الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوى وأحكام


نعلم جميعاً عظم حق النبي صلى الله عليه وسلّم ووجوب اتّباعه والتمسك بالهدي الذي جاء به ، لأنه يعبّر عن الإرادة الإلهية لهداية البشر وسعادة الإنسان في دنياه وأخراه ، يقول الحق جل وعلا ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4) ، ويقول أيضاً ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر: من الآية7) ، وما إلى ذلك من الآيات التي تدعو إلى اتّباع أوامره صلى الله عليه وسلّم واجتناب منهياته.
*كيف يمكننا أن نوفق بين هذا وقول النبي صلى الله عليه وسلّم عندما قال ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ؟
وكيف يمكن أن نفرّق بين ما يمارسه النبي صلى الله عليه وسلّم ويدعو إليه باعتباره من صميم الدين ولب الرسالة ، وما يمارسه صلى الله عليه وسلّم باعتباره بشراً يمارس شأناً من شئون الحياة اليومية ؟
**بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فما من ريب أن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلّم من صميم الإيمان ، بل اتّباعه عليه أفضل الصلاة والسلام هو تجسيد من العبد لحبه لربه ، وهو باب لدخوله إلى حب ربه له ، فإن الله تبارك وتعالى يقول ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) ، فأوقع اتباع النبي صلى الله عليه وسلّم بين طرفي الحب ، بين حب العباد لله الذي يأتي هذا الاتباع له عليه أفضل الصلاة والسلام تجسيداً وترجمة ، وبين حب الحق سبحانه وتعالى لعباده الذي هو مُسَبب عن اتباعه صلوات الله وسلامه عليه .
والله سبحانه وتعالى يقول ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النور:54)،ويقول سبحانه وتعالى أيضاً ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ)(آل عمران: من الآية32) ،ويقول سبحانه وتعالى ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء:80) ، ويقول سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59) .
إن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلّم هو اتّباع لأمر الله سبحانه وتعالى وانقياد لحكمه ، إذ طاعة الله تعالى موقوفة على طاعة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم ، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله ، ومن أعرض عن طاعة الرسول فقد أعرض عن طاعة الله ، لأن الله تعالى هو الذي أمرنا بطاعته .
على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم جاءت مطلقة غير مقيدة عندما قال سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول)(النساء: من الآية59) ، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الرسول ، وقيّد ذلك بأن يكون في حدود طاعة الله وطاعة رسوله عندما بيّن سبحانه وتعالى أنه مع الاختلاف لا بد من الاحتكام إلى الله والاحتكام إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم وذلك عندما قال عز من قائل ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء: من الآية59) .
وفي عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ الرد إلى الله إنما هو بما يُتلقى من وحي الله سبحانه الذي ينزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم ، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم بالتلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلّم مما يأمر به أو ينهى عنه .
أما بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلّم فإن الاحتكام إنما يكون إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وبهذا يتميز الحق من الباطل ، ويُفرّق بين الهدى والضلال ، وبين الرشد والغي ، وبين الصلاح والفساد ، وبين الاعوجاج والاستقامة .
نعم إننا أُمرنا بالطاعة المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وبُيّن لنا بأن ذلك إنما هو من طاعة الله سبحانه وتعالى ، ولكن لا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلّم هو بشر يمارس أمور الحياة كما يمارسها غيره من البشر . هذه الممارسة لأمور الحياة قد تكون بتوجيه من الله تعالى سواءً كان ذلك بوحي أوحاه إليه أو كان ذلك بإلهام من الله سبحانه وتعالى .
وقد يكون ذلك ناشئاً عن اجتهاده صلى الله عليه وسلّم ومحاولته الأخذ بتجارب هذه الحياة كما يأخذ غيره بتجارب الحياة ، ولذلك عندما أمر أصحابه أن لا يؤبروا النخل فشاصت ، أخبرهم بأنهم هم أخبر بأمور دنياهم وما أخبرهم به عن الله تعالى فهو حق .
الذي أخبرهم به عن الله هو حق ، أما أمور الدنيا فهم أخبر بها ، لأنهم يمارسونها ، أي ما كانوا يمارسونه دونه صلى الله عليه وسلّم ولم ينزل عليه فيه وحي من الله سبحانه وتعالى ، ففي هذا يكونون هم أولي خبرة في ذلك المجال .
هذا لأن أمور الحياة إنما هي موكولة إلى تجارب البشر عندما لا يكون فيها شرع من عند الله ، أما عندما يكون فيها شرع من عند الله ، عندما يكون هنالك أمر من قبل الله تعالى أو أمر من قبل الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو أمر جازم وليس أمر إرشاد فحسب يسوغ للناس أن يأخذوا بتجارب حياتهم .
ويُمَيز ما بين الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يخرج فيها عن توجيه النبي صلى الله عليه وسلّم والأمور الأخرى التي يمكن أن يأخذ فيها بتجاربه في حياته ولو كانت للنبي صلى الله عليه وسلّم في ذلك تجربة .
فمن الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يعدل فيها عما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ما كان متعلقاً بخطاب التكليف ، ما كان متعلقاً بالأمر أو النهي ، ما كان متعلقاً بالإيجاب أو التحريم أو الندب أو الكراهة أو الإباحة ، ما كان متعلقاً بهذا كله لا يجوز للإنسان أن يعدل فيه عن توجيه النبي صلى الله عليه وسلّم .
وكذلك ما كان من خطابه متعلقاً بخطاب الوضع كالصحة والبطلان إنما يجب أن يلتزم الإنسان فيه بأمر الرسول صلى الله عليه وسلّم .
أما ممارسة شئون الحياة كبناء أو لبس - إن لم يخرج هذا اللبس عن حدود الشرع - أو ركوب أو غير ذلك ، هنا يسوغ للإنسان أن يركب ما لم يركبه النبي صلى الله عليه وسلّم ، وأن يسكن ما لم يسكنه النبي صلى الله عليه وسلّم .
النبي صلى الله عليه وسلّم لم يسكن بيتاً كهذه البيوت التي نسكنها الآن ، ولا يعد ذلك خروجاً عن أمره صلى الله عليه وسلّم .
كذلك بالنسبة إلى اللبس قد يكون لبسه يختلف نوعاً ما عن لبسنا ، لأن اللباس من العادات لا من العبادات إلا ما كان فيه توجيه من النبي صلى الله عليه وسلّم ، كنهيه عليه أفضل الصلاة والسلام عن لبس الحرير ونهيه عن لبس الذهب بالنسبة إلى الرجال ، هذا من الأمور التي لا يجوز تجاوزها .
أما بالنسبة إلى سائر اللباس ما لم يكن هذا اللباس خارجاً عن الحد الذي حده الله تعالى أو حده الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ فيسوغ للناس أن يلبسوا أنواعاً من اللباس التي لم يلبسها النبي صلى الله عليه وسلّم ، مثال ذلك البشوت التي نلبسها الآن ما لبسها النبي صلى الله عليه وسلّم ، نعم لبس الجبة ولبس القميص ولبس الرداء ولبس الإزار ، ولكن هذا لا يعني أن من لبس شيئاً من هذه البشوت خارجاً عن الهدي الذي كان عليه أفضل الصلاة والسلام .
كذلك بالنسبة إلى الركوب ، النبي صلى الله عليه وسلّم ما ركب طائرة ولا ركب سيارة ولا ركب قطاراً ولا ركب شيئاً من هذه المركبات الجديدة ، بل لم يركب النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ سفينة ، فهذا لا يعني أنه لا يسوغ للإنسان أن يركب هذه المركبات الحادثة باعتبارها بدعة لم تكن موجودة في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلّم .
هذه ليست من الأمور الدينية حتى تعد بدعة ، نعم إنما الإنسان يؤمر ندباً أن يتقيد بهدي النبي صلى الله عليه وسلّم في ركوبه كأن يبدأ الركوب باليمين مثلاً ،وكذلك بالنسبة إلى الدخول والخروج أن يقدّم بالنسبة إلى المسجد الرجل اليمنى في دخوله والرجل اليسرى في خروجه ، وعكس ذلك دورات المياه والأماكن التي فيها النجاسات ، إنما يكون دخوله فيها بعكس ذلك ، هذا من اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلّم .
فالأمور إنما هي دقيقة ولا بد من مراعاة ذلك .
النبي صلى الله عليه وسلّم من ناحية هو رسول ، ورسالته صلى الله عليه وسلّم تعني أنه عليه أفضل الصلاة والسلام طبعه الله تبارك وتعالى بأحسن الطبائع وفطره بأحسن الفطر وزكاه تزكية ، زكى ظاهره وباطنه وروحه وجسمه وعقله وقلبه ومشاعره وأحاسيسه ، إلا أنه مع ذلك لا يخرج عن كونه بشرا يجرب هذه الحياة ، يتعالج كما يتعالج غيره ، يتداوى كما يتداوى الآخرون ، فكل ذلك مما لا يعد خروجاً عن هدي النبي صلى الله عليه وسلّم .
لو تداوى أحد في وقتنا هذا بما لم يتداو به عليه أفضل الصلاة والسلام لم يعد ذلك خروجاً عن هديه صلى الله عليه وسلّم .
في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ما كانت هنالك عملية جراحية تجرى للإنسان ، وأحدثت هذه العمليات الجراحية وأقرها المسلمون ، أقرها علماء الأمة من غير خلاف فيما بينهم .
كذلك بالنسبة إلى ما يحدث من العلاج كالعلاج بالليزر هذا مما يسوغ ، بل هذا كله مما يدخل في عموم قول الله سبحانه وتعالى ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)(الجاثـية: من الآية13) ، فإن كل ما يمكن أن ينتفع به مما هو في هذا الكون يسوغ للإنسان أن ينتفع به ، فلا يعد شيء من ذلك خروجاً عن هديه عليه أفضل الصلاة والسلام .


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى







الدروس والعبر من هجرة خير البشر

ـ الناعبي: الله سبحانه وتعالى من حكمته جعل لحادثة الهجرة وقتا معينا ومناسبا
ـ هجرة النبي من مكة إلى المدينة، حدث فاصل في تاريخ الأمة، بين مرحلتين، بناء العقيدة في مكة، وبناء الدولة في المدينة
ـ الاستقلالية في التاريخ الهجري يُعد من أهم الأمور في الحادثة
ـ نستفيد من الهجرة اختيار الصاحب في السفر
ـ الهجرة النبوية الشريفة كان لها الدور البارز في نشأة دولة المدينة
ـ الأخذ بالأسباب موافقة للسنن الكونية

حاوره ـ أحمد بن سعيد الجرداني:حديث الهجرة النبوية والدروس المستفادة منها، حديث ذا شجون. فنحن ما زلنا هذه الأيام نعايش حدث هجرة الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فمع إشراقة كل عام هجري جديد لا بد للأمة من تذكير مهما مرت الأيام والسنون لأن الهجرة ليست عابر سبيل، إنما هي حادثة جليلة غيرت مجرى التاريخ البشري، فلا بد لنا من وقفات مستمرة لنذكر بها أنفسنا..
فالهجرة جاءت على أثر أزمة شديدة أصابت النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ وأصابت الأمة وأصابت الدعوة التي كان يدعو بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ بعد موت عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنهما، ولم تكن هروبًا من قتال ولا جُبنا عن مواجهة ولا تخاذلا عن إحقاق حق أو إبطال باطل ولكن بأمر الله تعالى، أعدّ فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه العدة، بعد أن أوذي هو وأصحابه الكرام في مكة المكرمة كل ذلك في سبيل الله، فهاجر بالدعوة إلى الله فلم يكن يخفي شيئًا منها بل كان ينزل في المواسم التي يجتمع فيها الناس ويقول لهم: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. وصبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إيذاء المشركين، وانصب العذاب آن ذاك على المستضعفين صبا، ولكن أدركهم المدد الإلهي وتثبتوا بعقيدتهم فكأنهم صخرة لا تخدش وصارت نبضات قلوبهم الخاشعة وهمسات أدعيتهم الضارعة تهز الأفئدة والعروش، أليست أنشودة بلال الحبشي أحد أحد، أحد أحد من الأقوال التي تردد حتى قيام الساعة؟.
فكم نحن بحاجة اليوم للتذكير بمثل هذه الدروس والمواقف لنعلنها صريحة لكل زمان ومكان بأن الأمة تغفوا لكنها لا تنام وتُهزم لكنها لا تُقهر، ولهذا كانت لنا هذه المحطة الإيمانية لنذكر بها هذا الجيل وذلك من خلال هذا اللقاء مع مصطفى بن ناصر الناعبي إمام جامع الإمام محمد بن سعيد الناعبي بوادي المعاول ليبين لنا بعضا منها...

الاستقلالية بالتاريخ
ـ من خلال دراستكم للهجرة النبوية الشريفة هل لنا من وقفة بيانية تبينوا لنا كيف استقل المسلمون الأوائل بتاريخهم؟
قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، في عهد الفاروق ها هم المسلمون يرسلون لخليفتهم أن يحدد لهم تاريخا ليعرفوا الرسائل التي ترد إليهم أيها المتقدم والمتأخر، فصار التفكير في التواريخ الموجودة، وهي التواريخ التي تعتمدها الأمم المجاورة لأمة الإسلام، فلم يستقر رأيهم على واحد منها، وهنا لا بد أن يكون لهذه الأمة تاريخ مستقل، يميزها عن غيرها من الأمم، ويجعل لها فيه الاستقلالية، فكان التفكير في تاريخ يسير على الشهور التي تعارف عليها العرب، وهي المسماة بالأشهر القمرية، أي التي تعتمد على القمر من حيث ولادته حتى يصبح محاقا، وهي أشهر كانت موجودة عند العرب قبل الإسلام بمسمياتها.
فاستقر رأي المسلمين على أن يجعلوا تسمية تاريخهم على أبرز حدث في تاريخ أمة الإسلام، على حدث صارت به نقلة لهذه الأمة أو بالأحرى على الفترة الزمينة الفاصلة، بين مرحلتين في عمر الدعوة الإسلامية، لكل منها خصائصها المميزة لها، والحدث هو بطبيعة الحال هجرة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ من مكة إلى المدينة، وهو بالفعل حدث فاصل في تاريخ الأمة، وهذا الحدث اكتسب أهميته لأنه حد فاصل بين مرحلتين، مرحلة بناء العقيدة وهي التي كانت في مكة، ومرحلة بناء الدولة، ونزول الأحكام التفصيلية وهي مرحلة المدينة.
المواقف والعبر
هناك مواقف ترتبط بهذه الحادثة هل لكم من توضيح؟

أنا هنا لا أود الخوض في الأحداث بالتفصيل لأنها ولله الحمد باتت معلومة، لكن نذكر بعض الدروس والعبر التي نستفيدها من هذا الحادث الجليل. ونذكر المواقف التي ترتبط بها. وقبل الدخول في تفصيلات الهجرة، أود أن أشير إلى أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالرغم من هجرته إلى المدينة لكنّ حب بلد الله الحرام، كان مخالطا قلبه، ولأدل على ذلك عندما ذكر أن مكة من أحب البلاد إليه.
وكما مر ذكره سابقا من أهمية هذه المرحلة لنمو هذه الدولة التي كانت تصارع لأجل البقاء في مكة، كانت تصارع لأجل أن تغرس لها جذورا في عمق الزمان والمكان، لا سيما وأن المكان الذي برزت فيه له أهمية دينية وروحية للعرب عامة ولأتباع دين ابراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فهو موطن الحنيفية السمحة، وهو بلد الله الحرام الذي حرمه نبي من أولي العزم من الرسل.
وهنا نعطي نبذة تاريخية قبل الوصول إلى مرحلة الهجرة، وهي أن النبي محمدا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بدأ دعوته بعد نزول الوحي عليه بمكة بالسر، وبدأ بأهله أو بأقاربه، بناء على التوجيه القرآني: "وأنذرعشيرتك الأقربين"، واستمر على ذلك فترة من الزمن حتى أتاه الإذن من رب العزة والجلال متمثلا في قول الحق تبارك وتعالى: "فأصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين".
والفائدة التي نستجليها من هذا العرض البسيط، أن الدعوات الجديدة لا بد لها أن تبدأ في السر، حتى يكون لها أتباع، وترى من نفسها أنها قادرة على البروز والظهور، ولها كيان يحميها من الوأد وهي في مهدها، الأمر الثاني أن الإنسان يحب الخير أول ما يحبه لأهله، وأقاربه، ثم بعد ذلك يبدأ بنشره على من هم أبعد قرابة منه، حتى ينتشر الأمر ويلقى القبول من الجميع، ثم التدرج في الأمر وعدم الاستعجال من الأمور المهمة التي نستفيدها، فأولا السر ثم الجهر، الكتم عن العامة إلا من تم اختيارهم بعناية كي يخبروا ثم الإعلان بعدما صار هناك كيان مستقل، وصار أمر هذه الدعوة الجديدة هو الشغل الشاغل للكثيرين في مجتمع مكة، بل ما كاد يبدأ للإسلام كيان حتى قامت مكة ولم تقعد، ولم يهدأ لها بال حتى سجننت وعذبت وقتلت من قتلت في سبيل ثنيهم عن هذا الدين ولكن هيهات هيهات.
وأيضا اختيار الأشخاص بعناية كي توجه لهم الدعوة، بحيث توجه فيمن يتوسم فيه الرغبة في دخول الدعوة، فأول من وجهه النبي له الدعوة من الرجال هو الصديق ـ رضوان الله عليه ـ فما كان منه إلا أن أعلن الدخول في دين الله تعالى مع نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مؤمنا مصدقا بتلكم الدعوة، لا يبالي في سبيلها أي مبالاة، وصار همه كهم النبي الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في أن ينشر تلكم الدعوة، وأيضا انتقى من انتقى من أقرب الناس إليه، وبالفعل دخل الإسلام عدد ممن أصبحوا بعد ذلك من كبار الصحابة، وكان سبب هدايتهم بيد أبي بكر الصديق.

إسلام عمالقة الأمة
هل لنا من وقفة نذكر بها بعضنا وهي إسلام بعض عمالقة المسلمين، حيث كان إسلامهم فتحا قوة وسندا للإسلام، نرجو التوضيح باختصار؟ وما هو الدور الذي قاموا به لتعزيز الدعوة الإسلامية؟

تتوالى الأيام والأشهر والسنوات، وأمر الإسلام بدأ يظهر شيئا فشيئا في مجتمع مكة أولا، فكان من خبر تتناقله الأفواه إلى حقيقة ماثلة أمام المجتمع في مكة، ثم حصل فتح من نوع آخر وهو دخول حمزة الإسلام، ودخول الفاروق عمر بن الخطاب إلى الإسلام، هنا صار للإسلام قوة، فصار بإسلامهما أول ظهور جماعي للمسلمين في مجتمع مكه فها هو النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتوسط صفين من المسلمين أحدهما بقيادة الفاروق والآخر بقيادة حمزة ابن عم النبي
ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
مكث النبي الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في مكة على أكثر الروايات ثلاثة عشر عاما، وهو يدعو للإسلام، ويحارب العقائد الفاسدة التي كانت منتشرة في ذلكم المجتمع، ويعاني من أقرب الناس إليه أشد أنواع العذاب، والإيذاء، حتى أنه دل أصحابه على الهجرة إلى الحبشة، كي يعبدوا الله تعالى بحرية ودون أن يوجد هناك من يؤذيهم، ولكن بالرغم من البعد، أرسلت قريش في طلبهم، من النجاشي كي يرجعونهم إلى أهل مكة كي ينالوا منهم، ويعذبوهم، ولكن قضى الله أمرا كان مفعولا، وها هو جعفر الطيار، يُجَلّي الحق واضحا بكلماته التي بين فيها صفات النبي ودعوته التي جاء بها، وقارن بين حالهم قبل الإسلام وبعده.
ولكن بالرغم من كل ذلك في لجانب الآخر أعني مكة، يشتد العذاب بالنبي الكريم، وبأصحابه الذين لم يهاجروا، حتى أن رسول الإسلام قصد البديل في من يأتي من العرب للحج، لعله يجد عندهم من يحتضن هذه الدعوة المباركة ويؤازرها، حتى تشتد ويقوى عودها، ولكن لا جدوى، حتى فتح الله قلوب أهل يثرب، أهل المدينة التي نورها النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقدومه وسيظل نورها إلى يوم القيامة لأنها تحوى أطهر وأنقى جسد على ظهر الأرض فلاقت الدعوة لديهم قبولا، لا سيما وأنه يعيش في وسطهم جماعة من أهل الكتاب الذين كانوا يعدون أهل المدينة فيها بأن هذا الزمان زمن نبي يبعث، فعندما جاءتهم الدعوة قبلها منهم عدد بسيط، حتى صارت بيعة العقبة الأولى، ثم يزداد عدد المسلمين، وفي العام التالي وفي موسم الحج يكون العدد فوق السبعين، وتصير بيعة العقبة الثانية. وهنا نقف وقفة بسيطة جدا مع الرسول الذي أرسله النبي - عليه الصلاة والسلام ـ كي يعلم أهل المدينة تعاليم الإسلام، فبقدر نجاح هذا الداعية، يكون نجاح هذه الدعوة ـ طبعا بعد توفيق الله تعالى ـ ولكن هذا الرجل هو من اختيار الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهذا الصحابي المرسل هو مصعب بن عمير، وبالفعل بعد توفيق الله تبارك وتعالى نجح هذا الداعية نجاحا باهرا في أن يستقطب أهل المدينة إلى الإسلام، وأن يمهد الجذور للدعوة الجديدة، كي تنتقل من دار وجدت فيه مصاعب كثيرة، إلى دار أخرى أكثر رحابة، وهذا لأن الدعوة الإسلامية فيها بدأت تنتشر فيها انتشارا حتى ما بقي بيت من بيوت المدينة إلا ودخله هذا النور المبارك.
ومع سريان الدعوة المباركة في المدينة المنورة، والنجاح الذي تلاقيه هناك، كان التضيق على أشده في الجهة الأخرى أي في مكة، ولكن أمر الله غالب، والسنن الكونية تسير على ما أراد الله تعالى، فالقبائل المحيطة بمكة ترفض احتضان هذه الدعوة، ويجد رسول الإسلام من أهل الطائف أقبح الرد، والأمور في المدينة تجري على عكس ذلك تماما، فالناس تدخل في دين الله بعد أن كانت على شفا حفرة، وتتوحد بعد أن تفرقت زمنا طويلا، وأكلت الحرب بينهم الأخضر واليابس.
فالأمور في المدينة المنورة مستقرة وعندها يأذن النبي الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ للصحابة بالهجرة إلى المدينة، وكان هو ـ عليه الصلاة والسلام ـ ينتظر الإذن من ربه تبارك وتعالى بالهجرة، فالحدث جلل وعظيم، وبات مستقبل الدعوة على المحك، فان نجح النبي ـ عليه الصلاة والسلام - في هجرته نجحت الدعوة، واستمرت في طريقها الذي أراده الله لها، فلعظم الأمر، وخطره كان لا بد في هجرة الحبيب المصطفى أن تكون بأمر رباني، فالله هو عالم بالأمور أجمعها، وهو العليم بالوقت المناسب لانطلاق هذه الدعوة المباركة إلى موطنها الجديد، الذي كتب الله لها فيه أن تنطلق للعالم أجمع، وأن يسعد بها الناس دنيا وأخرى، فهجرة من آمن من قريش في البداية للوطن الجديد كان له أبلغ الأثر في تمكين الدعوة في المدينة، حيث ساهموا ومعهم الأنصار في تكوين اللبنة الأولى للمجتمع الإسلامي في وطنه الجديد.
وهذا التمكن لم يبدأ فعليا بترجمته إلى الواقع إلا بعد أن وصل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع صاحبه إلى المدينة المنورة، وهذا أمر لعلنا نتكلم عنه بالتفصيل لاحقا.
نرجع الآن إلى المجتمع المكي وها هو الصديق ـ رضي الله عنه ـ يتردد على النبي الكريم كي يستأذنه في أن يأذن له بالهجرة إلى المدينة والنبي - عليه الصلاة والسلام ـ يطلب منه أن يتمهل، حتى أتي الإذن إلى النبي الكريم من ربه تبارك وتعالى بالهجرة إلى المدينة، فصار كما حكت لنا أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضوان الله عليها ـ أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ زارهم في وقت لم يعهدوا منه أن يزورهم في مثل ذالكم الوقت، والسب هو أن الله تعالى أذن له في الهجرة إلى المدينة المنورة، فينتهز الصديق الفرصة ويطلب من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ الصحبة، وتقول السيدة عائشة أنها ما رأت أحدا يبكي من الفرح حتى رأت أبيها يبكي فرحا بأنه سيكون رفيقا للنبي في هجرته المباركة إلى يثرب، التي نورها قدوم الصاحبين إليها.

التدبر في الهجرة
ـ هل من كلمة قبل نهاية هذا اللقاء؟
أقول أن أمر الهجرة يجد المتدبر فيه أنه معجز في حد ذاته، فاختيار التوقيت وهو رباني بطبيعة الحال، فكما ذكرنا سابقا أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يهاجر إلا بإذن من الله تبارك وتعالى، ثم أن النبي الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أخذ بالأسباب، مع أن الله تعالى بقدرته التي لا حدود لها كان بالإمكان أن يسري به إلى المدينة ما بين غمضة عين وانتباهتها، كيف لا وهو الذي علم من أحضر عرش بلقيس من مكانه، كما هو واضح في نص الكتاب العزيز، مع أن العقل البشري لا يمكن أن يعيي هذا الأمر، لكن كما هو معلوم أن العقل البشري بطبعه محدود، ودائرة الشرع أوسع بكثير من دائرة العقل المحدودة،و ما لنا أمام المعجزات الربانية الثابتة إلا التسليم أن قدرة الله أوسع وأشمل وأعم من كل ذلك. وأيضا فالله تعالى قبل الهجرة بوقت هو الذي أسرى بعبده إلى المسجد الأقصى، وهو الذي عرج به إلى السموات العلى، لكن سنة الأخذ بالأسباب هي سنة الله في الكون، ومتى ما أخذ الإنسان بالأسباب وصل لإدراك أسباب الكون، واستثمار مكنوناته والله تعالى هو المتكفل بتسيير الأمور فلا يظن ظان أن الإيمان بهذه الأمور يؤدي إلى التخلف عن ركب الحضارة، لكن تشابك الفهم هو الذي يؤدي لترديد هذه العبارات وإلا فالتاريخ الإسلامي في أيام مجده وعزته وتربعه على كرسي حضارات العالم ما ردد هذه العبارات والتطور العالمي الآن يشهد بأنه تلميذ لهذه الحضارة العظيمة، فالنبي الكريم وصاحبه، أخذا بالأسباب وهذا طبيعي لأنها لن يخرجا عن طورهما البشري الذي جبل الله عليه البشر، وبإخلاصهما لله تعالى، وأخذهما بالأسباب يسر الله لهما من الأمور الشيء الكثير، التي لو أردنا تفسيرها بعقولنا القاصرة لما استطعنا الوصول إلى تفسيرها، والحوادث الثابتة من السيرة النبوية كثيرة لا نود الخوض فيها.

ونرجع الآن إلى المؤآخاة العظيمة التي تحققت بين المهاجرين والأنصار، والدور العظيم التي فعلته هذه المؤآخاة في جعل الحياة في المدينة في مجتمع متنافر قبل الهجرة إلى مجتمع متواد متكاتف بالرغم من دخول عناصر جديدة، وهم المهاجرون إليهم، ومخالطتهم لإخوانهم في كل شيء من مشرب ومأكل ومسكن وسوق وغيره، ولكن المسلمون الذين هاجروا مكة لم يكونوا اتكاليين، بل اثبتوا وجودهم، فها هو عبدالرحمن بن عوف يقول: "دلوني على سوق المدينة"، فهذه المقولة وإن قال بها واحد إلا أنها تمثل حال الشريحة العظمى من المهاجرين، وفي غضون سنوات قليلة يسحب المسلمون البساط من تحت اليهود، وهم الذين كانوا مسيطرين على سوق المدينة، فمن يملك لقمة عيشة يملك قراره بطبيعة الحال.
والصحيفة التي وضعها النبي الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ تمثل اللبنة الأساسية الأولى أو حجر الأساس الذي سارت عليه الدولة الفتية في جميع تعاملاتها سواء بين أفراد المجتمع المسلم أو بين المجتمع المسلم وجيرانه.
وهذا الحادث العظيم تجلت فيه الكثير من القيم الجليلة، التي في عالمنا المعاصر في أشد الحاجة إليها، وإلى أن يجعلها نصب عينيه، فالتعاون والتكاتف التآزر الذي امتدحه المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم، لهو جدير بالكثير من الوقفات التي نستجلي منها هذه المعاني الراقية بكل تفاصيلها، وهناك تضحيات جسام من صحابيات في سبيل الدين، ناهيك عن تضحيات الصحابة فيا له من جيل مبارك بكل معنى الكلمة اصطفاه الله تعالى كي يصحب خير البرية - عليه الصلاة والسلام ـ ويال الفخر الذي نالوه بهذه الصحبة الزاكية - فهذه التضحيات التي بذلوها هي في سبيل عقيدة يؤمنون بها، وليس وراؤه أي مقابل مادي محسوس في هذه الدنيا، ولكن عقولهم الصافية وفطرهم السليمة دلتهم أن هذه الدنيا ليست إلا دار اختبار وابتلاء والحياة الحقيقة هي الحياة الأخروية فلله درهم من رجال ولله درهن من نساء.
وبعد وصول النبي الكريم إلى المدينة المنورة بدأ الجهاد الفعلي لبناء الدولة المسلمة بناء فاعلا، وصارت تساير ركب التطور بسرعة حتى أنها فاقت العالم المتطور في ذك الزمان، وتقدمته قرون عديدة. فموضوع الهجرة وموضوع بناء دولة، وبناء أمة في نفس الوقت.
الدروس والعبر
ـ وأخيراً ما هي الدروس والعبر من هذه الحادثة الجليلة؟
لا أخوض هنا في تفاصيل أحداث الهجرة بسبب أنها - ولله الحمد ـ باتت معلومة لدى الجميع، ولكن هنا نستجلي بعض الدروس والعبر التي نأخذها من هذه الحادثة العظيمة في التاريخ الإسلامي:
ـ السرية في أمر الهجرة: قريش تتربص بالنبي - عليه الصلاة والسلام ـ تريد أن تقتله بعد أن أوحى لها ابليس اللعين بتلكم الخطة التي تقضي بأن يختاروا من كل قبيلة واحدا كي يتفرق دمه بين القبائل ولا تستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه، ولكن قضى الله أمرا كان مفعولا،
- رد الأمانات: فالرسول الكريم بالرغم من ما خططت أن تفعل به قريش، إلا أنه وضع علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ للتمويه في فراشه، وأيضا كي يرد الأمانات إلى أهلها، فجماعة من أهل مكة كانوا يضعون أموالهم بيد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمانة، كيف لا وهو الذي اشتهر عنه الصدق والأمانة، وكما قال النجاشي لأبي سفيان عندما سأله هل عهدوا عليه كذبا؟ فقال:لا، فقال: ماكان ليدع الكذب على الناس ليكذب على رب الناس.
- التخطيط الدقيق والتمويه: فالنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وضع خطة للمسار الذي سيسلكه للوصول إلى مبتغاه، والتمويه عندما سلكوا طريقا مغايرا عن الطريق التي يسلكها من أردا المدينة.
- اختيار الصاحب في السفر: والصاحب هنا هو الرجل الثاني في الإسلام إن صح التعبير وهو الذي وصفه القرآن بأنه صاحب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ :"ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه...". وفضل الصديق لا يخفى على أحد.
- العناية ببناء مركز للدولة الفتية: وهذا المركز هو مسجد قباء، كي يكون مركز اشعاع ونور، ولا يخفى أهمية المركز الذي تنطلق منه الدولة، وتعد فيها كل ما يحفظ كيانها.
- سوق مستقلة للمسلمين: كانت الناحية المالية من أسواق وتجارة وغيرها بيد اليهود في المدينة، وكان لا بد للدولة التي في بداية طريقها أن يكون لها كيان مالي مستقل، كي تحفظ مقوماتها، وكي لا تكون هناك جهات أخرى تتحكم أو تضغط على استقلالية القرار لهذه الدولة الجديدة.
وفي الختام أقول: نعم هناك المزيد والمزيد لكن ذكرت ما ذكرت كخطوط عريضة، ودروس بسيطة من هذا الحدث العظيم، الذي كان البداية لظهور دولة الإسلام الأولى، وان يكون لها كيان مستقل، تطبق فيه أحكامها، ودستورها.


أعلى






نماذج نبوية في تنمية المهارات

المهارة شيء أودع الله حبه في قلب إنسان ما ، وألقى في روعه إتقانه لتستمر مسيرة الحياة وتتنامى والمهارات موزعة على الخلق ليتعاونوا في طريق الحق، وكلما اخلص العبد في فنه وهبه الله مزيدا من سر مهنته، واطلعه على جديد في تحسين صنعته، ففيها جزء وهبي، واجزاء اكتسابية تحتاج الى تنمية بأي وسيلة من وسائل التعلم والتثقيف، ورسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يرى شيئا يصلح في هذه الحياة ويسهم في تطويرها إلا وحث عليه ونماه، وأخذ بيد صاحبه الى المعالي، والسيرة خير معين في هذا الجانب، والله ـ تعالى ـ يقول عن ذي القرنين( ثم أتبع سببا) اي استفاد مما فعل انطلاقا الى ما لم يفعل، واخذا بالاسباب وجعل الغاية التي توصل اليها وسيلة الى غيرها ، وهذا يعني الوعي بالزمن، وفهم رسالة المرء في الكون، وكثيرا ما كان سلوك رسول الله دافعا الى تنمية المهارات وتنامي الخبرات وتفعيل الطاقات واستثمار العقول وتوجيه المرء الى كل ما ينفعه، يقول (استعن بالله ولا تعجز ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان). ومن النماذج الكثيرة التي تروى في هذا الصدد ما ورد في مسند الإمام احمد عن سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من اسلم وهم يتناضلون في السوق) اي يتسابقون اي الفريقين احسن رميا بالسهام وأكثرهم وصولا الى الهدف) فقال منميا تلك المهارة ودافعا الى اتقانها وعمق التمرس فيها (ارموا بني اسماعيل، فإن اباكم كان راميا، وأنا مع بني فلان (لأحد الفريقين)، فامسكوا ايديهم ان يناضلوا (يعني ان يسابقوا قوما معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم احتراما له وتوقيرا لقدره فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ (ارموا وأنا معكم كلكلم) ، حرص على تعليمهم التنافس الشريف والتمهر بهذا اللون من ألوان الرياضة الجاد الذي يمكن استغلاله في ميدان المعركة وساحات القتال، فليس فيه اضاعة وقت ولا هدر زمن، وفي سباق الخيل كان له اسهام كبير في ذلك حيث سابق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الخيل التي قد ضمرت ، فأرسلها من الحفياء وكان أمدها (نهاية السباق لها) ثنية الوداع، وبين ذلك ستة اميال أو سبعة، وسابق كذلك بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع وكان أمدها (نهاية خط السباق لها) مسجد بني زريق، وبين ذلك ميل أو نحوه (رواه البخاري) فهناك أناس يحبون ركوب الخيل ويتقنون الوثبة ويتمرسون بها فهؤلاء نشجعهم ونرصد لهم الجوائز.
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ اذا رأى صحابيا نبغ في شيء ما شكره ودعا له وذكره على ملأ من الصحابة ليكون قدوة وليسعى في الوقت نفسه الى تنمية تلك المهارة، وهذا التخصص يقول (افرضكم زيد) أي أعلم الناس بمسائل الفرائض وهي الميراث ، ويقول (أعلمكم بالحلال والحرام علي، وأبوعبيدة أمين هذه الأمة)، يستحث الصحابة على امتلاك ناصية تخصص ما، واعتلاء قمم الفنون والعلوم ، وهاهو ذا رسولنا العظيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمر على قوم يرفعون حجرا، ليعلموا الشديد منهم (مثلما يحدث في كمال الاجسام) ورفع الاثقال ونحوها من ألوان الرياضات التي تدخل في ألعاب القوى) فلم ينكر عليهم، فلا مجال اذا للانتقاص من رياضة ما مادامت لا تلهي عن ذكر الله ولا تورث الشحناء والبغضاء بين الناس، ولا تحدث صخبا ولا جلبة ولا تدعو الى قطيعة او تذكي قضية الشجار والخصام.
ولما سمع ـ صلى الله عليه وسلم ـ قراءة أبي موسى الأشعري للقرآن الكريم واستجادها اثنى عليه ليس في سره وانما في العلن وامام الصحابة يقول له (لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود)، امتداح يدفع الى اتقان ونجاح وتخصص وفلاح، ومن ثم رد ابو موسى على هذا المديح والثناء النبوي بقوله (يارسول الله لو كنت اعلم انك تستمع الي لحبرته لك تحبيرا) اي جودته واحسنته وتفننت فيه واتقنت فقد فهم الرسالة النبوية، وأن الرسالة الايجابية قد وصلت ، وهاهي ذي الآن تجري على السنتنا وفاح عبيرها ، ووجدنا آلافا من القراء الذين حسنت اصواتهم ، وراحوا يدغدغون المشاعر، ويستنزلون الدموع من المآقي ، ويزلزلون القلوب رجفة وخشوعا وحبا وخضوعا لكلام الله العلي العظيم، كبارا وصغارا رجالا ونساء، وجميعنا يشهد ذلك يوميا على شاشات التلفاز وفي فضائيات القنوات مما يفرح القلب ويسر الفؤاد ويشرح الصدور.
لابد من العودة الى القرآن الكريم والسنة المطهرة لالتقاط هذه القضية والكتابة حولها، ورصد كل ما من شأنه ان يثبت جدارة الاسلام في تنمية المهارات واستخلاص النتائج والعبر لتحيل مجتمعاتنا الى مجتمعات مهارية في كل التخصصات لنحقق الاكتفاء الذاتي ونسد باب الاستيراد، ونصبح مصدرين في كل مجالات الحياة، (يسألونك متى هو؟ قل عسى ان يكون قريبا (ويومئذ يفرح المؤمنون) ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

مها محمد البشير
ماجستير في الشريعة الاسلامية

أعلى






سلسلة مواقف تربوية

(رقيب عتيد)

الحلقة السابعة
مواقف تربوية يعرض في كل حلقة موقف تربوي يوضح فيه كيف يربى الطفل تربية غير مباشرة فالتربية حسب المواقف او اللحظة الحاضرة يكون تأثيرها أبلغ وأعمق في نفس الطفل وانتهاز الفرص لتعليمه الدين والأخلاق والتكامل من خلال ما يمر معه في الحياة اليومية.
وينشأ ناشئ الفتيان على ما كان عوده أبوه
فإلى موقف هذا الاسبوع:
خطفت الصغيرة الدفتر من يد اختها وركضت فجرت اختها وراءها ونادتها بكلمات لم تعجب امها
الأم: وئام الا تعلمين ان ما قلته قد سجل عليك في دفتر السيئات؟
وئام: ومن الذي سجل؟ وماذا سجل؟
ام وئام: ملك موجود على كتفك الأيسر
وئام نظرت فلم تجد شيئا فقالت: اين الملك وما سجل؟
الام يا وئام كل إنسان خلق الله له ملكين: الاول على الكتف الايمن ويسمى رقيب وهذا الملك يسجل كل الكلمات الحسنة مثل شكرا. لا إله الا الله ـ الحمد لله ـ وكل كلمة جميلة تقولينها.
وئام: واذا قلت كلاما سيئا؟
ام وئام: على كتفك الايسر ملك، وبيده صحيفة واسمه (عتيد) يسجل كل السيئات
وئام: وماذا يفعل الملكان بالصحائف؟
ام وئام: يرفعانها إلى الله فينظر الله في الصحائف
وئام: وماذا بعد ذلك؟
ام وئام: تجمع الصحائف الى ان يموت الانسان ويوم القيامة تحسب الحسنات والسيئات فإذا زادت السيئات دخل النار واذا زادت الحسنات دخل الجنة. فمن اي الفريقين تريدين ان تكوني؟
وئام: طبعا اريد ان اكون من اهل الجنة ولكن يا أمي اذا كتب الملك كل كلمة تقولها الا يتعب من ذلك؟ ولماذا لا نرى الملائكة؟ وكيف استطيع ان احمل ملكين على كتفي؟
ام وئام: لا يا وئام الملائكة لا يتعبون لان الله اعطاهم قوة عظيمة وهم لا يخالفون الله (لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون) ونحن لا نراهم لأنهم من نور.
وئام: ولكننا نرى النور عندما نشغل الكهرباء
ام وئام: هذا ليس نورا هذا كهرباء. هل ترين الهواء يا وئام؟ هل لمسته؟ الملائكة ليس لهم وزن حتى تحملهم هل تستطيعين حمل الهواء؟
وئام: يعني الملائكة خلقها الله من نور ولا نراها وتجلس على أكتافنا وتكتب الحسنات والسيئات.
ام وئام: احسن يا وئام اسرعي واحضري لي قلما ودفترا فقد جاءتني فكرة. اريد ان اكتب اسماءكم وفي كل صفحة اسم واحد منكم واخصص قسما للحسنات وقسما للسيئات، والشاطر من ملأ صحيفته بالحسنات وئام احضرت دفترا ومصحفا جلست تقرأ قائلة: سأملأ الصحيفة كلها بالحسنات حتى تزيد على السيئات فيكتب الملك رقيب وانت تكتبين في صحيفتي.
ام وئام احتضنت الصغيرة وقبلتها وبدأت في تسطيره دفتر الحسنات والسيئات وصار الأطفال يتسابقون في ملء صحفهم بالحسنات ويحرصون على كل كلمة وكل عمل حسن ليكون في ميزان حسناتهم يوم القيامة.

فاطمة بنت حمود الطوقية

أعلى


 


الاعتدال في الغيرة بين الزوجين

إن الأسرة أساس المجتمع، بل هي مجتمع صغير، منها تتكون الأمة، وعليها تقيم عمادها، وتوطد أركانها، وبصلاح الأسرة تصلح الأمة، وترقى إلى المجد، وتنال ما تؤمل من غايات كريمة وتقدم منشود، وقوام الأسرة رجل وامرأة جعل الإسلام علاقة الزوجية بينهما أكرم العلاقات الإنسانية وأسماها، وقد أحاط الإسلام هذه العلاقة المقدسة بإرشاداته الكريمة وتوجيهاته الحكيمة، لكي يسود بينهما السلام، ويَعُم الوفاق والمحبة والوئام، إذا ما صحت النيات، وكانت الثقة المتبادلة بينهما، وحسن الظن رفيقهما ورائدهما، فلا غيرة ممقوتة، تولد الشك في غير ريبة، فيحدث الشقاق والخلاف، مما يعصف بالأسرة عصفا تاما، ويَقضي على صغارها بالتشرد والحرمان، يقول الله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (الأنفال 46).. والغيرة أن تأخذ الإنسان الأنفة والحمية والغضب إذا شعر أن غيره يريد أن يُشاركه في أهله، ومن هم في حوزته، فالرجل يغار على زوجته ورفيقة حياته، ولا يرضى أن يُشاركه أحدٌ في النظر إليها، أو يتطلع إلى عورتها، وكذلك المرأة تغار على زوجها ولا ترضى أن تُشاركها امرأة مما هو من خصوصياتها، من أسرارها مع زوجها، والإنسان الغيور هو الإنسان الطبيعي، وهو شيء فطري أودعه الله في النفوس المؤمنة والقلوب الطاهرة المُطمئنة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني لغيور وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب) الترغيب والترهيب.
القارئ الكريم: إن الغيرة من الفضائل الدينية والصفات الخلقية، ولكنها كغيرها من الفضائل إذا تجاوزت حدها انقلبت إلى ضدها، وأصبحت رذيلة ممقوتة، فهي لا تعد من الفضائل المحمودة، إلا إذا التزم صاحبها حد الاعتدال ولم يقع منه إفراط ولا تفريط، والغيرة المحمودة المطلوبة، هي الغيرة التي يحكمها الدين، وتدفع إليها الكرامة، وتكون محاطة بالعزة، لذا يجب على الرجل ألا يتغافل عن الأمور التي يُخشى مغبتها، ويَصعب علاجها إذ أهملت فلا يسكت على تقصير في واجب، أو ميل إلى سوء ومعصية، فإن اعتيادها مثل هذه الأشياء وسكوته عليها يؤدي إلى استمرائها ويُصبح خلقا يصعب علاجه والتغلب عليه، وقد أوصى الإسلام الرجل كذلك أن يكون معتدلا في غيرته مع زوجته، حسن العشرة، طيب الخلق، كريم المعاملة، والقرآن الكريم يرشد إلى حسن العشرة في قوله: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) (النساء 19).. والغيرة التي تدفع الزوج إلى إهانة زوجته وإيذائها، إذا بدا بعض هفواتها، فهذا عمل مشين لا يُرضي الله رب العالمين، وقد ثبت أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان قدوة مُثلى في نبل المعاملة وكرم العشرة الزوجية وهو القائل: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.. ويقول مرشدا الأزواج إلى أن حسن العشرة الزوجية من الإيمان: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله) رواه الترمذي والنسائي.. وقد تدفع الغيرة المرأة أن ينظر الرجل إلى غيرها، وذلك خوفا على مصيرها، من إيذائها أو طلاقها، بسب ضعف تصرفها، أو دمامة شكلها، فربما يجد فيها خلقا حميدا، وسلوكا عفيفا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يفرك ـ أي لا يبغض ـ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خُلقاً آخر) رواه احمد ومسلم.. كما أن من حق الزوجة أن يُحافظ على سمعتها وأن يوفر لها أسباب العصمة والشرف صونا لكرامتها.
القارئ الكريم: إن الاعتدال في الغيرة يكون بالابتعاد عن الجري وراء الأنباء المدسوسة، من ذوي الأغراض السيئة، والنفوس الضعيفة الملتوية، في غير تثبت من صحة الأخبار، وذلك عن طريق وسائل الاتصالات الحديثة، أو انتقالها من شخص للآخر من أجل الفرقة بين الزوجين، وتأجيج نار الفتنة بين الشريكين، والتي لا تُخشى عواقبها المؤلمة، ونتائجها الوخيمة، فينبغي التثبت من صحة الأخبار، مع مُعالجة الأمر كله في روية واتزان، فإذا اكتملت كل هذه المعاني كانت فضيلة حقا، أما إذا اختل شيء من ذلك فإنها تكون خصلة بغيضة وغيرة لم تٌصب مكانها، أو غيرة جاءت بعد أوانها، يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات آية 6).. إن الزوج العاقل هو الذي يزن الأمور بميزانها الصحيح، ويستعمل الحكمة في التعامل مع زوجته بأسلوب مليح، فإذا أنعم الله عليه بامرأة صالحة، حافظة للغيب عفيفة متزنة، غير أنها مصابة بالغيرة المحمومة، خوفاً على زوجها، من أن ينظر إلى فتاة غيرها، فالواجب أن يصبر عليها، وينتهج الأسلوب الأمثل في التعامل معها، وقد تتملكه الغيرة أيضا فيمنعها أن تزور وأن تُزار، صلة لأرحامه وأرحامها، وعشيرته وعشيرتها، الذين هم من دمه ولحمه، وقد لا يطيق أن تكون في بيته نافذة مفتوحة، أو غير ذلك مما يحدث من بعض الرجال، من الأقوال والأفعال، والصفات والخصال، فهذا الزوج قد جانبه الصواب، فمن العدل أن يُقال له لأمثاله، إن ما آتيته ليس من الغيرة الدينية، فقد قتلت في نفسها العزة والكرامة، وعرضت سمعتها للحديث والمهانة، يقول سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا) (الحجرات آية 12).. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن من الغيرة غيرةٌ يَبغَضُها الله عز وجل وهي غيرة الرجل على أهله من غير رِيبة) الترغيب الترهيب.. وقول الإمام علي كرم الله وجهه: (لا تكثر الغيرة على أهلك فَتُرمى بالسوء من أجلك).
القارئ الكريم: إن كشف الأسرار الزوجية، والحياة الأسرية، التي يعيشها كل من الزوجين، قد يؤدي بهما إلى عدم الاعتدال في الغيرة فتزول المودة والمحبة بينهما ويحدث عدم الوفاق وتعريضها للضياع بالفراق، وحرمان الأطفال بعد الطلاق، من حنان الأمهات، أو من رعاية الآباء وينشأون تنشئة ذليلة معقدة، لذا يجب على كل منهما إزاء الآخر حفظ الأسرار الزوجية، وعدم إفشائها إلى قريب أو بعيد، وما يجري في بيوت الزوجية يجب أن يكون بعيدا عن أسماع الآخرين، وفي الحديث: (إن من أعظم الأمانة عِندَ الله يوم القيامة: الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم يَنشر سرها) رواه مسلم. وقد أوصت امرأة من السلف بنتا لها عند التزوج فقالت لها في ليلة عُرسها: (إنك مفارقة بيتك الذي منه خرجت، وعُشك الذي منه دَرجتِ، إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن ليكون لك عبدا، واحفظي له خصالاً عشرا يكن لك ذخراً، فأما الأولى والثانية: فالرضا والقناعة، وحسن السمع والطاعة، وأما الثالثة الرابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا أطيب الريح، وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن شدة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله والإرعاء على حشمه وعياله، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمراً ولا تُفشي له سرا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإياك ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مُهتما، والكآبة لديه إن كان إذا كان فرحاً.. تلك توجيهات الإسلام الكفيلة بخلق الأسرة الصالحة لتكون عماداً لمجتمع صالح.
القارئ الكريم: إن الغيرة الدينية الحقة التي تكتمل فيها المعاني الإنسانية، والصفات النبيلة ذات الصبغة الإسلامية، فهي غيرة الرجولة والشهامة، والعزة والكرامة، الغيرة الحكيمة المتبصرة المحمودة التي يحبها الله، بحيث لا تكون وسيلة إلى شقاق، غيرة تمنع البلاء وتحفظ الكرامة، غيرة تبني ولا تهدم، إن الغيرة في بعض الأحيان قد تدفع الإنسان أن يسلك طريقا ملتويا، وسبيلا معوجا، فالافتراء على الأبرياء صفة مرذولة، يدفع إليها الكره الشديد، وينال صاحبها التهديد والوعيد، لأن وقعها على المجتمع شديد، لأنها تُشوه الحقائق، وتجرح المستورين، وقد عده الإسلام من أقبح الزور، روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (أتدرون أربى الربا عند الله؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم؛ ثم قرأ رسول الله: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) أبو يعلى إن تلمس العيوب للناس، وإلصاقها بهم عن تعمد يدل على ضعف الإيمان، ووسوسة من وساوس الشيطان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ذكر امرءا بشيء ليس فيه، ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قاله فيه) الطبراني.
لقد حرص الإسلام كله على حرمة عرض المسلم، فلا ينبغي لمسلم أن يتناول عِرض أخيه المسلم، بما يخدشه أو يحط من قدره، فلا يتمنى له إلا الخير، ومن فضل الله على العباد؛ أنه استحب ستر عيوب الخلق؛ ولو صدق اتصافهم بها. وما يجوز لمسلم أن يتشفى بالتشنيع على مسلم ولو ذكره بما فيه، فصاحب القلب النظيف يأسى لآلام العباد؛ ويشتهي لهم العافية. أما التلهي بسرد الفضائح، وكشف الستور، وإبداء العورات، فليس مسلك المؤمن الحق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) ومعنى ذلك أن على المؤمن أن يحافظ على عرض أخيه وكرامته فلا يلحق به ما يهدم الشرف ويُنكس الرأس قال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) إن اتهام الأبرياء صفة من لا خلاق لهم الذين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون قال الله تعالى: (إن الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (النور 19).
عبدالرحيم محمد جاد الرب


أعلى


 


متى نطلق؟

لا شك أن السؤال إجابته تعني ألا نسرح أو لانطلق لأن الزواج عقد شرعي الهدف منه الإحصان وتكوين أسرة مستقرة والطلاق على نقيض الزواج يهدد أمن واستقرار الأسرة بل قد يقضي عليها لذا فالأصل لا نطلق ولكن لأسباب قد تخرج عن إرادتنا نقع في الطلاق بقي علينا أن نعرف متى نطلق؟ أو بمعنى آخر متى نلجأ للطلاق؟
قال تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان عليا كبيرا ، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ...)
وقال جل في علاه :( وإن يتفرقا يغني الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما )
فالآية الجليلة تطرقت إلى حلول أربعة مهمة فهذه المراتب الأربع التي ينبغي للمسلم ألا يلجأ إلى الطلاق إلا بعد نفاد هذه الحلول فلربما وجد الحل في أحد هذه النقاط أو المراحل فلا يضطر عندها إلى الحلال البغيض وهو الطلاق .
الحل الأول وهو الوعظ أو الموعظة لقوله تعالى : ( فعظوهن ) والموعظة تكون ببيان حكم الله تعالى في طاعة الزوج والترغيب في طاعة الزوج والترهيب من عصيان الزوج والوعيد الذي توعد الله تعالى به من تعصي زوجها أو تخالف أمره لا شك شريطة أن يكون أمره في حدود طاعة الله تعالى فلا طاعة لمخلوق في معصية الحالق .
ومع وجود شريحة كبيرة من المتزوجين من يجهل وللأسف الوعظ والإرشاد والتذكير بآيات الله وأحاديث نبيه في هذا فإن جهله لا يسوغ له تجاوز هذه المرحلة في حل مشاكله مع زوجته فبإمكانه أن يعطيها كتابا يبين ذلك أو شريطا يحصل به المقصود .
الحل الثاني : الهجر فإن لم يجد الوعظ نفعا انتقل الزوج إلى الحل الثاني وهو الهجر الوارد في قوله تعالى ( فاهجروهن في المضاجع ) والهجر علاج لمثل هذه المشاكل ولكنه مقيد بأن يكون في المضجع وكما قال عليه الصلاة والسلام : ولا تهجر إلا في البيت " ولذلك يقول العلماء : إن هجر المرأة في البيت والمضجع أشد وقعا في قلبها وأعظم تأثيرا عليها وذلك أن بقاء الزوج معها مع هجره لها يجعلها تشعر بأن أنوثتها لم تؤثر في الزوج مع قربه منها وأيضا للهجر في المضجع فائدة أخرى وهي أن إمكانية إعادة المياه إلى مجاريها أكبر ممّا لو كان هجر الزوج لامرأته خارج البيت إذ إن من الممكن أن يفتتح الحوار بينهما عندما يكون السكوت ويبدأ النقاش فتوجد الحلول وربما بعض التنازلات وبهذا تصفو النفوس وتنتهي المشاكل .
الضرب : ثم بعد ذلك ننتقل إلى الحل الثالث عند تعذر وجود الفائدة في الهجر وأشار سبحانه على ذلك بقوله ( فاضربوهن ) والمصيبة تكمن في كون بعض الأزواج يجهل مرتبة هذا الفن من العلاج ولا يجيد بل ولا يعرف سواه فلا يجيد علاج أي مشكلة إلا بهذه الطريقة وهذا جهل عظيم بل إن البعض لا يستعرض عضلاته وقوته إلا على الزوجة كما قال الشاعر :
أسد علي وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر
ويستخدمه بطريقة مخالفة للطريقة التي وضع من أجلها فتراه يصفع ويضرب ويمت الشعر ويجرح اليد ويدمي السن ويسحب ويجلد ولا يفرق بين محاسن المرأة ومساوئها في الضرب بل إن البعض من الأزواج يستخدم في ذلك أدوات للتأديب فتاكة كالجلاد والحديد وما شابهها والذي ينبغي أن يعلمه أن الضرب لم يجعل علاجا أوليا بل أن يأتي في المرحلة الثالثة بل ذكر الفقهاء إذا احتاج الزوج إلى الضرب فليكن بالسواك لأن الغرض منه التربية والتأديب لا الانتقام والتشفي وهذا أمر يكاد يجهله عامة الناس وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام : " لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم لعله يضجعها من آخر اليوم " فإن هذا فيه ازدواجية في الشخصية وقال عليه الصلاة والسلام : " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " قال العلماء : هذا المعلم مع تلاميذه والأب مع أولاده والزوج مع زوجته .
الحل الرابع : التحكيم فإذا لم تنفع هذه الحلول السابقة فينتقل إلى الحل الرابع وهو التحكيم قال جل شأنه ( فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلا إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) وهو أن يؤتى برجلين مكلفين عدلين عاقلين يعرفان ما بينهما لمحاولة لم الشمل وراب الصدع وإيجاد الحلول المناسبة فإن تعذر مع هذا كله استمرار الحياة الزوجية إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله وليس من التفريق بد وإنه الأصلح لهما فرق بينهما .
ولذلك يقول تعالى :(وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ) وهذا هو الحل الأخير مع تعذر سير عجلة الحياة الزوجية الذي طالما لجأ إليه كثير من الناس اليوم متجاهلين بذلك الحلول الأربعة التي أوردتها الآية الكريمة فقفزوا إلى هذا الأمر دون مراعاة لما يحصل من جراء هذا التصرف الطائش الذي قد يكون نتيجة لأمر حقير أو سبب تافه فكم بسببه تفككت أسر وتقطعت أرحام وضاع أولاد وتشردت بنات بين أب قد تزوج امرأة أخرى لا ترحمهم وبين أم قد تزوجت من رجل يبغضهم وصارت حياتهم جحيما لا يطاق وفاتورة باهضة دفع ثمنها أطفال أبرياء نتيجة تهور أب متسلط أو غضب زوج متعجل أو اندفاع أم فقدت حنان أمومتها.
سالم بن ناصر الرواحي

أعلى


 


تفكر في يوم القيامة

(يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم) الشعراء 88/89 تفكر في الحشر والمعاد وتذكر حين تقوم الأشهاد إن في القيامة لحسرات وإن في الحشر لزفرات وإن عند الصراط لعثرات وإن عند الميزان لعبرات وإن الظلم يومئذ لظلمات والكتب تحوى حتى النظرات (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ق 18 وإن الحسرة العظمى لأهل السيئات عندما ينتهى المولى جل وعلا من حساب العباد ويعرف كل واحد مصيره فريق في الجنة يرتقون في الدرجات وفريق في السعير يهبطون في الدركات وما بين الإنسان الحي وبين يوم القيامة إلا أن يقال فلان مات ويقول رب ارجعون فيقال فات، فمن مات قامت قيامته ومن شدة هول يوم القيامة أخبرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم)
لله در قوم طار النوم من أعينهم عندما تُذكر أمامهم النار وإذا ذكرت الجنة طال اشتياقهم إليها فعمدوا على الوصول لها بشدة الصوم فالصوم يكبح جماح النفس ويؤدبها ويبعدها عن المعاصي ويهذبها وبكثرة الصلاة فالصلاة هي الصلة بين العبد وربه وهي عماد الدين وبالصدقة والإنفاق في سبيل الله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) آل عمران 92 وبالكثير من أعمال الخير.
من تفكر في يوم القيامة فإنه ولا بد أن يدفع نفسه عن شهوات الدنيا وإذا دخل سوق الدنيا فإنه لا يتعرض لها بشراء ولا مساومة يترك الخوض في بحارها والعوم فيها بل أن كل أفعاله اجتهاد في الصلاة وفي الصوم وفي الزكاة وفي سائر العبادات والمعاملات. وقيل لأحد الصالحين ما لنا لم نزل نراك باكيا وجلا خائفا قال كلما تفكرت في يوم القيامة وأن الله تعالى قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يتوعدني أن يسجننى إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لى عبرة، وعوتب عطاء السلمي في كثرة البكاء فقال إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغل يدها وتسحب في النار ولا تبكي وقال أسلم بن عبدالملك صحبت رجلا شهرين وما رأيته نائما بليل ولا نهار فقلت ما لك لا تنام قال إن عجائب القرآن وأهوال يوم القيامة أطرن نومي ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.
فما على الإنسان إلا أن يبادر بالأعمال الصالحة ألا فطوبى لمن بادر عمره القصير فعمر به دار المصير وتهيأ لحساب الناقد البصير قال صلى الله تعالى عليه وسلم:
(بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو موتا مجهزا أو هرما مفندا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر).
وعلى كل مسلم أن يكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات ويعلم أن الشيطان لا يتسلط على ذاكر الموت وإنما إذا غفل القلب عن ذكر الموت دخل العدو من باب الغفلة قال يزيد بن تميم من لم يردعه الموت والقرآن ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع. والذي يجعل الإنسان منشغل القلب بالآخرة ويوم القيامة والحساب والعقاب والجنة والنار هو ذمه للدنيا وأن يتفكر دائما بعقله وقلبه في الدنيا كم قتلت؟ ويحذرها ويحذر أقرانه منها فإن الدنيا إذا حلت أوحلت وإذا كست أوكست وروى عمار بن ياسر رضى الله تعالى عن الصحابة أجمعين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (مر بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال والذي نفسي بيده إن الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها) فما الدنيا إلا عناء أولها وفناء آخرها حلالها حساب وحرامها عقاب من استغنى بها فتن ومن افتقر إليها حزن ومن سعى إليها فاتته ومن نأى عنها أتته ومن نظر إليها أعانته ومن بصر بها بصرته فليحاسب كل منا نفسه في خلوته ويعمل في وقت فراغه لوقت شدته.
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلى
أنس فرج محمد فرج

أعلى

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept