مزيج من سمات رمزية وفوق واقعية وتصويرية شعرية
"دهشة التفاح".. كتابة بنكهة خاصة بين الشعري والقصصي
للبناني ياسر حجازي
بيروت ـ (رويترز): كتاب ياسر حجازي الذي حمل عنوان "دهشة
التفاح" وصف بأنه قصص قصيرة لكن محتوياته ذات النكهة الخاصة
تتجاوز بالفعل هذا الوصف.
إنها تحمل صفات مختلفة تجعلها تقع بين الشعري والقصصي مع خيط
صوفي احيانا وفيها اجواء من الواقع تبدو بالطريقة التي اعتمدها
الكاتب في رسمها كأنها تخرج من هذا الواقع الى مسافة تجعلها
تدخل في سريالية هي "جارة" هذا الواقع ولا تلبث ان
تعود من زيارة الجارة الى "البيت" الواقعي.
جاء عمل الكاتب اللبناني حجازي في 147 صفحة متوسطة القطع وصدر
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وبلوحتي غلاف من اعمال علا
حجازي وتصميم للغلاف قامت به نهلا حجازي. وقد كتبت مواد الكتاب
بين عام 1996 وعام 2007
اول عنوان للكتاب هو "اذا الدار انكشفت" وفي مزيج
من سمات رمزية و"فوق واقعية" وتصويرية شعرية ترافق
مجمل كتابات حجازي في عمله هذا. نقرأ "خبأت الجدار في جيبي.
قلت لجاري الذي كان اعمى: ان تعبت مما تراه داخل داري ويدك خجلى
انها لا تقوى ان تستعيد القتلى وتردهم الى احبابهم آنذاك لم
الهواء الذي بيننا واستنشق وردا غريبا غير الدمن الخضراء التي
نبتت هنا على العتبات الباقيات من بلدي. ثم تذكر اني ـ مثلما
تراني ـ لا أراك...
"صحوت قبل العالم. كان متخما وقبل نهوضي الذي لم يكن متثاقلا
جلست على حافة السرير فوجدتني انتصر مرتين... حين نمت سالما..
وحين صحوت قبل العالم وقبل نهوضي جلست على حافة السرير..."
كتابة حجازي فيها جاذبية تنتج عن تلك العناصر الشعرية والقصصية
وبعض الاجواء التي تبدو مراوحة بين الحلم والواقع وقدرة الكاتب
التصويرية التي تغلف كل ذلك او فلنقل تسهم في ابرازه وفي نقل
دقائق منه تكاد تكون شبه خفية واقرب الى خلجات وهواجس نفسية.
في "الممحاة" جو قصصي هو بين واقعي وشيء مما يمكن
وصفه بأنه "فوق الواقع". يبدأ الكاتب بالقول "كنت
الى النافذة الوحيدة في المطعم الذي يشبه اي مطعم آخر. يجلس
صاحبه على كرسي يفصله عن طاولته الخشبية كرشه المترهلة... حينما
دخلت كنت اتتبع التفاصيل. يجبرك الملل ان تتبع التفاصيل عن كثب.
كانت الاشياء لا تبدو طبيعية او انه خيل الي ذلك. احد منا كان
على قلق.. انا او المكان...! "كان يبدو لي من نافذة المطعم
الوحيدة ان "العالم" جميعا قد غادروا منازلهم وفرغوا
من اشغالهم وجاؤوا بمصادفة واقاموا بالرصيف المجاور للنافذة..
كانت وجوها بائسة. لم تكن تختلف عن وجوه من في المطعم. ساعة
مرت.. التي تبدو انها ارملة لم تزل تبدو انها ارملة. العاشق
لم يزل عاشقا الا انه كف عن الثرثرة قليلا حينما دهمه الطعام.
المدخن ما زال يدخن جاحظا الى زوجته التي ما برحت تتأفف بوجه
الصغيرة...
"تأخر النادل ناجي لمحت المدينة من النافذة تهرب.. او انها
تفعل شيئا كهذا. تذكرنا ان رنين التليفون محض جرس يشير الينا
بانتهاء اليوم فوقفنا الواحد بعد الاخر بحزن بارد ومعتاد. سلمنا
عليه وتصافحنا بصمت ...
"اغلق النادل ناجي باب المطعم علينا ثم رفع اللوحة التي
كنت اظنها النافذة واطفأ الاضواء. ونام ونمنا."
في "الواقف الذي يشبه كثيرا من الناس" قفز بين عالم
الواقع الحسي المتمثل بالشارع والسابلة والمتاجر وبين عالم سريالي
يتجاوز ذلك. ويكاد القارئ لا يتنبه الى انه خلال قراءته يتنقل
باستمرار عبر حدود مائعة..
حدود هذين العالمين اللذين يبدوان عالما واحدا احيانا. اما "الاطار"
فهو واقعي ألفه وألف ذلك المقهى في ساحة التل من يعرف مدينة
طرابلس الشمالية او "طرابلس الشام" ثانية المدن اللبنانية
الكبرى.
استهل ياسر حجازي الكلام هنا فقال "يقف ساعات النهار كاملة.
يندر ان انزل الى السوق قبله. يقف امام اول محل ملابس بعد قهوة
فهيم في ساحة التل في مدينة طرابلس على الشارع ذاته الذي فيه
حلويات رفعت الحلاب. كلما اراه صباحا اتحير في ملامح وجهه. يشبه
احدا ما.. هذا الواقف دائما. هكذا ابدأ نهاري في قهوة فهيم احمل
معي "لعبة التشبيه" لبعض وقت لا يتجاوز الوقت الذي
يأخذه حيدر بياع الكعكة العكاوية في اعداد كعكتي المحمصة كثيرا...
"يستمر النبش بالذاكرة لعلها تدرك ذلك الشبيه. اما المشبه
به فواقف كل يوم في طريقي الى القهوة. يشبه زيدان.. معلم التاريخ.
كثيرة هي الملامح التي تربط الوجهين. لم ار زيدان منذ عشرين
سنة تماما. هل تغير الى هذا الحد! لكن تقاسيم وجهه ما زالت هي..
تلك التي نعرفها جميعا... يشبه جدي ان احسنت تخيله دون طربوش
وبدلت ازاره الطويل بملابس حديثة كتلك التي يرتديها الواقف الشبيه...
الا يشبه مذيع الثامنة او التاسعة ايضا؟ اليس فيه من قسمات معلم
اللغة العربية وربما مشرع في برلمان.. لا احفظ اسماءهم.. او
فقيه من اولئك المتلفزين والمتصحفين!..
"تمر بالواقف الشبيه شحاذات بين ثلاث او اربع غالبا ما
ترافقهن طفلة. اتفق نسوة المدينة على تسميتهن "النور"...
يقتربن منه.. الواقف دائما.. الذي لا يرتدي فانيلا داخلية. كان
عاري الصدر مرتديا شورتا صيفيا الوانه على الموضة. اصلع.. امرد.
يقتربن منه اكثر. يلمسنه. يبتسمن وهن يتفحصن اسراره. يضحكن ولا
يخجلن. هن شكيمات سليطات لسان. كم مرة سمعتهن يدعون لمن يسألنه
حسنة فاذا ولى او نفر غيظا قلبن دعواتهن الى لعنات وكلن له وابلا
من سباب فاجر..."
ويستمر الواقف واقفا. ويقول الراوي "مازال واقفا. يا لصبره.
يشبه من؟...ماذا حل بذاكرتي؟"
ودار خلاف بين محمود الساعاتي بائع الساعات ومحمود "السيدهاتي"
بائع الاقراص المدمجة. "رمى "كروز" دخان عليه
والاخر رمى علبة سيديهات.
ركض محمود الساعاتي لحقه محمود السيديهاتي. اصطدما بالواقف دائما.
القياه ارضا. ركل اثناء تدافع الناس وصار عدة قطع مفصولة. خرج
بائع الملابس من محله ليرى الخناقة فرأى ما حل بتمثال العرض
(المانيكان) فجرى يشتمهم ويلم الواقف الذي سقط ويركب ما نزع
منه."
أعلى
بعد غد "مقامات " الزبيدي بالجمعية العمانية للفنون
التشكيلية ..
كتبت ـ حنان جناب: يقيم الفنان والنحات
العراقي عبد الحميد الزبيدي معرضا شخصيا تحت عنوان (مقامات)
بعد غد، والمعرض الذي تحتضنه الجمعية العمانية للفنون التشكيلية،
يأتي برعاية عبد الرسول كاظم علوش الشمري سفير جمهورية العراق
المعين لدى السلطنة، وتبلغ مقامات الزبيدي 44 لوحة فنية: قال
عنها إنها من أسلوب نحت الرسم، والكولاج. وحول مواضيعها التي
حملته قال: إنها تجربته الشخصية ومعاناة العراقيين والغربة التي
تحيط بهم، والمكان وتأثيره على الإنسان ، وأكد الزبيدي أنها
جاءت بأسلوب الرسم البارز. وان ما يشغله هو سطح اللوحة ومحاولة
دمج الريليف النحتي "كرسم منحوت" في فضاء بصري يتضمن
درجات مختلفة من الاختزال والتجريد في إطار جمالي وتعبيري، وخلق
عناصر حضورية ملمسية أو كتلية تكشف في جوهر الأشياء عن خيط سردي
سري يقترن بما هو حسي وأرضي وجسدي، ويضيف الزبيدي عن تجربته
محاولا إعطاء فسحة لا نهائية لذاكرة المتلقي للتأمل والقراءة
لايجاد مفتاح لفك مغاليق اللوحة .
الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي يقول عن تجربة "مقامات"
: كما عهدناه نحاتا حيويا دؤوبا على تطوير تجربته الشخصية منذ
تخرجه من معهد الفنون الجميلة ببغداد، يبحث الفنان البارع عبد
الحميد الزبيدي في هموم وقضايا الإنسان المحاصر المستلب في وطنه
سعيا لبلورة ملامح شخصيته التعبيرية وخصوصيته الوطنية في الفن
عبر موقف فني يضارع الموقف الفكري والوجداني وبأسلوب تعبيري
وبثراء لوني تغنيه مواد الكولاج التي عالجها بخبرة تقنية اقرب
إلى صياغات النحت البارز خاصة وهي شديدة الارتباط بكل تنوعاته
الكتلوية ومعماره العام وهيكلية مساحاته التفصيلية التي حققها
بالمعالجة الحديثة وحفظت سكونية الشكل العام وجسدت جزيئات مسطحاته
بحركات شخوصها المبسطة. ويضيف بان الفنان استطاع استنهاض العواطف
الإنسانية البارزة الظاهرة في التكوين والإنشاء من لوحة مركبة
ومعشقة المواد في تحقيق تكنيكي يتحرك بوهج من الإيحاءات الدالة
على أشكال تشخيصية جميلة التكوين والتي تذكرنا بالنحت الناتئ
لكثافة مواد التلصيق أو الكولاج أو التعشيق ضمن ذات التنغيم
البديع الذي يخلقه النحت في العين والنفس معا، ويؤكد الربيعي
ان الفنان الزبيدي نجح في تقديم أعماله التي يغلب عليها مثل
هذا الحجم وبقياسات ترتاح لها العين .
وعرف عن عبد الحميد الزبيدي المقيم في السلطنة منذ عام 2001
نحاتا ورساما أكاديميا أقام العيد من المعارض الفنية، وتخرج
من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1977 وترأس فرع النحت حتى
عام 2001، وهو عضو نقابة الفنانين والجمعية التشكيلية العراقية
والجمعية العمانية، له معارض عدة أقيمت داخل العراق وخارجه ،
منها في الجمعية العمانية للفنون عام 2002 . قام بتأسيس قسم
النحت والسيراميك في مرسم الشباب عام 2002 ، إضافة إلى العديد
من حلقات العمل بتخصص النحت. صدر له طابع بريدي عماني عام 2007
يحمل أحد أعماله الفنية المنجزة عن قلعة خصب، وله إنجازات فنية
بانورامية عدية في السلطنة. حصل على جوائز عديدة في النحت .
أعلى
سيرة الجزار وحصار عكا في كتاب بمصر لأول مرة
القاهرة (رويترز)- يروي كاتب عاصر حصار
القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت لمدينة عكا الواقعة
تحت سلطة أحمد باشا الجزار قائلا إن الجزار استعد لتلك المعركة
منذ بلغته أخبار استيلاء الفرنسيين على مدينة الإسكندرية عام
1798 مضيفا أن وفاته حالت دون توليه عرش مصر في بداية القرن
التاسع عشر.
ويقول الأمير أحمد حيدر الشهابي في مخطوطة تنشر لأول مرة في
كتاب عنوانه (قصة أحمد باشا الجزار بين مصر والشام وحوادثه مع
نابليون بونابرت) إن الجزار حين سمع بنزول الفرنسيين إلى السواحل
المصرية أول يوليو 1798 تحسب "جدا لذلك وشرع يهتم في تحصين
عكا ويستحضر للحصار... فأمر بتحصين المدن التي تحت حكمه وأمر
بخروج النصارى من جميع بلاده."
والكتاب الذي يقع في 317 صفحة كبيرة القطع صدر في القاهرة أمس
الخميس عن مكتبة مدبولي في سلسلة (صفحات من تاريخ مصر) من إعداد
وتحقيق عبد العزيز جمال الدين.
ويقول جمال الدين في المقدمة إن المؤلف الشهابي (1761-1835)
تبعثرت مكتبته بعد وفاته وإنه اعتمد في كتابه على مخطوطة بمكتبة
جامعة القاهرة
مضيفا أن المؤلف نقل أجزاء من كتاب (عجايب الآثار في التراجم
والأخبار)
للمؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي خاصة ما يتعلق بسيرة الجزار
في مصر
والأحداث المتعلقة بالحملة الفرنسية على مصر (1798-1801).
ويضيف أن هذه المخطوطة التي ألفها أمير من أسرة إقطاعية في لبنان
" من أقدم المؤلفات" المهمة عن سيرة أحد أعلام الفترة
العثمانية في المنطقة العربية حيث تندر مثل هذه السير.
وسرد جمال الدين في المقدمة ملخصا لتأسيس الدولة العثمانية واعتماد
السلاطين على تجنيد أبناء رعاياها المسيحيين من شرقي أوروبا
بعد انتزاع الأطفال "والنزول بهم إلى مستوى الرق"
وتأهليهم عسكريا حتى احتلوا بمرور الوقت مناصب عليا أصبحت كأنها
حكر يشغلها "إما مسيحي أو عبد يقتنى" ومن هؤلاء الجزار
أو أحمد البوشناقي الذي حكم ساحل فلسطين والشام أكثر من 30 عاما
ولولا وفاته لتولى حكم مصر قبل محمد علي الذي حكم مصر بين عامي
1805 و1948.
وقال إن البوشناقي (الجزار) ولد في البوسنة لأسرة مسيحية عام
1834 وهرب إلى القسطنطينية في مطلع شبابه وأرجع ثلاثة مؤرخين
هروبه إلى اعتدائه على زوجة أخيه أو اغتصابه لخطيبة أخيه أو
بسبب جريمة قتل.
وباعه تاجر رقيق للباب العالي حيث اعتنق الإسلام بإرادته "لعدم
استطاعته الحصول على أي مركز ذي نفوذ بطريقة أخرى" ثم جاء
إلى القاهرة مع قافلة عائدة من الحج وانضم لخدمة أحد المسؤولين
في البحيرة بشمالي مصر وبعد أن قتل البدو هذا المسؤول انتقم
البوشناقي بغارات متوالية على البدو حيث أعد كمينا ذبح فيه أكثر
من 70 بدويا بينهم عدة شيوخ فاكتسب لقب "الجزار".
وأضاف أنه عمل عند علي بك الكبير الذي حكم مصر بين عامي 1768
و1773 بادئا خدماته له بأن قدم له رؤوس أربعة يكرههم من شيوخ
البدو فاستخدمه للتخلص من معارضيه ومنافسيه ومنحه لقب بك ثم
اختلف معه وغادر إلى الشام وارتكب "سلوكا مشينا" بالانقلاب
على صديقه الأمير يوسف الشهابي زعيم الدروز حاكم ساحل لبنان
ومدن منها حمص وحلب. ثم جمع أموالا وهرب بها عام 1773 وعاد إلى
السلطان العثماني الذي فوضه على ولاية صيدا ومنحه لقب "باشا".
وقال إن لقب الجزار الذي حمله من مصر ظل علامة عليه إذ سيطر
على القوى المحلية والعشائرية بقسوة وجند المرتزقة والمغاربة
من تونس والجزائر والألبان والبوسنيين وسعى لتحقيق الحلم بحكم
فلسطين وجنوب سوريا ولبنان بل طمع في حكم مصر وكان السلطان يراقب
توسعاته ونفوذه وطموحاته فحاول أكثر من مرة تنحيته أو نقله إلى
ولاية بعيدة مثل البوسنة لكنه كان يرفض فأغراه بالتوجه إلى مصر
عام 1784 لمحاربة المملوكين مراد وإبراهيم وكتابة تقرير عن أوضاع
البلاد "لكنه تجنب الفخ".
وأضاف أنه نجح في تحقيق الاستقلال بأجزاء من بلاد الشام بدون
إعلان هذا الاستقلال كما أعد تقريرا عن "كيفية غزو مصر"
طالب فيه بأهمية ضبط إيرادات مصر ومصروفاتها وأن يكون قائد الحملة
قد سبقت له الإقامة في مصر "والمواصفات التي قدمها الجزار
لقائد الحملة على مصر وحاكمها المنتظر لا تنطبق إلا على شخصه"
كما أكسبه صموده أمام جيوش نابليون شهرة بعد فشل الأخير في حصار
عكا.
وقال جمال الدين إنه منذ هزيمة نابليون وعودته من الشام عام
1799 كانت الشام ولبنان وفلسطين تحت سيطرة الجزار بلا منازع
أو منافس حيث حكم العصبيات المحلية وحول "أمراء الدروز
إلى أدوات للظلم الاقتصادي" لحسابه.
كما يسجل أن الفونس جيز القنصل الفرنسي في طرابلس كتب في الخامس
من مارس اذار 1804 عن وصول السعاة من الاستانة إلى طرابلس للحصول
على
خيول وكانوا يحملون إلى الجزار "فرمان تعيينه واليا على
مصر" لكنه توفي يوم 23 ابريل 1804.
وتحمل لغة الكتاب أسلوب عصره فالمؤلف الشهابي يبدأ بوصف مظالم
الجزار "وما سفك من دماء العوالم... أتى إلى مدينة القسطنطينية...
واغتنى بصناعة الحلاقة" لكنه بعد أن تولى حكم بلاد الشام
"انقلبت طباعه وتغيرت أحواله... حتى صار كالوحش الضاري
والسبع الكاسر" إذ أمر عسكر المغاربة بإخراج المسجونين
وترحيلهم خارج عكا وقتلهم جميعا ففعلوا.
ويعلق قائلا "كان يوما مهولا لا يسمع فيه غير أصوات العويل
والبكاء والندب من الأمهات والعيال والأولاد والبنات والأخوة
الذين ترملوا وتيتموا وكذلك عويل المقتولين وصياحهم ولا ترى
فيه غير جثث القتلى كالغنم مطروحين خارج البلد فأصبحوا طعاما
لطير السماء وفريسة لوحوش الأرض. وعند المساء أمر المنادي في
شوارع عكا كل من له ميت يخرج إلى دفنه على الصمت وأن كل امرأة
أبدت عويلا أو بكاء تقتل حالا فضلا عن الرجال."
ويورد المؤلف فرمانا عثمانيا يفيد التحالف مع قائد الأسطول
الإنجليزي ضد الجيش الفرنسي.. "إلى جميع المدن من السلطان
سليم خان يخبر بالاتحاد بين الإنكليز والإسلام على الفرنساوية
الليام... لا يخفاكم أن بهذه السنة قد هجم الكفرة والطغاة البغاة
الفرنساوية على أخذ الإسكندرية ومصر القاهرة وما يليها. والآن
وقد اختلسوا يافا وغزة والرملة وتوابعهم وعلى عزمهم الغائب الفاسد
الخايب الغير صايب تدمير أمة المسلمين."
ويسجل الفرمان أن الصداقة تقتضي تعاون "سعادة أخينا المحترم
سلطان الإنكليز المفخم المتحد معنا بالارتباط بالسوية على تدمير
الأمة الفرنساوية" كما يسجل فرمان آخر موجه إلى سائر البلدان
أن الفرنسيين كفار وملحدون وماكرون.. "هذه الفرقة الملعونة
قد فارقت جميع الأديان والملل... فكيف لا يكون فرضا على كل واحد
من المسلمين إبداء المروة." ويقول المؤلف إن حصار عكا على
يد "سر عسكر الفرنساوية المسمى بونابرته" استمر 70
يوما إلى أن وقع الطاعون وجاءتهم أخبار عن إمدادات إنجليزية
بحرية وبرية لجيش الجزار ففكوا الحصار عائدين إلى مصر.
ويضم الكتاب صورا لنقود مصرية ضربت عام 1758 تحمل اسم السلطان
العثماني مصطفى بن أحمد وخليفتيه عبد الحميد الأول وسليم الثالث
ووالي مصر علي بك الكبير وصورا من رسوم شخصية لهم ولنابليون
بعد احتلاله الإسكندرية ثم وهو يدخل القاهرة على حصانه وصورة
بعمامة كتب أسفلها " الشيخ بونابرته" ولمعركة الأهرام
التي هزم فيها المقاومون جيشه وصورة لسليمان الحلبي قاتل الجنرال
الفرنسي كليبر وأخرى له وهو يعدم "على الخازوق".
أعلى
صوت
أدب الرحلات الذي نسيناه
حين أعلن المجلس الأعلى للثقافة في مصر
عن فوز الكاتبة المصرية عزة بدر بجائزة الدولة التشجيعية عن
كتابها "رحلات بنت قطقوطة" بدأ همس الاستهانة يتدفق
في الأنابيب السرية في شارع الثقافة المصري .. ويكاد يتمحور
حول تلك العبارة:
ـ وما أهمية جائزة تعطى في أدب الرحلات ..؟ تلك عبارة سمعتها
بأذني من أحد الروائيين .. شارك بأعماله أكثر من مرة في جوائز
الدولة ولم يحالفه الحظ .. أهو الحسد؟ ربما .. لكن أيضا ما يصدم
في عبارته .. عبارات غيره تلك النظرة المتجنية على انجاز استثنائي
لكاتبة عربية في أحد فروع الأدب ـ أعني أدب الرحلات ـ والذي
ظل حكرا على الرجل وكما يقول الناقد والشاعر أحمد فضل شبلول:
إن الأدب العربي القديم لم يكتب في أدب الرحلات بأقلام نسائية،
أو بأقلام المرأة الأديبة عموما، ولكن عرف كتبا ورحلات بأقلام
الرجال من أمثال ابن بطوطة وابن جبير وابن خلدون، وغيرهم.
أيضا لم يشهد الأدب العربي الحديث كثرة من كتب أدب الرحلات التي
كتبت بأقلام نسائية، ولكن قرأنا لرفاعة الطهطاوي "تخليص
الإبريز في تلخيص باريز" واستمتعنا بـ "حديث عيسى
بن هشام" للمويلحي، و"ذكريات باريس" لزكي مبارك،
وعرفنا سندباد حسين فوزي ورحلات أنيس منصور وحسين قدري وخليل
النعيمي وغيرهم.
وعندما نحاول رصد ما كتبته المرأة العربية في هذا المجال لا
نجد إلا القليل، ومن هذا القليل على سبيل المثال، أميرة خواسك
وكتابها "رحلات بنت بطوطة" التي رصدت فيه انطباعاتها
عن عدة رحلات قامت بها إلى استانبول وإيطاليا وباريس ولندن ونيويورك
والاتحاد السوفيتي السابق، والمغرب وتونس وفيينا وأمستردام وسويسرا
وألمانيا وغيرها.
لهذا ينبغي الاحتفاء بكتاب د .عزة بدر .. ليس فقط لأنه انجاز
قلم نسائي في جنس أدبي يعاني من الهيمنة الذكورية ولكن أيضا
لأن أدب الرحلات يحظى بمساحة من التلقي لا يحظى به غيره من الأجناس
الأدبية الأخرى .. هذا بالاضافة الى ما تطفح به مثل تلك العبارات
من جور على كتاب الدكتورة عزة .." رحلات بنت قطقوطة"
الذي فاز بالجائزة .. حيث يشعر القارئ مع كل سطر بالتوحد في
عيني الدهشة التي استبدت بالكاتبة خلال رحلتها .. لقد تمكنت
من أن تجعل القارئ بعبارتها المحشودة بالمشاعر رفيق دهشتها وانبهارها
مع كل خطوة في رحلاتها بقارات الدنيا.. أليس هذا ذروة النجاح
في العمل الأدبي .. التوحد بين الكاتب والمتلقي ..؟ ثم لماذا
هذا القدر من الاستهانة بفرع من فروع الفنون خاض فيه وأبدع.
ويبدو أن تلك النظرة الدونية ليست فقط لكتاب د عزة ..بل لأدب
الرحلات بشكل عام .. حيث انصرف عنه الكتاب رغم أن عصرنا الحالي
شهد من التطور التكنولوجي ما جعل السفر أسهل وأكثر راحة ومتعة
.. كما أن التطور الهائل الذي شهدته المجتمعات الحديثة يجعل
الأقلام تتدفق بالمشاعر والمعلومات الثرية .. والمدينة التي
كانت تتطلب من ابن بطوطة أن يتكبد الشهور على ظهور الجمال ليراها
.. يمكن للمرء أن يقوم برحلة حول العالم كله خلال بضعة أسابيع
متوقفا ومتأملا عشرات المدن من شنجهاي الى طوكيو الى لوس انجلوس
الى مكسيكوسيتي فمونتريال فلندن وباريس فالقاهرة وبومباي مرورا
بجدة ومسقط ..
فان كانت الرواية والقصة القصيرة من الفنون الحديثة التي ازدهرت
بدءا في الغرب .. فأدب الرحلات يمكن القول بأنه حقق ازدهاره
ومبكرا على أيدي العرب .. بل إن الكتب العربية في هذا الحقل
ألهبت خيال المكتشفين الجغرافيين في الغرب .. وهذا الذي نقوله
ليس طفح عقل عربي يعاني من أعراض الشوفينية .. بل هي حقيقة يقر
بها العديد من كتاب الغرب المرموقين .. فالمستشرق الفرنسي جان
ماري كاريه يعترف بأن العرب كانوا سباقين في أدب الرحلات ..
مؤكدا أن اتساع رقعة الفتوحات الاسلامية في العصرين الأموي والعباسي
ساهم في نشأة هذا النوع من أنواع الأدب بالمعنى الذي تعارف عليه
الغرب فيما بعد .. ومن شخصية السندباد العربي استلهم كبار الرحالة
الغربيين مغامراتهم عبر البحار والقارات مثل فاسكو دا جاما وماجلان
وكولمبس ..
ويبدو ادراك العرب مبكرا لأهمية السفر والترحال بهدف الاستزادة
من المعرفة جليا في مقولة الرحالة المسعودي" ليس من لزم
جهة وطنه وقنع بما لديه من الأخبار كمن وهب عمره لقطع الأمصار
فاستخرج كل دقيق من معدنه واستجلى كل نفيس من مكمنه".
واذا كانت النقوش الفرعونية تعد أقدم عملية توثيق لرحلة قام
بها الانسان. وهي تتعلق. بتلك البعثة التي أرسلتها الملكة الفرعونية
حتشبسوت الى بلاد بونت "بعض المؤرخين يقول ان بلاد بونت
هي الصومال بينما يؤكد آخرون أنها منطقة ظفار " فان رحلة
سليمان السيرافي ورحلة سلام الترجمان الى حصون جبال القوقاز
للبحث عن سد يأجوج ومأجوج .. وهي الرحلة التي رواها ابن خرداد
تعد من أقدم الرحلات عند العرب والتي سجلت. وبشكل عام لم تظهر
الكتابة عن الرحلة أو طبقا للمسمى الحديث أدب الرحلات الا بعد
الفتوحات الاسلامية .. حيث بدأ الرحالة ترحالهم بين البلاد العربية
وبلاد أخرى كالهند وتركيا والصين مدفوعين بشغف المعرفة .. ولم
يكتفوا بإرواء ظمأهم الشخصي للمعرفة.. بل وضعوا المؤلفات عن
عادات وتقاليد الشعوب التي زاروها ليقرأها الناس .. وتلك أهم
سمات أدب الرحلات ..اتاحة الفرصة لمن تمكنه ظروفه من أن يتنقل
على قدميه بين المدن والأقطار لأن يحقق تلك السياحة المتعة عبر
أدب الرحلات .. بل إنه يرى عبر هذه الكتب ما لا يمكن أن يراه
لو قام هو بالرحلة ..لأن الكاتب بما وهبه الله من قدرة على أن
يرى ما لا يراه غيره من البشر العاديين قد يدرك أن وراء الأشياء
الصغيرة التي تقع عليه عيناه أمورا كبيرة فيبدأ في الاستفسار
وطرح الأسئلة ليحصل على اجابات قد لا تتوافر لغيره .. إنها شهوة
الفضول التي تستبد بالكاتب .. فتثمر حشدا من المعرفة والرؤى
يكنزها في كتابه فتعم الفائدة على المتلقي ..
لهذا يجب أن يعاود الأديب العربي الآن وما أكثر رحلاته. الكتابة
في هذا الجنس الأدبي المهم الذي أسسه أجدادنا .. أدب الرحلات.
محمد القصبي *
* كاتب مصري
أعلى