الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان

نبذة عن الوطن
About Us
اكتشف عمان
اتصل بنا
مواقع تهمك

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


قضايا

 

 

الاسلام في السياسة الخارجية الروسية
شراكة حقيقية ام وسيلة لإغاظة الغرب وخلط أوراقه
كيف ينظر الروس للاسلام؟ ولماذا دخلت روسيا منظمة المؤتمر الاسلامي؟
هل روسيا وسيط سلام مستقل؟

اعداد ـ محمد نجيب السعد*
للمجتمع الروسي موقفان متناقضان من الاسلام، يقول نيكولاي سيلاييف ان النظرة الاوروبية الغربية للاسلام باعتباره اسطورة الشرق الغامض لا وجود لها في روسيا التي اعتبرت الاسلام جزءا منها. ومن جانب آخر فان فكرة الشرق الغامض موجودة في العقلية الروسية ولنا في قصص الف ليلة وليلة وغرائبيات الهند والصين التي تداولها الروس شواهد على ذلك بالاضافة الى حروب التتار والقوقاز. لقد كان الشرق المسلم دوما غريبا، حتى لو كان قريبا من روسيا. وعلى مستوى اللاوعي كان الاسلام دوما اجنبيا يعيش في الخارج، خاصة في الشرق الاوسط وافغانستان وأسيا الوسطى. هذه النظرة الاجنبية للاسلام سوقتها ماكينة الدعاية السوفيتية التي قسمت الاسلام الى اسلام اجنبي (عدواني وسياسي والذي يرفع احيانا شعار الجهاد) واسلام سوفيتي الذي يرتبط بالرجعيين من الرجال والضعاف من النساء وهذا الاسلام اعتبره السوفيت من مخلفات الاقطاع. الا ان اجهزة الاستخبارات في الحزب الشيوعي السوفيتي، خاصة الكي جي بي ، ادركت ان الاسلام في الاتحاد السوفيتي ذو خاصية مرنة يساهم في تنظيم العلاقات الاجتماعية.
الا ان الاسلاميين غير متطابقين وان الهوية الدينية للاسلام السوفيتي هوية محدودة وانها آيلة للانقراض. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن الماضي، وتحت ضغوط التناقضات المتزايدة في العالم الاسلامي واوروبا والولايات المتحدة، بالاضافة الى الصراعات الداخلية في روسيا فان الاسلام الروسي بدأ بالاندماج مع الاسلام الخارجي او الاجنبي وبكل نقاط الضعف والقوة لهذا الاندماج، طبعا من وجهة النظر الروسية (ولنا في الشيشان خير مثال على ذلك).
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أحجمت روسيا عن القيام بتحركات خاصة بها في الشرق الاوسط تاركة المجال امام الاميركيين والأوروبيين ليدلوا بدلوهم. الا ان دور موسكو في المنطقة كان قد تراجع بشكل كبير في عام 1977 عندما دخلت مصر واسرائيل في مفاوضات السلام برعاية واشنطن. الا انه وبالرغم من تقهقر علاقات روسيا بالعالم الاسلامي وتجاهل موسكو النسبي للاسلام لعب الاسلام دورا هاما في سياستها الخارجية. ومع نهاية النظام العالمي ثنائي القطبية دخل الاسلام بقوة في السياسة الدولية، ودخلت القوى التي ترفع شعارات دينية مؤثرة في الساحة السياسية الدولية.
اكدت جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية واذربيجان والتي حاولت ان تبعد نفسها عن روسيا، على هويتها الاسلامية، الا ان النخب الحاكمة في تلك البلدان لم تحاول الاندماج بالعالم الاسلامي لانها فضلت ان تبقى بعيدة لتمنح نفسها مساحة كافية للمناورة. على سبيل المثال حاول عدد كبير من الساسة المحليين استغلال هذا الجانب للحصول على بعض المساعدات الاقتصادية في النصف الاول من عقد التسعينيات شهدت روسيا التي حاولت استعادة نفوذها على دول الكتلة السوفيتية السابقة (والتي اصبح ملكا مشاعا تتجاذبها التيارات والقوى السياسية) شهدت توسعا للدول المسلمة. اراد المسلمون الاجانب تحقيق خرق في الإقليم واسواقه. في البداية كان الاتراك اكثر نشاطا من الآخرين حيث شددوا على الروح القومية التركية وعلى الروابط اللغوية والثقافية مع الشعوب التركية (يسمون التركمان) في الاتحاد السوفيتي السابق. اظهرت انقرة ثقة كبيرة بدخولها الاتحاد الاوروبي، وهي استخدمت هذا العامل لزيادة نفوذها لدى التركمان في تلك الجمهوريات. ولم يغفل الاتراك اهمية الدين حيث اكدوا ان الاتراك والتركمان ينتمون الى المذهب ذاته (الحنفي) من الاسلام التي على رأيهم تشجع الاصلاحات والتحولات الايجابية. اما العرب والمنظمات الدولية التي يهيمن عليها العرب فشددوا على دور الدين في العلاقة مع جمهوريات اسيا الوسطى وتبرعوا بالاموال لبناء المساجد والمعاهد ومولوا الكثير من المطبوعات الدينية وفتحوا العديد من الزمالات الدراسية للشباب من تلك الجمهوريات للدراسة في العالم العربي ، واقتصر النشاط الايراني تقريبا على اذربيجان وطاجيكستان ويعود سبب هذا الخمول الايراني الى ضعف مواردها المالية والاختلافات الثقافية وقلة اعداد الشيعة في دول وسط آسيا والقوقاز. علاوة على ذلك خشيت غالبية المسلمين في المنطقة من التطرف الديني، الذي يعزوه الكثيرون الى الثورة الايرانية. الا ان شعر العسل بين العالم الاسلامي ودول الاتحاد السوفيتي السابق لم يستمر طويلا. بالرغم من بعض التقدم (خاصة التجارة) الا ان الامال خابت في منتصف التسعينيات في الحصول على دعم اقتصادي اوسع خاصة وان الاشقاء المسلمين اهتموا بمصالحهم الخاصة واعتبروا دول وسط آسيا (حليفا ثانويا). في تصريحات كثيرة لرؤساء جمهوريات آسيا الوسطى واذربيجان حول اولويات بلدانهم الخارجية قالوا فيها ان العالم الاسلامي يأتي ثالثا في تلك الاولويات بعد الولايات المتحدة وروسيا.
مع ذلك فقد وجدت روسيا نفسها محاطة في الجنوب بهلال اسلامي ذي هوية غير سوفيتية بالاضافة الى مجموعة كبيرة من الجماعات الاسلامية المتطرفة في عام 1994 حذرت وكالة المخابرات الخارجية الروسية (وكان على رأسها في ذلك الحين يفجيني بريماكوف) حذرت الحكومة الروسية من احتمال مواجهتها لتهديد اسلامي.
قال معدو التقرير ان هناك خطر تغلغل اسلامي في وسط آسيا قادما من افغانستان وطاجيكستان حيث نجحت القاعدة في وضع ركائزها هناك. وفي السنة ذاتها بدأت حرب الشيشان والتي شلت الحياة في شمال القوقاز. وبعد سنتين وصلت طالبان الى السلطة في افغانستان وبذلك اصبحت الاخيرة مركزا (للاسلام العالمي) حيث تلقى متطرفون من وسط آسيا والقوقاز تدريباتهم هناك. وظهر بعد ذلك حزام امتد من القوقاز الى الصين (زينجيانغ) امتاز بالفوضى واللاستقرار. وسرت العصبية في اوصال العالم الاسلامي ولم يسلم مسلمو الاتحاد السوفيتي السابق من هذه المشاعر.
لكن هذا الحزام ظهر قبل هذا التاريخ، بالتحديد مع قيام الثورة الايرانية، وقامت الحرب الافغانية بتدويل الجهاد الذي جسده بعد ذلك تنظيم القاعدة. ان الحرب في افغانستان أوجدت لدى البعض الوهم ان التطرف الاسلامي يتمتع بالحصانة بينما اعتقد آخرون ان من العقم مواجهة هذا التطرف. يومها طفا على السطح (وقت الجنوب لروسيا) وهو عنوان كتيب الفه ديميتري ترينين واليكسي مالاشينكو وصدر في عام 2002.
لم تتسبب احداث سبتمبر باي جديد في العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب، ومنه روسيا. اظهرت تلك الاحداث وجود علاقات متشنجة ومشاكل عالقة بين الطرفين.
وبينت الكتب التي ألفها رجال المخابرات وظهرت بعد الهجمات ان الولايات المتحدة مقتنعة بان الساسة (وليس رجال المخابرات) ارتكبوا اخطاء جسيمة تسببت في المأساة.
بالرغم من التحذيرات من الخبراء والعلماء، الا ان العديد من السياسيين اعتبروا الاسلام رديفا للارهاب والتطرف. مازال الرأي بان الصراع في الشرق الاوسط ونظام طالبان في افغانستان وراء ظهور التطرف مازال قائما. في العام 2006 وصف ديفيد كاميرون زعيم حزب المحافظين البريطاني افغانستان بانها مهد هجمات سبتمبر. وساهمت اجهزة المخابرات الاجنبية في ايجاد صورة نمطية للجماعات الاسلامية المتطرفة وان بعض العناصر البارزة في تلك الجماعات اصبحت متعاونة مع تلك الاجهزة. يدعي الكثير ان المخابرات الباكستانية هي التي اوجدت حركة طالبان وان لأسامة بن لادن اتصالات مع بعض الاجهزة الاميركية الخاصة وان الكي جي بي قدم الدعم لبعض الجماعات الفلسطينية المتطرفة، لكن نجاح هذه العلاقات اعتمدت كثيرا على توفر الظروف المناسبة وتعاون بعض الاشخاص. لقد تطورت الظروف بعيدا عن رغبات رجال المخابرات، وان التعبئة للجهاد كانت ذات جذور عميقة. ان منظمات من طالبان والقاعدة وحزب التحرير كانت ستظهر (ولو تحت تسميات مختلفة) حتى لو لم تتلق الدعم الفكري من محللين سياسيين معروفين او المساعدة من السي اي ايه والكي جي بي. وكان على روسيا ان تحدد موقفها من التطرف الاسلامي والتهديد القادم من هذا التطرف وتضمينه في سياستها الخارجية.
تقوم موسكو حاليا بدور الوسيط بين المتشددين الاسلاميين من جهة وبين الولايات المتحدة واوروبا من جهة ثانية. ويتجلى ذلك في ازمة البرنامج النووي الايراني.
كانت روسيا واثقة من انها قادرة على اقناع طهران بقبول مقترحات موسكو القاضية بتخصيب اليورانيوم في روسيا وقبول الرقابة على المواد مزدوجة الاستعمال والتخلي عن جهودها (اي طهران) لانتاج دورة نووية كاملة. اعتقدت موسكو ان لها دورا كبيرا في هذا الخلاف وبصفتها نصيرة لايران فانها قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية.
على الصعيد الرمزي استغلت موسكو خدمات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في علاقتها مع طهران. يظهر قادة هذه الكنيسة احتراما كبيرا للقادة الايرانيين من علماء الدين. علاوة على ذلك تعتبر موسكو هذه الكنيسة قناة دبلوماسية احتياطية. في فبراير 2006 وخلال اجتماع عقد في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا تمنى سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي ان تلعب الكنيسة دورا في تقريب وجهات النظر المتباينة حول هذه القضية وكذلك قضية صراع الحضارات. وفي السنة ذاتها منح فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية روسيا الفرصة للعب دور الوسيط في الصراع الفلسطيني/ الاسرائيلي. لقد كان فوز حماس تاريخيا لانه غير خارطة القوى السياسية في فلسطين وجعل التواصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين صعبا واضعف من خطة خارطة الطريق التي اطلقتها الولايات المتحدة وتبنتها اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الاوسط.
حاولت موسكو المبادرة والعودة الى الشرق الاوسط كلاعب مستقل وبافكار متفتحة. بدى الموقف الروسي مشجعا ومغامرا، خاصة وان حماس قد درجت ضمن لوائح المجاميع المتطرفة (واحيانا الارهابية). أملت موسكو في ان خطوتها المحفوفة بالاخطار ستجلب لها بعض الخطوة في العالم الاسلامي، وللوهلة الاولى كانت آمال موسكو مبررة. لكن الانظمة الاسلامية لم تكن في عجلة من امرها لابداء الاعجاب بالتحرك الروسي، خاصة وان بعض الدول العربية ابدت تحفظاتها من حماس. في مارس 2006 وفي محاولة منه منح حماس بعض الاعتراف في المجتمع الدولي وجه الكرملين دعوة لوفد من حماس لزيارة موسكو. في خريف العام ذاته قامت موسكو بخطوة اضافية في الاتجاه نفسه حينما خلت لائحة وكالة الامن الفيدرالي الروسي للمنظمات الارهابية من حماس وحزب الله. هذه الخطوة اعتبرت تحديا لواشنطن التي ضمت لائحتها للمنظمات الارهابية حماس وحزب الله. الا ان الدبلوماسيين الروس وخلال لقاءاتهم مع الاسلاميين افتقدوا الى الرؤية الواضحة والافكار المباشرة وجاءت الخطوات التالية مبهمة ولم تهتم الرئاسة الروسية او وزارة الخارجية بتصحيح الاوضاع.
وصل وفد حماس الى موسكو في ربيع عام 2006 برئاسة خالد مشعل . لم يحظ الوفد بلقاء كبار المسئولين الروس واكتفى برنامج الزيارة على لقاءات غير رسمية مع بعض الدبلوماسيين ورجالات البرلمان. حتى لقاء الوفد مع ميخائيل مارجيلوف رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس الفيدرالي لم ينظر اليه على انه لقاء ذو طابع رسمي.
كانت اللقاءات اختيارية للجانبين. ربما الحدث الام في هذه الزيارة هي الصلاة المشتركة التي أمها الشيخ رافيل غينوتدين مفتي روسيا في جامع موسكو الكبير وفيها شجب المفتي التطرف الديني خلال خطبته. تواصلت اللقاءات بين موسكو وحماس. في بداية عام 2007 توقف محمود الزهار وزير خارجية فلسطين في موسكو وهو في طريقه الى احدى زياراته الرسمية، وزار خالد مشعل موسكو مجددا هذه الزيارات اثارت بعض التساؤلات. فحماس لم تغير موقفها ازاء اسرائيل ولم تفلح روسيا في اقناع حماس بالانصياع للقرارات الدولية، ولذلك فشلت (اي موسكو) في طرح نفسها كوسيط مستقل في القضية الفلسطينية / الاسرائيلية. ان التقارب بين حماس وروسيا لم يكن سوى ورقة في علاقتها بالغرب وهو سابقة (ولو ضعيفة) للحوار مع اوروبا وربما مع الولايات المتحدة. ان الزيارات غير الملزمة لقيادي حماس الى موسكو منح حماس الاعتقاد بأنها نجحت في الذهاب خارج حدود العالم الاسلامي (وينطبق الامر ايضا على الزيارات المتبادلة بين موسكو وطهران لان نتائج الزيارات لم تقنع موسكو بتاتا).
في صيف عام 2006 لاحت لروسيا فرصة جديدة للدخول في حوار مع الاسلاميين ، هذه المرة مع حزب الله الذي حقق نصرا غير متوقع على اسرائيل في حرب لم تستمر طويلا وبعد الحرب ارتفعت شعبية الحزب في لبنان والعالم الاسلامي واصبح ذا ثقل مؤثر داخليا وخارجيا وبدأ الاخرون ينظرون اليه بشكل آخر. لكن موسكو لم توجه دعوة لحزب الله ولو كان الكرملين متوازنا في قراراته ويمتلك رؤية واضحة لكان عليه ان يوجه مثل هذه الدعوة. ويمكن تقديم تفسيرين لعدم زيارة مسئولين من حزب الله لموسكو. كان الرئيس بوتين لايريد التفريط بعلاقة موسكو مع واشنطن. كما ان اوروبا وبالرغم من تعاطفها مع لبنان لم تكن تقبل بزيارة لوفد من حزب الله لموسكو. لم تكن اوروبا مستعدة لدعم حوار مع حسن نصرالله الامين العام لحزب الله لذلك فان اية اتصالات مع المتشددين من الاسلاميين كانت ستطيح بالعلاقات الروسية/ الاسرائيلية. علاوة على ذلك ان الكرملين ادرك ان اللقاءات مع حزب الله ستكون عقيمة. ان نجاح هذه اللقاءات يتطلب دعم طهران لكن الاخيرة لم تكن تحتاج الى وساطة روسيا في الصراع اللبناني/ الاسرائيلي. كان يمكن للقيادة الايرانية تصحيح مواقف حزب الله بشكل مستقل مثلا عندما طلبت من حزب الله اطلاق سراح (اسرى الحرب) الاسرائيليين. واخيرا لم تعتبر قيادة حزب الله روسيا وسيطا قويا وفضلت الاتصال مع موسكو من خلال سوريا. والاخيرة لم تكن مهمة بتشجيع حزب الله بالتواصل مع روسيا.
ان محاولات روسيا في فتح حوارات مع الاسلاميين حازت على رضا الجالية المسلمة الروسية. في البداية يجب القول ان قادة هذه الجالية كانوا في وضع حرج لأن عليهم تبني الموقف الرسمي الروسي في الفصل بين الجيدين والسيئين من الاسلاميين.
يحاول المنظرون الاسلاميون المتطرفون تقديم الوساطة الروسية كقاعدة لتوافق استراتيجي مع الانظمة الاسلامية والدكتاتورية. في صيف عام 2006 وفي ذروة الحرب التي شنتها اسرائيل ضد لبنان. قال حيدر جمال رئيس اللجنة الاسلامية الروسية ان سوريا وايران بحاجة ماسة لروسيا. وهذا التصريح جاء متوافقا مع الموقف الروسي الرسمي. لكن هل كانت سوريا وايران بحاجة فعلا لروسيا؟ ان سوريا وايران وحماس يحاولون مد الجسور مع اوروبا والولايات المتحدة ، لذلك فلن يحتاجوا الى وساطة روسية. ان المتشددين من الاسلاميين الذين نجحوا في كسب الوقت بفضل روسيا لن يلتفتوا اليها لاحقا. اولا يعتبرون سياسة روسيا شكلا مختلفا ويريدون ان يظهروا للغرب قدرتها على العمل بشكل مستقل. وثانيا ان لروسيا وهي خليفة الاتحاد السوفيتي موقف سلبي من الاسلام. يقول المتشددون الاسلاميون ان ذلك جلي في سياسة روسيا في القوقاز ومشاركتها في التحالف ضد الارهاب (بالرغم من الوجود الشكلي للتواجد الروسي) في سبتمبر 2006 تسبب ازاحة الستار عن نصب روسي في نيويورك لضحايا الحادي عشر من سبتمبر باثارة السخط في الشرق الاوسط وايران (حينها كانت تجري في طهران مسابقة لرسومات ضد المحرقة) كما ان الاسلاميين لم ينسوا ان روسيا التي لم تعارض غزو العراق لم تتخذ خطوات مؤثرة ازاء ذلك الغزو ويبدو انها رضيت بالأمر الواقع.
يبدو ان منظري السياسة الروسية لا يتحدثون عن التعاون المستقبلي مع الاسلاميين المتشددين. ان الوضع العام في روسيا بالاضافة الى الغموض الذي يلف السياسة الخارجية الروسية تمنعان هؤلاء من وضع سياسة واضحة ازاء هذا الموضوع.
يعتقد الكثير أن السياسة الروسية قصيرة النظر. على سبيل المثال ثلة قليلة تشجع مواصلة الحوار مع حماس التي فشلت موسكو في كبح جماحها. وذلك لان مستقبل حماس غير واضح في فلسطين. وحتى الساسة المقربين من الكرملين (لكنهم لا يتبنون بالضرورة جميع مواقف الكرملين) لم يعبروا علنا عن موقف مؤيد او معارض لحماس. الا ان روسيا وجدت نفسها في وضع محرج للغاية بعد نشوب الصراع بين فتح وحماس هل ستدعم موسكو عباس والخط العلماني المعتدل ام تدعم حماس والاسلاميين. لكن موسكو لم تختر.
ان دور الوسيط الذي تلعبه موسكو مع الاسلاميين المتشددين يناسب الاستراتيجية العامة والتي تمهد السبيل لعلاقات خاصة مع العالم الاسلامي. تقوم هذه العلاقات على اساس ان روسيا بلد متعدد الديانات (خاصة المسيحية والاسلامية) مما يوفر لها الفرصة للتواجد في حضارتين مختلفتين. في عام 2004 شكل اعضاء الدوما جمعية برلمانية اسموها (روسيا والعالم الاسلامي: الحوار الاستراتيجي. وحدد النائب شامل سلطانوف اهداف الجمعية قائلا: ان الجمعية توفر الدعم التشريعي لتطوير علاقات روسيا مع البلدان الاسلامية، وكذلك مع المنظمات الاسلامية الدولية ، خاصة منظمة المؤمر الاسلامي. وكذلك وضع المبادرات للمشاركة في برامج التكامل في العالم الاسلامي وايجاد الظروف المناسبة لفتح حوار بناء بين النخب السياسية والاقتصادية في روسيا والعالم الاسلامي. ومما ساهم في اقامة مثل هذه العلاقات دخول روسيا الى منظمة المؤتمر الاسلامي بصفة مراقب لوجود اقلية اسلامية فيها. تعود الاتصالات بين الجانبين الى ايام الحقبة السوفيتية عندما ساعدت منظمة المؤتمر الاسلامي في اطلاق سراح اسرى الحرب السوفيت من افغانستان. وزار الامين العام للمنظمة موسكو في مناسبتين 1994 و1997 كانت فكرة انضمام موسكو لمنظمة المؤتمر الاسلامي مطروحة قبل مدة. في منتصف عقد التسعينيات حاول يفجيني بريماكوف، والذي يحظى بتقدير الدول الاسلامية ، اقناع وزراء خارجية الدول الاسلامية بان انضمام روسيا له فوائد لكلا الطرفين. في عام 1997 اثار نادرشاخ خاشيلاييف رئيس اتحاد مسلمي روسيا (وهو شخصية سياسية معروفة) القضية من جديد.
وقال ان دخول روسيا الى منظمة المؤتمر الاسلامي سيمنح مسلمي روسيا المزيد من الحقوق ويقوي شكيمتهم. وحظيت الفكرة بموافقة المؤسسات الحكومية الروسية ومنها وزارة الخارجية. الا ان تلك المؤسسات رفضت شخصية خاشيلاييف بسبب استقلالية مواقفه. تفاوض خاشيلاييف مع المنظمة وشارك في انشطتها وتحدث باسم اتحاد مسلمي روسيا وليس باسم الحكومة الروسية، الا ان روسيا لم تستفد من هذه العلاقة على المستويين السياسي والاقتصادي. ولقد كانت علاقة رمزية في مجملها استفاد منها الكرملين (وهو على العموم كان مؤيد للغرب) في تنويع سياسته الخارجية. احيانا اصطبغ الحديث عن هذه العلاقة بشيء من الغرابة، مثلا عندما اقترح بوريس بيريزوفسكي في عام 1998 وكان يومها امينا عاما لمنظمة الدول المستقلة اقترح قبول بعض الدول المسلمة، خاصة ايران في المنظمة وقال البعض ان دخول روسيا الى منظمة المؤتمر الاسلامي كان محاولة منها لتخفيف انتقادات المسلمين لحرب الشيشان.
اراد القادة المسلمون تجنب التوتر في العلاقة مع روسيا حول الشيشان في عام 1994 رفضت قمة منظمة المؤتمر الاسلامي قرارا لدعم الشيشان. وفي السنة ذاتها رفضت المنظمة طلبا لرئيس اشخاريا (وهو الاسم الذي اطلقه مقاتلو الشيشان على الاقليم) وجوهر دوداييف قبولها عضوا في المؤتمر. وبعد عشر سنوات اي في عام 2004 سلمت قطر روسيا متهما بقتل زليمخان ياندرياييف احد قادة اشخاريا ورمزا من رموز المقاومة الشيشانية. ومن الامثلة الاخرى وصول وفدين من منظمة المؤتمر الاسلامي وجامعة الدول العربية لمراقبة الانتخابات الرئاسية في الشيشان في عام 2003 والتي فاز بها مرشح الكرملين احمد قاديروف. وهذا دفع بعض الجماعات الشيشانية الى التذمر من التضامن الاسلامي. وبالرغم من وجود حوالي ثلاثمائة مقاتل اجنبي في صفوف تلك الجماعات الا ان حرب الشيشان لم تدول.
لذلك لم تكن الشيشان هي القضية التي دفعت روسيا الى الدخول في منظمة المؤتمر الاسلامي. كانت روسيا تبحث عن مكان لها في الساحة الدولية لتعويضها عن العلاقة الفاترة مع الغرب من خلال لعب دور فاعل في المنطقة. وبعد وصول فلاديمير بوتين الى السلطة ازدادت اهمية العامل الاسلامي في السياسة الروسية. وتولت وزارة الخارجية مسئولية تطوير هذه العلاقة، الا ان بوتين كان يبدي بين الحين والحين رغبته في تقوية هذه العلاقة. اثيرت المسألة على مستويات عالية خلال زيارة لوفد من منظمة المؤتمر الاسلامي برئاسة وزير خارجية ايران كمال خرازي في عام 1999. وفي ابريل 2003 وخلال محادثة له مع امون الله نعمت زادة مفتي طاجكستان اقترح بوتين دخول روسيا الى المنظمة بصفة مراقب مضيفا بأن روسيا والى حد بعيد هي دولة مسلمة. وقد رحب اليكسي الثاني بطريارك روسيا بذلك وكذلك رئيس مجلس الافتاء في روسيا رافيل غاينوتدين.
وبدأت وفود منظمة المؤتمر الاسلامي بالتقاطر على موسكو في يناير 2003 وبدعوة من وزير الخارجية الروسية، وصل الى موسكو عبدالواحد بلقزيز الامين العام للمنظمة. وعينت روسيا سفيرا لها لدى المنظمة . وفي السنة ذاتها شارك وفد روسي كبير برئاسة بوتين في قمة المنظمة الذي عقد في العاصمة الماليزية كولالمبور ضم الوفد سياسيين مسلمين معروفين ومنهم فاريت غازولين وزير علاقات الملكية ودزخان بولييفا نائب رئيس ديوان الرئاسة ورؤساء جمهوريات باشكورتوستان وكاباردينو بالكاريا والشيشان الروسية واسماعيل بردييف رئيس مركز التنسيق لمسلمي شمال القوقاز. وفي كلمته في المؤتمر تحدث الرئيس الروسي عن حوار الحضارات ورفضه لما يسمى (الاسلام فوبيا) واشار بشكل خاص الى الشيشان. ووقع اثناء القمة حادثة احرجت بوتين كثيرا. اثناء القاء محاضر محمد رئيس وزراء ماليزيا لكلمته تحدث عن الهيمنة اليهودية، وقد عاب بعض الساسة الروس على رئيسهم عدم تعليقه على الأمر، واتهم آخرون مستشاري الرئيس لعدم تنبيهه الى مثل هذه المواقف التي تتكرر في الاجتماعات الاسلامية. واعتبرت بعض الوفود المشاركة الصمت الروسي علامة ايجابية، وفي عام 2004 وبعد انتهاء المؤتمر الحادي والثلاثين لوزراء خارجية الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي الذي عقد في اسطنبول قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ان روسيا ومنظمة المؤتمر الاسلامي بإمكانهما عمل الكثير لمنع الفرقة الدينية والحضارية. وقد رحبت الجالية المسلمة في روسيا بجهود حكومة بلدها لتطوير العلاقات مع العالم الاسلامي وقدمت اشكالا من العون لتحقيق هذه الاهداف. بعض هذه المساعدات لم تخرج عن نطاق التصريحات العاطفية والتي سببت احراجا للمسئولين الحكوميين على سبيل المثال سافر المفتي تالفات تاج الدين رئيس المجلس الديني المركزي لمسلمي روسيا الى العراق في مارس 2003 واعلن هناك عن استعداده للبقاء في العراق مع (الدروع البشرية) وحتى انتهاء الحرب. وفي ابريل من العام ذاته اعلن تاج الدين في كلمة له امام الطلبة الجهاد ضد دول التحالف التي تشارك في حملة العراق . وبالرغم من ان مساعده محمد غالي خوزين اعلن ان تاج الدين كان يعني الجهاد الروحي، الا ان المدعي العام في جمهورية باشكوتوستان فلوريد بويكوف حذره من مغبة خرق القوانين، والا فانه سيتهم بالقيام بافعال متطرفة. وفي الوقت نفسه طالبت الجماهير المحتشدة في داغستان، وهي جمهورية روسية بارسال مقاتلين الى العراق لمساعدة العراقيين. ويقال ان تلك الجمهورية وفرت ستة آلاف متطوع حينها.
من الصعب تحديد التوقعات التي وضعها مسلمو روسيا على دخول بلدهم الى منظمة المؤتمر الاسلامي. البعض يعتقد ان وجود روسيا في المنظمة سيزيد من معنويات المسلمين وتقليص حدة الاسلام فوبيا. الجدير بالذكر ان منظمة المؤتمر الاسلامي انشأت في العام 2003 مرصدا لها لهذه الظاهرة (الاسلام فوبيا) في مقرها العام لمراقبة الانشطة المناوئة للاسلام. ولم تجد المنظمة اية نشاطات معادية في روسيا. كما تمنى البعض ان هذا الدخول ربما سيحول روسيا في يوم من الايام الى بلد مسلم.
اما موقف العالم الاسلامي (المتسامح) ازاء روسيا فيمكن توضيحه بالقول ان دول العالم الاسلامي تبحث عن حلفاء لمواجهة التوسع الاميركي. لم يبالغ المسلمون بشأن الدور الروسي، الا انهم لم يرفضوا مساعدتهم. ان دخول روسيا منظمة المؤتمر الاسلامي لم يحدث الكثير من التغيير على خارطة العلاقات بين الجانبين. لم تتوقع روسيا الحصول على خطوة خاصة في المنظمة، الا انها بالتأكيد حصلت على مكانة جديدة وان هذه الخطوة ربما تذكر البعض ان روسيا وهي بلد ذو اغلبية مسيحية لا تنطبق عليه الطرق التي ينظر بها المسلمون للغرب.
عند الاشارة الى العامل الاسلامي في السياسة الخارجية الروسية كانت روسيا تتحدث عن عقبات يضعها الغرب (سواء على المستوى الديني او السياسي) لعرقلة تطوير هذه العلاقات وان الغرب يسعى الى اثارة الخلافات بين روسيا والعالم الاسلامي وبذلك يوقف تطوير علاقات صحية مع الدول الاسلامية. وكان الاوراسيون الجدد وعلماء الدين المسلمين مسئولين عن هذه التصريحات او الاراء. لاننا يجب ان نضع في اعتبارنا ان الروس هم الذين ذهبوا الى افغانستان والغرب ساهم في اخراجهم منها، وان الروس مسئولون ايضا عن حرب الشيشان في القوقاز. يعمد الساسة الروس الى تأكيد ان روسيا، وعلى النقيض من الغرب، تعامل العالم الاسلامي بتفهم اكبر، متناسية او متغافلة عن الاضطرابات التي تظهر هناك بين الحين والحين في المنطقة، او بسبب منها خاصة مع اوروبا والولايات المتحدة وتطالب باتباع اساليب الهدوء وضبط النفس. وفي الوقت نفسه فإن المسئولين الروس الذين اداروا العلاقات مع العالم الاسلامي وراقبوا عن كثب ما يجري داخل الجالية المسلمة الروسية اوضحوا للقادة المسلمين بانهم (اي المسئولون) غير مسرورين من ردود الافعال لبعض المسلمين ازاء الصور الكارتونية المسيئة للرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم او ملاحظات البابا بنديكيت السادس عشر، بابا الفاتيكان. وهذا دفع العديد من أئمة روسيا ومفتيها الى التحفظ والدبلوماسية في ردود افعالهم.
على العموم مايزال المنهج الروسي في التعامل مع العالم الاسلامي متناقضا. فالبرغم من التصريحات الرسمية بأهمية العلاقات مع العالم الاسلامي، الا ان تلك العلاقات وكما قال الجنرال المتقاعد ليونيد ايفاشوف لا تتعدى حدود الخطوات التكتيكية. ويجب ان نذكر ايضا ان جمعية روسيا والعالم الاسلامي : حوار استراتيجي التي تشكلت في البرلمان الروسي لم تفعل شيئا يذكر سوى اعلان النوايا. وان الحوارات القليلة التي نظمتها الجمعية لم تكن ذات قيمة ولم تزد عن كونها لقاءات لالقاء الخطب والشعارات. ان محاولات الرئيس بوتين لتطوير العلاقات مع العالم الاسلامي، لم تساهم في تقريب الجانبين وتقليص الريبة بينهما. ان موسكو والعواصم الاسلامية ينظران الى العلاقة بينهما على انها وسيلة لخلط اوراق الغرب، لكنها مازالت بحاجة الى الكثير لجعلها اكثر تأثيرا وقوة. على كل حال ان قوة الصداقة بين روسيا والدول الاسلامية تعتمد على قوة روسيا السياسية والعسكرية والاقتصادية. ان ذلك بالتأكيد سيلعب دورا هاما في دخول روسيا الحقيقي كشريك لتلك الدول.

*مترجم وباحث عراقي


تشاد بين المواجهات مع حركات التمرد واحتمالات الحرب مع السودان
* الخلافات حول عائدات البترول سبب رئيسي للصراع بين المتمردين والنظام التشادي

لا تقتصر الأزمة في تشاد ـ مثلها في ذلك مثل معظم الدول الأفريقية ـ على الداخل بل تمتد لتشمل أطرفًا إقليمية ودولية، ففضلاً عن فرنسا ذات العلاقة التاريخية بتشاد والتي تتهمها حركات التمرد والمعارضة بدعم النظام التشادي، تم تبادل الاتهامات في الأيام القليلة الماضية بين 3 عواصم بشأن المسؤولية عن أحداث أنجامينا التي وقعت أخيرًا، إذ يتهم الرئيس التشادي إدريس ديبي، الرئيس السوداني عمر البشير بأنه وراء الهجوم الأخير على بلاده، مؤكدًا سيطرته الكاملة على كافة انحاء التشاد وليس العاصمة وحدها، لكن ديبي ناقض تصريحات رئيس حكومته دلوا كاسيري كوماكوي الذي اتهم ليبيا بدعم وتسليح المتمردين، قائلاً إن العلاقات "ممتازة" بين بلاده وليبيا.
المعارضة التشادية
تتشكل المعارضة التشادية من مجموعات كثيرة تتحالف في الجبهة الموحدة للتغيير بقيادة محمد نوري، وتنتمي غالبيتها الى قبيلة "التاما"، التي تتنافس على النفوذ والثروة مع قبيلة الزغاوة واسعة الانتشار، التي ينتمي اليها الرئيس ديبي.

وقد شكلت المعارضة التشادية تحالفًا يتكون من أبرز ثلاث مجموعات مسلحة تشادية بقيادة محمد نوري وتيمان أرديمي وعبد الواحد عبود ماكاي، وقد تقدمت هذه التشكيلات في الفترة الأخيرة مسافة 500 كلم نحو العاصمة متجنبين الجيش والمواجهة المباشرة، فيما قام الطيران التشادي عدة مرات بضرب هذا الرتل المؤلف من حوالى 300 شاحنة صغيرة تنقل كل منها ما بين 10 الى 15 من عناصر المعارضة.
وليست هذه هي المرة الأولى التي تقع فيها صدامات مسلحة بين النظام التشادي والمعارضة، ففي العام المضي أيضًا حدثت اشتباكات في شرق تشاد أوقعت مئات القتلى، وكما حدث في الماضي، اتهمت انجامينا الخرطوم بتجهيز ودعم قوات المعارضة التي أصابها الوهن من جراء معارك عام 2007.
وفيما يرى المراقبون أن أحد أسباب الصدام الدائر بين الحكومة التشادية والمعارضة هو أن الرئيس ادريس ديبي منذ توليه السلطة يقوم بتقريب أقاربه وأبناء عشيرته في مؤسسات الدولة، ناهيك عن الفساد، يؤكد المراقبون أن السبب الرئيسي للتمرد هو الخلافات حول اقتسام عائدات البترول، الذي بدأ استغلاله في عام 2003.
أوروبا وفرنسا
بعد الهجوم الذي شنه المتمردون على العاصمة التشادية وكاد أن يطيح بالنظام هناك، مخلفًا ورائه 160 قتيلاً وجه الرئيس التشادي إدريس ديبي نداء رسميًا الى الاتحاد الأوروبي وفرنسا لنشر قوة "يوفور" في تشاد وأفريقيا الوسطى سريعًا، قائلا "لو كانت يوفور منتشرة لساعدنا ذلك".
والجدير بالذكر، أن عملية "يوفور" في تشاد وافريقيا الوسطى تهدف إلى نشر نحو 3700 جندي منهم 2100 فرنسي في شرق تشاد وافريقيا الوسطى لحماية 450 الف لاجئ من دارفور (غرب السودان) والنازحين من تشاد وافريقيا الوسطى.
وعلى الرغم من أن الأوروبيين يأملون في استئناف عملية انتشار قوتهم في تشاد إلا أنهم يرون أن هناك عراقيل لوجستية تتصل بالوضعين السياسي والأمني في إنجامينا تصعب من مهمتهم.
وفيما يتعلق بموقف فرنسا تحديدًا من الأزمة التشادية، نجد أن المتمردين ينتقدون بشدة باريس التي أعلنت دعمها الكامل للرئيس التشادي على لسان وزير دفاعها هرفي موران خلال زيارة الى إنجامينا، وقد اعتبر المتمردون في بيان لهم أن "فرنسا اتخذت مسؤولية ثقيلة بانحيازها إلى النظام الدكتاتوري القمعي والفاسد وغير الشرعي وتضليل مجلس الأمن الدولي لتبرير تدخلها المسلح في تشاد"، وعلى هذا، فإن حركة التمرد ـ حسب البيان ـ "ستبذل كل ما في وسعها مع كافة القوى الحية في تشاد من أجل وضع حد ـ لأفريقيا الفرنسية ـ وبناء تشاد جديد"، وفي المقابل، فإن الرئيس التشادي يعلن أن فرنسا لم تتحرك مباشرة إلى جانب الجيش التشادي، ولكنها قدمت معلومات بالغة الأهمية ومفيدة للعمليات التي تم تنفيذها.
السودان
ظلت العلاقة بين الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس التشادي إدريس ديبي علاقة قوية وشخصية مبنية على الثقة، واستمرت جيدة إلى أن برزت مشكلة دارفور التي لعب الرئيس ديبي دورًا في معالجتها والتنبيه المبكر إلى ضرورة حلها، ولكن أخذت الأمور بعد ذلك منحى مختلف تمامًا جعل الطرفان يقفان على خط المواجهة ضد بعضهما البعض.
وقبل اندلاع الأزمة الأخيرة بين النظام في تشاد وحركات التمرد كان واضحًا أن التوتر بين السودان وتشاد ينذر بالفعل بصدام أكيد، فقد دعا البعض في تشاد المواطنين للمشاركة في المسيرة التي تنظمها قطاعات التجار ورجال الأعمال لمطالبة حكومة بلاده بإعلان التعبئة العامة ضد السودان لمواجهة ما أسموه بـ "أطماع الخرطوم في استغلال خيرات وبترول تشاد"، كما أكد هؤلاء أن الخرطوم تسعى لاجتياح تشاد وجعلها ولاية آخرى ضمن ولاياتها.
وتؤكد مصادر في الحكومة التشادية أن دعم السودان للمتمردين واضح ولا يحتاج إلى مغالطات أو دليل، معتبرةً أن تصريحات وزير الدفاع السوداني الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين، ومدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق صلاح عبد الله، حول الأوضاع في تشاد بمثابة إثبات لما ظلت تردده أنجامينا عن تدخل واضح للحكومة السودانية في الشأن الداخلي لتشاد، وربما هذا ما دفع السفير التشادي في واشنطن محمود ادم بشير للتأكيد على رفض بلاده لأي وساطة مع المتمردين والحكومة السودانية، كما شدد آدم على تمسك حكومته بوقف الحكومة السودانية لتسليح وإيواء المعارضة التشادية داخل أراضيها، وتجريدها من السلاح كخطوة أولى للتمهيد للجهود الدبلوماسية والسياسية بين الجارتين.
أما الحكومة السودانية التي تنفي دعمها للمعارضة التشادية ـ لكنها لا تستبعد حدوث تسللات لها داخل الاراضي السودانية من وقت لآخرـ فقد وصفت تهديدات وزير الخارجية التشادي بأن بلاده مستعدة لغزو السودان بعد ان دحرت المتمردين الذين هاجموا أنجامينا، بانها "خطيرة"، واعتبرت مصادر سودانية أن هذه التهديدات التشادية ترقى إلى مصاف إعلان الحرب على السودان.
ومع ذلك، ورغم اللهجة العنيفة المتبادلة بين الجانبين التشادي والسوداني، فإن الخرطوم حرصت على إعلان رغبتها في التعاون مع الجماهيرية الليبية لمعالجة الأوضاع الراهنة في تشاد، مؤكدةً حرصها على الأمن والاستقرار في تشاد من منطلق تداخل العلاقات بين الشعبين، وفي إطار نفس المساعي لاحتواء التوتر بين الجانبين، ترددت أنباء عن زيارة غير معلنة قام بها وزير داخلية تشاد أحمد محمد باشر إلى الخرطوم في إطار السعي لوقف التوتر الحادث بين البلدين.
مساعي محمودة
إذا كان البعض ينأى بنفسه عن التدخل في الأزمة بين الحكومة التشادية وحركات التمرد باعتبارها أزمة داخلية، فليست هناك أى حجج تعوق التدخل لمنع تدهور الأوضاع بين تشاد والسودان، خاصةً في ظل حالة عدم الثقة والاحتقان والتصريحات العنيفة بين البلدين، وفي هذا الإطار ينبغي تشجيع جهود الزعيم الليبي معمر القذافي المستمرة من أجل السلام والاستقرار والأمن في تشاد، وهي الجهود التي تتواصل في إطار اللجنة التي كلفتها القمة الأفريقية العاشرة التي عقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الأيام الماضية، بإيجاد حل نهائي للأزمة التي شهدتها تشاد.
كما ينبغي دعم جهود مصر التي بعثت برسائل عاجلة إلى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وإلى سكرتير عام الأمم المتحدة ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي ، داعيةً إلى التحرك العاجل لاحتواء الموقف المتأزم على حدود الدولتين الأفريقيتين المتجاورتين.
وأخيرًا، فإنه إذا كانت هناك ضرورة لاحتواء الأوضاع المتأزمة في الداخل التشادي، فإن هناك ضرورة ملحة أيضًا لممارسة أقصى درجات ضبط النفس والحيلولة دون انفلات الوضع الأمني على الحدود السودانية التشادية، وهناك ضرورة لالتزام الطرفين بالاتفاقيات الموقعة بينهما في طرابلس وسرت، وعلى الاتحاد الأفريقي وغيرها من المؤسسات المعنية المساعدة في ذلك حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه.

* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر فبراير 2008 م

 

 




.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept