والثقافة فيشير
الدكتور، هي في الواقع ليست بالكم الكبير وخاصة في مجال التاريخ
، خاصة وأننا نتكلم عن بلد مثل السلطنة لها تاريخ عريق وتزخر بمصادر
كثيرة ليس على مستوى المخطوطات والوثائق والمصادر المكتوبة فحسب
وإنما على مستوى المصادر الأثرية الملموسة والتي تحتاج إلى متخصصين
في مجال التاريخ والآثار والذين يكونون طاقم عمل واحدا في سبيل الوصول
إلى حقيقة تاريخية موثقة نتركها للأجيال القادمة.
تعقيب
نترك الأمر بعد طرحه للجهات المسئولة تاركين
علامات استفهام كبيرة تبحث عن إجابات حائرة.....
ـ أين مخرجات قسم التاريخ، ولماذا يجبرون على انتهاج طريق التربية
والنزوح إلى مجال التعليم عوضا عن اتجاههم إلى الـتأريخ؟
ـ إذا لم تكن الجهات المختصة بحاجة إلى مؤرخين
مؤهلين، لماذا يدور الطلاب في حلقة مفرغة تنتهي بهم إلى إضافة سنة
تأهيل إضافية ليتخرجوا معلمين وليسوا مؤرخين؟
ـ هل حقا الجهات المختصة وأعني بها الجهات
القائمة على التراث والتاريخ وصلت إلى حد الاكتفاء من الباحثين التاريخيين
رغم الإنتاج التاريخي الهزيل الذي يصدر عن وزارة التراث والثقافة
والجهات الأخرى؟ وهل تاريخنا بهذه الضآلة التي نراها في إنتاجنا
الضعيف؟
ـ هل التاريخ مجرد فن يحترفه الرواة ويكتب
فيه من استطاع السير بحبره على جدران أوراق تخلد لأجيال قادمة؟