الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







من وحي الألم (2)

يردد الكثير من الأدباء مقولة إن "الإبداع يولد من رحم المعاناة" ولعلهم يعزون في ذلك أنفسهم ويتخففون بها عما يثقل كاهلهم من التفكير في هموم فرضها الواقع عليهم والذي أصبح يزداد سوءا.. لا شيء جديد فالحال كما هو الحال ولعله ليس من باب المصادفة ما قرره العرب في لغتهم من مجيء الحال دائما في حالة (نَصْبٍ)،وما فرضته ظروف الحياة على معظم أدبائهم أن يكونوا دائما في حالة (نَصَبٍ) والفرق بين اللفظين (سكون وحركة) وهما بلا شك يمثلان دورة الحياة فكل حركة تنشأ من السكون وكل سكون يكون بعد حركة وهكذا دواليك (قلِّبها كما شئت) ولعل الجناس اللفظي (المحرّف) بينهما يوحي بما للفظين من تقارب معنوي تؤكده ظروف حياتهم فعلا وتقرأ مفرداته واضحة على صفحات واقعهم المرير!.
إلا أن المدهش حقا ما تراه من هؤلاء المبدعين الذين جعلوا الفقر (ركيزة) للإبداع جاعلين من الضعف قوة ومن الألم أملا فخلدوا بأقلام معاناتهم أجمل ما حفظه لنا الأدب العربي من أشعار وأخبار ومنهم من يجعلك في حيرة من أمرك وذلك أنه يسخر من واقعه بأسلوب أدبي بلغ الغاية من الإبداع يجعلك تضحك شئت أم أبيت ولكنك حين تفرغ من ضحكك لا يمكنك إلا أن ترثي للواقع الذي يصفه حد أن يعتريك البكاء دون شعور في أحيان كثيرة فتنسجم الدموع التي أفرزتها جراء استغراقك في الضحك بهذه الدموع التي نجمت عن مرارة شديدة تحسها في نفسك وهذا التناقض في حالك يقربك من التناقض (الجميل) في حال صاحب النص الذي أضحكك وأبكاك في نفس الوقت.
وأنا في هذه السلسلة من المقالات والتي عنونتها بـ(من وحي الألم) سنستعرض كل مرة شخصية من هذه الشخصيات المميزة وموضوعنا اليوم حول الشاعر العباسي أبي الشمقمق مروان بن محمد المتوفي عام 180 هـ والذي يبرز كواحد من أهم هؤلاء الشعراء الذين اتخذوا من الفقر ركيزة لأدبهم فسطروا بأنامل ألمهم أجمل الأشعار.
هذا الشاعر الفذ الذي كان يخشى معرة لسانه حتى أكبر شعراء الهجاء في عصره وعلى رأسهم بشار بن برد وما أدراك ما بشار بن برد وهو الذي قيل: إن سيبويه إمام النحاة وكان معاصرا له اضطر إلى الاستشهاد بشعره مع عدم اعتداده بشعر المولدين خوفا من هجائه ومع ذلك لم يسلم منه!.. ورغم هذا نجد في أخبار بشار بن برد أنه كان يدفع (جزية!) لأبي الشمقمق حتى يكف عنه لسانه ولا يتعرض له بالهجاء فقد روى دعبل بن علي قال: كان بشار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم، فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له: هلم الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أجزية هي! قال: هو ماتسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح مني؟ قال: لا، قال: فأعلم مني بمثالب الناس؟ قال: لا، قال: فأشعر مني؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، فقال له: إن هجوتني هجوتك، فقال له أبو الشمقمق: هكذا هو؟ قال: نعم، فقل ما بدا لك؛ فقال أبو الشمقمق:
إني إذا ماشاعر هجـانـيه ولج في القول له لسانـيه
أدخلته في (...) أمه علانيه بشار يا بشار....
وأراد أن يقول: " يابن الزانية"؛ فوثب بشار فأمسك فاه، وقال: أراد الله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له: لايسمعن هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق!.
والحديث عن أبي الشمقمق يجعلنا في حرج شديد نظرا لما يبثه في أشعاره من ألفاظ يستحي المرء أن يذكرها لإمعانها في الفحش خصوصا ما كان بينه وبين بشار كما أسلفنا وما كان بينه وبين أبي العتاهية وأبي نواس ومروان بن أبي حفصة.. من أهاج ومحاورات تتخللها الطرافة بشكل كبير وكان لا يتحرج من شيء ولكنه في الوقت ذاته حديث جميل لا يخلو من متعة لكل من يريد الفكاهة في إطار الأدب فقد كان شاعرا مطبوعا لا يكاد يراود الشعر عن نفسه حتى يسلم له قياده طوعا وشعره نوادر كله كما وصفه ابن المعتز في (طبقات الشعراء) ولكي لا نخرج عن موضوعنا سألم فقط بما تحدثت عنه في بداية المقال وهو ما يتعلق بالفقر الذي اتخذه مطية للإبداع..
أنا في حال تعالى الله ربي أي حالِ
ولقد أهزلت حتى محت الشمس خيالي
ولقد أفلست حتى حلَّ أكلي لعيالي!
ولتتأملوا معي هذه الأبيات التي هي أقرب إلى الرسم الكاريكاتوري منها إلى الشعر المجرد وهذه إحدى أبرز الخصائص لديه والتي تدل على سعة خياله ورهافة حسه وطواعية الشعر له وهو يجنح في كثير منه إلى البحور الغنائية الخفيفة المجزوءة حتى يتغنى بها ويعزف فيها على أوتار جرحه الغائر الذي يتمثل في بؤس معيشته بطريقة تجعل متلقيها في حالة من التناقض التي أشرنا إليها سابقا فهو شعر يضحكك ويبكيك في نفس الوقت!.
والحديث يطول في هذا الجانب وإنما شأننا هنا (الومضة) حتى لا نطيل حد الإملال وللإسهاب غير هذا الموضع.. حيث نعتزم تسليط الضوء على هذه الشخصية الأدبية الثرية بشكل موسع نزين به صفحة (التراث) والتي ستشهد ميلادا جديدا على صفحات الوطن الغراء في عيد ميلادها السابع والثلاثين فأحيلكم إليها ذات شغف حتى يتسنى لكل متلهف معرفة كنوز تراثنا الأدبي العربي والحصول على مبتغاه والظفر بما يحبه ويرضاه.

عبدالحليم البداعي
من أسرة تحرير الوطن

 

أعلى






أصوات معلقة
غيوم

غيمة قاتمة أولى:
عند الساعة الثانية والربع من ظهر يوم الاثنين تحديدا، اجتزتُ البوابة الرئيسية للمدرسة وأذكر تماما أني تأخرتُ هذا اليوم في المدرسة لأنهي بعض الأعمال الإدارية الروتينية، وتأخرت معي زميلتي "ليلى" لمساعدتي كما كررت لي، أذكر جيدا أني لم ألق تحية الوداع على الحارس كما تعودتُ وأنه بالمقابل لم يبتسم لي ابتسامته الصغيرة الودودة وما أتذكره أني خرجتُ مسرعة دون أن ألاحظ أني نسيتُ ارتداء عباءتي وأن كعب حذائي الأسود التوى قليلا وأنا أهرول قاطعة المسافة الفاصلة بين البوابة والسيارة .
والغريب الذي أذكره بجلاء كبير أني وفي تلك اللحظة لم أنس قط مقتي بطريقة مبالغ فيها منعطف الطريق وانكساره الحاد والذي يتطلب مني دقيقتين كاملتين لأتأكد أنه يخلو من السيارات وأن ذلك الإحساس تسرب من قلبي إلى كل خلية من خلايا جسدي.
في الطريق المرصوف أمام المدرسة رأيتُ "ليلى" تقف بين السيارتين وتلوح بمفتاح سيارتها بين أصابعها، وأن الهواء الذي بدأ يشتد كان يحرك عباءتها السوداء كاشفا عن ثوب بلون أزرق تحتها وأذكر بشكل واضح أنها خابرتني قبل دقائق بصوت مشوب بالقلق وقالت:
ـ تعالي لتري سيارتك.
فتركتُ الأوراق بين يدي وركضتُ مهرولة إليها، وعندما حاذيتُ "ليلى" سمعتُ صوت تكسر الزجاج تحت كعب حذائي ومن إشارات ليلي نظرتُ إلى السيارة .
كانت السيارة الحمراء تقف في موقفها الصباحي المعتاد، لكني أذكر أن ليلى أمسكتْ بيدي وجرتني إلى مقدمة السيارة عندها فقط انقبض قلبي بشدة ورأيتُ الواجهة الأمامية الزجاجية للسيارة مفتوحة بكسرين وأن الزجاج يغطي الشارع في محيط الخطين الأبيضين للموقف .
وأتذكر أن صورة وصوت زوجي كانا واضحين وهو يحيطني بذراعه مسلما علي بحبور واضح مفاتيح سيارته بعد أن تعطلت سيارتي في ذلك اليوم .
وفي المشهد التالي لم أر ليلى وهي تلوح بالمفتاح في يدها ولا سيارتها، وسمعتُ بوضوح تام "أبو أحمد" ـ حارس المدرسة ـ يقترح علي أن أتصل بالشرطة، وأتذكر جيدا أني ابتعدتُ مسافة لا بأس بها عن السيارة ودستُ على الزجاج المتطاير ووقفتُ لحظات وأنا أتأمل السيارة وصمتُّ قبل أن أجيبه على اقتراحه غير مصدقة تماما - وتذكرت أن ذلك كان بنفس مطمئنة وهادئة- وعقلي يعيد تركيب صورة السيارة ويطابقها مع مظهرها في هذا الصباح، وأذكر بوضوح تام أن المشهد كان معاكسا، أنا أنظر إلى السيارة و"أبو أحمد " ينظر إلي في الشارع الخالي.
في مشهد مقارب تفحص الشرطي الزجاج بأصبعه وشرع يشرح لي أن الأمر لا يعدو أن يكون لعبا وخطأ غير مقصود أبدا من أولاد المدرسة المقابلة لنا وقال في تفسير مبسط:
ـ رجاء، تخيلي معي، ولدان صغيران من أولاد تلك المدرسة خرجا من المدرسة وأخذ كل منهما يرشق الآخر بحجارة الطريق، فأخطأ كل منهما الهدف والنتيجة هي كما ترين .
وأراني قطعة الحجارة ومرر أصبعين من أصابعه على الزجاج الملتصق بها.
وأذكر تماما أنه شد جسمه واعتدل في وقفته وقال مشيرا إلى زميله بالمغادرة:
ـ سيدتي، لا تقلقي، اذهبي إلى بيتك الآن وارتاحي وتناولي غداءك، وعندما يكون لديك متسع من الوقت تعالي إلى المركز لننهي بعض الإجراءات البسيطة .
في ذلك الوقت أذكر أني جلست خلف المقود وأني تلمست شيئا من الزجاج المتناثر على المقعد الموازي لي والشمس احتجت بفعل غيمة صغيرة وأن الأشياء بدأت تظلم تدريجيا أمامي.

غيمة قاتمة.. الثانية:

عند الساعة الثانية والربع من ظهر يوم الاثنين تحديدا، اجتزتُ البوابة الرئيسية للمدرسة وأذكر تماما أني تأخرتُ هذا اليوم في المدرسة لأنهي بعض الأعمال الإدارية الروتينية، وتأخرتْ معي زميلتي "ليلى" لمساعدتي كما كررتْ لي وأتذكر فيما لا يدعو مجالا للشك أنها سألتْ ( بتلاقيه) وفي أثناء الحديث الذي دار بيننا عن الحمل الذي تأخر طويلا وعن موقف رجل مثل زوجي عن مثل هذه المواضيع وأتذكر فيما لا يدعو مجالا للشك أيضا أن السيارة الحمراء خطرت على بالي لمرتين أو ثلاث في هذا اليوم وأذكر جيدا أني في خروجي ذلك لم ألق تحية الوداع على الحارس كما تعودت وأنه بالمقابل لم يبتسم لي ابتسامته الصغيرة الودودة وأتذكر أني خرجتُ مسرعة دون أن ألاحظ أني نسيتُ ارتداء عباءتي وأن كعب حذائي الأسود التوى قليلا وأنا أهرول قاطعة المسافة الفاصلة بين البوابة والسيارة
والغريب الذي أذكره بجلاء كبير أني وفي تلك اللحظة لم أنس قط مقتي بطريقة مبالغ فيها لمنعطف الطريق وانكساره الحاد والذي يتطلب دقيقتين كاملتين لأتأكد أنه يخلو من السيارات وأن ذلك الإحساس تسرب من قلبي الى كل خلية من خلايا جسدي. وأني وقفت لفترة أطول من المعتاد لأقطع الطريق وتأففت وزفرت شيئا من الهواء البارد الذي تملكني.
في الطريق المرصوف أمام المدرسة رأيتُ "ليلى" تقف بين السيارتين وتلوح بمفتاح سيارتها بين أصابعها، وأن الهواء الذي بدأ يشتد كان يحرك عباءتها السوداء كاشفا عن ثوب بلون أزرق تحته وأنه حرك ثوبي ليكشف قليلا عن ساقي وأذكر بشكل واضح أني تلقيت ملاحظة جارحة من ليلى التي كانت سبقتني إلى موقف السيارات حول خروجي هكذا بدون عباءة في طريق عام.
كما أذكر بتمعن أنها حدثتني قبل دقائق بصوت مشوب بالقلق وقالت:
ـ تعالي لتري سيارتك.
كانت السيارة الحمراء تقف في موقفها الصباحي المعتاد لكني أذكر أن ليلى أمسكت بيدي وجرتني إلى مقدمة السيارة عندها فقط انقبض قلبي بشدة ورأيتُ الواجهة الأمامية الزجاجية للسيارة مفتوحة بكسرين وأن الزجاج يغطي الشارع في محيط الخطين الأبيضين للموقف وأن "ليلى" لم تقدم لي مساعدة تذكر باستثناء وقوفها اللحظي لترى السيارة وأني كدت أبكي قهرا في وقتها.
وأتذكر أن صورة وصوت زوجي كانا واضحين وهو يلبي بإلحاح مطول ـ استمر الليل بطوله وأول الصباح ـ بأخذ السيارة ويكرر بمزاح مختلط بتهديد جاد ومتزمت:
ـ إذا أصيبت السيارة بخدش صغير سيلزمك ذلك فتح حسابك وإخراج مبلغ محترم منه.
وأني ـ في لحظتها رددت ـ في أسى كبير:
ـ خدش !
وأن يد ليلى على كتفي كانت باردة وأن ابتسامة طفيفة علقت على شفتيها.
وفي المشهد التالي لم أر ليلى وهي تلوح بالمفتاح في يدها ولا سيارتها، كما لم أر ابتسامتها الطفيفة ولكني أذكر أني سمعتُ بوضوح تام صوت "أبو أحمد" - حارس المدرسة - وهو يقترح علي أن أتصل بالشرطة، وأتذكر جيدا أني ابتعدتُ مسافة لا بأس بها عن السيارة ودستُ على الزجاج المتطاير وأني وقفت لحظات أتأمل السيارة وأني صمتُّ قبل أن أجيبه عن اقتراحه غير مصدقة تماما - وتذكرت أن ذلك كان بنفس شبه مطمئنة وهادئة - وعقلي يعيد تركيب صورة السيارة ويطابقها مع مظهرها في هذا الصباح، وأذكر بوضوح تام أن المشهد كان معاكسا وأنا أنظر إلى السيارة وأبو أحمد ينظر إلي في الشارع الخالي وأنه يصبح يدندن بمقطع أغنية شعبية وهو يتحرك بخطوات بدت لي غريبة بعض الشيء.
في مشهد مقارب تفحص الشرطي الزجاج بأصبعه طلب مني ملكية السيارة وأتذكر أنه سألني عن علاقتي باسم الشخص عليها وعندما أخبرته أنه زوجي، شرع يشرح لي أن الأمر متعمد إذ إن الصدفة لا يمكنها صياغة موقف من ضربتين متلاحقتين من حجارة بحجمين متباينين وأذكر بوضوح أنه قدر أن رمي الحجارة لم يكن بمسافة قريبة وربما استخدم شخص حدد لي أني ربما أعرفه وربما لا أعرفه مقلاعا أو أنه كان راميا موهوبا لا يحتاج إلى مقلاع وعلق بصوت رتيب جدا:
ـ وتعرفين بحكم عملك أن الله أعطى الناس مواهب وأن البعض يسيء استخدامها وأراني قطعة الحجارة ومرر أصبعين من أصابعه على الزجاج الملتصق بها.
وأذكر تماما أنه شد جسمه واعتدل في وقفته وقال مشيرا إلى زميله بالمغادرة وحذرني بكلماته:
ـ لا تتأخري بالحضور إلى مركز الشرطة وإلا اضطررنا إلى اتخاذ إجراءات ضدك .
في ذلك الوقت أذكر أني جلست خلف المقود وأني تلمست شيئا من الزجاج المتناثر على المقعد الموازي لي وأن الشمس احتجبت بفعل سحابة كبيرة وقاتمة وأن الأشياء بدأت تظلم تدريجيا أمامي. وأني لا ريب بكيت وحيدة بعد أن غادر "أبو أحمد" الشارع واحتجب في غرفته.

غيمة قاتمة.. ثالثة:

عند الساعة الثانية والربع من ظهر يوم الاثنين تحديدا، اجتزتُ البوابة الرئيسية للمدرسة وأذكر تماما أني تأخرتُ في هذا اليوم في المدرسة لأنهي بعض الأعمال الإدارية الروتينية، وتأخرتْ معي زميلتي "ليلى" لمساعدتي كما كررت لي وأتذكر فيما لا يدعو مجالا للشك أنها سألتْ بتلاقيه وفي أثناء الحديث الذي دار بيننا عن الحمل الذي تأخر طويلا وعن موقف رجل مثل زوجي عن مثل هذه المواضيع، وإن كنت غير متأكدة أنها امتدحت زوجي أو أشفقت عليه في هذا السياق وأذكر أن السيارة الحمراء خطرت على بالي لمرتين أو ثلاث في هذا اليوم وبل أذكر أني عرضت السيارة الجديدة لأتباهى أمام زميلاتي ففتحت أبوابها وجربت أجهزتها، أذكر جيدا أني في خروجي ذلك لم ألق تحية الوداع على الحارس كما تعودت وأنه بالمقابل لم يبتسم لي ابتسامته الصغيرة الودودة وأتذكر أني خرجتُ مسرعة دون أن ألاحظ أني نسيتُ ارتداء عباءتي وأن كعب حذائي الأسود التوى قليلا وأنا أهرول قاطعة المسافة الفاصلة بين البوابة والسيارة.
والغريب الذي أذكره بجلاء كبير أني في تلك اللحظة لم أنس قط مقتي بطريقة مبالغ فيها لمنعطف الطريق وانكساره الحاد والذي يتطلب دقيقتين كاملتين لأتأكد أنه يخلو من السيارات وأن ذلك الإحساس تسرب من قلبي إلى كل خلية من خلايا جسدي. وأني وقفتُ لفترة أطول من المعتاد لأقطع الطريق وأني نظرت إلى اليمين ثم إلى اليسار ثم إلى المنعطف ثم إلى موقف السيارات أمامي، وأني شعرت بارتباك حقيقي وأنا أقطع الشارع.
في الطريق المرصوف أمام المدرسة رأيتُ "ليلى" تقف بين السيارتين وتلوح بمفتاح سيارتها بين أصابعها، وأن الهواء الذي بدأ يشتد كان يحرك عباءتها السوداء كاشفا عن ثوب بلون أزرق تحته وأنه حرك ثوبي ليكشف قليلا عن ساقي و أذكر بشكل واضح أنها حدثتني قبل دقائق بصوت مشوب بالقلق وقالت:
ـ تعالي لتري سيارتك.
كانت السيارة الحمراء تقف في موقفها الصباحي المعتاد لكني أذكر أن "ليلى" أمسكتْ بيدي وجرتني إلى مقدمة السيارة بقسوة وأنها كررتْ ملاحظتها بطريقة غير مباشرة حول شهامة بعض الأزواج وصبرهم على المصائب التي تأتيهم من زوجاتهم عندها فقط انقبض قلبي بشدة ورأيتُ الواجهة الأمامية الزجاجية للسيارة مفتوحة بكسرين وأن الزجاج يغطي الشارع وأن "ليلى" لم تقدم لي مساعدة تذكر باستثناء وقوفها اللحظي لترى السيارة وأني كدتُ أبكي قهرا في وقتها.
وفي المشهد التالي رأيتُ "ليلى" وهي تلوح بالمفتاح في يدها وتقف مستقيمة كعمود بجانب سيارتها، كما رأيت ابتسامتها الطفيفة وأذكر أني تلقيتُ ملاحظة جارحة منها أمام "أبو أحمد" حول خروجي هكذا بدون عباءة في طريق عام، وأن الحارس غض طرفه عنا وفي وقت تشاغلتْ هي بالنظر بتمعن إلى الزجاج المكسور أتذكر أني سمعت صوت "أبو أحمد" يقترح علي أن أتصل بالشرطة، وأتذكر جيدا أني ابتعدت مسافة لا بأس بها عن السيارة ودستُ على الزجاج المتطاير وأني وقفت لحظات وأنا أتأمل السيارة وأني صمت قبل أن أجيبه على اقتراحه غير مصدقة تماما وعقلي يعيد تركيب صورة السيارة ويطابقها مع مظهرها في هذا الصباح، وأذكر بوضوح تام أن المشهد كان معاكسا أنا أنظر إلى السيارة وأبو أحمد ينظر إلي في الشارع الخالي وأنه أصبح يدندن بمقطع أغنية شعبية زادت من ابتسامة ليلى .
وأتذكر أن صورة وصوت زوجي كانا واضحين وهو يرفض تماما إلحاحي في أخذ سيارته ويحذرني من أخذ مفتاحها وأني أخذت المفتاح بعد أن أكد لي عدم عودته للبيت هذا اليوم.
في مشهد مقارب وعندما رفعت هاتفي وطلبت مركز الشرطة قدرت أن صوت زوجي سيكون أقل حدة وأكثر تقديرا للحكمة التي تصرفت بها وأذكر أن "ليلى" فتحت باب سيارتها واندست فيها بوجه حاقد، وأذكر بوضوح تام هذه المرة الحارس وهو يساعد أحد الشرطة في البحث عن حجرين متفاوتين في الحجم عليهما آثار زجاج ولون سيارة أحمر، وبوضوح لا تشوبه شائبة أذكر أن أحد الشرطة تفحص الزجاج بأصبعه ودار حول السيارة من جهاتها الأربعة، تذكرت أنه كان طويلا وغائم الوجه وأسود اللحية طلب مني ملكية السيارة وأتذكر أنه سألني عن علاقتي باسم الشخص عليها وعندما أخبرته أنه زوجي صمت هنيهة ومن ثم طلب مني رخصة القيادة وأذكر لحظتها أني صمت وانزويت دون حراك فيما شرع هو يشرح لزميله شيئا لا أفهم منه إلا كلمة واحدة .
ـ إنها امرأة.
في ذلك الوقت أذكر أني جلست خلف المقود وأني تلمست شيئا من الزجاج المتناثر على المقعد الموازي لي وأن الشمس احتجبت بفعل سحابة كبيرة وقاتمة وأن الأشياء بدأت تظلم تدريجيا أمامي. وأني لا ريب بكيت وحيدة بعد أن غادر "أبو أحمد" الشارع واحتجب في غرفته وغادرت "ليلى" المكان، وأذكر أني استأذنت الشرطي لأحضر عباءتي من المدرسة وأتصل بزوجي لأكمل التحقيق الذي بدأ منذ ساعة .

رحمة المغيزوي
قاصة عُمانية


أعلى





للصورة بعدان
الأخضرُ ... الحجر

"في الوقفةِ بين الذَّاكرةِ والنِّسيان
كان ابتكارُ الكتابة
وكانتْ كذلك الكهوف
وكان نقشُ الحجر"
أيُّها العاطلون/ البائسون/ المطحونون/ المُبعدون/ الوحيدون/ التَّائهون/ الذَّابلون/ المهجورون/ المنسيّون المشتعلون/ الميِّتون/ الأحياء/ الشُّهداء/ اللامنفيِّون/ اللامكانيّون/ اللازمنيِّون/ المنفتحون/ الفاتحون/ لا ترهنوا أحلامَكم إلا للمزارعين في الأخضرِ، الغارسين بذرةَ الوردةِ/ الحاضنين سُنْبُلَةَ الوقتِ/ الحاصدين تمورَ النَّخلة/ الطَّائرين على جناحِ يمامةٍ خضراءَ تُحَلِّقُ في فضاءِ الجهاتِ مُتوشِّجةً بالبهجةِ، عازفةً عَنِ الضَّجر.
استحلفُكم باللهِ يا أحبَّة: ألاّ تتركوا وجوهَكُمْ ناشفةً كزيتونةٍ جافَّةٍ.. ألاّ تتوقَّفَ أصابعُكم عن ضربِ أوتارِ الجنونِ.. ألاّ تدفنوا مَعَاوِلَكُمْ بجانبِ البئرِ الأخيرة .. ألاّ تُحصوا ما بَقِيَ لكم منَ الأيامِ أمامَ بَوَّابَةِ العسكر.. ألاّ تتركوا نساءكم في حضرةِ الجنرالِ الأبيضِ أنّ يختمُ رسائلَه إلاّ بدماءِ أثدائهنّ.. ألاّ تُلقِّنوا أبناءَكم دروسًا خصوصيَّةً في التَّرويضِ والانحناء.. ألاّ تجعلوا أحلامَ السَّادةِ المترفين تنمو وتتصاعدُ إلاّ من عوسجِ أشلائكم.
ويا أحِبَّةُ: لا تلتفتوا إلى الوراء.. لا تتَّجهوا إلى الأمامَ إلا في معجزة.. لا تَهِنوا فأنتمُ الأعلونَ.. لا تتراجعوا فأنتمْ مزمورُ الخليقة.. لا تتخلَّفوا عن وظائفكم.. لا تتأوَّهوا فأنتمْ خلاصُكُمْ.. لا تفضُّوا بكارةَ النَّشيدِ في حناجرِكُمْ فأنتمْ:
وهجُ الشُّعلة
الشُّعلة الشَّتلة
الشَّتلة الشَّهوة
ولا تنتظروا نبيًّا جديدًا يأتي بآية.. أنْتُمُ الآيةُ الدَّالةُ على هزيمتِنا ومرايانا المشروخةِ في هزيعِ أبجديَّةِ اللَّيلِ الأخير.
يا أحبَّةُ: النُّطفةُ أنتمْ/ العَلَقَةُ أنتمْ/ أنتمْ الهيولى والتَّمدُّدُ في الأمكنةِ العصيَّةِ على الاحتواءِ، الخجلةِ منَ الاختلافِ، الغارقةِ في قراطيسِ الخطابةِ، المهرولةِ خلفَ الكواليسِ كمن يُضَاجِعُ (...) فوقَ معاجمِ اللُّغةِ ويمضي في أوَّلِ درسٍ للتَّاريخِ يُعَلِّمُ التَّلاميذَ مبادئَ التَّربيةِ والفلسفةِ، وإذْ يَغْسِلُ قراطيسَه الملوَّنةَ، بين مشاهدِ المسرحيَّةِ وفصولِ الرِّوايةِ وخواتيمِ الحكايةِ، لا يُصَفِّقُ لَهُ إلاّ الوحلُ والغبار.
يا أحبَّة: لا تُصدِّقونا
لا تكترثوا بنا
لا تغفروا لنا، فخطايانا ليستْ جميلةً
لا تفتحوا نوافذَكم فهواؤنا سامٌّ
ولا تجعلوا أبوابَكم مُواربةً
امضوا حيث شئتُمْ، ففي رُقْعَتِكُمُ الحمراءُ منَ الطِّين
لا شيءَ لديكمْ إلا الأخضرُ.. الحجرُ
"في الحركةِ العاصفةِ بعدَ الوقفةِ بين الذَّاكرةِ والنِّسيانِ
كانتِ الولادةُ
والنَّسجُ
وكان انحتاتُ الحجرِ
وثُقْبُ الحجر" *

آمنة الربيع
كاتبة وناقدة عمانية


أعلى





صوت
(عمان في أسبوع)

يمثل برنامج (عمان في أسبوع) وجبة بانورامية رائعة تعقب وجبة غداء يوم الجمعة حيث يقدم لنا رؤية متكاملة عن مجمل الاحداث المحلية خلال اسبوع كامل.. وتنبع أهمية مثل هذا البرنامج من منطلق الانشغال الدائم لدى المتلقي المحب لتتبع الفعاليات والمستجدات المحلية، بحيث يجد حصيلته الإخبارية الاسبوعية في برنامج واحد يجمل له مختلف الأخبار والأحداث في ساعة زمان يقضيها أمام الصندوق العجيب.
ويحسب للبرنامج التعديلات الجديدة التي أضيفت اليه حيث تنتقل كاميرته مع مقدمـة البرنامج في مختلف أرجاء السلطنة مستعرضة المخزون الجمالي والسياحي الذي تتمتع به السلطنة ومبرزة ظواهر العمران والتطوير الذي تحظى به مختلف محافظات ومناطق السلطنة.. كما يحسب له التجديد في فواصله وخلفياته والموسيقى التصويرية المصاحبة لبعض الفقرات السياحية.
ولكن ما يحسب على البرنامج هو طريقته الإخبارية في تقديم الأحداث، حيث من المفترض أن يقدم رؤية تحليلة وتفصيلية وقراءة للأحداث بطريقة يبتعد فيها عن المباشرة، لأن البرنامج اسبوعي ومن المفترض ان يحمل الجانب التحليلي وليس الجانب الاخباري الصرف.
مثل هذه البرامج الاسبوعية يجب ان تبتعد عن الاسلوب التقليدي في تقديم الخبر لوجود نشرات إخبارية على مدار اليوم سواء في التليفزيون أو الاذاعة، فهو لا يعنى بالحدث الآني قدر اهتمامه بالتحليل الاخباري واستقراء أبعاد الحدث من زواياه المختلفة.
مقدمة الخبر وهيكله وخاتمته في مثل هذه البرامج لا يمكن لها أن تأخذ الطابع الاخباري الآني الذي يهدف الى (الإخبار) بل تتجاوزه الى رؤية مغايرة يبدع فيها معد البرنامج بطريقة أكثر شمولية ويفتح فيها آفاق التساؤل ويمحصها ويشرّحها تحت مجهره ليعيد صياغتها بطريقة تُوجد نوعاً من التفاعل بينها وبين المتلقي.
السعي لتطوير برنامج (عمان في اسبوع) يجب ألا يقتصر على الجوانب التقديمية والفواصل الموسيقية فقط بل يجب ان يطال جوهره الاعدادي ليواكب المستجدات التي تحظى بها معظم البرامج التليفزيونية والتي تسعى الى التفاعل مع المشاهد بطرق جديدة ومبتكرة.. ولأن البرنامج يحظى بشريحة واسعة من المشاهدين وجب الالتفات اليه بطريقة أفضل في إعداد مادته الإخبارية.

سالم الرحبي

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر يناير 2008 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept