بإطلالة تعكس الروح الغنية وطيف الحياة للوجوه العمانية
عبدالله البوسعيدي يدشن "لحظات عمانية" والمعرض المصاحب
لمحمد بن الزبير
كتب ـ إيهاب مباشر:رعى معالي السيد عبدالله
بن حمد البوسعيدي، رئيس جهاز الرقابة المالية للدولة، مساء أمس
تدشين كتاب "لحظات عمانية" لمعالي محمد الزبير مستشار
جلالة السلطان للشٍؤون الاقتصادية، وافتتاح المعرض المصاحب له
وذلك بمتحف بيت الزبير.
و"لحظات عمانية" هي إطلالة مبهرة تعكس الروح الغنية
وطيف الحياة للوجوه العمانية، حيث تعكس الصور لحظات الفرح ولحظات
الحياة العمانية ولحظات خالدة مع مرور الزمان.
والمعرض المصاحب بعنوان (الإنسان أنشطته اليومية في عمان). وعدسة
محمد بن الزبير تلتقط لحظات من هذه الحياة المليئة بالتعابير
الإنسانية بأسلوب تقني غاية في الدقة لتقديمها للمشاهد في هذه
الصور الرائعة.
وبهذه المناسبة يقول معالي محمد بن الزبير: إننا إذ نبحر في
خضم بحر حياتنا الذي تتلاطم أمواجه العاتية فتتشكل فيه أجسامنا
وتتغير ملامحنا لتعكس ما تتعرض له من تجارب اختبار وما نعيشه
من أحداث وتوترات وما نمر به من فترات هناء أو عداء لنمضي في
طريق حياتنا المرسوم. ويمثل وجه الإنسان مرآة صادقة تحكي قصة
حياته وتظهر ما يحاول في كثير من الأحيان إخفاءه، لا فرق بين
من يقطن شرق هذا الكون أو غربه، شماله أو جنوبه فالناس جميعا
خلق الواحد الأحد.
وهذا المعرض والكتاب الجديد لمحمد بن الزبير يأخذنا في رحلة
إنسانية مليئة بالأحاسيس وبتعابير البهجة والحيوية والهدوء والحركة
والتأمل التي تتكون منها لوحة الحياة اليومية للناس. ويعرض المصور
هذه المشاهد في أوضاعها الطبيعية ودونما استخدام لأية إضاءة
صناعية أو تصنع عند التقاط الصورة. إنها مشاهد من حياة الناس.
وصور هذا الكتاب تعرض في المعرض المقام في متحف بيت الزبير وتتاح
زيارة المعرض من اليوم وحتى نهاية شهر مارس 2008 بأوقات عمل
المتحف وذلك من السبت إلى الخميس من التاسعة والنصف صباحا إلى
الواحدة ظهرا ومن الساعة الرابعة إلى السابعة مساء.
أعلى
أمسية ثقافية
بنجلاديشية بحصن الفليج
أقيمت مساء أمس بحصن الفليج، أمسية بنجلاديشية
ثقافية صاحبها رقص أشبه ما يكون بالحكايات الأسطورية للفنانين
شاميم ارانيبا وشبلي محمد وفرقتهما التي تحظى بشعبية كبيرة وتعرف
باسم (نريتانشال)، وعلى نفس النسق الرائع التي عودت به جماهيرها
قدمت الفرقة عروضها بآداء آسر ساهمت وبشكل لافت في تعطير أجوائه
الحالمة الموسيقى الكلاسيكية على أنغام الفلوت التقليدي المصنوع
من البامبو للمايسترو غازي عبدالحكيم وأغاني لالون غيتي البلدية
الصوفية لفريدة بارفين، وقد عزفت الفرقة على أوتار مشاعر الحضور
بإيقاع يخلب الألباب يمتاز بحميمية فريدة يحلق بسامعه إلى آفاق
أرحب من السحر الذي يفك رموزه على الآلات الموسيقية التقليدية
البنجلاديشية.
وتأتي هذه الأمسية في سياق سلسلة من الفعاليات الثقافية المميزة
التي تنظمها وزارة السياحة في هذا الصرح التراثي الشامخ إيمانا
منها بأهمية تحقيق معادلة متوازنة ما بين الفن ـ خصوصا ما يتصل
منه بجانب التراث ـ والفكر كثنائية على قدر كبير من الأهمية
في تشكيل الوعي الثقافي العام الذي يتحلى بقدر كبير من الأصالة
الضاربة بجذورها في عمق التراث العماني التليد وفي ذات الوقت
يواكب متغيرات العصر وفق وتيرة التطور المتسارعة التي تشهدها
السلطنة منذ بزوغ فجر نهضتها على يد بانيها حفظه الله ورعاه.
أعلى
افتتاح معرض ( عطر الزهور ) للفنانة السويسرية إيما امزلر
بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية
كتب - فيصل العلوي : افتتح أمس بالجمعية
العمانية للفنون التشكيلية معرض ( عطر الزهور ) للفنانة السويسرية
إيما امزلر ، وذلك تحت رعاية سعادة الدكتورة منى بنت سالم الجردانية
وكيلة وزارة التربية والتعليم للتعليم والمناهج بحضور عدد من
المهتمين وعدد من الفنانين التشكيليين .
ضم المعرض الذي يستمر حتى الخامس عشر من الشهر الجاري 23 لوحة
تشكيلية جميعها حملت طابع الوردة وتناغمها مع الموسيقى والأحاسيس
فعبرت عن حالة السعادة والحزن والصمت والكلام والبهجة ، وقد
عبرت الفنانة من خلال لوحاتها عن الموسيقى والرسم وارتباطهما
المباشر ببعض ، فالموسيقى ملهمتها عندما تكون سارحة في أفكارها
، كما ان سماعها يستفيق الفكر في الرسم ويفتح حوار داخلي عن
مواضيع فلسفية تطرح نفسها بشكل مرتبط في كلمة واحدة تعبر عنها
الصورة .
تعلمت الفنانة السويسرية إيما امزلر رسم ونقش علم الطبيعة بواسطة
الفنانة كرنيليا هس - هونيكر وذلك في الفترة من 89 - 92 ، وقدر
ترك هذا الحدث انطباعا عميقا في نفسها وقد طورت الفنانة هذا
الفن الجديد حتى أصبح ما هو عليه الآن ، حيث تقول عنه بأن عالم
احياء دقيق ينقل بواسطة النقش والنقاط الصغيرة إلى العالم الأكبر
، وهكذا تنشأ صورة كبيرة الحجم ، على قماش القطن ، ألوان هادئة
متحفظة ، وقوية التعبير ، يتفتح فيها حوار مع الحيوي وحياته
الخفية .
أعلى
بنك مسقط يرعى المعرض الفني لجورج لويس وإنعام اللواتي في صالة
بيت مزنة
نظـّمت دائرة الأعمال المصرفية الخاصة
التابعة لبنك مسقط بالتعاون مع صالة بيت مزنة معرضاً مشتركاً
للوحات فنية من أعمال الفنانة العمانية إنعام اللواتي وهي فنانة
شابة موهوبة تستلهم أفكارها الفنية من الحضارة العربية القديمة
والفنان البريطاني الشهير جورج لويس.
وقد قام عبد الرزاق علي عيسى، الرئيس التنفيذي لبنك مسقط، بافتتاح
المعرض يوم الأربعاء السادس من فبراير 2008م، علماً بأن هذا
المعرض قد حاز على تقدير وإعجاب زبائن البنك الذين انبهروا بثراء
وتنوع الفن العماني المعروض.
وقال عبدالرزاق علي عيسى، الرئيس التنفيذي لبنك مسقط متحدثا
في هذه المناسبة: إنه ليسرني أن أفتتح هذا المعرض الذي يستعرض
جماليات التراث الطبيعي للسلطنة من خلال فنانين معروفين محلياً
ودولياً من أمثال جورج لويـس وأنعام اللواتي. ويسرني في هذه
المناسبة أن أتوجه بالشكر الجزيل لصالة بيت مزنة على إتاحة هذه
الفرصة لبنك مسقط ونتطلع إلى مواصلة هذه العلاقة الطيبة والمثمرة
فيما يننا.
وتجدر الإشارة إلى أن جورج لويس عاد إلى السلطنة بعد تنظيم معرض
ناجح في مسقط في العام الماضي حول الحوار بين الإنسان و بيئته.
ويسعى لويس من خلال لوحاته الزيتية التقليدية والصور المأخوذة
منه والصور الرقمية المتطورة إلى إحداث حوار حول الطبيعة والبيئة
للتعبير عما يدور في نفسه .
أما الفنانة إنعام اللواتي، فهي تستخدم الطين لنحت الطوابع التي
تقدم مناظر عن حياة الشعوب البدائية المنتمية إلى الحضارات القديمة.
وتقوم دائرة الأعمال المصرفية الخاصة التابعة لبنك مسقط بتبني
الفن بمختلف أشكاله، كما يشجع الزبائن على جمع قطع فنية وذلك
إيماناً منه بأن الفن، باعتباره احدى أدوات الاستثمار، يعتبر
اليوم من بين أكثر الاستثمارات جاذبية ًحول العالم بعد أن أعلنت
دور مزاد الأعمال الفنية تحقيق أسعار قياسية في بيع اللوحات
الفنية. والجدير بالذكر أن دائرة الأعمال المصرفية قامت أيضاً
في العام الماضي بتنظيم حفل العشاء السنوي الخاص به في فندق
جراند حياة والذي اشتمل، وللمرة الأولى على معرض خاص للوحات
فنية من أعمال مجموعة من الفنانين العمانيين المشهورين بمن فيهم
الفنانة مريم عبد الكريم الزدجالي والفنان سليم سخي البلوشي
والفنان هلال محمد الحارثي والفنان صالح جمعة الشكيري. وعلاوة
على ذلك، قامت دائرة الأعمال المصرفية الخاصة أيضاً في شهر أغسطس
من العام الماضي باستضافة معرض للوحات الفنان الهندي ماناف جوبتا
وذلك في مقر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية.
وتقدم دائرة الأعمال المصرفية الخاصة خدمات حصرية وشخصية في
مجال إدارة الثروات يتيح لزبائنه فرصة الاستفادة من خبرات عالمية
لتلبية احتياجاتهم المالية المحلية. وقد تم تأسيس القسم أساساً
ليقدم لزبائنه حلولا مالية فريدة وشاملة بواسطة فريق من الخبراء
الماليين ذوي الخبرة العالمية في مجال تخصصهم، وهو يقدم لزبائن
بنك مسقط باقة من الخدمات المصرفية الفريدة من نوعها في السلطنة
والتي تشمل الخدمات الاستثمارية، بحيث يحصل الزبون على فرص للاستثمار
في السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي والهند أو في جميع أرجاء
العالم وذلك في السندات والأسهم والصناديق الاحترازية ورؤوس
الأموال الخاصة أو المنتجات المصممة، إلى جانب خدمات العهدة
للتخطيط المالي والضريبي وحماية الأصول، وخدمات توفير الأمن
والدعم للعائلة والميراث وتخطيط نقل الثروات التي تبقي على الثروة
لصالح أجيال المستقبل.
أعلى
الدَوَار
(1)
وزعموا له حتى بعد أن جاوز الخمسين من عمره حكاية العين والمرأة
الشقراء والكلب وتكفل أحدهم أن يعيد له التفاصيل الدقيقة و التي
رويت لعدد لا يحصى من المرات لآذان كثيرة من قبله وبعده، من
أن امرأة شقراء الوجه والشعر ومتبرجة الجسد زارت هذا المكان
في إحدى سنواته وأنزلت معها كلبا وصفه راوي الحكاية هذه المرة
بأنه أصغر قليلا من جحش بالغ، و أن المرأة أعجبها منظر البخار
الثائر من الماء المتدفق بغزارة في هذا المكان على وجه التحديد،
وأن الكلب اقترب باقتراب صاحبته من العين واستحم بها وعندما
ولغ في الماء، اهتزت الأرض وتحركت باضطراب وابتلعته هو وصاحبته
وجفت العين، وعندما لم يجدوا من يعلمهم كيف يغسلون العين سبع
مرات إحداهن بالتراب أسكتوا عواء الكلب وصراخ المرأة وجزوا الماء
من جذوره و بنوا عليه دوارا. وفي الأيام اللاحقة عادوا و أخبروه
نفس الحكاية ـ ولكن بتلخيص مبهم ـ بعد أن رأوا هلعه المتزايد
ونفسه الخانقة وقالوا له بملل واضح أن المسألة كلها لا تعدوا
أن تكون :
ـ ماء وجُز.
ولكن ما آل إليه الأمر بعد تفكير متواصل وعميق منه وحدث به نفسه
بعد أن انتابه شعور بأن جسده أصبح كظلال يرهق كاهل الأرض:
ـ أن السفينة نُكِرَتْ له ....ولا ريب .
وعندما ضرب صدره وكاد أن يصرخ بعلو صوته أن سفينة الدوار سٌرِقت
أضافوا باستهجان مفتعل أمامه:
- يا أخي حتى الماء جز هنا ، ألا تريدهم أن يسرقوا سفينة بحجم
كف صبي ؟!
وعندما فتح عينيه على اتساعهما وكرر ملاحظاته لهم عن تغيير الزوايا
والأركان وانحراف الحجارة الحمراء والبيضاء عن موضعها الأصلي
في قاعدة الدوار. ما كان ردهم إلا أن قالوا له .
ـ تحركت روح العين ولعنت الكلب والمرأة فيها وأخذت السفينة والحجارة
.
في لحظتها فتح ساعديه وسار بينهم في خط دائري مغلق الأضلاع ومكتمل
الزوايا ورسم بسبابته محيط شكل وهمي متسع بحجم الفضاء الفاصل
بينه وبينهم، حينما أنهي تشكيلا غير مرئي لمركب متوسط الحجم
وقال:
ـ بحجم هكذا كانت هي .
(2)
هُم وان اشتبهت عليهم الوجوه التي عرفوها عنه إلا أنه بقي في
أذهانهم بصورة مُحكمة و متوازية بين واقع غائم وخيال غير الواضح
فهو ليس بالرجل العاقل تماما ولا المجنون الذي يخاف منه ولكنه
وسط بين هذا وذاك وان جزموا أنه طيب القلب ومريح المعشر ومتفان
في عمله ولا تأخذه لومه لائم في كل مسألة تقترب أو تبتعد عن
الدوار بأي شكل من الأشكال .
وفي حقيقة الأمر أن "مصبح المخمة "كان ذا نفس مطمئنة
للدنيا ولم يقلقه أمر من أمور الحياة إلا ما يشغل الناس في العادة
ويصنفه في عداد خلق الله الذين لا يغيرون الشمس مكان الظل ولا
يهتمون كذلك بفعل العكس فهم يذكرون عنه أنه في ذات مرة شعر بتوجس
كبير من انتفاخ بسيط في بطنه مصحوب بمغص متقطع وفي مرات أخرى
سار في الأسواق وكلم الناس وأكل وشرب من كل ما قدم إليه حتى
شك الآخرون في صحة الألم الذي شعر به قبل ما لا يزيد عن اليومين
. وهو مثل من يعرفونهم من العمال البسطاء، فمع انبلاج الصباح
يسرع متخطيا حركة السيارات التي تزداد عددا في ذلك الوقت، وهم
لاشك يرونه لأكثر من مرة في اليوم يستخدم حركة دائرية و يدور
مع أحجار الدوار الصغير في وسط القرية كانسا مع الغبار وما يرميه
الناس في الطريق، أفكاره حول ما يراه ويسمعه أثناء عمله محصيا
في ذهنه أعداد السيارات، مرتبا لها حسب ألوانها المختلفة، حتى
كادوا يجزموا أن رأسه أصبح دفترا مسطرا بخانات لألوان عديدة
ومتداخلة . وهم يقدمون يمينا لا لغو فيها أن الرجل ـ لولا فكرته
الجديدة ـ طبيعي و لا يشكو ـ إلا في أوقات متفاوتة أعراضا لا
يسهل عليهم فهمها، وأن تلك الأوقات لا تأخذ إلا برهة من الوقت
وتختفي بنفس السرعة التي ظهرت بها، دللوا على من استفهم منهم
بأمرين .
ففي الأوقات التي نزل فيها المطر، وازداد إيقاع الماء حوله مكونا
بركا أخذت تكبر باضطراد، لم يجد إلا يده لتكون مظلة تحمي رأسه،
صعد إلى أعلى مكان في الدوار فكر بعمق عبر عنه بتنهيدة كبيرة،
حدث نفسه أن يوم غد سيكون يوم عمل شاق بالنسبة له خاصة مع الطين
الذي علق في إطارات السيارات ولوث الشارع وأخفى سواده المعهود،
وعند اشتداد الحر كان يأوي إلى الظل الرفيع المنكسر من على عمود
الكهرباء القريب منه، يمسح بكمه حبات العرق من على جبينه، متحاشيا
قدر الإمكان مسح أو حتى النظر إلى البقعتين الكبيرتين المتكونتين
تحت إبطه ان أصبحت الرائحة النفاذة تضايقه بشكل واضح، مقدرا
في ذهنه أنه سينهي كنس الطرف الآخر من الشارع في وقت لا يقل
عن ساعة، إلا أن الفكرة الأولى والوحيدة التي شغلت باله وبقيت
ثابتة وأعلنها على الملأ كانت أشبه بإيلاج الجمل في سم الإبرة
وقيل دائما أنها ظهرت هكذا كما تظهر الشمس من وراء سحب حجبتها
طويلة عن رؤية أديم الأرض، ويرجحون بشك غير منقطع أنه ربما طاف
على "مصبح المخمة " طائف من الجن و حرث أرض تفكيره
ليخرج بهذه الفكرة .
قال لهم ذات مرة ـ دون أن تنفرج شفتين عن ابتسامة عدم جدية ما
يتحدث به ـ سأبني دوارا ، وأعيد السفينة على رأسه . وعندما نفضوا
أيديهم من تلك الجلسة وتداركوا أعمالا أخرى لهم كان هو قد شرع
يجمع الحجارة من السكك الضيقة ودخل البيوت في غفلت من أهلها
وأخذ ا منها ما رآه صالحا لفكرته و أشترى أصباغا وصبغ الحجارة
القديمة بالأحمر والأبيض، جمع ألواحا ومسامير صدئه وحبالا متآكلة
وسهر في الليالي التالية في صناعتها .
(3)
في أيام البرد الأولى أصبح يحمل كل يوم حجرا ويسير على الطريق
الذي يبعد مسافة كيلو ونصف الكيلو متر عن موقع عمله ينحني مع
انحناءته ويهرول مع السيارة المارة بجانبه ويلمح بالسرعة التي
يسمح مدى بصره أشكال الوجوه وتصاميم التقاسيم المغلفة بالزجاج.
وفي أيام البرد التالية لدغته الرياح الباردة فانكفأ على نفسه
كقنفذ استشعر الخطر فلبس "دشداشته " المخصصة للشتاء
ورفع طرفها السفلي ليظهر لون البنطلون وفي لحظة أنزل الحجر وقارب
بين ساعديه ثم خبأ يديه تحت إبطيه واستشعر دفئا غريبا يسري في
جسده أظهر بنفسه اعتزازا كبيرا بذلك . وفي يوم حذروه من فعله
ذلك كان يكلمهم بإسهاب من أصبحت الدنيا ملك يمينه ونعت نفسه
فأنه أصبح مسئولا عن الدوار وأعاد العبارة بتباه كبير مستخدما
إبهامه في حركة تعظيم وصفوها غير مسئولة أبدا من قبله :
ـ أنا مسئول دوار البلدية .
وزاد في الكلام بأن حكى لهم عن الكيفية التي وقف أمام المدير
بعد أن أعطوه مكنسة بمقبض خشبي توازي طوله القصير وملابس بلون
برتقالي قاتم وأوصوه أن يكون مستقيم الظهر والخُلق وهو يرتديها
زاد من اختياره للكلمات المنمقة التي أخطأ في نطق أكثرها وخانته
الذاكرة واللسان على إظهارها بنفس تفخيمها الصحيح أخبرهم أن
المدير لم يقل إلا كلمات قليلة:
ـ الدوار أمانة في عنقك .
وحينما أخبرهم أن تلك الكلمات أصبحت كنقش النار على لسانك. انتفخت
أوداجه وارتجف بفخر عندها تحسس رقبته كما أصبح يتحسس الحجارة
الصغيرة في قاعدة الدوار.
وبعد ما يقل من شهر جمعهم بقرب الدوار بعد أن جمع تلا كبيرا
من الحجارة بجانب ما تبقى من الدوار، وشاهدوه هو ينزل من سيارة
استأجرها سفينة مهترئة صنعت من ألواح غير متناسقة، ولحظة رأى
استغرابهم المتزايد طلب بحزم واضح أن يصنعوا دائرة حول الدوار،
استكانوا ولم تصدر منهم أي حركة إلا همهمات بضحك مكتوم وتعليقات
جارحة وإشارات غير مفهومة، عندها تجاهلهم كليا وأخذ يحفر تارة
ثم يرقص تارة أخرى على نغمات طبل كان معه دائرا مع محيط الدوار
مطالبا المرأة والكلب والماء بأن يغادروا الدوار. ضارعا إلى
الله أن يبارك هذا المكان ويحميه من عيون وأيادي الثقلين ومن
مكر الشيطان الرجيم . وفي مساء اليومين التاليين وُجد من يجزم
أنه شاهد "مصبح المخمة " يتجه إلى موقع الدوار الذي
أعاد بناءه و يسحب فراشه و يضطجع على أعلى دور من الحجارة التي
صفها، مستخدما مع حدة بصره مصباحا يدويا ليراقب أقل حركة تصدر
قريبا من الدوار، متلمسا بين حين آخر ألواح السفينة والأحجار
الملونة، ولم يوجد من يقول أنه شاهده وهو يكنس الشارع بتمهل
وطمأنينة واستغراق كما ظل يفعل ذلك منذ ما يزيد عن عشرين عاما
قضاها بين حرارة الإسفلت وأحجار الدوار الصلبة .
رحمة المغيزوي
قاصة عمانية
أعلى
الزمن الشفيف
القاهرة التي لا تنام
القاهرة التي لا تنام تظل مفتوحة العينين.
فليلها نهار ونهارها مزدحم، هكذا هي القاهرة تحتضنك وتضمك بين
ذراعيها لتشعرك بدفء الدنيا فهي الأم الحنون، القاهرة تستقبلني
بالأحضان وتستقبل الملايين أمثالي المتعبين من إرهاصات الحياة،
إنها ملتقى العشاق، الحضارات بل هي أم الحضارات فهل أحدنا ينسى
الأهرامات ولا يزورها كل مرة ؟ القاهرة تحتضن النيل الجبار الذي
يجبرك على أن تكرر الزيارة مرات ومرات كلما شربت كأسا حلو المذاق
منه، القاهرة ملتقى المؤتمرات والاجتماعات والملتقيات السياسية
والثقافية، فمنها تخرج القرارات ومنها يعلو صوت الحق، أليست
القاهرة أم كل العرب حاضنة جامعة الدول العربية، أليس المصريون
هم أول من علمونا الحروف الابجدية في بداية السبعين في عمان
؟ أليست مصر حاضنة الثقافة العربية وانطلقت منها.. أليست القاهرة
أم العباقرة والكتاب والشعراء أمثال (طه حسين، والعقاد، وتوفيق
الحكيم، والمنفلوطي، ونجيب محفوظ، وحافظ ابراهيم، وأحمد شوقي،
وأحمد رامي) أليست مصر هي التي أنجبت عمالقه الفن أم كلثوم وعبد
الوهاب، وعبد الحليم، ونجاة، وسيد درويش ؟ عندما تصحو من نومك
في القاهرة تصحو على صوت بائع الصحف وهو يردد (أخبار ـ أهرام
ـ جمهورية) وتصحو أيضا على زحمة الشارع الممتلئ بالسيارات والمارة
وصوت القطار الذي يزيدك عشقا وعذوبة وهو يتوقف عند كل محطة مارا
على المدن والقرى المصرية وتصحو أيضا على رائحة الخبز البلدي
والفول والفطير المشلتت، وعندما تنزل على الشارع المزدحم في
هذا النهار السعيد تتلقاك طفلة تبيع المحارم الورقية نجد في
هذه الطفلة البراءة والاستحياء عندما تعطيها مبلغا ولا تشتري
منها ترفض بشدة وتقول لن آخذ المبلغ الا إذا أخذت المحارم، في
رحلتي هذه ذهبت الى خان الخليلي وبالتحديد قهوة الفيشاوي في
هذا الخان تلتقي كل الرؤى وكل الثقافات وكل الجنسيات في هذا
الخليل تتعرف على بساطة المصري وطيبته وكرمه في هذا الخليل لا
تشعر بالغربة الكل يدفيك في شتاء القاهرة القارص، تشعر بالروحانية
وأنت قرب الحسين والسيدة زينب، والبيوت القديمة والشرفات المطلة
على هذا الخان التي جسدها نجيب محفوظ في رواياته بين القصرين،
وخان الخليلي والسكرية، عرفنا مصر وخان الخليلي منذ ان كنا صغارا
من خلال روايات نجيب محفوظ سألت النادل الذي يقدم الشاي بالنعناع
أين كان يجلس نجيب محفوظ ؟ قال : في (الناحية دي) تعجبت كيف
استطاع نجيب ان يخرج كل هذه الروايات من رحم هذا الخليل ؟ الصاخب
الممتلئ بكل الشوارع من شتى الجنسيات ؟ عندما تريد ان تغوص في
أعماق ليالي القاهرة فالكل يستقبلك بترحاب، دور السينما مفتوحة
لا تنام، والمسارع تفتح ذراعيها لكل من أراد التنفيس عن الهم،
وإذا أردت سهرة في النيل العظيم فما عليك الا ان تبحر في إحدى
سفنه لمدة ساعتين هناك كل أدوات التسلية موجودة، أما إذا أردت
ان تخلو بنفسك وفي ملكوتك الخاص فما عليك الا ان تمشي أو تجلس
مقابل النيل وأنت تتسلى بالترمس عند البائع المتجول، في القاهرة
لا حزن الكل يضحك ويقول : النكت المضحكة وإذا رآك حزينا يسألك
(زعلان ليه) ؟ أنت في مصر خريج جامعي يعمل بالنهار موظفا وبالمساء
سائق سيارة أجرة، وبعد الدردشة يسألك أنت منين ؟ تقول له : أنا
من عمان، يرد أجدع ناس أنتو بتوع السلطان قابوس ؟ ده الراجل
عظيم وقف معنا لما تخلوا عنا العرب، هذه هي مصر وهذه القاهرة
عشر مرات زرتها ولم أشبع منها وبعد أشعر بالحنين للرجوع اليها
كلما راودتني الأحلام.
تركية البوسعيدي
كاتبة وشاعرة عُمانية
أعلى

صوت
الثناءُ الجميل..
من جميلِ الأسلوبِ، وكريمِ الخُلُق الثناءُ
الجميلِ على الخصائلِ الجميلةِ، والفضائلِ الحميدة للنّاس..
فالثناءُ الجميلُ يملأُ النّفس سعادةً، والقلب بهجةً، والروحَ
طمأنينة .. فلستُ أرى الصواب الأكيدَ في جملةِ "افعل الخير
ولا تنتظر الشكر" وإن كان فيها بعضُ النُّصحِ أو قل المواساة
، لكن الإنسانَ بطبيعتهِ يمتعض إن لم ينل شكراً لخيرٍ فعله،
وإن كان امتعاضهُ داخليّاً لا يكون محسوساً، وهو فرحٌ بالثناءِ
الجميلِ الصادقِ إن ناله وكأنّه حازَ على هديّةٍ أو حصل على
وسام..! نعم هذا هو الإنسانُ ، كتلةُ المشاعرِ والأحاسيس التي
تعلو أصواتها فوق صوت العقلِ في كثير من الأحيان ..!!
ما حفّزني على هذا الموضوع - ولكلِّ موضوعٍ محفِّزات - أن امرأةً
إنجليزيَّةً ، اطلقتُ عليها "سيِّدةُ الثناءِ" مضى
لي قرابةَ العامين من معرفتها ، وكلّما رأيتها في أيّةٍ مناسبةٍ
فإن الثناءَ الجميلَ سيّالٌ على لسانها للذين يهمُّنا أمرهم
.. حتى لتدهشنا بذكرِ مناقبَ حميدةٍ لم نكن نراها في أنفسنا
أو هؤلاءِ القريبون منّا ..! ثم هي لا تضيِّع جميلاً صنعه لها
إنسانٌ إلاّ وتشيدُ به عند الآخرين، وتنشرُ له سمعةً حسنةً بينهم،
وهي إن أعجبها من المرءِ شيءٌ فلن تبخل عن البوحِ بإعجابها بهِ
حتى وإن طال المدى .. طوال عامينِ عرفتها فيهما وهي لا تتقنُ
غير الثناءِ الجميل على النّاس المستحقّين ..!!
قد يقول قائلٌ: إن صاحب الثناءِ قد يقولُ ما يراهُ المثنى عليهِ
مبالغاً فيهِ، فنقول: ذلك هو منظوره ، وحقّه فيما يرى، فإن علمت
أنّه من غير أصحاب المصالحِ التي ينشدُ الثناءَ طريقاً لها قرّبته
وأحبته وإن علمت أنّه من أهله نفرتَ منه وبعدت عنه..!
ما يؤلمني فجاجةَ طبع بعض النّاسِ، فهم المتكلّفون في سلوكهم،
المتزمّتون في تحدّثهم، الخانقون على رقابِ أحاسيسهم إن أرادت
أن تُثني، يقابلك البعضُ منهم فلا تقعُ عيناهُ فيك إلاّ على
ما يسرُّ قلبهُ ويضرُّ قلبك ..! فكم منهم حين يرى صاحبهُ ..يبادره
بالقول: ملأ الشيبُ وجهك ، أو زاد وزنك ، أو نحل جسدك ..!! فهؤلاءِ
سلبيُّون ، يعبِّرون عما يعتملُ في دواخلهم عن نواقصَ يعانونها،
وأسقامٍ يصارعونها ..! ولو شاءوا لوقعت أعينهم في الناس على
الجميلِ ، وأقول لو شاءوا لأن الأمر لا يتعلّقُ بالآخرين وإنّما
بهم، فإن صفت نفوسهم، صفت نظراتهم للناس ..!!
أيّها الشاكي وما بك داءُ .. كن جميلاً ترى الوجودَ جميلا..!
وكم من بيننا من هؤلاءِ الشامتون، الناظرون في معايب الناسِ،
فإن الواحد منهم إن نطقت لسانهُ لزوجتهِ فهو الساخطُ، المعيبُ
لسلوكٍ أو كلمةٍ بدرا منها، أما الأشياء الجميلةِ فيها فيدوسها
قلبه، ويقلّل منها منطقه..! وإذا تحدّث عن النّاس فلا يتحدّث
إلاّ لأمر شأنه منهم أو حسبه من منظوره مشيناً ..أمّا وجوههم
الجميلةِ فهي المغطّاة بالسوادِ في ذاكرتهِ .. !! وأينه من نبينا
الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام إذ لم يدع ثناءاً حميداً إلاّ
أثنى على لمن استحقّه من صحابتهِ بل وحتى الذين لم يرهم حين
قال فيهم "من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم
لو رآني بأهله وماله" رواه مسلم.
في الناسِ محامدَ وفضائل لا يكتشفونها بأنفسهم ويتمنون أن يراها
غيرهم فيهم فينبِّههم على هذه العطايا الإلهية التي أودعها الله
في سرائرهم.. فإن جاءَ من لا ينظرُ فيهم إلا على المساويء أو
يوهمهم بوجودها حطّم أجنحةَ أرواحهم، وكسَّر مجاديف أنفسهم ..
وفي هذا الشأن يخبرني صديق أن ثلاثةً اتفقوا على أن يوهموا صديقاً
لهم بالمرض، فأتوه متفرقين، فوصمه الأول بشحوب الوجهِ والثاني
باصفرارهِ والثالث بالمرض الظاهر.. فأيقن الرّجل أنّه مريضٌ
دون جدال ..!!
أمّا الثناءُ الجميلُ فقد انتشل أناساً من على فراشِ المرضِ،
وجعلهم أصحّاءَ واثقي الخطى .. يروي ديل كارينجي عن صديق له
يعمل طبيباً أن معظم المرضى الذين يزورون عيادته وإن بدا عليهم
المرض إلاّ أن المشاعرَ المحطّمة هي سبب أمراضهم .. فلا تشفيهم
علاجاتٍ سوى الثناءِ الجميل ..
من يجعلُ الثناءَ الجميلَ طبعاً يصلحُ قلبهَ به وقلوب الآخرين..
ويحيا حياةً ملؤها الرضى والطمأنينةَ والسعادةَ .. قال الإمام
الشافعي:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط
تبدي المساويا
ولست بهياب لمـن لا يهابنـي ولست أرى للمرء
ما لا يرى ليا
فإن تدن مني تدن منك مودتـي وإن تنأ عني
تلقني عنـك نائيـاً
كلانا غني عـن أخيـه حياتـه ونحـن إذا
متنـا أشـد تغانيـا
صالح الفهدي
Saleh_alfahdi@hotmail.com
أعلى