بمباركة سامية من لدن صاحب الجلالة
وزارة التراث والثقافة تحتفل بافتتاح متحف فيصل بن علي
هيثم بن طارق: تخليدا لذكرى شخصية بارزة
كان لها دور رائد
في إبراز ملامح الثقافة العمانية
كتب ـ حسن المطروشي:قال صاحب السمو السيد
هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة: إن متحف صاحب السمو
السيد فيصل بن علي يأتي حاملاً اسمه بمباركة سامية من لدن مقام
صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه
ـ تُخَلِّدُ فيه ذاكرة التاريخ العماني ذكرى شخصية بارزة كان
لها دور رائد في إبراز ملامح الثقافة العمانية بشقيها التراثي
والثقافي، دافعاً بها لاحتلال مكانتها في المحافل الدولية والإقليمية
منذ عقدين ونيف من الزمان استهلت انطلاقتها منذ أن أسند إليه
تولي مسئولية وزارة التراث القومي والثقافة آنذاك عام 1976م.
جاء ذلك في كلمة صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد لدى
رعايته احتفال وزارة التراث والثقافة صباح أمس بافتتاح متحف
سمو المغفور له بإذن الله تعالى السيد فيصل بن علي بن فيصل آل
سعيد رحمه الله، وذلك بحضور عدد كبير من أصحاب السمو والمعالي
والسعادة والمدعوين. وأضاف صاحب السمو راعي الحفل قائلا: وها
هي ذاكرة الأيام تنبئنا كيف كان رحمه الله يدرك أهمية المخزون
التراثي والثقافي للشعوب تجسد ذلك في انطلاق أول وزارة تعنى
بالتراث والثقافة على مستوى المنطقة، ويتلمس الناظر كذلك لحياته
والمعايش لها كيف كان يسخر عصارة جهده خلال مسيرته الحافلة للنهوض
بهذه الوزارة هادفاً بذلك إلى وضع اللبنة الأساسية للمحافظة
على التراث الطبيعي والثقافي للبلاد، وها نحن اليوم نكمل مسيرة
ملأها النجاح تفوح جنباتها بعبير التفوق، من اجل ذلك كان لزاما
علينا وتكريما لشخصه وإنسانيته رحمه الله تخليد ذكراه من خلال
صرحنا هذا الذي نقف فيه اليوم موقف تقدير وإجلال لهذه الشخصية
نجسد فيه امتناننا وتقديرنا لذكرى رجل تفخر بلادنا الطيبة أن
سطرت ذكراه فيها وها نحن كذلك نلامس ما أفرزته خلاصة تلك الجهود
من محصول جنت ثماره بلادنا الطيبة من أقصاها إلى أقصاها كان
لنا شرف تكملة مسيرة تلك الجهود.
واختتم سموه كلمته قائلا: إن هذا المتحف وما يحويه من مقتنيات
يحكي قصة الأمس تجلت فيه قدرة الإنسانية في سبيل تطوير مستوى
معيشتها من طور إلى طور في شتى صروف حياتها، فها نحن نزيح اللثام
والستار من خلال ما سنراه في جولتنا هذه عن حقب من الزمان تطورت
فيه سبل دفاع الإنسان عن نفسه من خلال إلقاء الضوء على بعض الأنواع
من الأسلحة التي استخدمها لذلك والتسلسل الزمني لمسيرة تطور
هذه الأسلحة وأنواعها، بالإضافة إلى كونه صالة عرض لسلسلة من
الفعاليات والمعارض المتخصصة والتي تنوي الوزارة إقامتها ضمن
دورة برامجها المستقبلية، وليكن افتتاح هذا المتحف مرادفا لدورة
المشاريع الثقافية التي تعمل هذه الوزارة لجدولتها في المرحلة
القادمة. يشار إلى أن المتحف على بناء سابق، تم بناؤه في عهد
السيد فيصل بن علي آل سعيد عندما كان وزيراً للتراث القومي والثقافة،
وقد كان المبنى يستخدم مسرحا آن ذاك، وتم فيما بعد تعديله وتجديده
ليتناسب مع هدف استخدامه كمتحف وقاعة معارض. يتضمن المتحف معرضاً
دائماً للأسلحة العمانية التقليدية المتنوعة منذ العصر الحجري
إلى منتصف القرن العشرين الميلادي، كما يتضمن أيضا قاعة عرض
للعمارة الدفاعية في السلطنة، حيث تبرز أمثلة عديدة لمختلف أنواع
القلاع والحصون والمستوطنات المحصنة والمعاقل السكنية، وقد تم
تصميم هذه القاعة بطريقة تمكنها من استقبال المعارض المؤقتة
في شتى المجالات، من تاريخ وآثار وعلوم وفنون.
أعلى
برعاية (الوطن) إعلاميا
غدا .. اختتام الاجتماع الثاني لتنسيق القنوات الإذاعية (FM)
يواصل الاجتماع الإقليمي الثاني لتنسيق
القنوات الإذاعية (FM) والذي تنظمه هيئة تنظيم الاتصالات خلال
الفترة من السادس وحتى التاسع من الشهر الجاري فعالياته بفندق
الانتركونتيننتال بمشاركة وفود من هيئات تنظيم الاتصالات والجهات
الإعلامية بدول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى اليمن والعراق
وإيران، حيث من المقرر أن يختتم فعالياته غدا الأربعاء بتوقيع
عدد من مذكرات التفاهم بين هيئات التنظيم بالدول المشاركة. ويناقش
الاجتماع الذي ترعاه (الوطن) إعلاميا، خلال الجلسات الماضية
إدخال التعديلات المطلوبة على الآلية التي تم اعتمادها في الاجتماع
الأول والذي عقد في شهر سبتمبر من عام 2006م، وذلك لتتلاءم مع
المتطلبات الجديدة ولاستدامتها في المستقبل. كما وافق المشاركون
على الجدول الزمني لبدء المفاوضات الثنائية بين الإدارات المعنية
بتنظيم الترددات الإذاعية والتليفزيونية، كما تم تشكيل لجنة
مصغرة من الخبراء من كافة الدول المشاركة لمناقشة المواصفات
والمعايير الفنية الواجب اتباعها أثناء المفاوضات، والتي سوف
تكون الأساس عند المفاوضات الثنائية خلال الاجتماع، وتحديدا
فيما يخص المتطلبات الجديدة للقنوات الإذاعية إف إم، والمحطات
الإذاعية القائمة حاليا والتي ترغب الدول في تغيير مواصفاتها.
وسوف تتواصل المفاوضات الثنائية بين الدول لتنسيق القنوات التي
تقدمت بها كل دولة خلال الاجتماع، وذلك تمهيدا لإدخالها في خطة
جنيف 84 إيذانا للعمل بها بعد انتهاء التسجيل من الاتحاد الدولي
للاتصالات.
الجدير بالذكر أن أجواء أخوية تسود المفاوضات وذلك بما يحقق
المصالح المشتركة للجميع.
أعلى
بهدف اكتشاف المواهب وإبرازها
النادي الثقافي ينظم حلقة عمل حول (المبدع الصغير في كتابة القصة)
21 الجاري
سعياً إلى اكتشاف مواهب الناشئة في مجال
كتابة القصة، يقيم النادي الثقافي ممثلا بأسرة كتّاب القصة حلقة
عمل إبداعية تحت مسمى "ورشة المبدع الصغير في كتابة القصة"
وذلك في الفترة من 21 إلى 23 من شهر يناير الحالي، من الخامسة
حتى الثامنة مساءً. والمشاركة مفتوحة للأولاد والبنات من عمر
التاسعة حتى الخامسة عشرة، وتشرف على الحلقة وتديرها أزهار أحمد
الكاتبة والمترجمة، وتتضمن الحلقة فقرات متنوعة كاللعب الحر
والتجارب المشتركة والكتابة الحرة، والقراءات القصصية والكتابة
القصصية، على أن يُقام حفل ختامي يوم 26 من شهر يناير الحالي،
لتكريم المشاركين ومنحهم شهادات مشاركة.
أعلى
يرى أن السينما ترمم الخراب الذي تسببه العائلة في روح الفنان
ديفيد لينش.. مخرج الكوابيس الزاهية بكرنفالات الألوان!
نال المخرج الأميركي ديفيد لينش David
Lynch جائزة الإبداع عن مجمل أعماله السينمائية، في دورة مهرجان
"البندقية" السينمائي لعام 2006 .. وهي جائزة ثمينة
نظرا لكون مهرجان البندقية بإيطاليا يعد أقدم مهرجان سينمائي
في العالم وهو بالنسبة للكثيرين ثاني أهم مهرجان سينمائي دولي
بعد مهرجان "كان" الفرنسي. إن فوز لينش بهذه الجائزة
يجلب الفضول للتعريف بهذا المخرج لمن لا يعرفونه، لا سيما مع
بدء عرض فيلمه الجديد "الامبراطورية الأرضية" الذي
يعرض حاليا بعدد من دور السينما حول العالم. سنسلط الضوء هنا
على أبرز الملامح الإخراجية في أسلوب ديفيد لينش، وسنتحدث عن
اثنين من أفلامه المهمة هما رأس الممحاة Eraserhead، وقصة آل
ستريت The Straight Story. كما سنتحدث عن مفهوم "أفلام
الكلط" Cult Films وموقع ديفيد لينش من خارطتها.
* * *
يُلخص البعض ديفيد لينش بالقول ـ في عجالة ـ بأنه مخرج فانتازي،
وهو توصيف غير دقيق إلا أنه مقبول مبدئيا إذا كان المقصود به
أن أفلامه لا تندرج تحت إطار السينما الواقعية. ومع ذلك فديفيد
لينش له أفلام في صميم الواقعية، إلا أنها ليست كثيرة مقارنة
بأعماله الغارقة في عوالم مسكونة بالرؤى الغرائبية. الكثير من
أفلام لينش تتضمن مشاهد غير مطابقة للواقع كما تراه عيوننا المجردة.
إذ ثمة تركيز على الأحلام والكوابيس والعالم الداخلي للشخصيات.
وهي شخصيات مختلة نفسيا بدرجة أو بأخرى، مصابة بفزع يعيق تواصلها
مع العالم الخارجي ويجعلها متقوقعة على ذاتها. كما يعتبر الكثيرون
ديفيد لينش مخرجا مثقلا بنظرة سوداوية للعالم، فالنهايات السعيدة
غير موجودة في معظم أفلامه، كما أن حياة شخصياته تنتهي عادة
بحوادث حتف مأساوية. وحتى الطفولة في أفلامه عبارة عن منطقة
يشوبها القلق والشك والتوجس، فهي ليست سنوات وردية مملوءة بالبراءة
الساذجة كما تصورها الأدبيات السريعة الرائجة. أفلام ديفيد لينش
أيضا هي كرنفالات من التجريب على الألوان. إن جزءا كبيرا مما
يعمل عليه لينش لا سيما في أفلامه الأولى هو مسألة فرز الألوان
في معامل التحميض، وذلك في محاولة للخروج بتأثيرات جمالية خلاقة
ومختلفة من خلال استخدام ألوان اصطناعية متعددة في اللقطة الواحدة.
إن المقصود بالتجريب في مسألة فرز الألوان، أي عدم الاكتفاء
بما تنقله الكاميرا من ألوان موجودة في المنظر أثناء التصوير.
بل يعالج لينش ألوان أفلامه صناعيا في عمليات معقدة تأخذ الكثير
من الوقت، وذلك سعيا للحصول على مؤثرات بصرية خاصة تناسب عالم
الشخصيات. فمشاهد الكوابيس على سبيل المثال تتطلب درجات من الأحمر
والأزرق بتداخل خاص، وهي ألوان لا يتم توفيرها في أفلام ديفيد
لينش بالإضاءة العادية الموجودة في مكان التصوير، وإنما يوفرها
لينش لاحقا أثناء عملية تحميض الأفلام بمعالجات فنية معقدة لإعطاء
تأثيرات لا تستطيع الإضاءة العادية أن تقدمها. كانت معالجة الألوان
تأخذ فيما مضى وقتا طويلا في عمليات المونتاج وما قبل المونتاج.
كان ذلك بالطبع قبل ظهور التصوير الرقمي الذي يوفر حاليا إمكانيات
هائلة لمعالجة الألوان بسرعة فائقة بمجرد استخدام جهاز حاسب
آلي محمول متوسط الإمكانيات، إلا أن هذا الإصرار على معالجة
المؤثرات البصرية معمليا يعد واحدا من الأمور التي خلقت لأفلام
ديفيد لينش هوية سينمائية خاصة بها، لا سيما إذا عرفنا أن لينش
بصفة عامة يُعتبر من المخرجين المقلين في عمل الأفلام السينمائية.
* * *
قلنا إذن أنه كثيرا ما يتم اختزال ديفيد لينش ليوصف بأنه مخرج
فانتازي، وإذا كانت الفانتازيا موجودة في الكثير من أفلامه،
إلا أن لينش أكثر تعددية من ذلك بكثير، فليست جميع أفلامه غرائبية،
وليست كلها مهمومة بمسألة فرز الألوان في معامل التحميض.
في 1999 أخرج ديفيد لينش فيلم The Straight Story، وهو عنوان
له أكثر من دلالة، إذ يمكن ترجمته مباشرة إلى "القصة المباشرة"،
أي القصة التي بلا لف أو دوران. لكن Straight في الفيلم هو اسم
عائلة الشخصية الرئيسية، العجوز ألفين ستريت Alvin Straight
الذي يقوم بمغامرة للتصالح مع أخيه المحتضر لِل ستريت Lyle Straight،
وبذا يمكن ترجمة العنوان إلى قصة آل ستريت أو قصة عائلة ستريت.
كما لا يوجد مانع في ترجمة شقية تترجم العنوان إلى "القصة
المباشرة لعائلة ستريت". في هذا الفيلم يحطم ديفيد لينش
غالبية الثوابت المعروفة عنه، ليثبت أن حصر الفنان في أسلوب
واحد هو مسألة موجودة في رأس الإعلاميين فقط، لكنها ليست في
رأس الفنان نفسه.. صحيح أن لونا فنيا قد يغلب على مناخات أعمال
مخرج معين، إلا أن ذلك لا يعني أنه غير قادر على الخروج من تلك
الدائرة وتوسيع آفاقها إلى سماوات أكثر رحابة.
في "قصة آل ستريت" يذهب لينش إلى الواقعية الاجتماعية
إلى درجة صدمت جماهيره المعتادة على أفلامه المسكونة بالفانتازيا.
قصة آل ستريت تدور في الريف الأميركي، بطلها رجل عجوز معرض في
أية لحظة لسكتة قلبية قد تنهي حياته. غالبية أحداث الفيلم صورت
على ارض الواقع في الطريق الريفي بين ولايتي أيوا Aiwa و وسكانسِن
Wisconsin الأميركيتين. خرج لينش هنا عن الأستوديو واختار أماكن
التصوير الطبيعية، وهو تحول كبير في أعماله. كما خرج عن القصص
ذات النهايات المتشائمة وذهب إلى قصة مليئة بالأمل والحكمة العذبة..
ففي الوقت الذي اعتادت فيه أفلام لينش أن ينتهي أبطالها نهايات
مأساوية، نجد في "قصة آل ستريت" البطل المريض وقد
صار أكثر تشبثا بالحياة، بل بدا مع نهاية الفيلم كما لو أنه
لن يموت أبدا. وبالرغم من أن هذا الخروج عن الثوابت العامة للأفلام
السابقة لديفيد لينش لم يعجب جماهيره المهووسة بعوالمه الكافكاوية،
إلا أن مستعرضا سينمائيا ذائع الصيت هو روجر إبرت Roger Ebert
من صحيفة شيكاجو صن ـ تايمز قد وقع أخيرا في غرام لينش بسبب
فيلم "قصة آل ستريت". يعتبر روجر إبرت من أكثر مستعرضي
الأفلام شعبية، وتؤثر آراؤه عن فيلم ما بدرجة كبيرة على الجمهور
الأميركي، وكلمة منه عن فيلم ما قد ترفع مبيعات أي فيلم عاليا،
وهو للأسف لم يكن في يوم ما بخيلا في إسهاب المديح لكثير من
الأفلام الهوليوودية الرديئة، الأمر الذي لا ينفي في ذات الوقت
إنصافه أيضا لبعض الأفلام الجيدة القادمة من خارج هوليوود. على
أية حال فإن روجر إبرت لم يكن يوما من المعجبين بديفيد لينش،
إلا أن موقفه قد تبدل على طول الخط حين أخرج لينش "قصة
آل ستريت". إن المقالة التي كتبها إبرت عن هذا الفيلم ليست
سوى رسالة حب طويلة، لكنها على غير المتوقع لم تسعف كثيرا في
جعل هذا الفيلم يحقق مبيعات جيدة في شباك التذاكر الأميركي..
فيا للمفارقة!
* * *
لم ينجح فيلم "قصة آل ستريت" جماهيريا، لكنه نجح نقديا
وتم ترشيحه لحوالي سبع جوائز أوسكار من ضمنها أفضل فيلم وأفضل
مخرج وأفضل ممثل، لكن الفيلم لم ينل أيا منها، وهو حال مألوف
لدى غالبية أفلام لينش التي تنجح نقديا (دون اكتساح الجوائز
في أميركا) وتسقط جماهيريا سقوطا غير مدوّ، فأفلامه وإن كانت
تفشل في اجتذاب الناس لمشاهدتها سينمائيا إلا أنها تحقق مبيعات
جيدة عند نزولها على أسطوانات الديفيدي. على أية حال فإن أفلام
ديفيد لينش الأخرى لم تنجح أيضا جماهيريا على نطاق واسع. لكنها
نجحت لدى جمهور معين من عشاق السينما هو ما يعرف بجمهور أفلام
الكلط Cult Films، وهو جمهور يتصف بأنه إذا أحب فيلما فإنه يشاهده
مرارا وتكرارا ويضعه في منزلة خاصة مقدسة لديه. بل إن هذا الجمهور
قد يحب مشهدا معينا في الفيلم ويكرر مشاهدة هذا المشهد مئات
المرات.
ديفيد لينش بامتياز شديد هو مخرج أفلام كلط. وهو تعبير شائك
ينبغي إيضاحه، لا سيما أن هذه الكلمة لا تزال غير مستخدمة بعد
في الصحافة العربية. كلمة كلط Cult لغويا تعني "عبادة"،
وتحديدا القيام بشعائر عبادة معينة تستوجب طقوسها أن يكون العابد
"مُريدا"، أي ذائبا في ذات المعبود. وأفلام الكلط،
كما أسلفنا، هي أفلام يعلي مشاهدوها من شأنها إلى درجة التقديس.
فهم يضعونها في مكانة أثيرة لديهم ويكثرون من مشاهدتها، بل لا
يكادون يشاهدون غيرها. بالنسبة لعشاق أفلام الكلط، الأمر يشبه
مسألة "المريدين" أو "الدراويش" في الفكر
الصوفي وعلاقتهم برموزهم المقدسة. فالدراويش ذائبون في "وجد"
معبود منذورون كليا له ومنقطعون لأجله عن العالم، وكذا الحال
بالنسبة لأفلام الكلط، فهذه الأفلام لها جمهور محدود متيم بها
من "المريدين". جمهور يكاد لا يشاهد غيرها، وفي نفس
الوقت فإن جمهور السينما العام الذي يشاهد الأفلام التي تحطم
شباك التذاكر، هو جمهور لا يبالي بهذه النوعية من الأفلام وإذا
شاهدها فإنها لا تترك في ذاكرته ذلك الأثر "الوجديّ"
العميق. هكذا هو الحال بالنسبة لأفلام ديفيد لينش، لا سيما أفلامه
القديمة مثل "رأس الممحاة"، بل حتى أفلامه القصيرة
السابقة على ذلك مثل فيلم "الجدّة"، فعشاق هذه الافلام
مرتبطون عاطفيا بها لدرجة تقترب من العبادة. إلا أن لينش الثائر
على التقاليد السينمائية الجاهزة، ما كان له أن يضع نفسه في
زاوية ضيقة حتى لو كانت زاوية لها مريدوها ودراويشها، لذا فقد
خرج لينش في "قصة آل ستريت" خارج ما اعتاده عليه عشاقه،
ومن المتوقع أن تنويعه على المضامين والأساليب الفنية سيذهب
أبعد لا سيما بعد حصوله على جائزة مهرجان البندقية السينمائي
للإبداع عن مجمل أعماله.
* * *
أشرنا أعلاه لفيلم "رأس الممحاة"، وهو فيلم يستحق
وقفة أطول باعتبار أنه واحد من الأفلام التي ستخلّد ديفيد لينش
كمخرج يستحق الاحترام. "رأس الممحاة" هو أول الأفلام
الروائية الطويلة لديفيد لينش، وقد خرج للنور عام 1977. عمل
لينش ستة أعوام متواصلة لإنجاز هذا الفيلم، وهي فترة أنجز لينش
خلالها مجموعة من الأفلام الروائية القصيرة جاءت في فترات التوقف
عن العمل في "رأس الممحاة" نظرا لغياب التمويل المالي
المطلوب. الفيلم بالأبيض والأسود. إيقاعه شديد البطء. الحوار
فيه محدود جدا بصفة عامة ومعدوم كليا في الكثير من المشاهد.
لكن عوضا عن الحوار هناك شريط صوتٍ لافت للنظر. فالأصوات المسموعة
في الفيلم هي خليط من موسيقى غريبة تأتي وتختفي فجأة، صمت يخالطه
صوت طنين قادم من مصدر مجهول، إضافة إلى بكاء. الكثير من البكاء
للطفل الممسوخ الذي يحتل مساحة واسعة من الفيلم. بطل الفيلم،
يضطر للزواج من الفتاة الوحيدة التي يعرفها. صعب تسميتها بالعشيقة
أو تسميتهما عاشقين، فما بينهما مجرد علاقة أثمرت عن حمل. يأتي
المولود الذي يلدانه مشوها وكأنه كائن فضائي. لا يكف المولود
عن الصراخ. تهرب الأم من البيت تاركة الطفل الممسوخ للأب الذي
يثير المولودُ فضولَه، لكنه حين يعجز عن إسكات صراخ الطفل لا
يجد مفرا من إنهاء صراخه إلى الأبد ... بأن يقتله.
في الفيلم مما لا يتسع له المقام أكثر بكثير من هذا التلخيص،
هذا عندما يكون التلخيص ممكنا أصلا. فكثير من مشاهد الفيلم غرائبية
صعبة الوصف. الفيلم مليء بشخصيات تحيلنا ملامحها إلى الحيوانات
المنوية، وكأنها حيوانات منوية مكبرة بالحجم الآدمي!. هذه الكائنات
في الفيلم تحيل إلى الممارسة التي يأتي منها الكائن الحي، وذلك
عبر رؤى ومشاهد كابوسية تقول ما معناه أن إنجاب الأطفال ليس
أحيانا أكثر من انفلات كائن من هذه الكائنات وخروجه عن السيطرة.
تأويلات فيلم رأس الممحاة متعددة. بعضها يرى أن الفيلم يريد
أن يقول أن إنجاب الأطفال ليس دوما عملا رومانسيا ومشروعا يدخل
البهجة للقلب، فما الأطفال الصغار سوى كائنات جالبة للهم بصراخها
المزعج. إنها مسوخ لا يعرف المرء لماذا أدت لحظات لذته العابرة
إلى ظهورها على حيز الوجود. ويرى آخرون أن "رأس الممحاة"
ليس عن أي شيء مما قد يوحي ظاهريا للوهلة الأولى أنه يتحدث عنه.
فهناك من يراه فيلما عن الحياة المعاصرة وإجبارها البشر على
الانخراط في سلوكيات لا تعنيهم.. سلوكيات تقود في النهاية إلى
مسخهم وتشويههم وإيصالهم إلى حتوف مروعة، وهي النهاية التي انتهى
إليها الأب والطفل الممسوخ معا في الفيلم. على ان المؤكد أن
ديفيد لينش قد ابتدأ بالعمل على هذا الفيلم بعد زواجه وحصوله
على الطفل الأول، حيث يرى الكثيرون أن "رأس الممحاة"
أكثر أفلام لينش ذاتيةً والتصاقا بحياته الشخصية. لينش نفسه
على أية حال لا ينكر أن العائلة وما يحدث داخل البيت هما الشغل
الشاغل له. يقول لينش: "إن البيت هو المكان الذي يمكن لكل
شيء فيه أن ينحو بامتياز منحى خاطئا". إن السينما بهذا
المعنى تأتي لترمم الخراب الذي تسببه العائلة في نفس الفنان،
بل في ذات الإنسان عموما. ألأجل هذه الرؤية الثاقبة والقدرة
على التعبير عنها على نحو خلاق نال ديفيد لينش إذن جائزة الإبداع
عن مجمل أعماله في مهرجان البندقية السينمائي؟
ملاحظة: تمت الاستفادة في إعداد هذه المقالة
بموسوعة ويكيبيديا
عبدالله خميس
كاتب عماني
أعلى
باب مغـلق بقـفـل قديـم
وأنا أتجول في معرض فنون تشكيلية في إحدى
الدول العربية التي سافرت إليها، والذي كان يحتوي على كثير من
اللوحات والصور الجميلة، شدتني لوحة واحدة وهي عبارة عن باب
أثري مغلق بقـفل قديم.
استوقفتني اللوحة أحدق فيها وكأنه زمن، وعـندما أردت مغادرة
المكان أدرت رأسي أبحث عـن أحد المنافذ، فاختـفـت جميع الأبواب
والنوافذ واللوحات والصور في الصالة بقـدرة قـــادر، وبقيت اللوحة
ببابها الأثري المغلق بقفل قديم مجسدة بابا حقيقيا، وانفتح الباب
لبعض المدعوين الذين كانوا في المكان ليعبروا فعـبروا، وتلاشى
المدعوون الاخرون ليذوبوا خارجا في الناس، وحين انتظرت دوري
لأتلاشى كما تلاشوا، أو أعبر كما عبر الاخرون، لم أجد لا هـذا
ولا ذاك، وأغلق عليّ الباب الاثري منفذه الوحيد للعبور.
حاصرتني اللوحة، عزلتني، وتركتني أصارع مصيري في مكان مغلق لا
منفذ له، لماذا أيتها اللوحة؟ لماذا هذا المصير؟ يا رب أعطني
الطمأنينة واليقين في نفسي إذا كانت هذه آخر حدودي، يا رب أعرف
الذين عبروا الباب الأثري القديم، منهم أقزام مهما كبروا، أغبياء
مهما تذاكوا، أنجاس مهما تطهروا، أنذال النذالة وفئران هروب
وليسوا الأولى ولا يستحقون الاصطفاء بالرحمة.
لماذا أيها الباب اغلقت الابواب؟ الاقزام الذين سمحت لهم بالعبور
يتطاولون على عمالقتهم لأنهم صاروا هم العمالقة، الضعفاء الذين
عبروا هذا الباب، يستخفون بأقويائهم لأنهم صاروا هم الاقوياء،
الأغبياء الذين عبروا هذا الباب يتلاعبون بأذكيائهم لانهم صاروا
هم الاذكياء، الانذال الذين عبروا هذا الباب يستهينوا بشرفائهم
لانهم صاروا هم الشرفاء، باب اثري قـديم مغلق بقفل قديم. لامست
الباب تناثر حولي الغبار، حركت القـفل فسمعت صوت الحديد، لم
أستطع الحراك وكأن قالبا اسمنتيا أنصب على رجليّ، طرقت الباب،
كررت المحاولة.
سمعت صوتا يدوي في أذني، الباب القديم، اللوحة، هل أعجبتك؟ أيقظني
الصوت مما أنا فيه، لأجد نفسي أمام اللوحة في المعرض وكل الامور
طبيعية، الناس تتحرك باعتيادية يتجولون في المعرض والابواب والنوافذ
في أماكنها كما هي. وبجانبي يقف شاب انيق مهذب يحدثني، لقد رأيتك
يا سيدي واقفا أمام هذه اللوحة فترة طويلة، هل أعجبتك؟
أعجبتني؟! لا.. أكثر من ذلك، أشعر بأنها تتسلل إليّ وأتسلل اليها،
أشعر بأني هناك حولها وهي هنا حولي.
سألت محدثي هل أنت من رسمت اللوحة؟ أجاب: نعم، ولكن ما حصل معي
في رسم هذه اللوحة شيء عجيب، وأنا أمشي في أحد شوارع المدينة،
شعرت بأن أحدا يناديني لرسم هذا الباب ويبدو بأنه صرح قـديم.
فأتيت بأدوات الرسم واستغرقت يوما كاملا في رسم اللوحة، ولم
يلتفت أحد المارة للباب أو ما أرسمه طوال اليوم وكأني غير موجود
وكأن هذا الباب القديم الاثري غائب عـن وجوده، فلم يعد أحد يراه
أو حتى يشعر بحضوره. وحين انجزت اللوحة عدت للبيت وأعددت اللوحة
للمشاركة في هذا المعرض ثم في اليوم التالي رجعت الى نفس الشارع
الذي يوجد به الباب الأثري القديم لعلي أضيف شيئا مفيدا للوحة
ثم أقدمها للمعرض.
وجدت أن الباب اختفى تماما، الباب غير موجود ولا أثر له، سألت
عنه بعض المارة، لم يتذكر أحد بأن هناك بابا أثريا قديما حيث
أشرت اليهم.
هل تؤمن بالاسرار والغيبيات، أنا أؤمن بذلك، ولا شك بأن هناك
من استدعاني لرسم اللوحة وإلا ما رسمتها. خذها ففيها شيء منك
وفيك شيء منها.
قلت: ولكنها لوحة بباب أثري مغلق بقفل قديم، قال لا تقلق، كل
شيء بحسابات الفلك والنجوم حتى الأبواب المغلقة، وما هو مغلق
اليوم ربما سينفتح غدا، لم أفهم، ولكن حين أردت أن أعطيه مبلغا
من المال مقابل اللوحة رفض وقال: استلمت مكافأتي حين سلمتك اللوحة
فخذها يا صديقي.
ولكن عليك أن تؤمن حقا بأن الباب الأثري المغلق بقفل قديم يمكن
ان ينفتح بقدر محدود لعدد محدود إذا لم يكن اليوم فغدا، لا تفقد
الامل، هكذا أخبرتني الافلاك والنجوم وأنا أرسم اللوحة.
انتزع اللوحة ببابها الاثري المغلق بقفل قديم وسلمها لي، كنت
متشائما منها، ولكن حملتها بتثاقل كاللعنة حلت على قوم فألغت
حظوظهم وهوت بهم إلى الحضيض.
شعرت بأن اللوحة تجري في عروقي، وكأنها قدري ومصيري المرسوم
الذي لا مهرب منه، تتلبسني وأتلبسها، أتسلل إليها وتتسلل إلي
فتغلق روحي، اللوحة، الباب الأثري القديم، حمل ثقيل أحمله معي،
مهما عملت لا يخف وزنه ولا يحملني الى أي مكان. بل يوقفني في
نفس المكان، مغلق علي ومفتوح للآخرين الذين عبروا، مهما فعلت،
مهما حاولت مهما بذلت من مجهود للعبور لا يعفيني هذا الباب من
الاغلاق.
تعلق اللوحة على الجدار للفرجة، صامتة لا تتكلم، ثابتة لا تتحرك،
منظر جمالي مكمل لا دور له، يمر عليها الناظرون يشيدون بزخرفتها
وألوانها، ولأنها لوحة تتجسد فيها معاني الآثار يمنحوها الاحترام
ويضعونها في الواجهة ليراها المارة بارزة، كماليات ما استكمل،
أيادٍ جُردت من بصمتها، يحيطها الصمت والنسيان. مذعنة، تم تجريدها
من ذاتها وتُركت في غياهب الاهمال الى ان يأتي الموت ليلحقها
بأسلافها لتخبرهم عن الباب الاثري المقفل، الذي لم يكن كما كان
يجب، بعد أن تم التمام الذي قط لم يتم.
أخذت اللوحة سائرا بها الى مقر إقامتي في الفندق، وضعت اللوحة
في أحد جوانب الغرفة، أكملت أيام سفري واللوحة مركونة في غرفة
الفندق، وعندما آتي في المساء، أحدق فيها لعدة ساعات مستسلما
لها، فتغلق علي الأبواب والنوافذ ويبقى باب اللوحة العتيق أمامي
مغلقا، وأبقى معها محاصرا، وأشعر بالوقت وكأنه سنوات طويلة تغلق
علي حياتي.
جاء وقت السفر فأخذت اللوحة معي في رحلة العودة إلى البلاد،
كنت أتمنى أن أنساها في أحد الأمكنة، ولا أضطر أن أعلقها في
منزلي وأراها كل يوم امامي فيزداد تشاؤمي من الأبواب المغلقة
التي تغلق الأعمار وتضيع الآمال، وفعلا هذا الذي حصل، ففي المطار،
أنهيت إجراءات السفر وركبت الطائرة، وأنا أتفقد أشيائي، لاحظت
بأنني نسيت اللوحة في صالة المغادرة، قلت ربما يكون ذلك فألا
حسنا فلن تنغلق علي الأبواب كلما رأيت اللوحة، وتنغلق معه حظوظي،
ولن تحاصرني هذه اللوحة بعد الآن، وتتركني في إطار لوحة باب
مغلق.
وأنا أفكر بذلك، إذا بي أرى أحد موظفي المطار يأتي باللوحة ليسأل
إذا كانت اللوحه تخصني، فقلت نعم تخصني هذه اللوحة، أخذتها وشكرته
على اهتمامه.
أقلعنا بالطائرة، ووصلنا الى مطار دبي حيث كان يجب أن ننزل من
الطائرة ثم نستقل طائرة أخرى الى مسقط، وفي فترة الانتظار في
دبي قبل الاقلاع بالطائرة إلى مسقط، نسيت اللوحة مرة أخرى ولم
أسع للبحث عـنها، قلت ربما هذه المرة لن أجدها، ولكن عند باب
المغادرة، وجدت من يسلمني اللوحة من المسافرين ويقول بأنه شاهدني
أحملها معي فعرف أنها تخصني.
فأخذتها منه وحملتها معي، خمسا وأربعين دقيقة إلى أن وصلنا مطار
السيب الدولي، واللوحة لا تزال معي، أشعر بثقلها وإغلاقها الشديد
على حظوظي، وإنما لا أعرف ما حصل عندما وصلت الطائرة إلى عمان
وفتح باب الطائرة وكأن الثقل المزمن انزاح من على صدري، ولم
أعد أشعر بذلك الإحساس الشديد الذي داهمني وأغلق علي المنافذ
في اللوحة ببابها الأثري المغلق، بل شعرت بأن الباب في اللوحة
قد انفتح قليلا ليدخل النور والهواء وبما يكفي لأن أعبر قليلا
الى الضفة الاخرى حيث لا إغلاق هناك.
وطئت قدمي أرض البلاد وأول ما فعلته نظرت الى اللوحة فوجدت الباب
المغلق بقفل قديم لم يعد مغلقا، كما اختفى القفل الحديدي الثقيل
من اللوحة.
فتذكرت كلام الرسام حين قال، بأن الباب الاثري يمكن أن ينفتح
بقدر محدود لعدد محدود، ولكن عليك أن تؤمن بذلك ،وسألني: هل
تؤمن بذلك؟
قلت: آمنت
قال: إذا آمنت فأنت آمن وعليك الامان.
نمير بن سالم آل سعيد
أعلى

صوت
يوم أن تطفو الأسماك على سطح البحر
لا تنمحي من الذاكرة تفاصيل فيلم الستينيات
للمخرج اليوناني المبدع ميخائيل كاكويانس: يوم ان تطفو الاسماك
على سطح البحر ، وحكايته ، ـ لمن لا يعرفها ـ ان قاذفة اميركية
تحمل كمية من اليورانيوم المخصب سقطت في مياه البحر الابيض المتوسط
وغاصت في قاعه اثناء قيامها بمهمة تدريبية قبالة شواطئ احدى
الجزر المعزولة التابعة لقبرص ، وعلى الفور يتحرك عملاء وكالة
الاستخبارات المركزية لتحديد مكان الطائرة الغارقة ومصير حمولتها
الثمينة المدفونة في ثلاثة قوالب ضخمة من الرصاص لمنع تسرب الاشعاعات
خارجها .
السياحة كانت الستار الذي تغطى به العملاء الذين توافدوا بأعداد
كثيفة للجزيرة الصخرية الخالية من عوامل الجذب السياحي ، لكن
الاهتمام الاميركي اثار فضول شركات السياحة العالمية فوضعت الجزيرة
ضمن برامجها ، ونشط الاهالي الفقراء لمقابلة هذا التدفق السياحي
بدولاراته وعملاته الصعبة والسهلة ، بترميم المنازل وتحسين واجهاتها
واقامة مشاريع ترفيهية كالمشارب والمراقص ومطاعم المأكولات الوطنية
، بما اثار قدرا كبيرا من الصعوبة امام عملاء الوكالة في محاولتهم
للبحث عن اليورانيوم المفقود .
طيارا الطائرة الغارقة اللذان هبطا منها بالمظلات قبل ان تسقط
، نجحا في العثور على اثنين من مكعبات الرصاص التي تدفن اليورانيوم
المشع في قلبها ، اما المكعب الثالث والاخير فقد عثر عليه راعي
ضأن بسيط من أبناء الجزيرة وبعد محاولات مستميتة لكسره ظنا لوجود
كنز داخله ، عثر على ثلاث كرات صغيرة لا يعرف ماهيتها أو قيمتها
، وخشية افتضاح امره نتيجة النشاط التفتيشي المحموم لعملاء الوكالة
بالتعاون مع عناصر الامن المحلي ، قام الراعي بالتخلص من قالب
الرصاص الثقيل بدحرجته من قمة الجبل حتى غاص في البحر ، وألقى
في مياهه كرتين والثالثة تخلص منها بإلقائها في صهريج مياه الجزيرة
، حيث تجولت الكاميرا مع تمديدات المياه المشعة إلى ان تتدفق
من الصنابير داخل كؤوس السياح والمواطنين .
كرتا اليورانيوم المشع في قاع البحر احدثتا تأثيرا فوريا تمثل
في نفوق كل أسماكه وطفوها ميتة على سطح الماء في مشهد جنائزي
يحمل معه تحذيرا وزجرا ووعيدا لمستقبل البشرية عند التعامل غير
المسئول مع الطاقة النووية ، وينتهي الفيلم الجميل برقصة فلامنكو
في ملهى سياحي وكلمة : انتبهوا تملأ كل الشاشة . وهذا التعامل
غير المسئول مع اليورانيوم المخصب يتمثل الآن في نفايات الغواصات
وحاملات الطائرات الاميركية التي تعمل بالطاقة النووية وتجوب
مياه الخليج العربي ، بشكل يحمل مخاطر حقيقية للبيئة البحرية
لكافة الدول المطلة على الخليج ، وهو ما دفع مسئولا خليجيا رفيع
المستوى لعقد مقارنة بين هذه المخاطر القائمة الآن ، وتلك التي
يتوقع الاميركيون ان تحدث إذا تم تخصيب اليورانيوم الايراني
.
وإذا اضفنا إلى ذلك السلوك الملتوي لاسرائيل في التعامل مع مفاعلاتها
وترسانتها من الاسلحة النووية ، ورفضها الانضمام لمعاهدة منع
انتشار هذه الاسلحة أو اخضاع منشآتها النووية لرقابة وتفتيش
الوكالة الدولية للطاقة النووية ، فان دائرة الخطر تتسع بمشاهد
درامية مؤلمة ـ لا سمح الله ـ لطفو الاسماك فوق سطح مياه الخليج
وتساقط الطيور الميتة في سماواته ونفوق البهائم والنباتات في
بلدانه وتسمم مياه ينابيعه و.. المشكلة الوحيدة ان كاكويانس
المعاصر لا يملك جرأة وشجاعة ميخائيل اليوناني لكي يقول (لا)
بعدسات كاميراته !
شوقي حافظ
Shawkihafez@gamil.com
أعلى