|
فتاوى وأحكام
ما حكم استعمال أصباغ التجميل ؟
الجواب :
من المعلوم أن أصباغ التجميل كما تبين تؤخذ من مواد محرمة ، حسبما
تبين لنا قد تؤخذ من الأجنة الذين يسقطون قبل ميقات الوضع ، وقد تؤخذ
من جثث هؤلاء الأجنة ، وقد تؤخذ بعض الأشياء حتى من الخنازير كما قيل
فلذلك يجب الاحتراز منها إلا إن وجدت أصباغ متيقن أنها ليست من هذه
المواد المحرمة فلا حرج من أن تتزين بها المرأة لزوجها دون أن تغري
بها الرجال لأن في الإغراء فتنة ، والله تعالى المستعان .
السؤال
ما العلة من تحريم الوشم ؟
الجواب :
النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة
والمستوشمة ... إلى آخر الحديث ، فجاء اللعن واللعن لا يكون إلا على
كبيرة من الكبائر ، فمعنى ذلك أن الوشم كبيرة .
وخص الواشمة والمستوشمة ، أي خص الإناث دون الذكور باللعن لا لإباحة
ذلك للذكور ، لكن لأن الإناث كن يصنعن ذلك ، فذلك توجه الوعيد إليهن
دون الذكور ، فلو حصل ذلك من ذكر لكان حقيقاً بهذا اللعن ، وحقيقاً
بالوعيد الشديد فعلى الناس أن يتقوا الله
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)
.
ونحن إذا جاءنا أمر من الله تعالى منصوصاً عليه في كتابه أو جاء على
لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم فإن الامتثال هو الواجب علينا مع غض
النظر عن كون حكمة ذلك ظاهرة لنا أو لم تكن هذه الحكمة ظاهرة ، ويكفي
في الوشم أن تكون حكمة منعه هو العدوان على هذا الجلد وعلى هذا الخلق
الذي خلقه الله سبحانه وتعالى في أحسن تقويم ، فقد خلق الله الإنسان
في أحسن تقويم ، ومحاولة تغيير هذا الخلق إنما هو عدوان على أمر الله
سبحانه وتعالى ولأجل ذلك كان الوعيد منصباً على تغيير هذا الخلق ،
وكان ذلك من عمل إبليس الذي يزينه للناس كما حكى الله تعالى عنه قوله
( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)(النساء: من الآية119)
.
السؤال
من سبق وأن وقع في الوشم ووشم نفسه ووجدت فيه
هذه الصور هل يكفي أن يتوب أو لا بد من إزالة الوشم ؟
الجواب :
عليه مع التوبة أن يزيل الوشم ما دام يجد سبيلاً إلى إزالته ، أما
إن لم يجد سبيلاً إلى إزالته فإن الله تعالى لا يكلفه ما لا يستطيع
.
السؤال
هل له أن يزيل هذا الوشم بوشم آخر يطمس آثاره بمعنى أن يغير من شكل
تلك الصورة إلى طبقة كلها لون واحد ؟
الجواب :
يُقدم على الشيء الذي يرشده إليه الأطباء ، في إزالة الوشم لا ينبغي
أن يتصرف بنفسه ولكن يعرض أمره على الأطباء فإن وجدت وسيلة لإزالة
الوشم فلتُستعمل هذه الوسيلة ، ولعل الأطباء بحكم استخدامهم أشعة الليزر
الآن لعلاج كثير من الأمراض بإمكانهم أن يزيلوا بها الوشم .
السؤال
هنالك نوع من الوشم تصنع في الجلد ثم بعد ذلك تزال هذه الطبقة من الجلد
وتباع هذه الصورة التي وخزت في الجلد بأثمان باهظة باعتبارها من جلد
بشري ، ما رأيكم في هذا؟
الجواب :
لا مجال للرأي في مثل هذه القضية ، فإن الرأي إنما هو في مسائل الرأي
، أما الدين فالدين دين والرأي رأي ، الرأي فيما يخرج عن القطع ، قد
يرجح الإنسان رأياً على رأي عندما تكون هنالك أدلة متعارضة ، أما إن
لم يكن هنالك دليل معارض قط وكانت تلك المسألة مسألة قطعية فذلك محرم
لا مجال للرأي ، إنما يؤخذ بحكم الدين مع غض النظر عما تميل إليه النفس
وعلى أي حال الإنسان ليس له أن يتصرف - كما قلت - في جسده إذ لا يملك
من جسده إلا منفعته ، أما نفسه الجسد فهو غير ملك له ، لا يملك الإنسان
عضواًً من أعضائه ، لا يملك جلده ، لا يملك لحمه ، لا يملك عصبه ،
لا يملك عظامه ، لا يملك أي شيء من ذلك ، فكيف يبيع هذا الجلد بقيمة
عالية ويرضى لنفسه أن يُنتزع الجلد منه ، هذا عدوان على سلامة الإنسان
، وعدوان على صحته ، وقد يؤدي ذلك إلى فساد في جسمه ، ويؤدي ذلك إلى
خطر يهدد حياته ، والله تعالى المستعان .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
حول أعمال بني آدم
ونتائجها والوقاية منها
خالد المعمري : من أخطر أنواع العذاب الدنيوي هو أن يختم الله على
قلب الإنسان بما كسبت يداه
ـ فوائد الاستغفار والتوبة تعميم البركات من السماء ونزداد قوة المدد
من الله عز وجل
ـ ذكر الله تعالى له آثار نفسيه وثمار حلوه تعين الإنسان على الصمود
أمام الملمات والأزمات وتجاوز العقبات
ـ الصلاة من أعظم الوسائل التي تطمئن القلوب وتزكيها وتذهب الأوجاع
عنها
حاوره ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
*لا يختلف اثنان بأن هناك أعمالا سلبية يقوم بها ابن آدم وبالتالي
يترتب عليها الوبال والعار في الدنيا والآخرة ، أما الأعمال الخيرة
والإيجابية طبعاً ستكون فأل خير له في الدنيا والآخرة .
فمنذ أن أمر الله تعالى الملائكة السجود لآدم عليه السلام والشيطان
يكيد شتى أمور التضليل عن النهج الصحيح وغيرها لذا أوجد الله للإنسان
وقاية تقيه من همزات الشياطين وأعوانه، فهناك نتائج لأعمال بني آدم
نسردها لمن أراد الإفادة: وحول هذا كان لنا هذا الحوار السريع مع أخصائي
اجتماعي خالد بن سعيد المعمري.
في البداية هل لكم من كلمة حول هذه النتائج أعني نتائج المعاصي والذنوب
والمخاطر التي تترب عليها؟
**الله سبحانه وتعالى يلقي الرعب والخوف في
قلب العاصي فلا تراه إلا خائفا مرعوبا وأن الطاعة حصن الله الأعظم
الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة ومن خرج عنه
أحاطت به المخاوف من كل جانب فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه
أمانا ومن عصاه انقلبت مأمنته مخاوف فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه
بين جناحي طائر وأن المعاصي توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب
نفسه متوحشا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبين الخلق وبين نفسه وكلما
كثرت الذنوب كثرت الوحشة.)1
فالذنب أما أن يميت القلب أو يمرضه مرضا مخوفا أو يضعف قوته ولا بد
حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبي صلى الله عليه
وسلم منها وهي الهم والحزن والفجر والكسل والجبن وضلع الدين وغلبة
الرجال.)( وأن الذنوب والمعاصي تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في
المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن ) 2 قال تعالى : ( ظهر الفساد
في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم
يرجعون ).
وما للذنوب والمعاصي من مشكلات اجتماعيه لا تحصى مثل شرب الخمر والزنا
والقتل وهتك العرض واذاء الجار والسرقة .......الخ . والمعروف أن من
خرج عن الطريق الصحيح فإنه يواجه المشكلات مثل السيارة إذا ذهبت يمنة
ويسرة فإنها أما أن تصطدم بسيارة أخرى أو أنها تضيع طريقها فتصير المشكلة
حيث تتحطم السيارة ويخسر صاحبها أموالا في إصلاحها أو أنه يضيع الوقت
والجهد بحثا عن طريقه, وذلك كالسفن في البحر فإنها لا تمشي عشوائيا
وإنما بمسار محدد ومعين فإذا خرجت عن هذا المسار المحدد فإما أن تصطدم
بجبل جليدي أو أي شي آخر فيحطمها, كذلك الإنسان إذا خرج عن الفطرة
التي فطر الله أيها والطريق الذي حدده له فإنه يضيع ويتخبط وتحصل له
المشكلات بجميعها التي تحطمه وتحطم مجتمعه.
إن هذا الإنسان الذي نفتخر به قد يكون أضل من الحيوان حينما يّسود
قلبه من كثرة المعاصي وابتعاده عن خالقه.إن القلب يعطي للإنسان كيفية
العيش في الحياة الاجتماعية ضابطا لأخلاقياته وفاقها للأمور التي توصله
للسعادة.فكلما تقرب الإنسان إلى خالقه بصدق وإخلاص انشرح صدره وترى
النور ينبعث من قلبه ويصبح عالما وفقيها كما قال الله تعالى ( واتقوا
الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) سورة البقرة-282/
إن للقلب ذكاء ونورا يتغذيان من نور الله كما جاء في قوله تعالى( أفمن
شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من
ذكر الله أولئك في ضلال مبين)/الزمر-22/.
إن الشطر الأول من هذه الآية يؤكد لنا بأن لا نور لنا ولا هداية إلا
بعبادة رب العباد والخضوع له وأما الشطر الثاني يحذر الله فيه من قست
قلوبهم عن عبادته وعن ذكره فمثل هذه القلوب لا تعرف معروفا ولا تنكر
منكرا وهي خاضعة للشهوات وبعيدة عن حلاوة الإيمان ختم الله على قلوبهم
وعلى سمعهم وعلى أبصارهم وهم في ضلال مبين غارقين في الظلمات ويتألمون
بالمتاعب النفسية والعصبية ولهم معيشة ضنكا يقول الله تعالى (إن الذين
كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على
قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم)سورة البقرة
6-7/
وإن من أخطر أنواع العذاب الدنيوي هو أن يختم الله على قلب الإنسان
بما كسبت يداه بأن هذا يؤدي إلى ضياع منتج الحياة السعيدة والنور الذي
يغطي حلاوة العيش وترى المرء حينئذ منغمس في الظلمات يكاد لا يخرج
منها حتى ولو اجتمعت البشرية جمعا لمساعدته.كما وصف الله هؤلاء في
قوله (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات
بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا
فما له من نور)النور 40/إذا إن للقلب ميزة التعقل والتفقه والتي تتغذى
بتقوى الله والتقرب إلية بإخلاص وإما إتباع الهوى والانغماس فيه يسود
القلب ويضيع العلم والفقه وبتالي يصبح البدن قبرا لهذا القلب..
وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور وهذا من أحسن التشبيه
فإنا أبدانهم قبور لقلوبهم فقد ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم فقال
الله تعالى (إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور )ولقد
أحسن القائل .
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور3
قسوة القلب
* القلوب كلما أصابها الران تكون قاسية، ما
هي نتائج هذه القسوة ؟
** قال الله تعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا
من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها )،
ويقول عز وجل أيضا ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد
قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج
منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون
).
إن السبب الرئيسي لجميع المشكلات الاجتماعية مرده إلى هذا العضو وهو
القلب كما قال الله تعالى ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب
اليم بما كانوا يكذبون).
:لقد ارتكبت حضارة العصر تلك الخطايا التي حذرنا
منها المهاتما غاندي:سياسة بلا مبادئ , وتجارة بلا أخلاق,وثروة بلا
عمل,وتعليم بلا تربية ,وعلم بلا ضمير,وعبادة بلا تضحية,وها نحن نطأ
الألفية الثالثة,وخمس بالغين من الأميين, ونصف صغارنا محرومون من المدارس,وأربعة
أخماس عمالتنا مهددة بالبحث عن العمل.ولم تعد تنطلي على أحد تلك الوعود
المسرفة,والتي لا هدف من ورائها ,إلا أن يتحمل البؤساء والضعفاء مزيدا
من البؤس والقهر انتظارا لغد ذهبي قادم لا محالة,ما أن تتحقق الفروض
,وتستتب الأمور تحت سلطة قوانين السوق.ولم يعد مقبولا أن يتم تقويم
رأسمالية عصرنا بدلالة أرقام حساباتها دون غيرها كما واظب على القول:
ماكس فيبر ,ولم يعد هنالك من هو مستعد لدفع الكلفة الباهظة الناجمة
عن المخاطر العديدة من جراء التطبيق الأعمى لتكنولوجيا جسورة مجازفة
غير مأمونة العواقب.
دور العلماء
* ما هو دور العلماء في مثل هذه الظروف؟
** لقد بات لزاما على العلماء أن ينزلوا من أبراجهم العاجية ,وألا
يقصروا همهم على النشر العلمي, والحضور المكثف على الإنترنت,وأن يعيشوا
خارج أسوار معاملهم,ليواجهوا مسؤولياتهم نحو ما يمكن أن يؤدي إليه
الاستغلال غير الأخلاقي لنتاج فكرهم,هذا الفكر الذي أضحى سلعة تباع
وتشترى في عصر المعلومات.
يقول الدكتور موريس فيرنيه ( منذ إن وجد الإنسان يدور فيه صراع دائم
بين غرائز الطبيعة الحيوانية وتطلعات الطبيعة الروحية ومن الواضح إن
الحس الأخلاقي يضعف لديه حتى العمى عندما تهيمن الطبيعة الحيوانية
عليه ).
إن ما يدعو إلى الخجل والأسف الكبيرين إن المرء لا يهدأ عن التغيير
والتحول شيئا فشيئا حتى يصل في بعض الأحيان إلى المرحلة الحيوانية،
وثمرة هذا التحول مريرة جدا ويظهر ذلك من خلال النتائج التي يشهدها
عالمنا اليوم فكلما ابتعدت البشرية عن ربها ظهر الفساد وتغشى في كل
المجتمعات كما جاء في قوله تعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما
كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) .
إن المتخصصين والمهتمين بظهور الفساد الذي تعرضت له البشرية قلقين
على البشرية السلبية الناتجة عن الإنسان ويشيرون بأصابعهم إلى خطورة
هذا الهلاك فالبشرية في هذا العصر لا تزداد إلا هبوطا إلى نقطة الصفر
وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه مسلم ( حدثنا عمران
بن ميسرة قال حدثنا عبد الوارث عن أب التياح عن انس بن مالك قال رسول
الله : إن من اشراط الساعة أن يرفع العذاب ويثبت الجهل ويشرب الخمر
ويظهر الزنى )
التوبة والاستغفار
*التوبة والاستغفار ملاذ كل تائب كيف يكون ذلك؟
** قال تعالى ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم
وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه
مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما
الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
ويقول الله تعالى ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا
حسنا، إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وان تولوا فإني أخاف عليكم
عذاب يوم كبير )
ومن فوائد الاستغفار والتوبة تعميم البركات من السماء ونزداد قوة المدد
من الله عز وجل بها والدليل على ذلك قوله تعالى( ويا قوم استغفروا
ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم
ولا تتولوا مجرمين )
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : يا ابن ادم انك
ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن أدم لو
بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم
لو اتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لاتيتك بقرابها
مغفرة ) أخرجه الترمذي
إن التوبة النصوح والاستغفار الدائم هو المفتاح الأساسي والاول لتزكية
النفس وعلاجها كما قال الفقيه قتاده رحمه الله : إن الأمراض هي الذنوب
والعلاج في التوبة والاستغفار. ألا يشرح صدرك ويزيل همك وغمك ويجلب
سعادتك قول ربك في علاه ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا
تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم
) فخاطبهم ب ( يا عبادي) تأليفا لقلوبهم وتأنيسا لأرواحهم وخص الذين
أسرفوا لأنهم المكثرون من الذنوب والخطايا فكيف بغيرهم ؟! ونهاهم عن
القنوط واليأس من المغفرة, وأخبر أنه يغفر الذنوب كلها لمن تاب, كبيرها
وصغيرها , دقيقها وجليلها . ثم وصف نفسه بالضمائر المؤكدة و"ال"
التعريف التي تقتضي كمال الصفة فقال :( إنه هو الغفور الرحيم) . ألا
تسعد وتفرح بقوله جل في علاه( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم
ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا
على ما فعلوا وهم يعلمون )
سهرت أعين ونامت عيون في شؤون تكون أو قد لا تكون
فدع الهم ما استطعت فحملانك الهموم جنون
إن رب كفاك ما كان بالأمس سيكفيك في غد ما يكون
وقال آخر :
دع المقادير تجري في أعنتها ولا تنامن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وأنتباهتها يغير الله من حال إلى حال
ذكر الله
* ذكر الله تعالى ثماره مضمونة ونتائجه ممتازة كيف لا فقد قال تعالى
: ألا بذكر الله تطمئن القلوب) هل لكم من تبيان ذلك من خلال هذا الحوار؟
** فللذكر آثار نفسيه جليلة وثمار حلوه فهو يعين
الإنسان على الصمود أمام الملمات والأزمات وتجاوز العقبات كما يعمل
على تنقية القلب من الأدران التي تميته كالحقد والحسد والغرور وغيرها
ويصرف عنه وسواس الشيطان فيتركه قلبا نقيا نظيفا مليئا بالحب والتسامح
والتعاون وغيرها من معاني البر والخير كما يجعل القلب عامرا بالأمن
والطمئنينة قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )) وتتبدد كل
المخاوف ويحل محلها الشعور بالأمن والاطمئنان فيحيا الذاكر حياه هانئة
مستقره بعيده عن مشاعر القلق والخوف واليأس والاكتئاب والوساوس المزعجة
والأرق وآفات الغفلة والنسيان وبعيده عن كل الأمراض النفسية التي تسلمه
لحياة الضياع والعذاب والذي يسلك أغوارها ومتاهاتها كل من يعرض عن
ذكر الله قال تعالى : ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا )) أي
يدخله عذابا شديدا شاقا والصعد : المشقة يقال : فلان في صعد من أمره
أي في مشقه كما أن كلمة صعد توحي بان البعيد عن ذكر الله لإعراضه عنه
شخص يحيا حياه من العذاب لا نهاية له فكأن هذا العذاب الناتج عن الخوف
أو القلق أو الوسواس أو الأرق أو الاكتئاب يأخذ في التصاعد شيئا فشيئا
حتى يتفاقم فيهوي بصاحبه إن بقي معرضا عن ذكر الله.
إن من ضروريات المرء الراحة النفسية التي فقدت في هذا العصر والتي
من أجلها أبدي الإنسان استعدادا لدفع الثمن الكبير للحصول عليها فلتعلم
البشرية أنة إذا كان الدماغ والطب النفسي عاجزين عن إعطاء هذا الكنز
النادر فإن للقلب شؤونه وكلمته في هذا المجال يقول الله جل جلاله (الذين
أمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) الرعد
-28/لاحظ معي أخي القارئ قولة تعالى ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب
).
إن الله يلفت أنظار البشرية في الآية بأن اطمئنان القلب هو الذي يودي
إلى اطمئنان الإنسان وهذا يعني أنة من المستحيل أن تأتي الراحة النفسية
بغير هذا العضو فالذين قست قلوبهم بالمعاصي هم الذين يشعرون بالعذاب
النفسي وفقدان الراحة المعنوية والنفسية فهم منجرفين وراء شهواتهم
وبعيدين عن معرفة الله وحلاوة ذكره كما قال بعض العارفين (مساكين أهل
الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل وما أطيب ما فيها ؟
قال محبة الله والإنس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته )
إن حياة الإنسان في قلبه وحياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت يقول
المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري برقم 5928
(حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي
بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال :قال صلى الله علية وسلم مثل الذي
يذكر ربة والذي لا يذكر ربة مثل الحي والميت ) , ولقد استعمل كل الوسائل
المتاحة لإعطاء الإنسان الراحة النفسية لكن لم يتم الوصول إلى نتيجة
حيوية ملموسة وحتى ولو اجتمع الجن والإنس على أن يعطوها ما استطاعوا
الا إذا وصلوا إلى الحقيقة التي تقول (الذين امنوا وتطمئن قلوبهم بذكر
الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب )/الرعد -28/ 4
الصدق حبيب الله والصراحة صابون القلوب والتجربة برهان والرائد لا
يكذب أهله, ولا يوجد عمل أشرح للصدر وأعظم للأجر كالذكر (فاذكروني
أذكركم) وذكره سبحانه جنته في أرضه من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة
وهو إنقاذ للنفس من أوصابها وأتعابها واضطرابها بل هو طريق ميسر مختصر
إلى كل فوز وفلاح. طالع دواوين الوحي لترى فوائد الذكر , وجرب مع الأيام
بلسمه لتنال الشفاء.
بذكره سبحانه تنقشع سحب الخوف والفزع والهم والحزن . بذكره تزاح جبال
الكرب والغم والأسى . ولا عجب أن يرتح الذاكرون فهذا الأصل الأصيل,
لكن العجب العجاب كيف يعيش الغافلون عن ذكره( أموات غير أحياء وما
يشعرون أيان يبعثون) . يا من شكا الأرق وبكى من الألم وتفجع من الحوادث
, ورمته الخطوب هيا أهتف باسمه المقدس , هل تعلم له سميا .
الصلاة
الصلاة من أعظم الوسائل التي تترتب عليها الاطئمنان،
كيف لا فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال بن رباح رضي الله
عنه عندما تحضر الصلاة( أرحنا بها يابلال ) أليست الصلاة من الأمور
اتي يبنغي على الفرد الحفاظ عليها؟
لا شك أن الصلاة من أعظم الوسائل التي تطمئن القلوب وتزكيها وتذهب
الأوجاع عنها . ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبلال
رضي الله عنه( أرحنا بها يا بلال) وكان إذا أهمه أمر يسرع إلى الصلاة
لأنها مفتاح لخزان الرحمان وهي أيضا تحتل في حياة الإنسان مكانه عظيمه
بين شعائر عبادته فهي مفروضة من الله على نبيه وعلى أمته عند حادثة
الإسراء والمعراج .
يقول الله تعالى ( أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر
والله يعلم ما تصنعون ) ومن لم تنهه صلاته عن هذا فليعلم بأن لا صلاة
له بل هي عبارة عن حركات روتينه وليست بتغذيه النفس . أما العارفين
بالله إذا أهمهم أمر دنيوي أو ضاقت عليهم الدنيا سارعوا إلى الصلاة
ليسألوا الله من فضله لأنهم عرفوا سر خزائن رحمة الواحد الأحد وأفضل
صلاه لشفاء القلوب وتزكيتها بعد الفريضة صلاة الليل أن الصلاة وقت
السحر نور للوجوه وللقلوب وقضاء الحاجات وذهاب الغم والهم وتجلب السعادة
النفسية والسكينة وتدخل الجنة فهل هناك أكرم من الله؟ .)
( يا أيها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة )
إذا داهمك الخوف وطوقك الحزن , وأخذ الهم بتلابيبك , فقم حالا إلى
الصلاة , تثوب لك روحك وتطمئن نفسك أن الصلاة كفيلة بإذن الله باجتياح
مستعمرات الأحزان والغموم ومطاردة فلول الكتائب . إن صلاة الخوف فرضت
لتؤدى في ساعة الرعب يوم تتطاير الجماجم وتسيل النفوس على شفرات السيوف
, فإن أعظم تثبيت وأجل سكينة صلاة خاشعة . إن على الجيل الذي عصفت
بة الأمراض النفسية أن يتعرف على المسجد وأن يمرغ جبينه ليرضي ربة
أولا , ولينقذ نفسه من هذا العذاب الواصب وإلا فإن الدمع سوف يحرق
جفنه والحزن سوف يحطم أعصابة وليس له طاقة تمده بالسكينة والأمن إلى
الصلاة . من أعظم النعم لو كنا نعقل هذه الصلوات الخمس كل يوم وليلة
كفارة لذنوبنا , رفع لدرجاتنا عند ربنا , ثم هي علاج عظيم لماسينا
ودواء ناجع لأمراضنا , تسكب في ضمائرنا مقادير زاكية من اليقين وتملؤ
جوانحنا بالرضا . أما أولئك الذين تجانبوا المسجد وتركوا الصلاة فمن
نكد إلي نكد ومن حزن إلى حزن ومن شقاء إلى شقاء( فتعسا لهم وأضل أعمالهم
)
أعلى
العلم أساس العمل
تكلمنا في حلقة سابقة عن هذا الموضوع وارتأيت
أن أزيد الكلام فيه ، لما له من أهمية كبيرة، لأننا نتكلم عن أمرين
متلازمين أشد التلازم ، لا يمكن لنا بحال من الأحوال أن نفصل بينهما
، لأن العلاقة بينهما ، علاقة أساسها ألا يقوم للأول مقام ما لم يقترن
بالآخر وكما ورد سابقا أن أي حضارة من حضارات العالم ، سواء منها القديم
أو الحديث ما قامت إلا عندما جمعت بين العلم والعمل، وكما هو معلوم
ما الفائدة التي تجنيها أي حضارة عندما تكدس علومها على الورق متناسية
طريق التجريب، فبهذه الحالة لا يمكن أن يكون هناك تقدم، ولن تستفيد
البشرية من عقولها، ولأصبحت استدلالاتنا عقلية فحسب، وهذا أشد بلاء
على الأمم ، لأنها أهملت طاقتها، في جانب ، واهتمت بجانب دون غيره،
لأنها فرقت بين جانبين التفريق بينهما خطأ لا يغتفر .
وحضارتنا الإسلامية بتوجيهات مصدريها، نجد أن العلم فيها مقترن بالعمل
، وما تطورت الأمة على مدى قرون طويلة، وصارت شمسها تنير الأمم الأخرى
، وتقودها في ظلمات الجهل متخطية بها، كل أنواع المهالك، ومذللة لها
كل أنواع الصعاب التي تعترض أي أمة ، في سبيل نشر الخير والعلم للإنسانية
بأجمعها .
وفصل العلم عن العمل ليس له من نتيجة إلا سقوط تلكم الأمة التي فصلت
بينهما، وإن الكلام أن الإسلام ما اهتم بالعمل، من الحيف الذي لحق
الحضارة الإسلامية ، نعم إن هذا الجانب ( وهو العمل الأخروي ) له أهمية
كبرى ؛ لأن الإسلام أتي لينقذ أصحابه من نار جهنم ، ولكنه أيضا حث
على إعمار الأرض ، وكيف يكون اعمار إلا بالعلم :" (وإذ قال ربك
للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون
، وعلم آدم الأسماء كلها...".
والعلم المقترن بالعمل هو أساس عمارة الأرض، وبعمارة الأرض تقوم الحضارات،
وتنشأ الأمم، وبها يكون التقدم والرقي، فالمتأمل في تراث الأمم السابقة
يجد أنها خلدت لنا ذكرها من خلال ما بقي من شواهد على تقدمها ، وما
أثرت به الحضارة الإنسانية في مشوارها الطويل إن الحضارة المعاصرة
لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا حين مازجت بين ما أنتجته الحضارات السابقة،
من نظريات وعلوم وأدوات، وبين معطيات هذا العصر لأن لكل عصر معطياته
التي تميزه عن غيره ، وهنا يحصل التمايز، ومن هنا يبدأ التقدم في سلم
الحضارة البشرية.
ولكن يبقى هنا السؤال لماذا ابتعد أهل الإسلام عن تعاليم دينهم التي
تحث على العمل؟ ولماذا يلهثون وراء النظم التي تدعو إلى العمل مع أن
الأساس موجود في دينهم؟
هذا السؤال من القوة بمكان ، فنحن نلهث وراء نظم تحث على العمل، ونقول
: إن أهم أسباب الرقي الحالي في العالم المتقدم هو العمل ، وعندما
نحث على العمل نأخذ الأمثلة من تلكم الحضارات ، مع أن تلكم الحضارات
قامت على ما أخذته من تعاليمنا ، وما استلهمه علماؤنا من تراث أمتنا
، لأن الأمة اعتمدت على مصدر رباني بنت عليه مؤسساتها ، وقام عليه
بنيانها ، أما تلكم الحضارات فكما هو معلوم قامت قوانينها على الفكر
البشري ، وهذا الفكر بلا شك قاصر ، وإن أثبت نجاحا في فترة معينة ،
لكنه لا يمكن أن يكون بحال مستمرا إلى فترة طويلة من الزمن ، وفي هذا
السياق أذكر كلام المستشرق الفرنسي زيس (zeys ) وإن كانت بعيدة بعض
الشيء ، لكن نستنبط منها الفرق بين التعاليم التي أتت من عقول البشر
وبين التعاليم الإسلامية ، والعمل في الإسلام مقترن بهذه التعاليم
إذ يقول : " بحق إني أشعر حينما أقرأ في كتب الفقه الإسلامي أني
قد نسيت كل ما أعرفه عن القانون الروماني ، وأصبحت أعتقد أن الصلة
منقطعة بين الشريعة الإسلامية وبين هذا القانون ، فبينما يعتمد قانوننا
(الروماني) على العقل البشري ، تقوم الشريعة على الوحي الإلهي ، فكيف
يتصور التوفيق بين نظامين قانونيين وصلا إلى هذه الدرجة من الاختلاف"
.
فلو اعتمدنا على المثل والقيم الإسلامية الأصيلة التي تربط بين العلم
والعمل، واستفدنا من الحضارات الأخرى ، مثلما استفاد أجدادنا منها
، وكيف كونوا لأنفسهم موطئ قدم ، وكانت بدايتهم مع الإسلام من الصفر
، وبه رقوا سلم الحضارة ، وبمقومات غاية في البساطة إلى العالمية ،
وإلى أن يكونوا هم أساس العلوم، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ، فالعلم
له أسسه وقيمة ، والأخذ من الحضارات الأخرى التي سبقت في مجال العلم
والعمل ، له قواعده التي تحفظ للأمة منهجها المتميز ، كي لا تذوب مع
الأمم الأخرى ، فالأخذ من علوم التقانة ، وعلوم العصر، أمر لازم لتطور
الأمة والارتفاع بشأنها ، وتركه جهل وتخلف ، ولكن على أن يكون أخذنا
وفق مبادئنا، ووفق معطيات حضارتنا ، وترات حضارتنا الإسلامية حافل
بمثل هذه الإنجازات ، وأن هذا الأخذ ما غير من أمور العلم شيئا ، بل
زاد الرقي بالعلن والاهتمام به ، فأخذنا من الحضارات التي استأنفت
المسير بعدما توقفنا ، وأخذنا بأساليب التطور أمر مفروغ منه ، لكن
يبقى الأمر في الأسس التي نأخذ بها ما نأخذ ، والمعايير التي نطبقها
فيما نأخذه ، نأخذ اللب ، والخلاصة والظاهر التي يتفق مع تعاليمنا
، أما الآخر فنتركه وهو لابد أن فيه غناء ، وأن الله تعالى سييسر لعباده
سبيلا آخر يسلكونه لأجل الحصول على ما يريدون من خير فالإسلام ما جعله
الله دينا خاتما لعباده إلا وأن فيه الكفاية لهم ، ما إذا استمسكوا
به ، فأمة الإسلام أمة خلقت للقيادة ، ولا إبداع لها ولا تطور إلى
إذا رجعت لمكانتها التي كانت عليها ، والتاريخ خير شاهد لما نقول ....
مصطفى بن ناصر النــــــــــاعبي
أعلى
وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغا
معنى الوعظ هو : التذكير بالخير والنصح والإرشاد
وقد ذُكرت مادة (وعظ ) في القرآن الكريم في خمس وعشرين موضعاً : والوعظ
يشتمل على حُسن المعاني والترغيب والترهيب , والثواب والعقاب قال تعالى
مخاطبا حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم
( وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً ) النساء 62 ومن معاني الوعظ
أيضاً أنه التكليف والقيام بالأمر , ومنه قوله تعالى ( ولو أنهم فعلوا
ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا ) النساء 66 أي أنهم لو فعلوا
ما كُلفوا به وأمروا به , وإنما سُمًي هذا التكليف وعظاً لأن تكاليف
الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد , والترغيب والترهيب , والوعظ أيضاً
يكون صادراً دالاً على منتهى الجدية , والحب والإخلاص لمن أنصحه ,
ويتدفق منه الشفقة والحنان , والحب الصادق من أعماق القلب , ومن أعظم
أساليب الوعظ التي جاء ذكرها في القرآن الكريم : موعظة لقمان لابنه
, ودائماً وأبدا تكون الوصية من الأب لابنه يكون فيها الحب والحرص
على مصلحة الابن , وكل ما يخرج من القلب يصل إلى القلب إن شاء الله
تعالى ولقمان الحكيم اعتمد وهو يقدًم وصاياه لولده على أسلوب الواعظ
المؤثر , والناصح الصادق , ولم يعتمد على الثرثرة الكلامية , والإنسان
في هذه الحياة الدنيا , يتمنى من الله عز وجل أن يهبه الولد , بل ذلك
فطرة في النفس البشرية , لأن الأبناء بهجة الحياة الدنيا , يستأنس
بهم المرء في حياته , وتحلو بهم الأيام , وتُعلًق عليهم الآمال , لكن
ذلك يتوقف على حُسن التربية , التي تجعل منهم في هذا المجتمع عناصر
فعالة بناءة , وعناصر بر وخير , فإذا ما توافر ذلك فيهم كانوا بحق
كما قال الله تعالى فيهم ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) الكهف
46 ] ومن أجل ذلك طلب سيدنا زكريا عليه السلام من رب العالمين أن يهبه
الولد , الذي يورثه الحكمة والعلم , وتبليغ دعوة الله تعالى ويرفع
يده إلى الله مبتهلاً فيقول:
( قال ربً إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب
شقيا , وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك
ولياً , يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربِ رضياً ) سورة مريم 4 ـ6
: وعلى الإنسان الذي يهبه رب العالمين نعمة الولد , أن يعلم أن المسئولية
كبيرة عليه تجاه أولاده , وأصبح من الواجب عليه شرعاً أن يقوم بواجبه
على أكمل الوجوه ,يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم
مسئول عن رعيته , والرجل راع ومسئول عن رعيته ) وأهم ما يقوم به الآباء
نحو أبنائهم , أن يغرسوا في نفوسهم الإيمان بالخالق الأعظم سبحانه
وتعالى ولقد كان الأنبياء والصالحون هم القدوة والمثل الأعلى للبشرية
.
فها هو سيدنا إبراهيم عليه السلام يقوم بتوصية أولاده قبل مفارقته
للحياة الدنيا , قال تعالى ( ووصي بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني
إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) سورة البقرة
132 ثم يأتي من بعده سيدنا يعقوب عليه السلام فيلفت أنظار أولاده بالوصية
إلى ما ينفعهم في أمر الدنيا والآخرة قال تعالى ( أم كنتم شهداء إذ
حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله
آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) البقرة
133 وهاهو لقمان الحكيم يعظ ولده ويرشده إلى مكارم الأخلاق ومعالي
الأمور ويزوده بالأسباب التي توصًله إلى الطريق المستقيم , هذه الوصايا
يعرضها لنا القرآن الكريم , لكي تكون نموذجاً للآباء يحتذون به في
توجيهات أبنائهم , فكل جملة من وصاياه تحمل توجيهات قوية , ومعاني
شريفة ومثالاً رائعاً للوصية , ولذلك فإن خير ما تقدمه الأسرة القوية
للمجتمع هو شباب ذو خُلق ودين , وإذا أخذ هذا الشباب , حقه من الوعظ
والنصح والإرشاد , فسوف نجد عندها شبابا ينفع أمته المسلمة , وينفع
أسرته خاصة , ومجتمعه عامة والإسلام يدعو الآباء إلى أن يُعدوا أبناءهم
لتحمًل المسئولية , وعندها يكونون رجالاً بمعنى الكلمة ويكونون سبباً
في وقاية آبائهم من النيران , قال تعالى
( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة
) سورة التحريم 6 يروى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسيره
لهذه الآية المباركة قوله : اعملوا بطاعة الله تعالى واتقوا معاصي
الله , ومروا أولادكم بامتثال الأوامر , ثم اجتناب النواهي فذلك وقاية
لكم ولهم من النار) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوجهنا لتربية الأولاد
تربية صحيحة تقوم على تعليم الدين فيقول في الحديث النبوي الشريف (
مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً , واضربوهم إذا بلغوا عشراً
, وفرًقوا بينهم في المضاجع ) ونستفيد من هذا الحديث النبوي الشريف
أمراً مهماً وهو : أن الطفل في هذه السن وهي سن السابعة يكون نقي القلب
, سليم الصدر ,طاهر الضمير , مستعدا للتوجيه الصحيح , وإلى أن يسلك
مع والديه سبل السلام وقد أحسن القائل :
قد ينفع الأدب الأطفال في صغر وليس ينفع عند الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قوًمتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب
فالطفل في هذه السن في فترة الصغر يكون بين يدي مربيه كالقطعة من العجين
بين يدي صانعها , يصورها كيف يشاء وقديما قال الشاعر العربي :
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوًده أبوه :
الوعظ أخي المسلم يجب أن يتواجد في داخلنا , أولاً فالمسلم لا بد أن
يكون له واعظ من نفسه , ثم بعد ذلك يعظ غيره , وليبدأ بأهله وعشيرته
, ثم بإخوانه وعامة المسلمين , إذا توافر فينا هذا المنهج سنجد إن
شاء الله , رب العالمين أمة هي خير أمة أخرجت للناس كما قال رب العالمين
في قرآنه الكريم : فنسأل الله تعالى وهو خير مسئول , وأكرم مأمول أن
يوفق كل المسلمين والمسلمات إلى ما فيه رضاه فهو سبحانه على كل شيء
قدير , اللهم إنا نسألك يا ربنا أن تعلمنا ما ينفعنا , وأن تنفعنا
بما علمتنا وتزيدنا علماً اللهم آمين والحمد لله رب العالمين :
إبراهيم السيد العربي
أعلى
التحذير من مخالطة الأشرار
إن الإنسان فى هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش
وحده فى عزلة تامة عن الناس فهو بحاجة إلى مخالطتهم ومجالستهم وهذا
الاختلاط لابد أن تكون له آثار حسنة وأخرى سيئة حسب نوعية الجلساء
والخلطاء ومن هنا حثنا القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على اختيار
الجليس الصالح والابتعاد عن الجليس السوء فقال تعالى فى سورة الكهف
26 ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)
وقال صلى الله تعالى عليه وسلم ( مثل الجليس الصالح والجليس السوء
كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه
وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن
تجد منه ريحا خبيثة ) فلتجعل أخي القارئ الكريم هذا الحديث الشريف
دائما نصب عينيك وأنت تخالط الناس فى الأسواق والمجالس أو فى البيوت
والمدارس أو فى المكاتب والدوائر وفى كل مجال تخالط فيه الناس فاختر
لصحبتك ومجالستك ومشاركتك فى مزاولة أى عمل الصالحين من الناس ليكونوا
لك جلساء وزملاء وشركاء فهذا الحديث الشريف يفيد أن الجليس الصالح
جميع أحوال صديقه معه خير وبركة ونفع ومغنم مثل حامل المسك الذى تنتفع
بما معه إما بهبة أوبيع وأقل شيء تكون مدة جلوسك معه قرير العين منشرح
الصدر برائحة المسك جليسك الصالح يحثك على الخير وينهاك عن الشر ويسمعك
العلم النافع والقول الصادق والحكمة البالغة ويعرفك عيوب نفسك ويشغلك
عما لا يعنيك يجهد نفسه فى تعليمك وتفهيمك وإصلاحك وتقويمك إذا غفلت
ذكرك وإذا أمهلت أو مللت بشرك وأنذرك يحمي عرضك فى مغيبك وفى حضرتك
أولئك القوم لا يشقى بهم جليسهم تنزل عليهم الرحمة فتشاركهم فيها وأقل
ما تستفيده من الجليس الصالح وهى فائدة لا يستهان بها أن تنته بسببه
عن السيئات والمعاصي وفوائد الصالحين لا تعد ولا تحصى وحسب المرء أن
يعتبر بقرينه وأن يكون على دين خليله .
وصحبة الصالحين ينتفع بها حتى البهائم كما حصل للكلب الذي كان مع أصحاب
الكهف فقد شملته بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحالة
العجيبة وصار له ذكر وخبر وشأن أما صحبة الأشرار فإنها السم الناقع
والبلاء الواقع لا محالة فهم يشجعون على فعل المعاصي والمنكرات ويرغبون
فيها ويفتحون لمن جالسهم وخالطهم أبواب الشر ويسهلون له سبل المعاصي
فقرين السوء إن لم تشاركه فى إساءته أخذت بنصيب وافر من الرضا بما
يصنع والسكوت على شره فهو كنافخ الكير على الفحم الملوث وأنت جليسه
القريب منه يحرق بدنك وثيابك ويملأ أنفك بالروائح الكريهة وفى مجالس
الشر تقع الغيبة والنميمة والسب واللعن والكذب والكلام الفاحش ويقع
اللعب واللهو فهي ضارة فى جميع الوجوه لمن صاحبهم وشر على من خالطهم
فكم هلك بسببهم أقوام وكم قاد أصحابهم إلى المهالك سواء يشعرون أو
لا يشعرون .
وإليك أخى القارئ الكريم واقعتين حصلتا بسبب صحبة الأشرار الواقع الأولي
ورد أن عقبة بن أبي معيط كان يجلس مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم
بمكة ولا يؤذيه وكان بقية قريش إذا جلسوا مع النبي يؤذونه وكان لابن
أبي معيط خليل كافر غائب فى الشام فظنت قريش أن ابن أبي معيط أسلم
فلما قدم خليله من الشام أبلغه هذا الأمر فغضب غضبا شديدا وأبى أن
يكلمه حتى يأذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فنفذ ما طلب منه الكافر
وأذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فكانت عاقبته أن قتل يوم بدر
وأنزل الله تعالى فيه قوله فى سورة الفرقان 27/28/29 ( ويوم يعض الظالم
على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتي ليتني لم
أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان
للإنسان خذولا ) الوقعة الثانية لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبى أمية وأبو جهل
فقال له يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقالا
له أترغب عن ملة عبد المطلب فأعاد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
فأعادا أمية وأبو جهل فكان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى
أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأستغفرن
لك ما لم أنه عنك فأنزل الله تعالى ( ما كان للنبى والذين آمنوا أن
يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) التوبة 113 وأنزل فى أبي
طالب ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين)
القصص 56 ففي هذه الواقعة التحذير الشديد من مخالطة الأشرار وجلساء
السوء ومصاحبتهم وفى يوم القيامة يقول القرين لقرينه من هذا الصنف
( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) الزخرف 38
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
|