رؤية مرشح وزير الخارجية الأميركية الديموقراطي المقبل
مستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط
د.عماد فوزي شُعيبي*
أعد مارتن إنديك مدير معهد سابان لسياسة الشرق الأوسط التابع لمعهد
بروكينغز والطرف الرئيس في مفاوضات العرب وإسرائيل في التسعينيات
والمرشح لنيل منصب وزير الخارجية في حال فوز رئيس (أو ـة) ديموقراطي،
دراسة لمستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بدت وكأنها رؤيته
المقبلة كرئيس للدبلوماسية الأميركية من موقع آخر مختلف نسبياً عن
السياسة الأميركية الحالية وعنوانها الأبرز العودة للتوازن في الشرق
الأوسط: استراتيجية جديدة من أجل التعامل البنّاء". فالعنوان
يشي بما وراءه؛ توازن في الشرق الأوسط من ناحية وتوجه نحو تعامل
مع قضايا المنطقة بطريقة بناءة بمعنى يكاد يعلن أن التعامل السابق
لم يكن بناءً.
تبدأ الدراسة بتقييم استراتيجية بوش الجديدة التي رسمتها الإدارة
الأميركية في يناير2007، التي ترى أن المعركة في الشرق الأوسط تتمحور
بين قوى الخير (أميركا والمعتدلين العرب) وقوى الشر (المتطرفين)
من أجل بناء شرق أوسط موسع Broader. ويرى منذ البداية أن نقطة ضعف
استراتيجية بوش المذكورة تتمثل في أنه لم "يقم باستشارة الأطراف
الإقليمية الشرق أوسطية" التي اعتبرها حليفة له وأنها في نفس
الخندق في معركته (المانوية) التي تقسم العالم بين خير وشر. بمعنى
أنه انطلق من عقلية غير مدركة للأوضاع في المنطقة وهذا ما ذهب به
نحو سياسة ضعيفة.
إلا أن ما دعي بالصراع السني ـ الشيعي، يحظى باهتمام إنديك باعتبار
أن استراتيجية بوش كانت تقوم على إبرازه والعمل عليه، إلا أن الباحث
ـ الوزير المقبل يرى أن سيرورة الصراع السني ـ الشيعي قد آلت إلى
الفشل. إذ لا توجد خطوط تفصل بين السنة والشيعة في القضايا والصراعات
السياسية الرئيسة.
وهذا ما انعكس لاحقاً على طبيعة فاعلية الولايات المتحدة التي راحت
تقل بشكل كبير تدريجياً بخصوص السيطرة على الأوضاع الجارية ما بات
يهدد بالقضاء على نفوذ وسيطرة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
ورفع من وتيرة حجم المخاطر التي تهدد المصالح الأميركية.
ولهذا يرى مارتن أنديك أن على أي رئيس مقبل في الولايات المتحدة
الأميركية أن يقوم بالاستراتيجيات التالية في منطقة الشرق الأوسط
كي يضمن العودة إلى التأثير الجدي في تلك المنطقة الحيوية:
1ـ احتواء الحرب الأهلية ـ الطائفية في العراق، لأنه قد يترتب عليها
صراع إقليمي أكبر في المنطقة.
2ـ تعزيز قوة المعتدلين العرب ليصبحوا قادرين على مواجهة الخطر الإيراني.
3ـ منع إيران من الحصول على الأسلحة النووية، ولكنها إذا تمكنت من
الحصول عليها فيجب وضع التدابير الاحترازية اللازمة والصارمة لردع
إيران من استخدام هذه الأسلحة أو التمادي في محاولة فرض نفوذها على
المنطقة. وهذه بحد ذاتها إشارة إلى أن التعامل مع إيران النووية
سيكون من النوع الواقعي الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية مع
الصين وفرنسا في خمسينيات القرن الماضي.
4ـ تطبيق قائمة الدعم الاقتصادي والسياسي الطويلة المدى على النحو
ما يؤدي إلى تزايد الاعتدال والقضاء على التطرف.
5ـ إن ما هو مهم بالنسبة لأميركا هو الارتباط مع المصالح عن طريق
التوازن والانسجام مع الظروف الواقعية الموجودة في المنطقة، وليس
عن طريق إقامة تصورات عن صراعات مذهبية ليست واقعية. وهذا ما يستدعي
احتواء تأثير فوضى العراق على أن تستند الدبلوماسية الأمنية على
استراتيجية أمنية تهدف إلى توجيه مسار العملية الدبلوماسية باتجاه
عدم السماح بتصاعد الصراع الداخلي العراقي، وامتداده إلى دول الجوار
بما يؤدي إلى إشعال حرب إقليمية كبيرة.
يرى أنديك أن ثمة فهماً عربياً ـ أميركياً متباعداً نوعياً بخصوص
قضايا المنطقة. وبالتالي سوف تكون مهمة الإدارات الأميركية دعم حكومات،
ولكن من الصعب الاستمرار في ذلك إذا كانت الأغلبية الشعبية على تناقض
مع ذلك.
يطالب إنديك باستغلال ما يسميه الخلافات السورية - الإيرانية على
اعتبار أنه يمكن خدمة المصالح الأميركية باستخدام واقعي للخلافات
السورية ـ الإيرانية، وأبرز تلك الخلافات يتمثل في دعوة القيادة
السورية لمفاوضات السلام مع إسرائيل بينما لا تزال القيادة الإيرانية
تدعو إلى تدمير إسرائيل.
وهذه الاستراتيجية تستدعي وفقا لإنديك التخلي عن فكرة تغيير النظام
السوري. و العودة إلى سياسة توازن القوى: وهذا يستند إلى التحليل
الآتي: إذ عبر الفترة الممتدة من عام 1991م إلى عام 2006م كانت الولايات
المتحدة تعتمد على قوتها عبر حفظ مصالحها في المنطقة دون الاعتماد
على نوع من توازن القوى كالذي كان سائداً بين إيران والعراق. بكلمات
أخرى، فقد كانت صيغة توازن القوى السائدة تتمثل في الاحتواء المزدوج
عبر دعم العراق علناً لاحتواء إيران ودعم إيران سراً لاحتواء العراق.
وفقا لإنديك بعد أن فشلت إدارة بوش في تغيير خارطة المنطقة وإعادة
تشكيلها وفقاً لتغيير الأنظمة فإن المصالح الأميركية وموقف ومكانة
أميركا في المنطقة أصبحت تتأثر بثلاثة اعتبارات:
القضاء على قوة العراق أدى إلى صعود قوة إيران. وتطبيق الديمقراطية
الذي أدى إلى صعود حركة حماس في الأراضي الفلسطينية، والتيار الصدري
الشيعي في العراق، وإذا استمرت بتطبيق الديمقراطية فسوف تحدث المزيد
من "النكبات" لأي إدارة أميركية في المنطقة. كما أن وقوف
أميركا إلى جانب إسرائيل في عملية سلام الشرق الأوسط قد أدى إلى
صعود حركة حماس الإسلامية المعادية لأميركا وإضعاف قوة حركة فتح
العلمانية المؤيدة لأميركا.
وكما تبين الدراسات الكلاسيكية استراتيجياً فإن استخدام القوة يضعف
هيبتها ويفقدها ثلثي قيمتها يرى أنديك أن القوة العسكرية لها حدودها
القصوى، فعندما انكشفت حدود القوة العسكرية الأميركية في العراق
والقوة الإسرائيلية (الأميركية في الأصل) في جنوب لبنان، بات كثيرون
في المنطقة لا يخافون من أميركا ولا يحسبون لها حساباً، فالتمادي
في حسابات القوة أضر بمصالح ومكانة أميركا، ويتوجب اللجوء إلى الأجندة
الدبلوماسية التي لا تقوم على مبدأ "إما أن تكونوا معنا أو
ضدنا" وهو مبدأ أخلاقي (مانوي) إلى التعامل مع الجميع.
وهذا ما يستدعي وفقاً للاستراتيجية الجديدة بناء تحالف شرق أوسطي
معتدل وذلك عن طريق بناء تحالف مضاد لتحالف إيران ـ سوريا ـ حزب
الله ـ الشيعة العراقيون. وبالتالي العودة للارتباط والمشاركة في
الدبلوماسية العربية ـ الإسرائيلية: إذ يتوجب على الإدارة الأميركية
أن تعود للتوسط في المفاوضات بين العرب والإسرائيليين بدلاً من عرقلة
المفاوضات، وأن تعمل هذه الإدارة على إقناع الأطراف بأن المفاوضات
سوف تؤدي بالضرورة إلى ما هو أفضل.
منع صعود قوة إيران العسكرية والاقتصادية والسياسية بما يؤدي إلى
صعود نفوذها في الشرق الأوسط.
وأخطر ما يقترحه أنديك في دراسته أن على الولايات المتحدة الدخول
في حوار إقليمي مع حلفائها في المنطقة ومع إسرائيل، للوصول إلى تطوير
اتفاقيات أمنية تعطي أميركا الحق في نشر ترسانتها النووية في دول
المنطقة لردع الخطر النووي الإيراني، وذلك لأن الضربات الاستباقية
التي تنوي أميركا وإسرائيل توجيهها ضد إيران سوف لن تمنع هذه الأخيرة
من الحصول على الأسلحة النووية، وسوف تنجح هذه الضربات فقط في تأجيل
حصول إيران على تلك الأسلحة. بمعنى أن صلب التحليل ومساره يتجه نحو
هذه الغاية التي تعني موقعاً متقدماً لقاعدة نووية أميركية من ناحية
في الشرق الأوسط وتغطية التسلح النووي الإسرائيلي من ناحية ثانية.
إذ ما المانع أن تكون القاعدة محض إسرائيلية نووية بالإعلان عن امتلاك
إسرائيل للسلاح النووي رسمياً واعتبار ذلك من مقتضيات الأمن القومي
الأميركي... والعالمي.
ومن أجل ربط كل ما سبق بعنوان أخلاقي لا بد ووفقاً لما اعتادته الاستراتيجية
الأميركية منذ عهد روزفلت ربط كل ذلك بما يدغدغ الاعتبارات الوجدانية
لدى الشعوب وذلك وهو الديمقراطية، لكن ذلك لم يعد مطلوباً بنفس الجرعة
الإيديولوجية إذ عليه أن يتجرع عذوبة الواقعية السياسية؛ بعدم الضغط
على الحكومات السنية المتحالفة مع أميركا، طالما أنه يمكن أن تبقى
في الحكم لقترة أطول وذلك لأن الديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى صعود
خصوم أميركا في المنطقة. ولكن مع حث المعتدلين على ضرورة الإصلاح:
لأن قمع المتطرفين لن يؤدي إلى القضاء عليهم، بل سيدفعهم إلى الانتقال
من مكان إلى آخر وإلحاق المزيد من الأضرار. بمعنى أن القيام بالإصلاحات
التي تتيح هامشاً محدوداً من الحرية لهؤلاء المتطرفين والمشفوع بترسيخ
البدائل الإيديولوجية والمذهبية التي يمكن أن تؤدي إلى اعتدال العقول
والتوجهات المتطرفة. على أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بوضع
معايير الإصلاح ضمن معادلة الشراكة بينها وبين دول المنطقة بحيث
لا تتقدم الشراكة إلا بتقدم الإصلاح وذلك بما يحقق معادلة "لا
مساعدات بلا إصلاح". وتقديم المساعدات اللازمة لذلك الإصلاح،
إضافة إلى تقصيّ رغبة ـ ما يدعوه الإسلاميين ـ في الاعتدال التي
ستعود عليهم بالنفع.
*الدكتور عماد فوزي الشعيبي هو باحث استراتيجي
سوري، ومدير عام مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق.
منتصر ص6 الجمعة
****************************
آليات المواجهة العربية للعولمة الاقتصادية
* العولمة ضاعفت من حجم استهلاك الشعوب العربية
* السلع الغربية المستوردة تهدد تسويق المنتجات الوطنية
* التنمية المتكاملة تتحقق بتضافر الاقتصاديات العربية
* عولمة أسعار الصرف فتحت الطريق لتعويم العملات
* النهوض بالأسواق يحتاج لتنويع الإنتاج وتحديث الصناعات
* المستثمرون العرب فتحوا آفاقا لمشروعات ضخمة التمويل
حسام محمود*
لا تزال معظم البلدان العربية تحاول جاهدة الصعود نحو اقتصاديات
السوق الحر, والتصدي لسلبيات العولمة, وغلق أبواب الاحتكار الداخلي,
والقضاء على صور الإغراق الخارجي بالسلع المستوردة, ومواجهة التشوهات
المصرفية والمالية في أسواق المال والبنوك, حيث تأمل الحكومات العربية
في العام الحالي ضبط الأسواق وتوفير السلع والخدمات محليا, دون الحاجة
للدخول في دوامات الغزو الصناعي الغربي والأميركي لقطاعات المستهلكين
بها.
التباين المالي
لقد تباينت التحركات الاقتصادية في بعض البلدان
العربية, بشأن الخروج من نفق المجتمعات النامية، رغم محاولاتها الحثيثة
منذ حصولها على استقلالها السياسي, إلا أنها تريد حالياً تحقيق معادلات
صعبة للتنمية المستدامة, وتوفير الآلاف من فرص العمل سنويا, وتحريك
عجلة الإنتاج والتصدير, ومنع انزلاق الأسواق نحو الكساد التضخمي
والركود المزمن.
لكن ما يجري في أسواق المستهلكين ببلدان مثل مصر والمغرب و الجزائر
وتونس وكذلك موريتانيا والصومال على الترتيب, يشير إلى مخاطر اتساع
الهوة بين إمكانيات هذه الدول ومدخلاتها, وبين مخرجاتها ونفقاتها.
فدخل الفرد في مصر مثلا يصل حاليا حوالي 25% من الدخل في دول جنوب
شرق آسيا, ولحوالي 2% فقط من الدخل في الولايات المتحدة, بينما تقفز
مستويات الأسعار بمستوى زيادتها في أوروبا, مع الوضع في الاعتبار
وجود تضخم, يصل لحوالي 10 %, وبحث عن عمل تراكمي 15%.
وكذلك تعاني بلدان المغرب العربي من تراجع صافي الناتج المحلي بالنسبة
لمستويات المعيشة, التي تبدو مرتفعة, مما يسفر عن عجز في الموازنة
العامة يقدر بنسبة 4% سنويا.
ونجحت المغرب في التفوق في صناعة السياحة, عربيا وعلى مستوى ساحل
البحر المتوسط الإفريقي, إلا أنها تعاني أيضا من سلبيات الفجوة بين
احتياجات السكان المتنامية, والإنتاج الزراعي والصناعي, في ظل تغير
أنماط المستهلكين, وتسبب ازدهار السياحة في ارتفاعات متتالية في
الأسعار محليا.
كما لا تزال الجزائر تعيش فترة انتقالية بعد سنوات من انحسار ظاهرة
الإرهاب التي ضربت اقتصادها القومي, إلا أن الآمال عادت من جديد,
لتكون مرتبطة باحتياطها النفطي, الذي عوض الخلل في ميزانها التجاري
مع العالم الخارجي, لتحقق في العام المنصرم وفرة وصلت إلى 13 مليار
دولار.
وتغوص موريتانيا والصومال في مستنقع الكساد التضخمي الذي أثر كثيرا
على الأسعار, والتي تضاعفت بصورة كبيرة, بسبب القلاقل السياسية والأمنية,
ليتضاعف العجز التجاري لدى نواكشوط لنحو 7%, ويتجاوز 11% في مقديشو.
ولعل ارتفاع حجم العجز التجاري العربي مع بعض دول العالم المتقدم,
يشكل أكبر سلبيات العولمة على الساحة, خاصة أن اعتماد بعض الحكومات
بالمنطقة على تصدير المواد الخام دون تصنيعها, جعل عواصم غربية تحولها
مرة أخرى في صورة سلع ومنتجات بأسعار أعلى, بجانب معاناة مجتمعات
عربية من عشوائية في الأسواق, رغم وفرة الموارد مثل السودان وليبيا,
وانعكس هذا على تحول المعايير الاقتصادية للعولمة لجوانب أخرى, أفرزت
ظواهر اللجوء للسفارات من قبل آلاف السودانيين, وهجرة رجال أعمال
عرب خاصة الليبيون, بأموالهم للاستثمار في الغرب.
تحديات اقتصادية
وتتجلى التشوهات المالية في الاعتماد بالدرجة
الأولى على سلع محددة, دون غيرها, والتفريط في المواد الخام والمنتجات
الزراعية الأولية، بينما تمتلئ الأسواق بالمعلبات والسلع المستوردة,
فضلا عن ضعف قاعدة الإنتاج وتخلفها ببعض أقطار المنطقة, وتحول بقع
زراعية إلى صحراوات قاحلة أو زحف العمران عليها بلا وعي خاصة في
الدول العربية الواقعة بالشمال الإفريقي.
وجعلت البنية الصناعية المشوهة, بعض الاقتصاديات العربية خاضعة لحاجات
السوق العالمية واتجاهاتها, ومصالح القوى المهيمنة عليها, وأدى ذلك
إلى استنزاف مفرط لطاقاتها ومواردها الطبيعية ولا سيما احتياطها
الاستراتيجي من النفط.
وأدى ترهل الأجهزة الحكومية في بعض البلدان العربية وإرهاق الاقتصاديات
بمشاريع غير مجدية لاستنزاف الموارد, مما جعل القيمة المضافة تتقلص,
لتظهر صور من التضخم المصرفي, وزيادة الاستهلاك عن الإنتاج, مع تحقق
سلبيات الإغراق الإعلاني للأسواق بالسلع الاستهلاكية.
وساهمت تلبية النفقات الأسرية للمواطنين عن طريق تحويلات العاملين
في الخارج, في انتشار الاتكالية, وتأخر النمو البشري لسوق العمل
لدى شرائح واسعة من المجتمعات, واعتمدت بلدان بالمنطقة على استيراد
المنتجات من الخارج عوضا عن إقامة منظومات وطنية للتنمية المستدامة.
ويعكس واقع الأسواق العربية تطبيق التنمية الاستهلاكية, بمعنى مضاعفة
الموارد والنفقات معا, في إطار الدولة القطرية دون تحقيق تنمية متوازنة
ومستقلة، قادرة على تلبية الحاجات الأساسية للشعوب بلا استنزاف للاحتياطات
من النقد الأجنبي, التي لا تزال رهينة الخلل في الموازين التجارية
مع العالم الخارجي.
وأفرزت الخطط التنموية العربية إيجابيات عديدة منها تأسيس اقتصاديات
متينة لتعزيز الاستقلال السياسي, لكن معايير الجودة السلعية لا تزال
تصب في صالح اقتصاديات الغرب.
فيما واجهت التنمية الاقتصادية القطرية بالمنطقة العربية, عوائق
حالت دون الاستفادة من التكامل بين العواصم والشعوب من المحيط للخليج,
حيث لم تصمد الخطط الفردية أمام المنافسات الخارجية، وحال ذلك دون
إقامة وحدة عربية شاملة, بسبب الفجوة بين دول الوفرة النفطية والمالية,
والأقطار الزراعية والأخرى الأقل في النمو والدخل القومي.
وبلغت الإيرادات النفطية عام 2007 ما يزيد على 70% من الإيرادات
المالية في الموازنات العربية، مما يؤكد الطابع الريعي لاقتصاديات
المنطقة، ولا يحفز على إجراء إصلاحات هيكلية لتوسيع القواعد الإنتاجية.
وقدر الدين العام الخارجي للدول العربية في العام الماضي بحوالي
136 مليار دولار بنسبة تراجع 8.1 % عن عام 2006، في حين تجاوزت الثروات
الشخصية للأثرياء العرب ألف مليار دولار ويملكها نحو ثلاثمائة ألف
شخص، وهي استثمارات خاصة خارج الدول العربية، وموظفة على شكل إيداعات
مصرفية ومالية، وتستخدم في تمويل المشاريع الاستثمارية والاعمارية
الكبرى, وتنمية أسواق المال الأجنبية.
وقد قدرت حصة المستثمرين العرب من خسائر انهيار أسهم العقارات الأميركية
وتراجع شركات التكنولوجيا الغربية بحوالي 300 مليار دولار.
وتمثل مساهمة الدول العربية في التجارة العالمية نسبة ضئيلة للغاية,
فالصادرات العربية تشكل 10 % من صادرات العالم، وأقل من 3% في حال
استبعاد صادرات الوقود المعدني التي تشكل 70% من المنتجات، وهذه
النسبة تعادل حجم إنتاج بعض الدول الأوروبية.
أما الواردات العربية فتمثل 17% من تجارة العالم السلعية, وبالرغم
من هذا فلا تعزى مظاهر الإخفاق في المسيرة التنموية العربية إلى
ندرة الموارد البشرية والطبيعية، لاسيما أن الوطن العربي يزخر بالطاقات
الاقتصادية التي قد يندر توافرها في إقليم آخر, وتبلغ مساحة الوطن
العربي نحو 5.1 مليون هكتار، أي ما يعادل 10% من أراضي العالم, ويقدر
عدد سكان المنطقة العربية بنحو 320 مليون نسمة، أي ما يعادل 6% من
شعوب الأرض.
وتشير تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة إلى أن نحو 90 مليون
عربي يعيشون تحت خط الفقر، كما يعاني 20 مليون نسمة من سوء التغذية,
و75 مليون عربي لا يزالون محرومين من خدمات المرافق, حتى أن ثلث
سكان المدن العربية لا يجدون الإقامة المناسبة مقارنة بنحو 1.5 %
في الدول المتقدمة.
العولمة العربية
أدت التحركات التجارية العشوائية, والاتفاقيات
المشتركة غير المتكافئة إلى وفرة منتجات رخيصة من الدول الغربية
والأوروبية في الأسواق, حجبت السلع المحلية, مما اغلق مصانع كثيرة
وافشل مشروعات عديدة بالوطن العربي.
ولعل الموارد البشرية والطبيعية العربية الوفيرة لم يحسن توظيفها
للخروج من دائرة التراجعات الاقتصادية في مواجهة المنافسات التي
تفرضها التكتلات الدولية الراهنة... فبناء الاقتصاد العربي المتكامل
وفقا لآليات العصر, يحتاج قواعد صناعية ضخمة ذات تقنيات متطورة،
واتباع سياسات تنموية قطرية انغلاقية, موجهة نحو الداخل لإقامة قواعد
إنتاجية من خلال الإحلال الذاتي للصناعات الوطنية.
وقد أدت السياسات المالية الراهنة بالوطن العربي لتباين الهياكل
الاقتصادية وابتعادها عن معايير التكامل, نظرا لأن كل سوق تحاول
التكيف مع احتياجاتها ومنتجاتها ومواردها, بينما لا تجد ما يغطى
استهلاكها داخل محيط البلدان العربية الأخرى. كما لجأت الدول العربية
غير النفطية في العقود الماضية وحتى الآن إلى المصادر الخارجية لتمويل
برامجها الإنمائية, من خلال القروض والمعونات الرسمية وتحويلات العاملين
في الخارج، وذلك بدلا من تنمية المدخرات الوطنية المتولدة عن الدخل
المحلي، وتوافر الأموال.
أما ارتفاع أسعار النفط العالمية فقد صبت لصالح عدد من الدول العربية
البترولية دون غيرها, والتي تعاني من أزمات الطاقة, وفي مقدمتها
الأردن ولبنان وسوريا وكذلك تونس والمغرب، واختفت نتيجة دخول الأسواق
بالمنطقة مراحل التحرر والنظم الرأسمالية سياسات التوظيف الاجتماعي,
لتتعمق مشكلة البحث عن العمل، خاصة في مصر ودول المغرب العربي خلاف
ليبيا.
وكانت حصيلة العولمة على مسيرة التنمية الاقتصادية العربية هي تفاقم
التفاوت في المستويات بين المجتمعات العربية، واستمرار اعتماد معظمها
على النفط والمواد الأولية والسلع الزراعية، وتزايد عجز الموازنة
وعجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، رغم زيادة الموارد السيادية
والطبيعية, وارتفاع معدلات التشغيل، وامتصاص الاستثمارات من خلال
تدوير رؤوس الأموال في المشروعات.
طفرات مالية
وقد مكن ارتفاع أسعار النفط خلال العقد الماضي
من تحقيق زيادة في الناتج المحلي الإجمالي العربي بنسبة 65%. واحتلت
قطاعات النفط والغاز والمواد الأولية, وكذلك الصناعات الاستخراجية،
المكانة الأولى في البنية الصناعية العربية، إذ بلغت نسبة مساهمتها
في الناتج المحلي نحو 33%, وتأتي الصناعات التحويلية في المرتبة
الثانية، حيث بلغت نسبة مساهمتها في الناتج القومي العربي 10%.
لكن بقاء التشوهات في البنية الاقتصادية بالمنطقة، واستمرار اعتمادها
على الاستيراد للاستهلاك في ظل انفتاح العولمة، قد جعل نموها يتسم
بالتذبذب ويتوقف على عوامل خارجية لا سيطرة عليها. فعندما ترتفع
أسعار النفط، وتتحسن أسعار المواد الأولية، وتكون الظروف المناخية
ملائمة، عندها تسجل اقتصاديات البلدان العربية معدلات نمو مرتفعة.
ويمكن القول إن الاقتصاديات العربية ما زالت بعيدة عن بلوغ مرحلة
النمو الذاتي الديناميكي, وغير مؤهلة لمواجهة مخاطر العولمة الاقتصادية
والمالية الكاملة، فالاستفادة من الفرص التي توفرها العولمة يكون
باندماج أسواق العالم العربي في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة
وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتطور التقني، ضمن إطار
من رأسمالية حرية السوق، وعدم خضوع الدول العربية لقوى السوق العالمية.
فالمطلوب من البلدان العربية الجمع بين مزايا الرأسمالية والبعد
الاجتماعي, وضبط الأسواق من خلال رؤية الدولة, بتوسيع تعاونها مع
القطاع الخاص، وتنفيذ المبادرات الصحيحة لهدم الأسوار الجمركية وإزالة
جميع القيود أمام نشاط الشركات متعددة الجنسيات, التي يتم إدراجها
في البروتوكولات التجارية, وتطبيق انتقال رؤوس الأموال والمعلومات
وتشجيع إقامة المجتمعات الصناعية ذات التواصل بالقطاعات البترولية
والزراعية والخدمية.
وإزاء مستجدات العولمة الراهنة التي تسود فيها منافسة شرسة من ناحية،
واقتصاديات عربية مجهدة ومستهلكة ومترفة من ناحية أخرى، تجد الحكومات
العربية نفسها أمام مأزق بالغ الصعوبة, فالبنى الاقتصادية تحتاج
قواعد إنتاجية, وتستلزم الصناعات المرتكزة على الموارد المحدودة
تحديث الإنتاج، حيث لا توفر حاليا للسلع الصناعية العربية إمكانية
الصمود في وجه منافسة نظيراتها الأجنبية, حتى في الأسواق المحلية،
وبالتالي فلن يمكنها الدخول في نطاق عولمة الأسواق الخارجية, في
ظل تنامي التكتلات الدولية الكبرى, وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.
* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة
قضايا(1)
مراجعة ثقافة القرن الماضي ..
استذكارات خجولة، أم صناعة صورة دقيقة الملامح؟
أ.د ـ محمد الدعمي*
يزمع "مركز دراسات الوحدة العربية" ببيروت إصدار كتاب
جامع لمراجعة حصاد القرن العشرين في ثقافة العالم العربي من عدة
جوانب. وإذا كان هذا الجهد المبارك سيرى الضوء خلال الأشهر القليلة
القادمة، فإنه (كما نتمنى) ينبغي أن يتجاوز نواقص وكبوات الجهود
السابقة في هذا الحقل، وهي مؤلفات وأبحاث ومقالات نشرت مجموعة في
كتب أو دوريات لا بأس بأهميتها، ابتداءً من السنوات السابقة لعام
2000 وتواصلاً حتى هذا اليوم.
وإذا كان مركز دراسات الوحدة العربية يحظى باحترام كبير من قبل المفكرين
والكتاب والمحللين في الشرق الأوسط والعالم العربي عامة، فإنه (بكل
تأكيد) لن يخفق في استكتاب أهم الأقلام في جهد مراجعة الذات العربية
خلال قرن مضى، الأمر الذي يفتح الأبواب على مصراعيها لمراجعات أكثر
صراحة وأكبر دقة علمية، مراجعات من النوع الذي لا يتجاوز شيئاً،
أو من النوع الذي لا يجامل حكومة أو تراثا سياسيا أو حزبيا معينا
، بلا استثناء، على سبيل تحقيق منجز علمي رصين، ليس لنا، ولكن للأجيال
وللباحثين المستقبليين كذلك. وبطبيعة الحال، فإن هذا العمل الواسع
ينبغي أن يحتكم إلى أنه، في الجوهر، عبارة عن تورخة للثقافة العربية،
الأمر الذي يضع على كاهل الكتّاب مسؤولية تسجيل التاريخ واستقراء
الماضي بحيادية رجل العلم، دون استثناء لما يسمى بـ"الثقافة
الشائعة" Popular Culture.
في الأنشطة المشابهة السابقة لقراءة القرن العشرين بعد طي صفحته،
لوحظ تواصل وسواس الخوف من السلطة والحذر من ملامسة بعض الموضوعات
التي عدت "خطيرة". وقد وقعت العديد من هذه الجهود في هذا
الفخ درجة أن من يقرأها لا يجد أمامه سوى تكراراً لما سبق وأن قيل.
بل ان الأدهى هو إن هذه المراجعات غالباً ما كانت "صدى"
لما كان يعاني منه المصلحون والمجددون في الثقافة العربية ابتداء
من جيل الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده، وانتهاء بجيلنا، ومروراً
بجميل صدقي الزهاوي وطه حسين وعلي الوردي، بين عصرين الأول لا يريد
أن يموت، والثاني غير قادر على الولادة. والحق، فإن هذه هي أهم صفات
ثقافتنا في القرن العشرين، إذ وجد العقل العربي الذكي نفسه "عالقاً"
بين هذين القطبين الثقيلين اللذين حرماه من الكثير من الإبداع وروح
الابتكار، الأمر الذي زاد في اتساع الهوة الفاصلة بينه وبين العقل
الغربي المثقف الذي بقي يخصنا بنظرة دونية لا غبار عليها.
لاحظت شخصياً تجنب جهود المراجعات السابقة (على جلال قدرها) للعديد
من الموضوعات والمحكات والمحطات التي يبدو التعامي عنها أشبه بدفن
الرأس في التراب. من هذه الموضوعات الحساسة، على سبيل المثال، الانكفاء
الذي لوحظ في حقل المرأة والحريات ( ومنها السياسية والجنسية) وطرائق
التلاعب والعبث بهذا الموضوع الذي يخشى الجميع التطرق إليه بطريقة
علمية دقيقة. وهكذا كانت الأطر الفكرية العربية التي ظهرت بالحرف
المطبوع والكلمة المقروءة خاصة، غير القادرة على الإحاطة بمثل هذه
الموضوعات بشكل يجعل المرء مضطراً للشعور بالضآلة حيال ما قدمه رجال
من أمثال الشاعر الفيلسوف الزهاوي من آراء شجاعة، وما أخفاه الشاعر
الفذ الرصافي من كتابات فلسفية مخطوطة قبل عشرات العقود.
ومن منظور ثان، لا بد للمرء أن يلاحظ البون بين الواقع العملي من
ناحية، وبين المكتوب حوله، خاصة بقدر تعلق الأمر بموضوع بروز الروح
الطائفية في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، وكيفية توافق وترافق
هذه الروح مع تعقد معضلة الأقليات الدينية والعرقية، الكبيرة والمجهرية
منها. لقد بقي الكتّاب العرب يتهيبون من هذا الموضوع الخطير، يجاملون
الطائفية والأقليات تارة، ويلطفون مشاعر الحاكم تارة أخرى، بالرغم
من وعيهم الدقيق بأن تنامي هذه الروح قد قفز إلى رأس قضايا "الوضع
الراهن"، كما يقال. ثمة نقص كبير في هذا الحقل يتمنى المرء
أن يتم تجاوزه في الجهود العلمية في المستقبل. لاحظ كيف صعدت الطائفيات
والأقليات على المسرح الفكري والثقافي والسياسي في الشرق الأوسط
بطريقة غطت (إلى حد كبير) على التيارات الرئيسية التي كانت سائدة
في أواسط القرن الزائل: وهكذا هُمش اليسار باعتباره إلحاداً، بينما
تحولت الفكرة القومية إلى "قومجية"، كما تشيع هذه التعابير
اليوم.
وإذا كانت جهود المراجعة هي، في جوهرها كذلك، نقداً ذاتياً وتشكيلاً
لهوية أمة في عصر جديد، فإن علينا أن نلاحظ، دون استحياء، الخط البياني
لصعود فكرة الحلم القومي، متوازياً مع أنواع الحركات القومية العربية،
حتى درجة الذروة، ومن ثم هبوطها على نحو حاد، مقارنة بأنواع التيارات
الأخرى. علينا أن نتخلى عما بني في دواخل جيلنا المخضرم من محرمات
وممنوعات كي نباشر كيف ترى الأجيال الفتية الشابة قضية الحلم القومي
والوحدوي، بعد كل الذي حدث من انتكاسات سياسية وفكرية وعسكرية.
والحق، فإنه لا تمكن مباشرة هذا الموضوع الحساس دون الاحتكاك بقضية
الدكتاتوريات والأنظمة الشاملة التي تسلطت على الفكر العربي والثقافة
عبر إقليم الشرق الأوسط منذ تحقيق الاستقلال السياسي بداية القرن
الماضي حتى نهايته. لقد بقي الفكر القومي والفكر العروبي جزءاً لا
يتجزأ من آليات الحكم ومن مبررات الاستبداد: فكيف يمكن أن نراجع
هذا الموضوع بنزاهة دون المساس بجوهريات الثقافة القومية التي استحل
استغلالها واستعمالها لقيادة شعوبنا إلى حروب بعد حروب، دون نصر
واحد على أقل تقدير، ناهيك عما خلفه هذا التوظيف المسيء من آثار
على حقوق الإنسان. لاحظ أن حقوق الإنسان في البلدان العربية عبر
القرن الماضي تستحق تورخة خاصة بها.
كل هذه هي منظورات، من بين منظورات أخرى، أخفقت الأقلام العربية
في أن تخصها بما يكفي من مراجعات أو بما يكفي من صراحة الطرح وعلمية
البحث. لذا ينبغي أن لا نكتفي بمراجعة النفس من منظور الداخل فقط
insider's View ولكن كذلك من منظور اللا منتمي، أي من منظور "الآخر"
القادر على نقدنا وعلى الحفاظ على مسافة فكرية وثقافية كافية لتمرير
آراء محايدة لا تجامل المثقفين أو السلطة أو التقليد المتوارث. لهذه
الأسباب كان الاستشراق والاستعراب مهماً بقدر تعلق الأمر بالكيفية
التي يرانا من خلالها الآخرون. صحيح أن دوافع العقل الأجنبي، الغربي
خاصة، غير منزهة دائماً، إلاّ أنها قادرة على مباشرة ما نستحي من
مباشرته، وتحليل ما نتردد في رصده وتحليله، الأمر الذي يجعل آراء
الغربيين والمفكرين الأجانب بما فعلناه عبر القرن العشرين، إضافة
جديدة ومبتكرة للجهود السابقة التي غالباً ما سقطت في فخ مغازلة
"الأنا" والإنجازات التاريخية واللا تاريخية كي نقاد إلى
ما لا نحسد عليه اليوم.
*كاتب وباحث أكاديمي عراقي
أعلى