التراث والثقافة تكشف برنامج العمل الأثري للعام الجاري
فرق عمل وطنية وبعثات أثرية عالمية تجري
المسوحات
وتواصل أعمالها في ربوع الوطن
تواصل أعمال إعادة البناء وتدعيم الشواهد
الأثرية
وتأهيل بعض المواقع لأغراض السياحة
متابعة ـ حسن المطروشي:تواصل وزارة التراث
والثقافة ممثلة بدائرة التنقيب والدراسات الأثرية جهودها الكبيرة
في البحث واكتشاف الكنوز الحضارية والتاريخية العظيمة التي يحفظها
تراب الوطن والتي تعكس العمق الحضاري للسلطنة وما وصل إليه الإنسان
العماني في سلم الحضارة والبناء والتمدن والعمران. تستضيف وزارة
التراث والثقافة سنوياً نخبة من البعثات الأثرية للعمل في المواقع
الأثرية المنتشرة في كافة مناطق السلطنة، وخلال موسم 2008م الذي
سوف يستغرق العمل فيه لمدة 3ـ4 أشهر تم اعتماد العمل لإحدى عشرة
بعثة أثرية لمواصلة أعمالها الميدانية، بالإضافة إلى فرق العمل
الوطنية التي بدأت العمل في كل من موقع "حلبان" بمحافظة
مسقط وموقع "سيح المكارم" في ولاية صحار.
البعثات الأثرية الأجنبية
البعثة الإيطالية من جامعة بولونيا: سوف تواصل المسوحات في موقع
زكيت بولاية إزكي. وهي عبارة عن منطقة صغيرة تحتوي على مستوطنات
تشكلت في بداية العصر البرونزي المبكر وتطل على كهوف حجرية تنتمي
لفترة حفيت. وعلى الرغم من صغر مساحة واحة زكيت إلا أنه يمكن
اعتبارها ممثلا جيدا لحضارة مجان في فترة الألف الثالث قبل الميلاد.
حيث يتم ري هذه الواحة بواسطة الأفلاج. وقد اتخذتها القبائل
الأولى كمنطقة استقرار لها، وتبعد زكيت عن منطقة العاصمة مسافة
ساعة.
البعثة الإيطالية في موقع رأس الحمراء بمحافظة مسقط: ستبدأ البعثة
عملها في منتصف يناير الجاري ولمدة ثلاثة أشهر، يتم فيها التنقيب
عن مدافن الألف الخامس قبل الميلاد.
البعثة الإيطالية ـ الفرنسية المشتركة: ستعمل في موقع رأس الحد
ورأس الجنز، الموقع عبارة عن مستوطنات تؤرخ إلى فترة الألف الثالث
قبل الميلاد، يجري التنقيب فيها منذ عدة أعوام. وبعد الانتهاء
من العمل سوف يتم تأهيل الموقع سياحياً ليستقبل الزوار. وسوف
يتم استكمال العمل الأثري بينما ستستمر أعمال إعادة البناء وتدعيم
الشواهد الأثرية الظاهرة على السطح.
البعثة الفرنسية التابعة للمعهد الوطني للبحوث العلمية في باريس:
سوف تستأنف البعثة أعمال المسح التي بدأت بها في الموسم السابق
في موقع أدم بهدف تحديد مواقع العصر البرونزي التي تنتشر بشكل
كبير في تلك المنطقة.
البعثة البريطانية "باسم" مشروع الحجر: سيتم مواصلة
الأعمال المنجزة في موقع بسيا وبهلاء وسلوت، حيث تم الكشف عن
أبراج الألف الثالث قبل الميلاد.
البعثة الأميركية التابعة لجامعة Oxford Brookes University
بالمملكة المتحدة: سيتم البحث عن مواقع النشاط البشري خلال العصور
الحجرية في محافظة مسندم. وبانتهاء هذا الموسم يمكن تحديد مواقع
النشاط البشري من الجنوب إلى الشمال.
البعثة الأميركية من جامعة بنسلفانيا: تستكمل البعثة أعمالها
الميدانية التي بدأتها في الموسم السابق حيث تم الكشف عن أساسات
برج دائري ضخم يؤرخ إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد.
بعثتا التنقيب الإيرانية (المركز الإيراني للبحث الأثري) والبعثة
الفرنسية التابعة للمركز الوطني للبحوث العلمية بجامعة السربون
بباريس: سوف تستهلان أعمال التنقيب الأثري في قلهات في منتصف
شهر يناير للكشف عن أهميته التاريخية والأثرية وذلك من خلال
القيام بأعمال الحفر كمرحلة أولى يتبعها أعمال الترميم لإبراز
الموقع وتأهيله سياحيا في المستقبل القريب.
البعثة الأثرية الألمانية من متحف بوخوم الألماني في موقع بات
الأثري: لقد بدأت التنقيبات الأثرية في الموقع وذلك على يد البعثة
الدانمركية في فترة السبعينيات والثمانينيات. واستأنف العمل
مرة أخرى في الموقع عام 2002م وذلك ليتم تأهليه سياحياً بالتعاون
بين وزارة التراث والثقافة في السلطنة ومتحف بوخوم الألماني
للتعدين، وما زال العمل مستمراً حيث أنه من المؤمل أن ينعكس
هذا العمل إيجابيا على التنمية الاقتصادية والسياحة الثقافية
في السلطنة.
البعثة الأثرية السويسرية 2007م من جامعة بازل ـ سويسرا: في
نهاية ربيع 2007 بدأت المرحلة الأولى من دراسة تاريخ العصر الحجري
القديم في السلطنة وذلك في منطقة الحقف. أجريت المسوحات الأثرية
وتم الكشف عن أدوات صوانية ومناطق صناعتها، وسوف تستكمل البعثة
أعمالها للموسم 2008م.
أعلى
(آخر العنقود) الأقرب إلى نفسها
التشكيلية عفاف البجالي: بعد انتهائي من اللوحة لا أعود إليها
أبداً
حوار ـ حنان جناب:التشكيلية عفاف البجالي..
لا تزال ترسم بداياتها بريشة بريئة تترجم افكارها وتحاكي واقعها
بالفرشاة.. تحمل في داخلها احلاماً وطموحات تتمنى تحقيقها..
حرصت منذ بداية عشقها للرسم على المشاركة في جميع المعارض كما
حرصت على تطوير نفسها من خلال المشاركة في حلقات العمل التي
أقامتها الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، في السطور التالية
نستضيفها.. فإلى نص الحوار:
* متى بدأت رحلتك الحقيقية مع الفن؟
** كانت بدايتي في سنة 2000 حيث تعلمت الرسم بالرصاص ثم المائية
ولكن لم أمارسها بكثرة ثم انتقلت إلى الرسم الزيتي بإشراف نائلة
المعمري.
* فن نسائي وآخر رجالي.. كيف تنظرين إلى هذا التقسيم؟
** في اعتقادي لا يوجد فن نسائي أو فن رجالي الفن فن مهما كان
مصدره.
* برأيك إلى أي درجة استطاعت المعارض تجسيد واقع النتاج الفني؟
** المعارض بلا شك لها دور في إبراز نتاج الفنانين سواء كانوا
شباب أو محترفين، خاصة وان الفنان العماني يجد صعوبة في إقامة
معرض شخصي له، فالمعارض تعرف بالفنان، وتعطيه الفرصة لعرض أعماله
بغض النظر إن كانت هذه الأعمال جيدة أو غير جيدة، ويبقى الجمهور
هو الحكم.
* كونك أصبحت جزءاً من الحركة التشكيلية بالسلطنة كيف تنظرين
اليها، وما الذي تتمنين تحقيقه فيها حتى تضع اسمها واضحا على
خارطة الفن العالمي؟
** لا توجد حركة فنية كبيرة بالسلطنة والذي ينقصها الجمهور،
وبرأيي للتغلب على هذه الاشكالية يجب بعد انتهاء المعارض المقامة
التي تحتضنها الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ان تنقل تلك
المعارض إلى صالات عرض أخرى والى أماكن يرتادها كالمجمعات مثلا
أما من الناحية العالمية يجب تكثيف المشاركات الخارجية.
* ما أقرب لوحاتك إلى نفسك وما اللوحة التي لم ترسمينها وتشكل
لك هاجسا ملحا؟
** أقرب اللوحات إلى نفسي هي (آخر العنقود) لأنها أحدثت لي نقلة
وحققت لي نجاحا كبيرا وكنت سعيدة جدا برضا الجمهور بهما مما
شجعني على رسم لوحتين في معرض إبداع واعد 2007 وأيضا كانت تتحدث
عن الأسر وعن كيفية معاملتها لذوي الاحتياجات الخاصة وقد حصلت
على الجائزة البرونزية في ذلك المعرض.
* كيف تصفين علاقتك بالريشة واللون؟
** أحب الألوان كثيرا ولا أجد أي صعوبة في خلط الألوان ولكن
لدي بعض الصعوبة في استخدام الفرشاة الصغيرة جدا ولكنني أمارس
الرسم بها حتى أستطيع التحكم بها.
* هل تعودين إلى لوحاتك بعد اكتمالها وظهورها في صورتها النهائية
بهدف التعديل؟
** لا أعود إلى اللوحة بعد أن انتهي منها حتى ولو كانت ناقصة.
* ما معاييرك لانتهاء العمل الفني؟.. ومتى تتملكك الرغبة في
البدء بعمل جديد؟
**عندما أحس إنني غير قادرة على إضافة شيء للوحة، وبعد انتهائها
ابدأ بلوحة جديدة.
* هل تعمدين إلى استخدام التقنيات الحديثة في أعمالك الفنية؟
** إلى الآن لم استخدم تقنيات حديثة في أعمالي ولكن ربما في
المستقبل.
* وما هي أبرز طموحاتك المستقبلية؟
** أتمنى أن يتحسن مستواي في الرسم إلى أن أجد أسلوبا خاصا بي
وان احصل على مراكز متقدمة وأيضا أتمنى أن يحب الجمهور لوحاتي
لأن ذلك هو الفوز الحقيقي لكل فنان.
* هل لك مشاركات خارجية؟ وهل ثمة معرضاً تعتبرينه النقلة الحقيقية
في مسيرتك التشكيلية؟
** حتى الآن لم تكن لي مشاركات خارج السلطنة، والمعرض الذي اعتبره
نقلة بالنسبة لي هو معرض إبداع واعد 2006 حيث شاركت بلوحتين
واقعيتين وكانت تتمحور حول معاملة الأسرة لآخر العنقود حيث تفرق
بعض الأسر في معاملتها لآخر العنقود عن باقي أبنائها أما اللوحة
الثانية فكانت عن بعض الأسر الأخرى التي تعامل أبناءها بالمساواة
ولا تفرق بينهم، اعتبر هذين اللوحتين نقلة بالنسبة لي لأنهما
كانتا تحويان على فكرة وأيضا لأني كنت في المعارض السابقة أشارك
بلوحات واقعية (تصوير زيتي) كالطبيعة أو الطبيعة الصامتة.
* كلمة أخيرة ولمن تقوليها؟
** أحب أن اشكر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ومرسم الشباب
لدورهما في تنمية موهبتي وأيضا الوالدين على وقوفهم معي وتشجيعي
لممارسة الفن ولكل من ساعدني للوصول إلى هذه المرحلة.
أعلى
تستمر فعاليته حتى (12) يناير الجاري
(ملتقى الكويت الدولي للفنون الإسلامية) يقدم جماليات الزخرفة
والخط العربي
الكويت ـ كونا: تتميز الفنون الإسلامية
بالعراقة والتنوع وفقا لموقع المنطقة التي انتجت العمل الفني
من العالم الاسلامي إلا انها في الوقت الحالي بحاجة الى من يهتم
بها ويحافظ عليها ويوثقها ويعمل على اعادتها الى سابق عهدها
والنهوض بها. وفي هذا الاطار تحتضن الكويت في هذه الايام (ملتقى
الكويت الدولي الثالث للفنون الإسلامية) في مسجد الدولة الكبير
الذي تمتد فعالياته الى الثاني عشر من الشهر الجاري سعيا منها
الى النهوض بالفنون الاسلامية ورعايتها وجعلها جزءا مهما من
حياة المجتمع. كما ان ملتقى الكويت يبدي اهتماما بالجانب الفني
والجمالي للفنون الاسلامية الذي يتجلى في الخط العربي والزخرفة
الاسلامية والتطبيقات
العملية للفنون الاسلامية.
وفي هذا السياق قال رئيس مركز الكويت للفنون الاسلامية الفنان
التشكيلي فريد العلي لوكالة الانباء الكويتية (كونا): إن 23
دولة عربية وإسلامية تشارك في معرض الملتقى لهذا العام من خلال
15 ركنا تعرض اعمال قرابة سبعين خطاطا ومزخرفا وحرفيا وباحثا.
واضاف ان مؤسسات عالمية عدة متخصصة في مجال الفنون الاسلامية
اسهمت في الملتقى باعمال فنية متنوعة مثل الخط العربي والزخرفة
الاسلامية على الخشب والسيراميك والرسم على الماء (الابرو) اضافة
الى كتابة الخط العربي باسلوب صيني وهي الكتابة بطريقة اشبه
ما تكون بالخط الصيني.
واوضح ان ما تميز به المعرض لهذا العام هو وجود جناح عائلي للاطفال
والنشء يهدف الى تنمية مهارات الخط عند النشء وتحفيزهم على الاهتمام
بالخط والفن الاسلامي ورعاية المتميزين منهم اضافة الى ركن للخط
العربي بأنامل نسائية تنفرد به دولة الكويت اذ شهد هذا الركن
مشاركات من شتى انحاء العالم. واشار الى ان ركن الرسم على الماء
(الابرو) لاقى اهتماما ملحوظا واقبالا كبيرا من الزوار اضافة
الى الرسم باسلوب صيني مشيرا الى ان المعرض لاقى اقبالا من ضيوف
الكويت من كل من دولة قطر والامارات العربية المتحدة والمملكة
العربية السعودية الذين اتوا خصيصا للاطلاع على محتويات المعرض.
ونوه بنجاح مركز الكويت للفنون الاسلامية رغم عمره القصير نسبيا
اذ انه انشئ قبل ثلاث سنوات في لفت انظار المهتمين الى الجهود
التي توليها دولة الكويت لرعاية للثقافة والفنون الاسلامية ودعم
المواهب الشابة في هذا المجال.
وبين ان الملتقى اختار اساتذة كبارا ليقدموا محاضرات حول مواضيع
متنوعة تسهم بتطوير معرفة وثقافة الخطاط والباحث والاستفادة
من خبرات هولاء الاساتذة مشيرا الى عقد حلقات عمل يوميا على
هامش الملتقى لشرح وتطبيق اعمال فنية اسلامية بهدف الوصول الى
عمل فني متكامل وقيم. ولفت الى انه تم توجيه دعوات الى العديد
من الخطاطين الكويتيين للمشاركة في فعاليات الملتقى مشيدا باسهاماتهم
في المعرض التي وصفها بأنها اذهلت الزوار والمشاركين وذلك لما
وصلوا له من مستوى عال في اتقان الخط العربي الاصيل.
واختتم حديثه بالقول ان الملتقى يعد نقطة تواصل بين المهتمين
بهذا المجال كما يهدف الى تسليط الضوء على الجانب الفني والثقافي
للفنون الاسلامية التي تحتاج الى من يهتم بها ويحافظ عليها ويوثقها
ويجعلها جزءا من ثقافة المجتمع العصري من اجل الحفاظ على التراث
والثقافة والفنون الاسلامية.
أعلى
أصوات معلقة
خلف الوادي
تجربتها الأولى معه يذكرها بأدق تفاصيلها
ـ التي يذكر بها تجربة صالح معه ـ يذكر أنها وضعت في المجمر
المتقد نارا لبانا ظفاريا طيب الرائحة واستعاذت في ترنيمتها
القصيرة من حسد الحساد والحاسدات، قالت بصوت رخيم:
" صليت بك ع النبي وعين الحساد عنك تعتمي، صليت بك على
الرسول وعين الحساد عنك تزول، صليت بك من ذاك وذاك"
ويذكر أنه كان يبكي قبل تلك الصلاة المشفوعة بصوت الترنيمة وأنها
أخذته وعرته وغسلت جسده بالصابون ثم ألبسته ملابس أخته وأعطته
دميتها وعندما وضعته أمام المرآة الصغيرة قالت ترنيمتها باعتزاز
كبير بابنها الذي أخذ الحُسن من بنات الأسرة، ويتذكر أنها جربت
ذلك لأكثر من مرة معه، وأنه يومها كان قد جاوز العاشرة بقليل
وكان صالح رجلا قد جاوز العشرين من عمره في تقدير أمه. وليلة
البارحة أضاف تجربة ثالثة الى التجربتين السابقتين حسم أمره
وقرر النزول الى جوف الوادي وليس في يده خطام ناقة أو قيد بعير.
ليس فيهما إلا منجل حاد.
وخلف الوادي تقع كثبان رمل غير ثابتة وخلف تلال الرمل تقع بيوتهم،
ومن أقصى تلك البيوت جاء وحيدا يسعى، داس أرض الوادي وطبع خطوته
على مرتفعات ترابه وفي ذات وقت ـ من سيره الحثيث ـ خطر على قلبه
كل ذي كبد رطبة مشى على هذه الأرض بعد أن ترك فجوة خطوة غطاها
انزلاق الحبيبات الملساء من مكان أكثر ارتفاعا، كما تمثل له
الوادي في صورته الصباحية بهيا ورحبا وغير ذي عوج في اتصاله
بلسان البحر من جهة واعتباره مثوى لأرواح الجن من جهة أخرى،
وفي بداية ونهاية كل الأمور تمثل له وجه صالح كوجه القمر الغائب
عن سمائه هذه الليلة والغائب عن حضوره القوي والرائع في نفسه
المشتاقة إليه.
تتطلع ذات اليمين وذات الشمال، وجد الأشياء هاجعة في محيط الوادي،
حدد الجهات أكثر ورسم صور الموجودات الكبيرة في ذاكرته قبل أن
تظهر له أشباحها في الظلمة ثم سمى ـ بهمس لم يجاوز شفاهه ـ الأشياء
بالمسميات فذكر منها، عين الوادي، مرعى الحيوانات وعند نخل الوادي
توقف، شعر أنه رأى كل ذلك بإمعان من حفظ الأشياء بذاكرة الجسد
وعندما هبت نسائم منتصف الليل على ظهره التفت للخلف وخال أن
جنية الوادي تغني وترقص وقد أطربها الهدوء الساكن في زوايا المكان
فخالجها شعور بأنها ملكة متوجة على كل المخلوقات هنا.
وبصوت منخفض يشبه عادة ورثها من أمه قال:
ـ بسم الله.. كبيرة وعميقة ومتسعة بحجم الخلاء الذي استشعره
ومر به من فوق الوادي وأسفل منه. وساعتئذ شعر بالبرد فعادت التساؤلات
المقلقة والجارحة تملأ نفسه وتقض الهدوء الذي شعر به لحظة اتخاذه
القرار بدخول الوادي في هذا الوقت، هل تخلى عنه صالح؟ ماذا قصد
عندما وضع يده على يدها وتلمس أصبع الإبهام بضغطة منه؟ هل هو
يهدده أم يتحداه؟ هل يثير غيرته أن يمهد لانتهاء علاقته به؟
سار بخطوات متتابعة تنفض رمل الوادي من نعله وقف لحظة أمام نخل
الوادي
ربط منجله في طرف حبل استخرجه من بين ثيابه، تلمس جذع النخلة،
وعندما أحس بحركة الجذع بين أصابعه، خاف وتذكر الجنية التي تستهويها
النخل في مواسم الطلع فعادت كلمة أمه وكرر:
ـ بسم الله... بصوت أكثر عمقا وأكثر تأثرا بأمه من المرة الأولى
.
سحب الحبل فتدلى المنجل الى أن وصل الى يده، جز سعف النخيل بسرعة
مربكة وترك عذوق التمر عارية أمام الظلام، بعد لحظة لاحت له
صورة المساء والرسالة الخفية التي أرسلها له "صالح"
بأطراف أصابعه وبحسرة لم يجربها من قبل نظر الى النخل بعيني
قط وأسر في نفسه
دون السعف ستموت النخيل، سيموت التمر.
شد المتاع المنجل ومنظر النخيل الذي فقد أطرافه الى ذاكرته ثم
داس بخشونة
ـ استنطقها تلك الليلة من الخَوَر الذي استوطن جسده ـ وحينما
انزلق الى بطن الوادي مدفوعا من على تلاله سمع صوت احتكاك السعف
بالأرض وللمرة الثالثة أراد استخدام كلمة أمه ولكن جنية الوادي
ضحكت، سمعها تضحك بجنون متزايد وهستيري وهو ينفض الرمل وما علق
على ثوبه في جرف الوادي وعندما اعتدل بجسده رأى طيف والده، وبالحرف
الواحد قال له عبارته التي سرت الى جسده ثم تسربت الى الوادي
وبقي صداها كعلامة دهر لا تنمحي
ـ لا تكن مثل عير قيد فانقاد.
لكنه عاد فباع كل إبله قبل أن يموت وقال لأمه عبارة
ـ المال العزيز على صاحبه لا يرثه إلا رجل .
فهمت منها هي ما فهمت وغاب عنها ما غاب منها .
منذ سنوات كان قد شد خطام البعير والناقة بقوة على يده ووضع
قيدهما قريبا من الشجر الكثيف في هذا المكان وأنزله الى جوف
الوادي لثلاثة أيام، رسم خريطة المرعى في الوادي أمامه وطلب
إليه أن يثبت له أنه رجل يعتمد عليه وقادر على الاهتمام بالمال
العزيز لتطمئن نفسه على ذريته وماله من بعد موته .
الآن في الظلمة الحالكة يتتبع آثار البعير الذي ند منه ويسمع
حنين الناقة التي هامت بعيدا عن المرعى، شعر بعد أن لامس الهواء
وجهه أن جنية الوادي تغني وترقص للجبن الذي استوطنه وشعر بصفعة
أبيه كبيرة ومؤلمة وكأنه يعيدها مرارا وبذات النظرة على وجهه
وعندما لم تشف الصفعة الأولى غليله أخذ سوطا وجلد كل عضو فيه
ولولا صالح لكان قتله كما قالت أمه دائما وبعدها تعلم كيف يلتصق
بصالح بشكل جيد ومتصل .
قريبا من البيوت التي تقع خلف الوادي أراح السعف وجلس مقوسا
كما كان في عمره الممتد منذ وفاة والده الى الآن ونظر للحجارة
النائمة في جدار البيوت بنوم أصحابها، تفحص غنيمة السعف، استشعر
في نفسه استقرار، باستطاعته بعد يومين أن يحيك ويبيع ويسعد صالح
ويستعيده بنفس خط القرب الذي كان بينهما.
وتكاثفت صور المساء الفائت أكثر برزت يد صالح ـ كيد الجن والسحرة
الذين تركهم يسخرون منه خلفه في الوادي ـ، تبحث في تلصص متعمد
عن يدها، وتذكر أنه قد مر شهر على تهديد صاحب نخل الوادي له
بتقديم شكوى ضده إن رآه يقطع شيئا من سعفه، وفي بيت صالح أطرق
جسده بمحاذاة الأرض وهو يشكو له حاله، في جلسته تكوم وأكثر واستعاد
شكله المقوس بشكل أكثر اتقانا لم يجرؤ أن يرفع نظره الى وجه
صالح ولم يفكر لمجرد التفكير أن يذكر صالح بأمر علاقتهما وإحساسه
أن هناك بردا يجردها من الحرارة التي كانت تذكيها قال كلماته
باختزال مبالغ فيه وكأنه يتقدم بضراعة مشفوعة بدمع كاد أن يغطي
وجه الى صالح ، ولكنه تكور على داخله وبقي بين المصدق والمكذب
وهو يرى صالح يطلب من زوجته مشاركتهم الجلسة ثم هو يقرب يده
على الحصير باحثا في حنان واشتياق واضح عن يدها. يذكر ليلتها
أنه اتخذ قرارا كبيرا في حياته ونزل جوف الوادي .
في البيت وضع السعف في مكان يصله وجه الشمس دائما، أدخل رأسه
في باب غرفة أمه وجدها نائمة وقد أصبحت في حجم طفلة بعد أن تقدمت
بها الأيام حدق فيها، غيرت هيئة نومها وتنفست بشدة، نادت باسمه
وهي نائمة وثم أعقبته بنداء اسم صالح، كان صالح ما بينهما دائما
، وحتى بينه وبين أبيه وان أنسته السنين فإنه لا ينسى أن صالح
استرضاه ـ بعد ضرب أبيه له ـ بتقبيله في كل وجهه أمامه والدته
وقدم له قطعة حلوى كبيرة واستمر يقبله حتى في غيابها وان انتقل
لتقبيل أعضاء جديدة في جسده مع مرور الأيام .بعد أيام أحصاها
عددا، لقي صالحا، دنا منه وقرصه على خده أخبره بهمس جنية الوادي
في ليالي اكتمال الأقمار:
ـ اشتقت إليك!
اشتعلت النار بين جنابته، دخل داره وابتسم برضا، بلل سعف النخيل
الجاف شرع يحيكه بتقوس يشمل الرقبة وانحناءة الظهر وضمور البطن
،فيما ترك الباب الرئيسي للبيت مواربا، لحظتها رأى صورة وصوت
صالح واضحين كقمر ولد جديدا .
رحمة المغيزوي
قاصة عمانية
أعلى

صوت
غربان الشاشة والمايك
يحكى ان الغراب قرر ذات مرة أن يقلد مشية
الطاؤوس ولم يستطع ، فحاول العودة الى مشيته القديمة فاكتشف
انه أضاعها ، ومن حينها يمشي الغراب مشيته الحالية المضحكة ،
والتي تعتبر مادة للتفكه والتندر بين أقرانه الطيور.
سأقولها بكل جرأة وصراحة: هذا ما يحدث حالياً لدى بعض مذيعينا
التليفزيونيين والاذاعيين ، الذين يحاولون تقليد لهجات الآخرين
فهم يظهرون كصاحبنا الغراب تماماً ، تائهين بين هذا وذاك ..
لا هم على يابسة الأصالة ، ولا هم على موجة المواكبة .
جميعنا يعلم ـ دون استثناء ـ أن للسلطنة لهجاتها المختلفة والمتباينة
من منطقة لأخرى ، بل من قرية وقرية أخرى لا تبعد عنها سوى بضعة
كيلومترات وربما أقل ، وهذا بطبيعة الحال نتيجة حتمية لبلد تتمتع
بفرادة طبيعتها التضاريسية التي تخلق في دواخلها بيئات مختلفة
تتشكل حسب موقعها الجغرافي .. ولكن وهنا (مربط فرس الموضوع وحصانه)
رغم التنوع الذي توفره طبيعة السلطنة في إيجاد لهجات متباينة
تظل للهجة العمانية خصوصيتها التي لا تخطئها الأذن وموسيقاها
الداخلية التي توحدها والتي لا يمكن لأي لهجة أخرى أن تشبهها
إطلاقاً .. بمعنى آخر : إذا تحدث شخص من أقصى شمال السلطنة فستعرف
أنه عماني حتى وإن اختلفت لهجته عن لهجتك .. واذا تحدث شخص من
قلب عمان فستعرف انه عماني وان اختلفت لهجته عن لهجتك .. واذا
تحدث شخص من شرقية عمان فستعرف انه عماني وان اختلفت لهجته عن
لهجتك .. واذا تحدث شخص من اقصى جنوب عمان فستعرف انه عماني
وان اختلفت لهجته عن لهجتك ..
على سبيل المثال لا الحصر : المذيع محمد المرجبي رغم فصاحته
وضلاعته في اللغة إلا أنه يستخدم مصطلحات تدل على انه من شمال
شرقية عمان .. وخالد الزدجالي لهجته (مصنعية خالصة) .. وباسمة
الراجحي لهجتها (صوراوية) ورغم أنهم يتحدثونها في برامجهم إلا
اننا لم نحس في يوم من الأيام انها خارجة عن السلّم الموسيقي
للهجة العمانية .. أما بعض المذيعين الذين يشوهون لهجتنا عن
ـ سبق تشويه وتقصد ـ فإنهم يسعون إلى تخريب موسيقى لهجتنا الأصيلة
والرفيعة بحجة المواكبة والعصرنة .
نعم للسلطنة لهجاتها المتنوعة والمتبانية ، وليس عيباً أن يتحدث
كل شخص لهجة منطقته ، ولكن العيب أن نحاول طمس لهجتنا ونخجل
من الحديث بها .. من يخجل من لهجتنا نخجل من انتمائه إلينا .
بعض الدول المجاورة تحاول تكريس لهجاتها بمختلف أشكالها من خلال
استقطاب مذيعين من مختلف مناطقها إضافة إلى تكريس هذه اللهجات
في الدراما التي تقدمها .. فيما يحاول بعض مذيعينا السطحيين
ـ ثقافيا وفكرياً ـ التنصل من لهجاتهم ومحاولة تقليد الآخر بصورة
تجعلك تستحضر مشية الغراب !!!.
أخيراً.. أعلم يقيناً أن الأشخاص الذين أعنيهم يعرفون أنفسهم
تماماً ، ولكني لم أتعود المساومة على وطنيتي ، ولي وقفة قادمة
مع الممثلين ... والسلام .
سالم الرحبي
al_rahby@hotmail.com
أعلى