|

|
مبتدأ
|
|
|
|
|
|
|
قصة قصيرة
|
|
|
|
|
للصورة بعدان
|
|
|
تراتيل بقوافٍ منسيّة
|
|
|
|
|
بلاد الشمس
|
|
|
|
|
|
|
من خلال الدراسات العربية
|
|
|
|
|
|
مبتدأ
ردود
حظي الموضوع الذي طرحته ( أشرعة) عبر هذه الزاوية
في العدد قبل الأخير، والذي جاء بعنوان ( مساواة ) بردة فعل كبيرة
من قبل شريحة واسعة من المثقفين البارزين، الذين شاطرونا الرأي في
القضية التي ناقشها العمود، كونه يطرح فكرة المساواة في المكافأة المالية
بين المثقف العماني والضيوف الذين يشتركون معهم في الأنشطة الثقافية
المحلية.
ردة الفعل تلك عكست مدى الإحساس الذي يشعر به المثقف العماني الذي
يوضع غالبا في أسفل القائمة. كما كشف البعض جوانب أخرى من الموضوع
تتجاوز المساواة في المكافأة المالية، حيث أفادوا أن هذه اللامساواة
تلاحظ أيضا في التعامل من قبل بعض وسائل الإعلام، وكذلك في الإعلان
عن الفعاليات. ففي الأخبار الصحفية يرد اسم الضيف في المقدمة بينما
يتم ذكر عدد المشاركين العمانيين إلى جوار الضيف فقط، ثم يتم ذكر أسمائهم
في الأخير وكأن الفعالية مخصصة للضيف أما الآخرون فهم لملء الفراغ.
وفي الإعلانات نرى اسم الضيف وصورته تتصدر الواجهة في حين يأتي المبدع
العماني متواريا في الأخير.
إننا نكرر بأننا مع إكرام الضيف وحسن وفادته وإيلائه التقدير الذي
يستحق، وذلك انطلاقا من ثوابتنا وقيمنا كعمانيين، إلا أن ذلك ينبغي
ألا يتم على حساب أهل البيت. نقدر أن بعض الضيوف هم من الأسماء البارزة
بينما العمانيون ليسوا كذلك، إلا أن ذلك ليس معيارا رئيسيا في التعامل
مع القضايا الثقافية، فثمة أسباب عديدة جعلت من ذلك الشخص بارزا وأهمها
الإعلام الذي سخره الآخرون في إيصال صوتهم والتعريف بمبدعيهم، بينما
لا يزال صوتنا خافتا ضعيفا وسط هذا الهدير الفضائي الجبار. كما أن
بعض الكتاب العرب لاسيما الخليجيين يمتلكون قدرات مالية عالية، لا
تتوفر للكاتب العماني، يسخرونها في سبيل التعريف بأسمائهم، كبض الشعراء
الذين يصورون أغلب قصائدهم بطريقة الفيديو كليب ويوزعونها على القنوات
الفضائية المختصة، التي تبثها عبر أقنيتها الجبارة ليل نهار، وهكذا
بات الكاتب العماني مغمورا والآخر مشهورا، بالرغم من أن الكاتب العماني
قد يفوق نظيره في الثقافة ويتجاوزه في التجربة.
وعطفا على موضوع المكافآت فقد أشار البعض إلى قضية هامة، وهي طريقة
صرف المكافآت التي أخذت أحيانا أشكالا غير مقبولة من قبل المثقف، إذ
أنه يجري في بعض الأحيان أن يقوم موظف بصرف المكافأة في موقع إقامة
الفعالية، حيث يضطر لمناداة المشاركين ومتابعتهم واحدا تلو الآخر وطلب
توقيعهم على ورقة الاستلام على مرأى من الجميع، الأمر الذي يوقع المبدع
في الحرج. إن هناك أكثر من طريقة يمكن بواسطتها إيصال المكافأة كزيارة
الضيف في مقر إقامته في الفندق، أو تسليمها له مباشرة على منصة التكريم
من قبل راعي المناسبة أو غير ذلك من الوسائل التي تجنب الحرج.
إننا جميعا نشترك في المسؤولية من أجل الظهور بمناشطنا وفعاليتنا الثقافية
في أبهى صورة، يخرج منه الضيف مكرما، والمثقف العماني معززا، والجهة
المنظمة في رضا تام بنجاح جهدودها.
حسن المطروشي
shaddad99@hotmail.com
أعلى
مَـلاَك
اجلسي يا ملاكْ.
اجلسي ها هنا،
أوْ هنا،
أوْ تعالي ارسمي وجهَ نهرٍ هنا،
أوْ تعَالَيْ على غيمِ حلمٍ هناكْ.
اجلسي يا أميرَهْ
اجلسي فوق روحي
ثمّ داوي بخطوكِ بين الجراحِ جروحي
امنحي للصباحِ عبيرَهْ
واجدلي للمساءِ ضفيرهْ
شيدي بالضلوعِ قصوراً
ومن كبرياءٍ علاكْ.
اجلسي يا ملاكْ..
اجلسي وتماديْ قليلاً
أوْ فتمادي كثيراً
هذّبي غربة العينِ.. عينيَّ
واللهِ إنّ العيونَ عيونُكِ
إمّا تعتّقَ بالوردِ فيها نداكْْ.
اجلسي ها هنا
واخرجي من هنا
وادخلي من هناكْ.
والعبي لعبَ قطٍّ شقيٍّ
يحاولُ نزعَ الشباكْ.
اجلسي يا شقيّهْ.
واخلطي الأحرفَ العاليات برأسي
والعبي باللغهْ
كي تكون القصيدةُ موّالَ عينيكِ
عاليةً وبهيّهْ.. نسّقتها يداكْْ.
واجلسي، أنتِ مائي
والنجومُ سمائي
والعبي.. إنّها عندما تلعبين ثراكْ.
اجلسي يا ملاكي
واسبحي في الثواني
فالتفافُ السنين فداكْ.
والصبايا يغرْنَ من الضوءِ
أنْ قدْ تجلّى عليهنّ ليلاً سَناكْ.
فاجلسي
اجلسي
اجلسي يا ملاكْ.
محمد جبر الحربي*
* شاعر سعودي
أعلى
التجربة السينمائية العمانية والتأسيس لمهرجان
يوازي المهرجانات الكبرى
عبدالله خميس: دعم الصناعة السينمائية هو ما نحتاج إليه وفقا لظرفنا
الثقافي
إبراهيم الزدجالي: نحتاج المزيد من الخبرة في فن السينما وإمكانياتها
الضخمة
أحمد الحضري: لدينا شركات ومؤسسات تستطيع أن تقيم أضخم مهرجان للسينما
في المنطقة
طالب محمد: سبقنا غيرنا بتأسيس الجمعية العمانية للسينما وأنشطتنا
متواصلة
تحقيق - فيصل العلوي : حينما تجتمع الخبرة وعناصر
النجاح الأخرى لأي تجربة فنية أو ثقافية، تتجه الأنظار إلى العنصر
الأهم الذي له ان يحقق الارتقاء بهذه الفعالية نحو أرفع مراتب التميز،
أو التسبب في إفشالها وهو عنصر الدعم المادي.. كيف بالإمكان أن يساهم
القطاع الخاص إضافة إلى التمويل والدعم الذي طالما تبنته الجهات الحكومية
في في مهرجان كمهرجان ( مسقط ) السينمائي، بحيث يصل إلى مستوى يوازي
فيه المهرجانات الكبرى ؟ ولم لا يفوق المهرجانات الأخرى؟ .. هل يا
ترى اعتمد نجاح المهرجانات السينمائية الدولية على دعم القطاع الخاص
لقناعته بأهمية إقامة مثل هذه الفعاليات وبالتالي يكون الترويج الإعلامي
له هو الهدف الآخر .. أم أن الهدف الأسمى هو ( الإعلان ) فقط !! ؟
وكيف يمكن إقناع القطاع الخاص بالمساهمة في مثل هذه الفعاليات بقناعة
لا يسبقها رجاء وتودد؟ وقبل ذلك هل بإمكان التجربة العمانية أن تؤسس
لمشروع مهرجان سينمائي ضخم بالمعنى الفعلي للكلمة ؟ .. هذا الموضوع
يحيب عليه المهتمون عبر ( أشرعة )..
مقارنات غير عادلة
بداية يتساءل الناقد السينمائي عبدالله خميس ما المقصود بـ (التجربة
العمانية) في سياق السؤال ؟ ويضيف: ولكن يخامرني الظن أن الإشارة هنا
إلى مهرجان مسقط السينمائي الذي أكمل إلى الآن خمس دورات خلال أقل
من عشر سنوات. بالنسبة لي فإن مهرجان مسقط السينمائي يلبي حاجة فعلية
للجمهور وللفنان العماني للتواصل سينمائيا مع العالم من حوله. لا أظن
أن إحدى غايات مهرجان مسقط عند تأسيسه كانت أن ينافس المهرجانات الكبرى
العريقة، ذلك أن هذا المهرجان جاء ليلبي مسألة نحن أحوج إليها في عمان
من مسألة منافسة المهرجانات الكبرى. هذه المسألة هي -كما أشرت قبل
قليل- خلق جسرا للتواصل بين الجمهور العماني وأفلام العالم بما يُسهم
في تشكيل ذائقة فنية نوعية لدى المتلقي، كما يلبي المهرجان مطلب إيجاد
فرصة للتلاقي بين الفنان العماني والمشتغلين بالشأن السينمائي في الخارج
من خلال اللقاء المباشر بضيوف المهرجان والتعرف المعمق على تجاربهم.
هذه الأهداف التي يعمل مهرجان مسقط على تحقيقها هي أهداف مهمة نحن
أحوج إليها في برهتنا الراهنة من أجل تعزيز الثقافة السينمائية وترسيخها
لدى أبناء هذه البقعة الجغرافية.
ويضيف عبدالله خميس: بصراحة شديدة أجدني متوجسا من أطروحات من قبيل
الحاجة إلى أن يكون في مسقط مهرجان سينمائي منافس للمهرجانات الكبرى
بحجة أنه سيرفع اسم عمان عاليا. هل المقصود مثلا أن يكون لدينا فجأة
وبلا مقدمات مهرجان بعراقة مهرجان (البندقية) أو بقدرات مهرجان (كان)؟
المقارنات هنا غير عادلة لأسباب كثيرة. فالكثافة السكانية في بلادنا
لوحدها سبب يحول دون تحقيق هذه الفكرة. أنت حين تقيم مهرجانا في دولة
أوربية فأنت تخاطب فيه مئات الملايين من البشر، أما هنا فكل سكان البلد
من قاصيها لدانيها لا يزيدون عدديا إلا بقليل عن عدد زوار مهرجان (كان)
السينمائي في أي دورة من دوراته، لذا فإن المقارنات هنا لا تجوز وليس
لها أي مسوغ منطقي يدعمها.
ويستطرد عبدالله خميس: حول العالم أجمع توجد مهرجانات من كافة الأنواع
والأحجام والقدرات مصنّفة في فئات ودرجات. كل واحد من هذه المهرجانات
يخدم الهدف الذي جاء من أجله وفقا لحجمه وفئته. وعلى كل مهرجان أن
يُساءَل في إطار أهدافه وفئته وليس خارج إطاره. إن المطالبة بإقامة
مهرجان سينمائي عملاق في بلد أنتجت لغاية الآن فيلما سينمائيا روائيا
طويلا واحدا فقط، أمر يشبه المطالبة بإقامة استاد رياضي يتسع لنصف
مليون متفرج في جزيرة صغيرة سكانها ثلاثة آلاف نسمة. أو كمثال آخر،
أرى المطالبة بمهرجان سينمائي عملاق تشبه أن يطالب أحد ما دولة صحراوية
جافة بمنافسة الهند الخصبة في زراعة الرز! حقا المطالبة نفسها غير
منطقية مهما كانت الحجج التي تقف وراءها. إن ما يمكن أن يرفع اسم عمان
عاليا هو صوت الإنسان فيها، من فنانين وأدباء وإعلاميين، من ناحية
القدرة على التعبير عن الذات والمجتمع. ولذا ففي رأيي أن التركيز على
صناعة السينما والإنفاق على تمويلها ودعم صناع السينما المحليين هو
مطلب مرحلي أكثر إلحاحا من فكرة منافسة الآخر الذي نحن لسنا بحاجة
لمنافسته لأن شروطه التاريخية وظروفه الحالية تختلف عن شروطنا وظروفنا.
وحول فيما لو سنحت الظروف لهذا التأسيس وأن المادة هي الركيزة الأساسية
لكل شيء، فكيف لنا أن نقدم رؤانا للقطاع الخاص لتبني المسألة دون رجاء
وتودد؟ يقول عبدالله خميس : سأبدأ هنا من حيث توقفت في إجابتي عن سؤالك
السابق، وأعني تحديدا إشارتي إلى أن دعم الصناعة السينمائية هو ما
نحتاج إليه أكثر وفقا لظرفنا الثقافي والتاريخي، واسمح لي بأن أتجاوز
الحديث عن فكرة (المهرجان السينمائي الكبير المنافس) لأني أراها سابقة
لأوانها. إن صناعة السينما في عمان كما في أي مكان آخر بالعالم، من
حيث المبدأ، تحتاج قطعا لدعم القطاع الخاص، أو بالأصح عليها أن تكون
صناعة خاصة في المقام الأول ولا بأس أن تحظى بدعم حكومي مكمل للتمويل
الخاص. في المرحلة التأسيسية الراهنة فإن الدعم الحكومي مطلوب بقوة
حتى تقف الصناعة على قدميها، بعد ذلك -وفي فترة لاحقة- فإن حدا أدنى
من الدعم الحكومي قد يكون كافيا للاستمرارية. إلا أن هذه الفكرة المبدئية
ترتطم بجدار الواقع بسبب كوننا أمة ذات كثافة عددية محدودة، وهو شأن
له اعتباره بمعايير السوق السينمائية.
ويضيف .. في دولة مثل السلطنة فإنه لكي نصنع سينما لابد أن تعامِل
الجهات الحكومية هذا الطموح كمشروع غير ربحي، ولكن كاستثمار ثقافي
لبناء الإنسان. لماذا كمشروع غير ربحي؟ لأن السينما مكلفة. فإذا كان
متوسط تكلفة إنتاج فيلم سينمائي واحد لا تقل عن مائة ألف ريال عماني،
فإذا حسبنا الدخل المتوقع وفقا لمرتادي السينما لدينا فإن المرء لا
يتوقع أن يجلب أي فيلم سينمائي عُشر تكلفته. نحن محكومون بهذا لظرف
ديموغرافية. ولذا إذا كان الربح المادي هو الهدف من صناعة السينما
فعلى المرء أن ينسى الأمر برمته. وعليه فإن القطاع الخاص سيظل بحاجة
دائما إلى دعم حكومي مساند لتحمل الخسارة. كما على القطاع الخاص -حين
يصنع فيلما محليا- أن يخرج به للأسواق الخارجية -إذا أمكن- بغرض دعم
شباك التذاكر، وهي أيضا مسألة صعبة. فمن ذا تراه يكون السوق الخارجية
لفيلم عماني؟ إن عمان ليست البلد الوحيد الذي يواجه هذا المأزق في
مسألة صناعة السينما (وأعني به ارتفاع التكلفة مقارنة بالعائد المنتظر
بسبب قلة الكثافة السكانية). إن بلدا مثل أستراليا -رغم أن عدد سكانها
20 مليون نسمة- إلا أن ضعف السوق المحلية هناك يجعل الفيلم الأسترالي
غير قادر بعد على الاستقلال في مصادر تمويله عن الحكومة، لكن ما يسعف
أستراليا هو السوق اليابانية التي تعتبر أكبر مصدر دخل للسينما الأسترالية.
لا أظن أن اليابان ستلعب نفس الدور مع أفلامنا، ولذا فإن مأزقنا أكبر
إذا كنا نريد تأسيس صناعة سينمائية. لحسن الحظ فإن التكنولوجيا ذاتها
بدأت بتقديم بعض الحلول نظرا لدخول التصوير والمونتاج الرقمي عالم
السينما، وهو ما من شأنه أن يخفض كلفة الإنتاج. لعل في هذا جزء من
الحل.. لعله!
لا يمكن .. !
وللفنان إبراهيم الزدجالي رأي صريح يقدمه بإصرار حيث يقول : لا يمكننا
فعل ذلك ليس على المستوى العالمي وإنما حتى على المستوى الخليجي ..
ويشير إلى انه في الخليج ما زالت الممارسة للتجربة بسيطة جدا ونحن
نحتاج المزيد من الخبرة في فن السينما وإمكانياتها الضخمة إضافة إلى
المادة وأمور كبيرة أخرى.. ويضيف ابراهيم الزدجالي ان صناعة السينما
عملية ضخمة جدا وتحتاج إلى إمكانيات أضخم وشركاتنا الإنتاجية قليلة
جدا ومحدودة القدرة بإمكانياتها البسيطة كما أن القطاع الخاص لا يؤمن
تماما بوجود الفن ومبتعد كل البعد عن الفن وعن السينما ، أما مسألة
إقناع القطاع الخاص للدخول في هذا العالم فهذا الأمر راجع للمنتج المنفذ
والمنتج المنفذ لابد أن يعرف أساسا ما هو المردود وراء ذلك لذا فإن
الأمر يصبح مغامرة والقطاع الخاص يهمه الربح أولا لذا من الصعب جدا
دخوله في مغامرة مجهولة المردود وبدون ضمانات !! ، لذا فإننا نحتاج
إلى ضخ مادي طائل لهذه الصناعة وجذب خبرات خارجية فليس معنا كتاب سيناريو
السينما والإخراج والتصوير والإضاءة والأمور التقنية هذه تحتاج لمزيد
من حلقات العمل حتى على مستوى الخليج فنحن نفتقدها لهكذا صناعة ، وحينما
نقوم بتصوير فيلم خليجي نستعين بقدرات من الخارج! ويرمي الفنان إبراهيم
الزدجالي لوما صريحا جدا في نهاية حديثة قائلا : بأننا ليس لدينا القدرة
على تقديم مسلسل يقدم رؤانا ورؤى الجمهور بالطريقة الحقيقية الناجحة
فهل بإمكاننا ان ننافس سينما العالم ؟.
خلل واضح
اما المخرج أحمد الحضري فيؤكد في بداية حديثه بأن ليس هناك تجربة كبيرة
لدينا في السلطنة في العمل السينمائي وكل رصيدنا فيلم واحد هو الذي
نغني عليه ليل نهار حين نذكر سينما وأفلاما. وحين بدأ العمل على إطلاق
مهرجان للسينما كانت هناك العديد من الأصوات التي نادت بعدم جدوى هذا
المشروع ونجاحه كون انه ليس لدينا سينما حقيقية في الإنتاج والعرض
والممارسة وان عمل كهذا يحتاج إلي جهود كثيرة من المؤسسات أولا والأفراد
الفنانين منهم والمثقفين وشرائح متنوعة من المجتمع لديها اهتمام بالعمل
السينمائي ووعي بما يعنيه مهرجان للسينما ومع كل هذا انطلق مهرجان
مسقط الدولي للسينما بكل ما يمكن أن يكون مهرجانا للسينما وتكاتف جهود
محبة للعمل الفني وظهر المهرجان وتوالت دوراته بعد ذلك وأصبح من ضمن
النشاط الفني والثقافي في السلطنة، ولكن في اعتقادي الشخصي أن انتكاسة
كبيرة أصابت المهرجان عندما تم جدولته كل عامين بدلا من دوريته السنوية-وهنا
أسباب كثيرة أدت لهذا القرار - كون أن وجود مهرجان سنوي يضعك في قلب
الأجندة الدولية للمهرجانات ويصبح له متابعون وحضور وأفلام وكذلك آلية
العمل تتواصل ولا يحدث هذا الفراغ بين عام وآخر في العمل وفي المتابعة
وهنا يأتي السؤال هل يمكن للتجربة العمانية أن تؤسس لمشروع سينمائي
يفوق المهرجانات الكبرى المعروفة ؟ واجد أنني حالما جدا لو قلت نعم
ومتشائما للغاية إن قلت لا والأفضل أن نحلل الأمر قليلا لماذا لا نقول
بدءا أن يكون المهرجان في حجم المهرجانات المعروفة وليس اكبر منها
أو يفوقها لأننا حقيقة لا نستطيع المنافسة لمهرجانات لها سنين من التجربة
والعمل لتصل إلى المستوى الذي وصلت إليه وما أتى منها جديد ووصل إلى
مستوى كبير توافرت له عدة عوامل ليس متوفرة لدينا واهم عامل هو المال
ففي هذه الحالة التي توضع فيها ميزانيات ضخمة لإقامة مهرجان ما وتفتح
له كل الأبواب التي توصله إلى النجاح فلابد أن يكون ضخما إن لم يكن
مميزا وناجحا لأن المنظمين حينها يستعينون بذوي الكفاءة والتجربة في
التنظيم وفي العمل اليومي للمهرجان وفي التنسيق المسبق للمهرجان والتعريف
به في المهرجانات الكبيرة الأخرى ونرى في تلك المهرجانات كيف يتم الترتيب
للمهرجان من خلال الإعلان في عدد كبير من وسائل الإعلام وفي المواقع
الالكترونية والشوارع والفنادق وغير ذلك الكثير هذا من ناحية الجانب
المادي ماذا عن الجمهور ؟ وهو العامل الرئيسي في نجاح المهرجانات السينمائية
فلدينا في السلطنة جمهور قليل جدا ممن يحضر العروض في مهرجان السينما
ونجد أن بعض العروض ليس فيها سوى عدد من الصحفيين والمنظمين.. فأي
شعور سينتابني كمخرج ومنتج أو ممثل عندما أرى القاعة خاوية من الجمهور
وكيف لي أن أتحمس للمشاركة في دورة قادمة، لكن لتسجيل الحقيقة كما
رأيتها في المهرجانات السابقة أقول إن لدينا كوادر بشرية ممتازة جدا
في التنظيم واستطاعت رغم محدودية الميزانية ان تقيم مهرجانا على مدى
أعوام متتالية واستطاعت أن تحضر عددا من المخرجين والمنتجين والفنانين
ووسائل إعلام متنوعة للمهرجان وهنا السؤال التالي وهو ما الذي يمكن
ان يساهم فيه مهرجان كبير للسينما في السلطنة ؟ وهنا ليس رفاهية ان
تقيم مهرجان للسينما ولا ملء فراغ في الساحة وهو فراغ عميق جدا على
مدى العام نعيشه كمخرجين وفنانين ومهتمين بالسينما والأفلام وفي الحقيقة
ان مهرجان السينما يقوم بتحريك الساحة الفنية والإعلامية في السلطنة
والخليج كذلك بل وبعض الدول العربية لان من دورة للأخرى نجد أن الأفلام
تتنوع والحضور الرسمي من الفنانين والمنتجين تتنوع وان كانت تقل أحيانا
كما أن مهرجان السينما كلما كبر وزادت عروضه وزاد عدد الفنانين والصناع
كلما أوجدت عدد اكبر من الجمهور والمشاهدين ووسائل الإعلام المتابعة
وهذا بدوره يسهم في تنشيط الوسط الفني وفي تفعيل العمل الثقافي لدينا
كما يخلف جيلا جديدا من المتابعين والمهتمين بالعمل السينمائي وأيضا
يساهم في التعريف بالسلطنة في الخارج وفي التساؤل عن المهرجان والدولة
التي تقيمه وفي تشغيل اكبر للمنشآت السياحية من مطاعم وفنادق واسواق
وغير ذلك. وأخيرا القطاع الخاص وهو المحك الحقيقي الذي نقف جميعا أمامه
حين نقيم أي عمل ثقافي أو رياضي حتى في السلطنة ؟ الأمر في غاية التعقيد
فهي دائرة متكاملة من العمل للوصول إلى التميز والنجاح وإقامة شيء
ما بحجم ما يقام في أماكن أخرى من العالم ليس لديها الإمكانيات التي
لدينا من شركات ومؤسسات تستطيع إن كانت جادة ومهتمة أن تقيم أضخم مهرجان
للسينما في المنطقة لكن التجربة اثبت أن هناك خللا ما بين القطاع الخاص
والعمل الثقافي في السلطنة فلا نجد رعاة للأيام الأدبية والفنية سواء
كان عملا مسرحيا أو سينما أو شعر إلا أن كان هناك عائد سيأتي للشركة
الراعية فكل التفكير في الربح وليس في الدعم للعمل الثقافي والعاملين
فيه. وهنا لابد أن تكون هناك رغبة صادقة لدى رجال الأعمال في تفعيل
الحراك الثقافي في السلطنة . وحين ترغب في إقامة مهرجان الكل يعتذر
بانشغاله وعدم مقدرته على الدعم إلا القلة التي لا تعطي على مضض واستحياء
وهم يتكررون في كل مهرجان.
سبقنا غيرنا
ويشاركنا الفنان طالب بن محمد البلوشي قائلا: إن التجربة العمانية
قاست الكثير حتى وصلت إلى صناعة المهرجان الأول ومن ثم الاستمرار حتى
الخامس فإنتاج الفيلم الأول ( البوم ) وهذه التجربة بحد ذاتها تستحق
الاستمرار من اجل الوصول للعالمية وقد حدث وان وقعت الجمعية في المهرجان
الثالث اتفاقية توأمه مع مهرجان (نانت) و( كان ) ليست بعيدة عن نانت
والتنافس من حيث المكان والزمان يفترق ففرنسا تقع في أوروبا وهي بلد
الثقافات (وكان) تاريخا ابعد بكثير عن عمان ولكن باجتهادنا وتكاتفنا
سوف نصل إلى ما نصبوا إليه ونحن يحدونا الأمل في كل يد طيبه تقدم لنا
المساعدة والدعم من المدركين حجم ثقافة السينما ومكانتها بين الأمم
وكون أننا استطعنا أن نصل إلى المهرجان الخامس في عمر تأسيس الجمعية
أو أساس وجود حركة السينما من المؤسسين الأوائل فإننا بذلك نستطيع
أن نقول إن المشهد الثقافي في مجال السينما مستمر في السلطنة وعلى
الأقل فنحن قد سبقنا غيرنا بتأسيس الجمعية العمانية للسينما وأنشطتنا
متواصلة بإقامة فعاليات مع السفارات الصديقة في أسابيع أفلام الدول
كالأسبوع الفرنسي للسينما أو التايواني أو الصيني أو أي دوله صديقة
وكذلك تحفيز الشباب في تصوير وإخراج الأفلام القصيرة كالتسجيلية والروائية
والفيديو وكل نشاط فلمي وهذا دليل على الطموح للوصول إلى العالمية
!
ويضيف: نحن نحتاج إلى دعم الدولة والشركات الراعية ورجال الأعمال ومسئولي
الدولة الملاك للفنادق وشركات السيارات والطيران والتعاون معنا كما
يتعاون مدراء شركاتهم من الوافدين مع الجاليات حين إقامة الفعاليات
الفنيه الثقافيه ، كما أننا بحاجه إلى الفضاء المفتوح للقيام بمثل
هذه الفعاليات من مهرجانات وأيام سينمائية وتعاون مع الجمعيات الأخرى
والمؤسسات الثقافيه لان نقوم بالاستمرار بالعمل الدؤوب من اجل توسيع
رقعة العطاء في مجال الفيلم أو السينما بالذات وأيضا التأكيد على دور
الصحافة في مجال النشر والتعاون في استقطاب الشركات عندما يتم طرح
صفحه كنشره يوميه لأيام المهرجانات حتى تتفاعل الشركات وتقدم الدعم.
ولكن يبقى الأهم وهو الفهم والإدراك لدور الثقافة في كل أشكالها وعلى
ألا تؤخذ على أنها هامشيه في نسيج الجسد المتكامل من قلب الوطن.
إجابة الزمن
وبين رغبة وآمال ليس يحققها سوى الوقت فإنه من الضروري تكثيف حلقات
العمل نحو مزيد من الخبرة في فن السينما وإمكانياتها الضخمة، إضافة
إلى دعم الصناعة السينمائية لما نحتاج إليه وفقا لظرفنا الثقافي، وفي
هذا السياق تعتبر التجربة التي أسستها الجمعية العمانية للسينما في
هذا النشاط المتواصل مثالا طيبا ينبغي الانطلاق منه ، ولدينا الشركات
والمؤسسات التي من المؤكد تستطيع أن تقيم أضخم مهرجان للسينما في المنطقة،
وربما الحديث يسهل كثيرا في خلاصته ولكن تحقيقه على النحو المرجو صعب
المنال أقله في الوقت الحاضر .. فمتى تجتمع كل تلك الضروريات من أجل
هذا المهرجان السينمائي الحلم ؟ هذا السؤال إجابته عند الزمن الجميل
القادم بإذن الله تعالى .
أعلى
قصة قصيرة
موضوع إنشاء
في حصة التعبير خط أستاذ اللغة العربية على السبورة
الآتي: اكتب في أحد الموضوعين التاليين:
1ـ من الأشخاص الذين لهم أفضال كبيرة عليك ـ تمتد من بداية حياتك إلى
نهايتها.. والدك، فهو من أشرف على تربيتك وأنفق على احتياجاتك ودراستك،
عبر عن ذلك موضحا دورك في بر والدك ورعايته .
2ـ ناصر طالب طموح ومجد ومثابر في دراسته وحياته.. كيف تتصور أن تكون
حياة ناصر مستقبلا؟
كتبت في الموضوع الأول:
أما والدي فقد قال لهما بين الصراخ والبكاء المكتومين من جهة أمي والذهول
والفزع الغريبين من جهة زوجته الأخرى: إن السكين فاجرة جدا، سحبتْ
نفسها بنفسها وسقطتْ عامدة متعمدة وبإصرار مُبيت على صدر أخي، وأخبرهما
والشرر يتطاير من عينيه ويتحول إلى نار تلهب وجهه وتستقر على الوجنتين
خاصة، أنه هدد وتوعد فقط لا غير وأنه أحمى الحديد واقترب من النار
لا أكثر وأنها هي هي تلك السكين الملعونة التي اخترقت اللحم وغاصت
في أطراف العظم وتعمقت في التراب القريب من الجسد الصغير الذي كان
يئن تحت جسد أبي الضخم، وأخبرهما في تأكيد مناف لما رأته العيون أن
اللهاث الكبير الذي سمعته الآذان كان دون شك لهاث السكين المسعورة
بفعل رائحة الدم وأن أخي لفظ أنفاسه شكلا ومضمونا وبأسلوب أحادي ومفرد
ومتقطع وممتد بين ليلة وضحاها بتواطؤ مسبق وخبيث بين السكين ذات النصل
الدقيق مع حبل المسد المعلق على الشجرة في وسط دارنا. عندها فكرت أن
أبر أبي بغسل يده بماء الورد، حتى أنفى رؤيا الصور واللحظات السابقة
القريبة ورؤيتهما غارقتين في الدم، وأن أصفي ذهني المشوش منذ هذا الصباح
من وجهه الجاحظ، وأن أترك السكين وحدها مبللة بالدم وعروق الأجساد
كشاهد عيان على شراسة الحديد، ولكن خوفي من مجهول غريب كبلني وبقيت
ملتصق الظهر بالجدار الذي داراني عن وجه أبي ووجهيهما والسكين وحبل
المسد .
وأما أمي فقد تصورتها في ذاكرتي القديمة تضمنا تحت جناحيها كدجاجة
مرعوبة جدا هذه المرة وتسقي آذاننا بنحيب متقطع وارتجافات متباعدة،
رأيتها في الصورة العتيقة تقترب من أخي وتباعد بلطف ما بين فخذيه وتلامس
في أسفله حرقا عميقا وملتهبا، ثم تغير جهتها وتقترب من صدره وتلامس
غدر السكين الأول عليه، وبين السكين الغادرة وحبل المسد تقترب منها
أختي الصغيرة تتطلب منها أن تغني لنا أغنيه حتى ننام وساعة يزيد صمتها
ويصبح بكاؤها نشيجا وعواء، تضع أختي رأسها على فخذها وتغمض عينيها
في إعياء شديد وأنزوي أنا في ركن صغير ومظلم ويئن أخي بعد أن يكون
العرق بلل حرقا ما بين فخذيه .
أما قولها الذي عاد طريا ورخوا إلى ذاكرة الجدار الذي استند إليه مداريا
الصور العديدة فقط قالته لنا في الليالي الأخيرة ـ قبل بزوغ شمس هذا
الصباح ـ وبالمعنى وصل إلينا: إن ابن آدم مسكين ليس له مكان يأوي إليه
حتى نفسه، فيما بحثت بين السور عن آيات أسكت بها نفسها القلقة فقرأت
لها من المصحف (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه بالوالدين إحسانا)
وممعنا في تقليد أستاذ الدين أكملت (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو
كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما) .
على الجدار كتبت وبالجدار التصقت وأخبرت والدي الواقف خلفي بصمت ثقيل،
كما سمعت أمي ترتل في أحلامها المظلمة أمام أختي هذا لن أناديك أبدا
إلا بضمير الغائب، سأنتظر يقظتك وانتباهك لتنظر في أحيان متباعدة إلى
جهتي، لن أناديك أبي أو أي شيء آخر، بالمجمل لن أستخدم ضمائر المخاطب
لأن قاموسي لم يعد يستوعب لفظة فرضتها الوراثة والناس.
ومن خلف الجدار وضعت رُقية في حلقي لم تصل إلا من أمام الجدار، وقلت
في بر وإحسان خالص ومتفان لأبي:
ـ لا تشر إلى أخيك بسكينة أو حديدة، حتى لا تلعنك الملائكة.
كتبت في الموضوع الثاني:
كان أخي ناصر طالبا طموحا ومجدا ومثابرا في دراسته وحياته وكان ذا
مستقبل باهر إلا أنه رأى حلما ذات ليلة واستعاذ منه، ما رآه و تذكره
في حلمه الأول الرائحة العطنة الناتجة من احتراق لحم لزج ومختلط بالبول،
وما رآه ـ وكان غائما في التعبير عنه ـ أنه وجد نفسه مثبت اليدين إلى
الأرض بوتد في ساحة دارنا، وما رآه وتأكد منه همس زوجة والده وهي تقول
لوجه أبيه الكابي بين السكين والدم والجسد الغريب المسجى فوق التراب:
ـ إن كان لم ينتحر هذه الليلة فإنه سيموت .
تأكد من أنها وشوشت لأبي بكلمات لم تصل لشخص متوار خلف الجدار وأن
تلك الكلمات جعلت أمي تتقلص كقزم مبلل بالعرق وأن الحلم كان فيه رجاء
مكرر بصوته:
ـ أتوب، والله أتوب.
وكان أخي ناصر سيصبح إنسانا ذا شأن كبير في مستقبل حياته لولا أنه
رأى في المنام الثاني امرأتين لم يتبين وجههما ـ إلا أنه سمع صراخ
وبكاء المكتومين يصدران من جهة إحداهما وشعر بذهول وفزع غريبين من
يدي الأخرى ـ تقفان على رأسه وتلمس الدم النافر من أنامل والد كان
يسحبه برفق صامت إلى أفعى ملتفة كحبل على الشجرة وسط الدار ثم يتركونه
لوحده هناك، وفي الحلم الثالث سمع صوتا لم يعرفه يقرأ عليه (وقضى ربك
أن لا تعبدوا إلا إياه بالوالدين إحسانا) ثم يزيد عليه (إما يبلغن
عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما
قولا كريما). فأخذ يد أبيه وقبلها ومسح عنها دما أحمر قانيا نتن الرائحة
لم يعرف كيف نبت على الكف العريضة والقاسية .
وفي حلمي ليلة البارحة كان أخي ناصر يشبه عصفورا صغيرا لم يغادر عشه
بعد، يركض ويلعب في الساحة ويتغلب على أولاد الحارة بمهارة في كرة
القدم إلا أنه تعثر بشرك نسج من تدبير السكين الخائنة وحبل المسد المعلق
وأخ كان يجفف فراشه المبلل، وهو يداري بخوف سنواته الطويلة المنهكة
منظر الجسد الهزيل والمعلق في شجرة وسط الدار في هذا الصباح.
رحمة المغيزوي*
* قاصة عمانية
أعلى
قراءة في لوحة الفنان مارك تانسي "اختبار
النظرة البريئة"
هذا العمل الفني رغم واقعيته تم عرضه بطريقة شيقة وظريفة ومغايرة للواقع
والمنطق
لماذا يلجأ بعض الفنانين إلى الأسلوب الواقعي رغم طفرات الفن التشكيلي
المعاصر؟
مهما بلغت مراحل الفن التشكيلي وتغيرات أوجهه
ومدارسه، ومهما تنوعت تلك الاتجاهات والأساليب وكثر الفنانون، يبقى
الفن مرتبطا بالفكر والعاطفة والمشاعر والانفعالات الحسية. إن القيمة
التي يطرحها العمل الفني لا ترتبط فقط بالأسلوب أو المدرسة المنتمي
إليه العمل الفني وإنما ترتبط أيضا بقيمة الأداء وقيمة الفكر المحمول
بداخل هذا العمل أو ذاك. وقد يعتقد البعض خطأ أن انتقال الفنان إلى
مراحل التصوير التجريدي بأنواعه التعبيري، أو الشبه تشبيهي، أو التجريد
المطلق يعتبر من أرقى أنواع التصوير، ومن هنا جاءت فكرة اعتبار التصوير
الواقعي أقل مكانة مقارنة بالتصوير التجريدي الحديث لأنه يرتبط بالواقعية
والتسجيل المباشر للحدث أو الصورة. ولكن هل تساءلنا عن ماهية القيمة
الفكرية بداخل ذلك العمل، ولماذا يلجأ بعض الفنانين إلى الأسلوب الواقعي
رغم طفرات الفن التشكيلي المعاصر؟
في هذه القراءة سوف نعرض عملا من الأعمال الواقعية للفنان (مارك تانسي)
وهذا العمل يحمل عنوان "اختبار النظرة البريئة" وهو موجود
في متحف "المتروبولتن أرت" في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة
الأميركية.
وكما هو معروف أن عملية النقد الفني تمر بمراحل ابتداء من الوصف، والتحليل،
ومرورا بالتفسير وأخيرا إصدار الأحكام الجمالية المرتبطة بالعمل الفني
المنجز. وهنا نحاول تقريب الصورة إلى متلقي العمل الفني وذلك من خلال
القراءة السريعة لهذا العمل والذي يحمل عنوان "اختبار النظرة
البريئة". ففي هذا العمل الضخم والمرسوم على قطعة توال/ كأنفس
كبيرة الحجم قام الفنان (مارك تانسي) بتخطيط ورسم عدد من النظرات التي
يقوم بها عدد من الموظفين الرسميين لفحص، أو اختبار وتسجيل رد فعل
بقرة حقيقية حول رسم من الطبيعة لبقرتين مرسومتين بالحجم الطبيعي.
الرجال يرتدون سترة مختبر وبذلا مشتركة - باستثناء رجل واحد يمسك بمكنسة
تنظيف - وجميعهم يرتدون نظارات طبية.
إن الوصف السابق قد يثير بعض التساؤلات مثل لماذا يُأتى ببقرة حقيقية
إلى المتحف؟ ولماذا تم رسم هذه البقرة وهي ترى لوحة لأبقار؟ ما الرسالة
من وراء ذلك؟ ولماذا جميع الرجال يرتدون سترة مختبر وبذلا مشتركة؟
وما سر استثناء الرجل الآخر؟ ماذا يريد الفنان من قوله وأين تكمن النظرة
البريئة في هذه اللوحة؟ وهل يمكنك تحديد مستويات وأنماط هذه النظرة
بمعنى آخر:هل هي نظرة الأبقار المرسومة للبقرة الحقيقية؟
هل هي نظرة البقرة الحقيقية للبقرتين المرسومتين؟
هل هي نظرة الرجال الموجودين في اللوحة نحو البقرة الحقيقية؟
أم هي نظرة المشاهد لهذه اللوحة التصويرية؟
بعد النظر إلى رد فعل البقرة "الحقيقية" للأبقار "المرسومة"،
وردود فعل الرجال لرد فعل البقرة الحقيقية للأبقار المرسومة، وردود
فعل المشاهدين لهذا العمل الفني، فإنه من السهل إدراك الشعور المغلف
بالتورية الخاصة برؤية الفنان مارك تانسي. فقط اسأل أي شخص شاهد هذا
العمل الفني وسوف تكتشف سر وجمال هذا العمل الفني. إنه لوحة في لوحة،
بل هي رسالة للجمهور.
يقول أحد المشاهدين لهذا العمل "إن هذا العمل التصويري يختبرنا
نحن (نظرة المشاهد)" بينما يقول آخر"إنه يحاول أن يستشهد
ببعض الاستجابات ويفحص المرء أفكاره ودوافعه ومشاعره نحو هذا العمل"
لذلك فمنذ أن قام الفنان مارك تانسي بوضع خلفية هذا العمل الفني كما
في أعمال الفنان كلويد مونيه وبووليس بوتر فإن الناقد شونلي كوبر يقترح
أن مارك تانسي قد يكون يحاول اختبار المشاهد إذا ما كان قد يدرك أن
خلفية اللوحة هي عبارة عن لوحة تشبه لوحة لفنان كبير اسمه كلويد مونيه.
إن هذا العمل الفني رغم واقعيته تم عرضه بطريقة شيقة وظريفة ومغايرة
للواقع والمنطق، رسالة يريد الفنان يبلغها للمشاهدين الذين ينظرون
الأعمال الفنية بدون وعي أو حتى إدراك لما يتم رؤيته من معاني ومشاعر
وأفكار يتم تجسيدها في صور جمالية ذات مغزى. فللمشاهد أترك هذا العمل
مع هذا القدر من التحليل والتفسيرات.
د. محمد بن حمود العامري*
*كاتب عماني
أعلى
للصورة
بعدان
شرّعنة الكتابة عن اليأس
خرجت من عُمان تجارب شابة كثيرة التصقت بأمكنة
غربية وعربية عديدة، صادف بعضها الفشل وهي بعيدة عن التغطية في هذا
المقال، ولبعضها الآخر حالفه الحظ والتوفيق. ومن هذه التجارب ذات البعد
الفكري والثقافي المميزين أذكر على سبيل المعرفة والإطلاع تجربة الكاتب
(عبدالله حبيب) الذي يكتب أشكالا متباينة من السرد: كالقصة القصيرة
جدا والقصيدة والسيناريو السينمائي، وكذلك تجربة الشاعر (سيف الرحبي)
بالإضافة إلى تجربة القاص (محمد اليحيائي) وأعتقد جازمة أنّ تجربة
القاص (سالم آل توية) من التجارب القصصية الإبداعية الهامة في عمان،
لكونها أولى التجارب التي كان اشتغالها على النقلات الزمنية وتدخلات
السارد في حواشي القص ومتونه واضحة بشكل كبير. هل نستشهد أيضا بتجربة
القاص (أحمد الزبيدي)؟ ولمَ لا؟ لأنّ مجموعته القصصية "انتحار
عبيد العماني" في نظر بعض نقّاد الأدب الخليجي، تُعدّ واحدة من
أهم التجارب القصصية في الخليج، لكونها اشتغلت على أبنية داخلية جدّ
عميقة ومذهلة عن تجليات المكان العماني وانشطار الذات، بالإضافة إلى
كونها تجربة تسرد جانبا من المكان الطفولي في القرى والجبال والحضر،
مكانا ينشأ ويكبر في حماية العسكر وبين أضرحة القبور والسجون! بالإضافة
إلى ذلك تميز أسلوب (أحمد الزبيدي) السيكولوجي الذي ينتح مفرداته من
تجربة شخصية الأمر الذي جعل لأسلوبه معجما لغويا ودلاليا يصعب في بعض
الأحيان تفكيكه. وعلى الرغم من كل التوصيف السابق لمجموعة "انتحار
عبيد العماني" ـ فإنّ المجموعة لم ترق لي كثيرا ـ ولعلنيّ أحتاج
زمنا آخر ينتحر فيه العمانيون حتى أستطيع التجاوب مع كل انزياحات اللغة
السردية المتفجرة بالإشارة وأزمنة القص المتداخلة والمتعاقبة، والسارد
اليائس كثيرا من أمله في رؤية الشمس، أو هو سارد عائم يقول بلا غائية
الفكر والوجود.
استطاعت التجارب المشار إليها طرح نفسها بقوة عميقة على مستوى المكان
العربي والعماني، وكذلك على مستوى المكان الآخرـ وإنّ كنت أجهل مسارها
بدقة ووضوح ـ! وكان للقراءة السردية التي أقيمت في النادي الثقافي
قبل أسبوع ما يؤكد هذا الحسّ ـ قراءة عبدالله حبيب ومحمد اليحيائي
ـ حصريا دون التقليل من تجربة كاتبتنا الجميلة القاصة "جوخة الحارثي"
وتجربة المخرج والسيناريست والشاعر والروائي والقاص المتميز خليجيا
وعربيا وعالميا "أمين صالح" الذي كان للمكان البحريني الأسطوري
دهشته وثقله في نصوصه التي قرأها.
شخصيا ليس الطرح السابق هو من باب مديح الأصدقاء أبدا، فهذه لغة لا
أجيدها بفضل الله تعالى. إنّما البعد الأساسي للصورة هو تجربة الكتابة
مع اليأس، أو فلنقل حفاظا على عنوان المقال "شرعنة الكتابة عن
اليأس". أظنني من المهتمين بتجارب الآخرين الإبداعية، ـ وحصريا
الغنية والكثيرة الثراء حتى الفحش ـ وأحسب هذا نوعا من الالتزام والاحترام
الأدبيين اللذين لا يبعثان على الاستقرار أبدا ـ كما أظن أن هذه التجارب
التي عاشت في مكان غير عماني زمنا لا معقولا ـ استعمل مصطلح اللامعقول
في معناه المدهش والمجنون والجميل الذي أدهش العالم بأهم التجارب الإبداعية
المسرحية اللامعقولة ـ، لا شك قد حدث لها ما شرخها عميقا في الروح.
أقول الروح لأن الجسد هنا ليس له قيمة. الروح فقط هي الكبيرة لأنها
الجوهر. وأنّ ما حدث لهذه الروح من نقلات وقفزات وانكسارات وخيبات
أظنه ينقسم ركحيا مع الهوية التي يتعذر التعامل معها أو التفكير بها
كما يرى (إدوارد سعيد) "من خلال ذاتها وحدها، فهي لا تستطيع أن
تؤسس أو حتى تتخيل ذاتها من دون ذلك الانقطاع أو الخلل الجذري والأصلي
العميق"، فالهوية من هذا المنطلق لا تكتفي بالتشّكل في ظل منظومة
الاستعمار أو معه فحسب؛ بل تتجاوزه لتؤثث فراغها في حالين أيضا مدهشين:
السفر والغربة، كأهم مكونين سلبيين للاغتراب يحفزان المبدع على تشكيل
شخصية مغتربة ضمن مكانه الأول، ومن طرفه فإن المبدع يألوا جهدا مضاعفا
لتأكيد اغترابه ولا يتبدى ذلك إلاّ في بحثه المحموم عن أشكال جديدة
من التعبير ومغايرة أقل خضوعا للشكل القانوني أو التقليدي المتعارف
عليه والمطمئَن لولائه.
فأين يجد المبدع ذاته، وأين لا يتقاطع مع تجارب الآخرين ليقول تجربته
الخاصة والعميقة حدّ التشظي؟ هل من سبيل غير الكتابة؟ وهل من وصفة
سحرية غير الالتزام بها؟ شخصيا لا أعتقد غير هذين السبيلين؛ القراءة
والكتابة هما المنتهى. ليس لأنّ الكتابة تعني المشاكسة، الكتابة ليست
مشاكسة وليست وصفة سحرية لعلاج انتهاكات المجتمع وليست خلاصا أبديا
لأحد، الكتابة لا تعني هذا كله.
تكشف بعض تجارب المبدعين مع الكتابة الإبداعية أنها نوع من الالتزام،
وأن لهذا الالتزام حساسية خاصة تجاه أنه كذلك. آمل أننيّ وفقت في هذا
التخريج. ولا بأس من الاستطراد. ليس الالتزام الأيديولوجي، ولا الوظيفي
حد الفاشستية، إنه التزام لا ينقطع بانشغال الهوية الثقافية بالمعرفة
المنتجة لكل أشكال الوجود والقلق. فشكل الكتابة ومضمونها يُعدان أبرز
ما يميز تجربة (عبدالله حبيب وسيف الرحبي ومحمد اليحيائي وسالم آل
توية وأحمد الزبيدي) الإبداعية. كتّاب انشغلوا ببناء متلقٍ محتمل الوجود،
ولا تكف نصوصهم عن تحريضه ليدخل معهم في إيقاع الشكل. ألا نلحظ أن
المركز يتحول إلى هامش تافه وحقير لا معنى له! ليهدم المتلقي المحتمل
الوجود الصورة الثابتة لأبنية السرد في دخوله لعبة إيقاع الشكل الكتابي
المغاير؟ وربما يخلص القارئ إلى نتيجة تفضي به السير عكس اتجاه عقارب
الساعة، فيغدو الهامش مركزا والمتن مجرد عتبة! وبينما يظن القارئ أنه
قبض على أبعاد الشخصية القصصية المادية، لا شك يبدأ القلق يساوره ليغرقه
في حوض من الأسئلة: منَ السارد هنا؟ كيف انتهى الزمن؟ متى تتوقف القراءة؟
ما هذه الواقعية المغلوطة؟ ولماذا تبدو الواقعية متمادية في زمن لا
واقعي؟ كأن الزمن باندفاعاته يجرف الشخصيات لكونية يائسة لن يصل إليها
إلاّ ببذل المزيد من الهرطقة والتمرد! سأتوقف عند هذا الحد من الاستطراد،
وأنتقل إلى نقطة أخرى، لا تُلغي الطرح السابق ولا تتطاول عليه.
أخذ يتضح لي ـ وربما لكم أيضا ـ أنّ شكل الكتابة من وجهة نظري هو الأمر
الهام الذي يُعلي من قيمة الروح ـ روح المبدع ـ وجماليات التلقي. بمعنى
أن القارئ لن ينتهي من القراءة أبدا في بحثه عمَ يبني كينونته الناقصة
أو المنتقص منها أشياء ولحظات كثيرة، في النص وفي الحياة، لأنّ زمن
النص وهيئة السارد لا يتوقفان عن تعبئة فراغات المصير المحتملة. إنّ
السارد والمتلقي كلاهما يؤثثان الفراغ المادي والسيكولوجي من حولهما،
هل نقول أنهما يؤثثان هويتهما؟ ولمَ لا؟ إنهما يفعلان ذلك لأن النص
فارغ؛ بمعنى أن زمن القول فيه لم يكتمل بعد، حتى وإن بدت القراءة والكتابة
هما المنتهى، الكتابة لا تتوقف في ظل حرية محرّمة وإلاّ توقف معها
المؤلف عن الكتابة الإبداعية منذ زمن، وعليه ينتهي كل كلام وقول من
قبل النقد!
في التجارب الآنفة الذكر ثمة ما يجعلني أُسرع لإنهاء المقال بالقول:
إن شكل الكتابة الذي أخذ يتأسس في أمكنة عديدة داخل الوطن وفي خارجه،
إنّما كان يُراهن على زمنين؛ زمن النص ونسيجه، وزمن قارئ محتمل الوجود،
يهتك منطلقات النص ليتحرك في فضاء كتابة أخرى تتحدى اليأس، وقد لا
يرضى القارئ بالزمن الأول، ولا يقبله ولا يتفق معه، فيبحث له عن مطية
أخرى يركبها. فإنّ لم تكن المطية هي المزيد من القراءة، وكتابة قراءة
أخرى مغايرة على الكتابة السابقة حتى الفناء، فما عساها تكون؟ سأترك
السؤال منفتحا على قراءة قارئ محتمل الوجود يعيش في النص، ويلعب معه
لعبة التخفي، الذكية والمحيّرة في آن.
آمنة الربيع
shdageeny@yahoo.com
أعلى
تراتيل بقوافٍ منسيّة
( قراءة في معلقة عمانية )
من يحفر في الذاكرة العمانية يجد في خزائنها
ما كان أحرى به أن يُعَلَّق أو يكتب بماء الذهب
من التعسف الحكم على عصر من العصور دون إجراء
مسح شامل للأدب في الوطن الكبير
عندما احتفت العرب قديما بأجود ما نظمه شعراؤها جعلت لهذا الاحتفاء
طقوسا خلدها تاريخ الشعر والأدب ، وبوّأ هؤلاء الشعراء مكانا عليا
في مملكة الشعرعبر ألف وخمسمائة سنة ويزيد ، فعلقت القصائد في أقدس
ما تقدسه العرب؛ ليراها القاصي والداني ، ولتكتسي ثوب القدسية هي كذلك
( إن صحت رواية المعلقات ) . وهكذا كل فئة من الناس تربطهم روابط خاصة،
ويجمعهم جامع ما، تحتفي بنتاجها الأدبي؛ فما أكثر المعلقات، أو ما
هو في منزلة المعلقات لو أحصيناها .
ومن يحفر في الذاكرة العمانية يجد في مكنون خزائنها ما كان أحرى به
أن يعلق ، أو أن يذهّب ( يكتب بماء الذهب ) ، ومنها قصائد وترنيمات
ذلك العصر المنسيّ ، العصر الذي إذا مرّ عليه الباحثون قالوا لشعرائه
ونوابغه : "سلاما قوم منكرون " ، العصر الذي تناساه تاريخ
الأدب العربي؛ ليضفي الشرعية على ما أطلقه من تسمية عصور الانحطاط
على تلك الفترة من الزمن ، فالتاريخ الأدبي العربي لا يريد أن يكذّب
نفسه، ولا يريد أن يرفع رأسه ، حتى لا تضطرب تصنيفاته وتختلّ تقسيماته
المنطقية لعصور الأدب .
أما نحن الأحفاد، أصحاب الإرث الشرعي، فلم نسمع بالنبهاني شاعرا، أو
الستالي مادحا، أو اللواح منشدا حتى استيقظنا على أصوات الجلبة التي
أثارها بعض الباحثين حول قضية الأدب في السلطنة في عصور الضعف اللغوي
أو عصور الانحطاط كما يحلو للبعض تسميتها، فبدأت أيدينا تتلمس الأسفار
باحثة تحت غبار النسيان عن قوافٍ منسية حفظها أب أو جدّ في صندوق المقتنيات
غير المستخدمة؛ لظنه أن هذه الكتب التي بغير سعي منه إليها تقتضي اللياقة
تخزينها، وعدم إرسالها كأي متاع آخر إلى حاويات القمامة.
لقد جاهدنا النفس ردحا من الزمن نقنعها أن هذه الأشعار قالها شاعر
من عمان في فترة كان الشعر العربي في غرفة العناية المركزة يعاني صروف
الدهر من جهة، وسلاطين المماليك وبني عثمان من جهة أخرى، وبعد لأي
آن لها أن ترضخ لواقع تاريخي لا مجال للمغالطة فيه، ثم هاهي النفس
ذاتها تؤنبنا على الصمت، وتدعونا لنرتل هذه القوافي المنسية بأصوات
تصل إلى كل أذن تقدر قيمة الإبداع، وتعرف للشعر قدره، وأن لا نعيدها
إلى ذلك الصندوق الكئيب، وأن نعيد كتابة تاريخنا الأدبي المشرق من
جديد؛ فالشعر العربي لم يمت حتى نلقن أبناءنا دروسا في أدب أطلقنا
عليه (أدب الإحياء) ـ على الرغم من ضعفه في بعض البلدان العربية ـ
بل كان يعيش أزهى عصوره في عمان في الفترة نفسها التي عنونتها أقلام
مؤرخي الأدب بـ ( عصور الانحطاط ) ! ونتاج عصر النباهنة في عمان شاهد
حيّ.
يرى بعض الكتاب أن التاريخ يعيد نفسه في عصر النباهنة الذي امتد ما
يقرب من خمسمائة عام متزامنا مع حكم المماليك والعثمانيين، وأن شعراء
من أمثال امرئ القيس وطرفة والبحتري وغيرهم من أقمار الشعر العربي
كانت أرواحهم ترفرف في المجالس وأندية الأدب في عصر بني نبهان في عمان
.
وفي هذه العجالة نقف على هذه الظاهرة من خلال قصيدة لسليمان النبهاني
ينسج فيها على منوال امرئ القيس، هذا الشاعر الذي قدر للنبهاني أن
يتطابق معه في شخصه فضلا عن شعره، فالنبهاني كان ملكا ظليلا انتزع
الملك من آبائه، وعمل هو على إعادته، نجح في ذلك، لكنه أضاعه هو أيضا
بسبب مغامراته النسائية التي لا تختلف كثيرا عن مغامرات ذي القروح
في دارة جلجل مع عنيزة وصويحباتها، وقصيدة النبهاني ـ كما ذكرنا ـ
منسوجة على منوال قصيدة لامرئ القيس، لكنها ليست مطابقة لها فقد ميز
الشاعر بعض أقسامها عما جاء به سلفه، تمييزا أملته عليه ظروف تلك الحقبة
وهي لا تقل في جودتها اللغوية والأسلوبية عن القصيدة الجاهلية المناظرة
لها .
ويمكن إجمال أوجه التماثل بين قصيدة النبهاني
التي مطلعها :
أللِدَّارِ من أكنافِ قَوٍ فَعَرعرِ
فجبتُ النَّقا بطن الصّفا فالمشَّقرِ
وقصيدة امرئ القيس التي مطلعها :
سَما لَكَ شَوقٌ بَعدَما كانَ أَقصَرا
وَحَلَّت سُلَيمى بَطنَ قَوِّ فَعَرعَرا
فيما يأتي :
- الوزن، حيث جاءت القصيدتان من البحر الطويل .
- القافية: تشابهت القصيدتان في حرف الروي، واختلفتا في حركته فقصيدة
امرئ القيس فتح الروي فيها، أما قصيدة النبهاني فكان مكسورا .
- تقارب عدد الأبيات، فقد تضمنت قصيدة امرئ القيس أربعة وخمسين بيتا،
بينما كانت قصيدة النبهاني ستين بيتا .
- الموضوعات التقليدية: حيث اشتملت القصيدتان على : وقوف على الأطلال
ووصف المحبوبة، ووصف ارتحالها وصورة الظعائن محمولة على الهوادج.
- الموضوع المحوري : تشابهت القصيدتان في موضوعهما الأساسي وهو الفخر
وذكر عزة النفس والتغني بأمجاد القبيلة .
يبدأ النبهاني رائيته بوقفة على الطلل المتبقي من آثار ديار المحبوبة
الراحلة على عادة الجاهليين مستخدما الألفاظ نفسها، والصور ذاتها،
والمناظر التي استخدمها امرؤ القيس في قصيدته ( سطور معجمات، عرصات،
الرياح، سفع ...) ، يقول :
أللِدَّارِ من أكنافِ قَوٍ فَعَــرعرِ
فجبتُ النَّقا بطن الصّفا فالمشَّقرِ
نعم عرصاتٌ غَّير الدهرُ حسنها
وصرفُ الزمان مولعٌ بالتغُّيرِ
أرَبَّت بها الأرواحُ يَنسجْنَ فوقها
ملاءآت موَّارٍ من المور أكدرِ
فلم يُبق منهــا غير سُفعٍ جَوَاثمٍ
ومكهوْهبٍ جَوْنٍ ونؤْي مدْعثرِ
يقول امرؤ القيس في رائيته :
سَما لَكَ شَوقٌ بَعدَما كانَ أَقصَرا
وَحَلَّت سُلَيمى بَطنَ قَوِّ فَعَرعَرا
كِنانِيّـَةٌ بانَت وَفي الصَدرِ وُدُّها
مُجاوِرَةٌ غَسّـانَ وَالحَيُّ يَعمُرا
والعجيب في أمر هذه المعارضة تطابق الصور بين الشاعرين. انظر إلى مشهد
حركة الظعائن مثلا والصورة التي استعارها كلاهما له. يقول النبهاني
مشبها حركة الظعائن بصورة تكاثف النخل في حديقة :
كأنّ الحُدوجَ الرائحات عشيةً
مواقرُ نخلٍ من شمائلَ مبسرِ
ومن قبله استخدم امرؤ القيس الصورة نفسها:
فَشَبَّهتَهُم في الآلِ لَمّا تَكَمَّشوا
حَدائِقَ دومِ أَو سَفيناً مُقَيَّرا
أَوِ المُكرَعاتِ مِن نَخيلِ اِبنِ يامِنٍ
دُوَينَ الصَفا اللائي يَلينَ المُشَقَّرا
ينتقل النبهاني بعدها إلى الغرض الأساس من القصيدة
وهو الفخر ، يلج الشاعر إليه من خلال قصة لا نعلم أهي واقع بالفعل
أم اصطنعها الشاعر على عادة الجاهليين، وهي قصة العاذلة التي تلومه
على بذله طريفه ومتلده من المال، ومما يزيد احتمال الاصطناع القالب
الذي استعاره الشاعر لها، فإنه مطابق تماما لما هو عند عروة بن الورد
أبو الصعاليك :
وعـاذلة هبَّتْ عليَّ تلومني
ومن يَكُ ذا همٍ بما رام يسهرِ
تلومُ على أن أبذلَ المالَ كله
وتزعمُ أن الجودَ بابُ التفقُّر
أعاذِلَ أن الجود لا ُيهلكُ الفتى
ولا يخلدُ الإمساكَ غير معمَّرِ
ثم ينتقل الشاعر ببراعة إلى خطاب الفخر المباشر
من حواره مع العاذلة :
ألم تسألي كي تُخَبري عن مناقبي
وفضلي ومن يسأل عن المرءِ يُخبرِ
أعـــاذلَ إن المجدَ فينا إراثةٌ
يؤرِثـــه منــا كبيـرٌ لأكبــرِ
مراتبُ عِــزّ مشَمخر بناؤهـا
ومـوردُ فَخـرٍ نيطَ منـه بمصـدر
سَبا سَبأ جـدي نسـاءَ مَعـاشِر
وسمي به فاقنيْ حيـاءكَ واعـذري
أما امرؤ القيس فاستخدم شخص المرأة للولوج إلى
غرضه الرئيس ( الفخر ) ، لكن من طريق آخر وهو الحديث عن تباريح الحب
وما يلاقيه من صدود المحبوبة :
إِذا نالَ مِنها نَظرَةً ريعَ قَلبُهُ
كَما ذُعِرَت كَأسُ الصَبوحِ المُخَمَّرا
نَزيفٌ إِذا قامَت لِوَجهٍ تَمايَلَت
تُراشي الفُؤادَ الرَخصَ أَلّا تَخَتَّـرا
أَأَسماءُ أَمسى وُدُّها قَد تَغَيَّرا
سَنُبدِلُ إِن أَبدَلتِ بِالــوُدِّ آخَـرا
نقلته هذه الأحزان ، وتلك المعاناة إلى ذكرى
أهله خاصة ما شاهده من بقاع ذكرته بهم، ولا ينسى أن يذكر راحلته حتى
يتخلص من وصفها بذكر مناقب الفتى الذي تحمله ( يقصد ذاته ) :
عَلَيها فَتىً لَم تَحمِلِ الأَرضُ مِثلَهُ
أَبَرَّ بِميثاقٍ وَأَوفى وَأَصبَرا
أما النبهاني فينطلق بعد الفراغ من المقدمات
التي يعلن من خلالها الولاء والطاعة العمياء لما تمليه عليه قوانين
لعبة الشعر كما سنها القدماء بعد الفراغ ينطلق مهرولا نحو موضوعه الرئيس،
الذي أراد من القصيدة أن تكون رسالته إلى كل من يحاول المساس بملكه
أو هيبته، فكأنه كان ينتظر لحظة الفراغ من أداء الطقوس التقليدية لتتفجر
النفس دفقات من المشاعر الحماسية المكتنزة بالعزة والشموخ حتى أن الموازنة
الكمية بين عدد الأبيات تثبت ذلك، فبينما لم تتعد الأبيات في الغزل
ووصف الديار وذكر المحبوبة وصفاتها ، وذكر ارتحال الظعائن في مجملها
سبعة عشر بيتا جاء الفخر في ثلاثة وأربعين بيتا، ظلّ الشاعر يعزف على
قيثارتها حتى انقطع نفسه، و المتأمل في البيت الأخير يشك أنه خاتمة
القصيدة؛ إذ يشي أن الشاعر لازال يطمح إلى قول الكثير عن نفسه وقبيلته،
وعزيز عليه أن يختم القصيدة في هذه المرحلة :
مُلوكٌ مُلوكٌ من يَمانَ مَقاولٌ
كرامُ المساعي فضلهم غير مُنكرِ
لُيوثٌ وأطوادٌ قُرومٌ وأبحـرٌ
وفرسانُ حرب ذللَّوا كل مجحـرِ
كانت تلكم قراءة مقتضبة لما أسميه معلقة عمانية،
والحقيقة أن هذه القراءة ـ على الرغم من عبورها المتعجل ـ تطرح أسئلة
عديدة حول هذه الذخائر المكنونة في أصدافها، هل وفي أدباء هذا العصر
حقهم من الدراسة والبحث ؟ ما جدوى الدراسات التي أسهمت مشكورة في تقديم
هذا العصر وجعلت التاريخ يحكي قصة الشعر فيه، وليس العكس؟ ألا ينبغي
دراسة نتاج أدباء هذا العصر دراسة فنية خالصة بعيدا عن جدلية ضعف اللغة
وعصور انحطاط الأدب؟ ما موقفنا من الأذواق والعقول العربية الناشئة
التي تجول في عوالم شعراء مغمورين ولا علم لها ولأذواقها بالنبهاني
والستالي واللواح؟ أليس حريّ بتاريخ الأدب العربي أن يعيد النظر في
تصنيفاته وتقسيماته للعصور الأدبية في ظل عصر المعلومات وانتشار المعرفة،
ويتوقف عن تركيز عدساته على بلدان عربية دون أخرى، فقد سقط العذر الذي
كنا نلتمسه له ببعد بعض الأقطار عن المركز، فالعالم العربي ـ أدبيا
على الأقل ـ كيان واحد، ومن التعسف الحكم على عصر من العصور دون إجراء
مسح شامل للأدب في الوطن الكبير ؟
خليل بن ياسر البطاشي *
* كاتب عماني
أعلى
أخفي السّماءَ بنُكْتَةٍ
عَجَزَ اللسانُ عنِ اللسانِ
على الحجارةِ كَتْمُ نيَّتِها
كأنْ تَنسى المغارةُ قلبَها في جوفِ ناسكِها
القراءةُ فيلقٌ
ما عادَ يظهرُ في المرايا حزنُنا
وَجهٌ خفيفُ الظّلِ من غاباتِ أسئلتي
يُطِلُّ كلمحةٍ
صوبَ الحديقةِ أشتهي نَهَرًا يجاورُني
لكلّ بدايةٍ وطنٌ
و لكنْ مَيّتٌ
حتى النعامةُ لا تضمُّ الرأسَ في بطنِ الحقيقةِ
عندما أخفي السّماءَ بنُكْتَةٍ
أوْ أعْصِرُ الليمونَ في حِجْرِ الوظيفةِ
ينتهي دورُ المجازِ
فيلتقي صمتُ العبارةِ بالعبارةِ
خُذْ نصيبكَ في التّرابِ لكي تجاور عشبةً
أو كُنْ قريبًا منْ قِراءةِ آيةٍ
دعْ بينَ أُغْنِيةِ المسافرِ مقطعًا حرًا
ستلحقُ نحلةٌ من أَجلِ قافلةِ الحريرِ
كما الرجالُ يُصيبُهم أَلَمُ البكاءِ
أصابني حَسدُ النجاحِ مجدّدا
لا أنتمي مِثلَ الخُرافةِ للدّخانِ
لأنني حينًا أطيرُ
و ربَّما روحٌ ألامسُ عندها أسفَ المجرّبِ للكلامِ
تطيرُ
منتقمًا أحاربُ
فارسًا يمشي على عُكّازِهِ
أأخافُ مثلَ إشارةٍ إن وُجِّهتْ نحوي
بلا مغزى ً مجازيٍّ ؟
يمطّ من البطولة : "سيرة ابن العبد
في وصفِ الحياة كأنها
بئرٌ يوزعها على قمرين"
إيمائيةٌ أحلامُنا كالماعِز الجَبليِّ
يوميءُ عاشقًا بِقرونه لزمانِ هولاكو
كما نَهر الفراتِ رأيتُ مُفْتَرَقَ الطريقِ تُفرّق الأحزانَ فينا
لم تجد علبَ المصائرِ وهْج أعوادِ الثقابِ
لتشعلَ الأوقاتَ بالأوقاتِ
ماذا عن حكايتِكَ القديمةِ ؟
هل وضعتَ لجيبكَ المفقودِ ذاكرةً ؟
وهل تخشى كعادتكَ التحيةَ
مِن قَطيعِ الأَحْرُفِ الجافِلاتِ
تحيةٌ أخرى إلى عَبَثِ الصغيِر بِدُمْيةٍ
أَمَلٍ أقلّ ضراوةٍ مِنْ رَغْبَةٍ
سَأُخاتِلُ الصّفَةَ التي تُغوي البَراءَةَ
عَنْ عيونِ الظَّبيِ
مهما كانَ حَجم إرادتي
لا بدّ من قَدَمٍ أُثبّتُ عندها هدفي
كأنْ أهوى حوارًا عابرًا
أَجِدَ الحَلاوَةَ في حنايانا كَما أَجِدُ النِّهايةَ
في مَقالٍ ساخرٍ أو جُمْلَةٍ
عُمري كَلِصٍّ يَمْتَطي
الليلَ الطويلَ بِحكمةٍ
ماضونَ فوقَ حِمارِ أُمّتِنا بلا أسفارِهِ
نحنُ الوَصايا دُونَما شَكٍّ
عَلى تاريخِنا
وَصَلَ القَوِيُّ مُجَرِّدًا عَضَلاتِه
عنْ عَظْمِهِ
ما عادَ فيَّ بَقِيّةٌ منْ لَحْمةِ الآباءِ
أو دمِهم
فقطْ صفرٌ يمينيٌّ
يحاذي لحظةً أبدَ الصّحاري
لنْ أغامِرَ بالنّهارِ على حِسابِ سَعادتي
إحدى صِفاتِ الأوفياءِ ـ كما
أظنُّ ـ الإحتفاظُ بِلقطةٍ عند اللقاءِ
عرفتُ كيف أُفرِّغُ الأزمانَ في الأزمانِ
لكنْ لا أُجيدُ الانسحابَ منَ المكانِ بدمعةٍ
هوَ ساحلٌ في ساحلٍ يمشي الهُوينى
ساكِنٌ مثلي ضِفافَ قَصيدَةٍ
أهُوَ الشُّعورُ للحظةٍ أن السّماءَ قريبةٌ
أن الجبالَ هِي انكسارُ مسارِ ضوءٍ قِبْلَةَ السُّحُبِ
الغيومُ إذًا ً مُعلّقَةٌ تٌواري حولَها
وصفَ الكواكبِ في الغُبار
كما تُشبِّهُ سورةٌ صبرَ الجِّمالِ بِجَمْرَةٍ
هي جملةٌ إسميةٌ
تصفُ ارتحالَ البدوِ بالشِّعرِ الجَديدِ الاستعارات
المسافرِ باحتشامٍ في الصحاري
دائمًا تأتي الفواصلُ فجأةً
تصلُ القبيلةَ أينما اتّجَهَتْ
تَنامُ على السريرِ غزالةٌ
قلبي توشّحَ بالصدى
وصداكَ يمنحُ حالمًا
خبزًا ، صمودًا ، رحلةً
للقمحِ ، لا تتخيّلي ملكًا حبيسًا في غلافٍ من خيالٍ
في عُيونكِ منتهى أقصى الشمالِ
جميلةٌ تهذي :
أحبّكَ مثلما زيتونةٌ خضراءُ بغداديّةٌ،
قال الأميرُ كأنني
"ذَهَبَ الذين أحبُّهم
وبقيتُ مثلَ السّيفِ فَرْدا "
راحلٌ في رِحْلَةٍ يا فارِسَ الزّمنينِ
نمْ مثلي على حُلْمٍ صغيرٍ
فالنهايةُ ـ عادةً ـ هَزْلِيّةٌ
إمّا تَصرْ أرضًا و إمّا لا تَجِدْ شيئًا
سوى الحبِّ
عبدالله الكعبي *
* شاعر عماني
أعلى
بلاد
الشمس
رحلة صمويل مايلز إلى الجبل الأخضر سنة 1876م
( 3 ـ 5 )
هذه الحدائق المعلّقة العجيبة، والتي لم أر مثلها من قبل، من الواضح
أنها قد شُيِّدت بعناية فائقة
يُخبرُنا أوشير ـ إيلوا بأنه وَجدَ الكثير من الزهور الجميلةِ، وهي
مناسبة لإدخالها إلى أوروبا؛ وقد جَمعَ منها حوالي 250 نوعا، ويعتقد
بأن هناك ما يقارب 500 نوع في عُمان، وهو تقدير، في اعتقادي، أقل بكثير
مما ينبغي.
يَحتلُّ بنو ريام بلدات الشريجة، وسيق، ونزوى، وإزكي، وبركة الموز،
وتنوف، و يبلغ عددهم حوالي 17،000، من بينهم 3000 مقاتل من الرجال.
إنّ القبيلةَ حميرية، من أصل قَمَر، يعود نسبهم إلى رئام بن نهفان
بن تبّع بن زيد بن عَمْرو بن همدان. مسكنهم القديم كانَ في محافظةِ
همدان، في اليمن قُرْب جبل أتوة، الذي كان على قمته، حيث استعرت النار
مِنْ الأرضِ، معبدُ ريام، معبدٌ ذو قدسية عظيمة، وبه تصاوير للشمسِ
والقمرِ، وهو منتجع عظيم للحجاجِ. وطبقا للجغرافي العربي الهمداني،
فإن بقايا هذا المعبدِ ظلت مُشاهَدة حوالي سنة 950 هجرية. ويُرْوَى
أن بني ريام هاجروا منذ زمن بعيد مِنْ اليمن، مع أبناء عمهم المهرة،
وزحفوا إلى عُمان، تاركين المهرة في الطريق، في الأرضِ التي يَحتلونَها
الآن. بعد عبورهم شبه الجزيرة، كان بنو ريام محظوظين بما فيه الكفاية
لضمان الأمن في مسكنهم الجديد، لأنه موقع ممتاز، في أكثر مناطق البلاد
منعة وتمركزا. وقد أطلقوا علي الجبل، بعد اسم عاصمتهم القديمة الرضّة،
جبلَ رضوان، وبعدها، دون أن أعرف متى ولماذا، تغير الاسم إلى الجبل
الأخضر. ويَبْدو أن نار المعبد قد انطفأت في ذاكرةِ القبيلةِ، حيث
تَعتبرُ رضوان الآن اسما لنبي قديم ظَهرَ فيها. و يُقالُ أن جزءا من
القبيلةِ من سلالة مالك بن فهم، الذي غَزا عُمان في القرن الثاني بعد
المسيح.
في الرابع عشر، انتقلتُ إلى "الشريجة"، التي تقع على بعد
ميل إلى جهة الشرق، و استقبلني زعيمها الشّيخ سالم بن عبد الله، مقدما
هديته لي، سلةً من الخوخِ. إنّ البلدةَ أكبرُ بكثير مِنْ سيق، وتتميز
عنها من حيث موقعها المدهش. ورغم أن مظهرها أقل جاذبية ورومانسية،
فإنها في وضع أكثر روعة وتميزا، حيث أنها معلقة قرب منبع واد سحيق،
مثل عُشِّ النّسْرِ، على حافة منحدر شامخ يهوي متدفقا إلى الوادي في
أسفله، مطلة على مشهد واسع. إنّ البلدةَ مبنية على منحدر حادٍّ جدا،
حيث تَظهرُ البيوتُ متدلية فوق بعضها البعض، ويتم الاتصال بينها فقط
بواسطة درجات ضيقة، قذرة، غير منتظمة، تَقُودُك صعودا و هبوطا من صفّ
إلى آخر. إنّ البيوتَ صغيرة وعاديّة المظهر؛ مبنية مِنْ الحجارةِ،
و تكون أحيانا، لكن نادرا، مجصّصة بالطينِ من الخارج، كتلك التي في
سيق. في أسفل البلدةِ هناك ينبوع غزير مِنْ الماءِ الصافي، يَتدفّقُ
مِنْ الصخر لمَلْئ صهريج دائري، يكفي لمتطلباتِ السكان، ويَخْدمُ القنوات
التي تروي الحدائق المستطيلة في السهل.
قضيتُ معظم اليومِ في التَجَوُّل حول المكانِ، وتفقّدِ الجنائن المعلقةَ
الواسعة التي تَنْتشرُ على طول حيطانِ الوادي الشديدة الانحدارِ، وتُشكّلُ
الميزة الأكثر جمالا و روعة في الشريجة. على يسار البلدة، في الأسفل،
وعلى المنحدرِ المقابل للوادي، الوجهُ الكامل لسفحِ التل، على عمقِ
1000 قدمٍ أَو أكثر، مقسمٌ إلى سلسلةٍ متوازيةٍ مِنْ الرفوف أَو المصاطب،
مرتّبةٍ جدا بشكل متماثل، و مستغلةٍ كليا كمزارعِ عنبٍ، و بساتينَ،
وحقولِ ذُرة. هذه الحدائق المعلّقة العجيبة، و التي لم أر مثلها من
قبل، بنباتاتها الجميلة المختلفة، و فواكهها الناضجة، من مشمش، وعنب،
وتين، ورمان، شكلت مشهدا جذّابا وسارّا جدا، ومن الواضح أنها قد شُيِّدت
بعناية فائقة، حيث رُفدتْ بحواجز من الحجارة حفاظا على التربة. وبسبب
الزاوية الحادّة للمنحدرِ، فإن الحدائق، بشكل عام، ضيّقة جدا، يتراوح
عرضها بين 10 و 12 قدما، وتنم عن إبداع كبير في ترتيبِها وفي التَغَلُّب
على صعوبات الأرضِ. على أن العمل الذي بذل فيها، كَانَ يمكنُ أَنْ
يَكُونَ عقيما بدون مخزونٍ وفيرٍ مِنْ الماءِ، وفي هذا الصدد كانت
الطبيعة سخية، والزراعة تُروى، بسهولة وبشكل دائم، بسواقي الجبلِ العديدةِ،
التي تمر متعرجة من حديقة إلى أخرى، محصورة بالحواجزِ الصَغيرةِ. ورغم
أن هذه الحدائق تبدو فسيحة، إلا أن الحيز الذي تشغله من الأرض ليس
كبيرا، وبودِّ السكان لو يملكون مزيدا من التربة. إن محدودية مجال
الأراضي المحروثة يستوجبُ الاقتصاد في الزراعة، ولذلك قد تُرى الذرة
في أغلب الأحيان تنمو متداخلة مَع البقوليات، وأحيانا حتى مع البطيخِ
والنباتاتِ القرعية الأخرى.
في الجهة المقابلة للبلدة، وعلى الجانبِ الآخرِ للوادي الفاصلِ، الذي
يُدْعَى "وادي معيدن"، و الذي يَتدفّقُ إلى جنوب جنوب الشرقِ،
تَلٌّ مخروطي على قمته مسجد و برج خرب؛ وإلى اليمين، في المنطقة الجنوبية
الشرقيةِ من الجنوب، يقع (الجبل)، قمّة بارزة، أُخبرتُ بأنها تعتبر
مَعْقِلا قويا، لأنها كانت مأوى للقبيلةِ في السابق. و هي الآن غير
مسكونة، ولا توجد بها آثار لبنايات قديمة. إنها توفر دفاعا سهلا، لأن
الطريق الذي يؤدي إليها حاد، وضيق، ووعر. إنّ منظرَ وادي معيدن، بحدائقه
المختلفة الغناء، والتي تشبه درجات عملاقة على سفحِ الجبل، جميل كما
هو استثنائي، و له سمة لا تكفي الكلمات لوصفها.
بعد الظهر تَجمّعَت الغيوم حول القِمَم ثانيةً، و بدأ قصف الرعود مدويا؛
وكان البرق وضّاحا، وأخذ وابلُ المطر، ليُرضي الديلميين، يهطل بغزارة.(10)
النساء هنا، وفي كافة أنحاء وديان الجبل الأخضر، يَجْلبن الماء للاستخدامات
البيتية في أواني نحاسية كبيرة، بدلا مِنْ الجرارِ الطينيةِ، التي
تستخدم في أجزاء أخرى مِنْ عُمان. كما ينفردن أيضا باستعمال قدور طبخ
نحاسيةَ، وتوظيفُ هذا المعدنِ يُعزى، بلا ريب، إلى صعوبةِ جَلْب الفخارياتِ
مِنْ السهولِ إلى القمة، وإلى غيابِ الطينِ الصالح للفخارياتِ الجيدةِ،
في هذه الجبالِ. يحصل رجالُ الجبل على هذه الأوعية مِنْ نزوى ، حيث
وَجدتُ فيها صناعةَ الأواني النحاسية، بعد ذلك، من إحدى الصناعاتِ
الرئيسيةِ.
أثناء اعتلائنا عقبة الحجر إلى هذا النجد الجبلي، كانت خصائص الحياة
النباتية قد تغيرتْ كليا، دالة على أثر الارتفاع عن المنطقةِ المعتدلةِ
للخضرةِ الاستوائية وشبه الاستوائية للسهولِ. إن أشجار موز الجنة،
والمانجو، وأشجار النخيل المهيبة، التي تُشكّلُ الميزة الواضحة في
منظرِ بلاد العرب، والتي كان آخر عهدنا بها في وادي بني خروص، قد اختفتْ
جميعها، وبدلا منها رأينا هنا الجوز، و الصنوبر، والتفاح، والرمان.
كما يزدهر هنا التين، والخوخ، والمشمش، والكرْم، واللوز، والليمون.
ويذكر الرحالة الفرنسي أوشير-إيلوا الكرز، لَكنّي لَمْ أُلاحظْه. إن
الرمان شجيرة جميلة، بأوراقها الخضراء الغَامِقةِ، وزهورِها القرمزيةِ.
وهو أكثر الأشجار، عدا الكرْمِ، أهمية في منطقة الشريجة، وتتميز فاكهتها،
رغم صغر حجمها، بجودة عالية. ويُشكّلُ الرمان المادةَ الرئيسيةَ للتصديرِ
مِنْ الجبل الأخضر، إذ يُشْحَنَ مِنْ مسقط بما يعادل 10،000 دولار
سنويا إلى أسواق بومباي. إنّ العرب جِدُّ مُولـَعين بالرمان، ويَستخدمونَه
لصنع العصيرِ. كما أنّ قشرته مادة زامّة للأنسجة، وتستعمل طبيا كمسكّن
للحُمّى، وطاردة لديدان الأمعاء. إن الحدائق تبدوا مناسبة بشكل رائع
لزراعة البن، وقد زرع مرّة على نطاق واسع هنا، لكنه لسبب ما فشل، و
قد اختفى الآن كليَّا.
من الواضح أن الفرضيةَ القائلة بأن شجرة جوز الطيب تنْمو في هذه التلالِ،
هي غير صحيحة، و خطأ الرحالة ويليستد ناتج ربما من الاسمِ الذي يَحْملُه
هذا التابل في بَعْض اللغاتِ الأوروبيةِ. ميس Mace، أَو غطاء جوزِ
الطيب، كلمةُ أخرى تُشيرُ إلى اعتقادِ سائد في الأوقاتِ القديمةِ بأن
عُمان كانتْ بيئةَ هذا التابلِ، و هي مشتقة مِنْ مسيتا Maceta، الكنيةَ
التي أطلقها الجغرافيون اليونان على رأس مسندم. كالعديد من الأصناف
الأخرى التي ما زالَتْ تَحْملُ أسماء عربيةَ، مثل سُكّر، وفلفل، ولبان،
و رزّ، الخ. ، فإن جوز الطِّيب جُلب إلى البحر الأبيض المتوسطِ عن
طريق العرب.
إنّ مزارعَ العنب في الشريجة فسيحة جدا، وهي تُسْقى و تُسمد بانتظام.
وتُلوى الكرْماتُ وتُشذّب على تعريشات وعرة تمتد لمسافات، وتُنتجُ
العنبَ، بلونيه الأبيض و الأسود. كانت عناقيد العنب، الذي يَنْضجُ
هنا في شهر أغسطس، تتدلى بشكل رائع، ولا يبدو لي بأنّ الناسَ يمتلكون
سببا للشكوى مِنْ المحصول، ولَكنَّهم يتذمّرون كثيرا. بالرغم من أن
مُعظم الفاكهةِ قَدْ تُؤْكَلُ، وبعضها يستخدم زبيبا.
تم استكشاف الجبل الأخضر نباتيا في سنة 1836 مِن قِبل أوشير-إيلوا،
عالم النبات الفرنسي، الذي صَعدَ الجبلَ، جسورا لم يعرف الكلل، عن
طريق عقبة الحجر، وعادَ إلى مسقط عبر وادي سمائل. في بحثِه المتحمّسِ
للنباتاتِ، عَبرَ الجزءَ الأعظمَ مِنْ رحلتِه مشيا على الأقدام بكدح
لا حدود له، ليعود إلى الساحل ثانيةً محملا بالعديد مِنْ العيّنات
الجديدة، لكنه عاد مرهقا، موجعَ الأقدام، ومصابا بَحُمَّى. في قصة
رحلته، التي حررها جوبير Jaubert في عام 1838، يقدم قصة حية عن آلامِه
ومغامراتِه. يُخبرُنا أوشير-إيلوا بأنه وَجدَ الكثير من الزهور الجميلةِ،
وهي مناسبة لإدخالها إلى أوروبا؛ وقد جَمعَ منها حوالي 250 نوعا، ويعتقد
بأن هناك ما يقارب 500 نوع في عُمان، وهو تقدير، في اعتقادي، أقل بكثير
مما ينبغي. وقريبا من نخل، وجد عالم النبات شجرة من نوع Niehburia،
وشجيرة مُزهِرة جميلة، سَمّاها Yogelia leprosa، وأخرى جميلة وجديدة
أيضاً سماها Dichyptera. إنّ النباتات التي وجدها على جبل الشيبة،
الذي يبلغ ارتفاعه 6270 قدما، كَانت جديدة بالنسبة له.
يقدر ويليستد طول الجبل الأخضر بثلاثين ميلا مِنْ الشرقِ إلى الغربِ،
وعرضَه بأربعة عشر ميلا من الشمال إلى الجنوب. وحسب تقدير أحد الملاحين
البحريين، فإن أعلى نقطة مرئية مِنْ البحرِ يصل ارتفاعها 9940 قدما،
لَكنّي لم أستطع التحقق من الاسمِ المحليِّ لهذه القمّةِ بالدقّةِ،
وبَعْض العرب يسميها جبل الحوز، والبعض الآخر يسميها جبل الشوم. تجعل
شدةُ انحدار الجوانبِ الشماليةِ والجنوبيةِ هذه الكتلةَ الصخريةَ الضخمةَ
متعذرةَ البلوغِ مِنْ السهولِ، إلا بواسطة الشعاب الجارفةِ التي خدّدَتْ
أجنحتـَها الوعرة تياراتٌ من الأودية منذ عصور. ثلاثة مِنْ هذه الطرق
العلوية الطبيعيةِ التي تُؤدّي إلى القمّةِ، يُمْكِنُ أَنْ تُسلك بواسطة
الحيواناتِ محملة بالثقال، وهي بذلك تمثل الطرقَ الرئيسية. على الجانبِ
الشمالي، عقبة الحجر، التي مر ذكرها، وقد صعدنا عبرها إلى الجبل؛ وفي
الجنوب يتوفر طريقان، هما وادي تنوف ووادي معيدن، الأول منها أطول،
لكن له نفس خصائص وادي معيدن، الذي سيأتي وصفه لاحقا. هناك أيضا، على
الجانبِ الشمالي، "عقبة فيق"، وعلى الجانبِ الجنوبي، "عقبة
شاش"، وربما هناك طرق أخرى، لَكنَّها ضيقة كمساراتِ الغنم. مكسوفا
في عليائه ببعض القمم، يبرز الجناحُ الشمالي للجبلِ الحافةَ الأكثر
ارتفاعاً، وهذه الميزة خاصيةُ الجبل الأخضر، حيث أنه أكثر شموخا، وحدة،
وانحدارا على امتداد طوله، في الشمال، أكثر من الجنوب باتجاه الصحراءِ.
تنحدر الهضبةُ بشكل تدريجي من الشمال إلى الجنوب، وبعد ذلك تهوي بسرعة
إلى السهلِ عبر منحدرات، رغم أنها جامحة و مدهشة، إلا أنها أقل هيبة
و جلالا من تلك التي في اتجاه البحر. بسبب هذه التشكل، فإن الشعَابَ
الجنوبية، مُستجْمَعَ الأمطار، هي الأكثر طولا وعددا، وتَصْرِفُ في
الشريانين العظيمين، وادي تنوف ووادي معيدن، معظمَ مياه الأمطار التي
تسقط على الجبلِ. من بين الروافدِ التي يستقبلها وادي معيدن، وادي
سيق ووادي ساروت. إنّ الرافدَ الرئيسي لوادي تنوف هو وادي بني حبيب،
وهو وادٍ شديد الانحدار، تقع فيه قريتان، هما "العين" و"العقر".
من القمم التي يمكن أن ترى من الشريجة لا يعرف العرب إلا اسمين أو
ثلاثة؛ أشاروا إلى جبل الحوز، بضعة أميال إلى الجانب الجنوبي الغربي،
و جبل الحام، قمّة طويلة باتجاه الشمال. لا بدّ أن الجبل الأخضر كانَ
مختلفا جدا في الأزمان البعيدةِ عندما أطلقتْ عليه هذه الكنيةَ، ثمّ،
لا شَكَّ، أن واحدا من "التلال الخضراء" كان ملائما لهذه
التسمية، بدلا مِنْ الكآبة والقحط، اللتين يتسم بهما في الوقت الحاضرِ.
و رغم الكتل الهائلة من الصخور العارية، المُعدمة مِنْ النباتاتِ،
و التي تعطي الجبلَ عموما مظهرا وحشيا وغير جذاب، هناك بَعْض الأجزاءِ
المعشوشبة بشكل جيد، والهضبة التي عبرناها كانَت ذات حشائش وأعشاب
طويلة. علاوة على ذلك، فإن العديد مِنْ الوديان العميقةِ، يقال بأن
بها أجماتٍ كثيفةَ مِنْ الأحراش الشائكِة و نباتات اليتوع(11)، ونطاقُ
الزراعةِ في سيق و الشريجة يُقوّي الظنَّ بأن المدى في الأيامِ السابقةِ
كان مكسوا بشكل أفضل بالنباتاتِ الشجريةِ. و دمار الغابات، إذا كان
قد حدث فعلا، والذي قد شمل سطح الهضبةِ كلها، فإنه سَيُعطي المجالَ
التام لقوَّةِ تَعْرِية المطرِ، والتأثيرُ الطويلُ المستمر لهذا سَيكُونُ
جرْفَ التربةِ الخصبةِ إلى الوديان في الأسفل. و قد حدّ هذا من إصلاح
الغاباتِ، و نتج عن ذلك مناظر طبيعية عارية، بدلا من منطقة تظللها
الغابات الشاملة. مرة أخرى، إن تعرية الأشجارِ قد تسببتْ بشكل تبادلي
في تَخفيض المطرِ.
إذا توجد أيّة معادن مفيدة في الجبل الأخضر، و لم أر غير الحديد، فهي
غير مكتشفة و لا مستعملة من قبل السكان، الذين يُكرّسونَ أنفسهم إمّا
للزراعةِ، أَو تَرْبِية الحيواناتِ. إن الرعاة الشجعان الأشداء، الذين
بصراخهم على قطعانهم ينتشرون في كل مكان، و يُعْدّونَ بالآلاف، يُشكّلونَ
أداةَ القتال الرئيسيةِ للقبيلةِ. و رغم انتشارهم، فإنهم سرعان ما
يتجمعون و يلبون نداء الحرب الذي يطلقه شيوخهم.
هناك ندرة في الحياةِ الحيوانيةِ بهذه التلالِ. الذئاب، والضباع، والمعيز
البرية، والوعول، والقطط البرية، والنمور قيل بأنها موجودة؛ لكن النمور،
إذا وجدتْ مطلقا، فهي نادرة جدا. كما أن الحِدَاءَ، والعُقبانَ قَدْ
ترى مُطوِّفةً في السماءِ، لكنّ الطيورَ الأخرى نادرة، سواء أكانت
أسرابا أم وِحْدانا.
مُنْذ بدءِ صعود الإمبراطوريةِ العربيةِ في القرن السابعِ، أصبح امتلاكُ
عُمان طِلـْبةَ الخلفاء، الذين اعتبروها جزءا مُكمِّلا لأملاكهم؛ لكنّ
العمانيين لم يُسلـِّموا بهذه النظرة مطلقا، وفضّلوا الاستقلال، موقنين
بأن الخضوع للحكومةِ المركزيةِ يعني دفعَ جزية باهظة دون فائدة تذكر.
وكَانتْ نتيجة ذلك ثلاثة قرون، أصبحتْ فيها عُمان المشهدَ الدائم للخرابِ
والنزاعِ الدموي، وعدا بَعْض الفتراتِ المتقطعةِ من الهدوء، تحولتْ
إلى محافظةٍ للجزية خاضعةٍ للإمبراطوريةِ. ورغم الجهود المتواصلة لإخضاع
كافة الأراضي العمانية، ظل الجبل الأخضر حصينا لمدة طويلة، وتحدى محاولات
الخلفاء، على التوالي: معاوية، والعباس، وهارون، والمعتضد، والمعطي،
الذين اجتاحتْ قوَّاتُهم كُلَّ عُمان، ماعدا هذا المَعْقلَ الجبليَّ،
حيث كانوا في أسفله يندفعون ويكافحون، مثل موجٍ غاضب يضرب جزيرةً صخرية،
دون جدوى. وكان تحقيق أسْرِه مُدَّخَرا لعضد الدولة البويهي، ملك فارس.
عمُّ هذا الأميرِ، معز الدولة، كَانَ قد غزا عمان سابقا في سنة 354
هجرية (965 ميلادية)، لكن تم تفادي الحرب بالاستسلامِ العاجلِ لنافع،
عبد يوسف بن وجيه، الذي، بَعْدَ أَنْ قَتلَ سيدَه قبل ذلك باثنتي عشْرة
سنة، حكم عمان، وتحالف مع معز الدولة. لكنه طُرِدَ مباشرة من قبل قوات
القرامطة والعمانيين. تُلِيتْ هذه الثورة، في سنة 355 هجرية، باحتلال
ثان للبويهيين تحت قيادة أبي الفرج محمد بن عباس وعضد الدولة، الذين
دمّرا البلادَ وأخضعاها مرةً أخرى للطاعةِ. وفي سنة 362 هجرية (972
ميلادية) قام جيش الاحتلال البويهي في عُمان، و المكوّن من الفرس والزنوج
الذين يعدون فيه بالآلاف، بحركة عصيان مفتوحة، رمت البلادَ إلى الفوضى.
وَصلتْ الأخبارُ بغدادَ على جناح السرعة، لكن أمير الأمراء عز الدولة،
كانَ أضعف من أن يتخذ إجراء في محافظة قصية كهذه، لأنه بنفسه في ذلك
الوقت كان في حالة حرجة، ولذلك انتهز الفرصة ابنُ عمه عضد الدولة،
الذي كان يتمنّى منذ زمن ضمَّ عُمان إلى فارس، فأرسل قوة من سيراف،
عبرت الخليج لإعادة النظامِ. جنراله، أبو حرب طغان، هَزمَ المتمردين
في ثلاث معارك متعاقبة، وأَخذ ملكية البلادِ لسيدِه. إلا أن تعامله
مع السكان، كانَ قمعيا حتى قاموا بالثورةِ ضدّه. كانَ الإجماع الوطني
قويا جدا بِحيث أن الإمام المُنتخب حديثا الشّيخ ورد بن زياد ونائبه
الشّيخ حفص بن راشد، استطاعا إجبار الدخلاءِ على العودة إلى سُفنهم.للحظةٍ
استعادت عُمان حريتها ثانيةً، لكن الغيمةَ المُظلمةَ من الإذلالِ التي
تَلتْ هذا الوميض العابر للحُريَّةِ كَانت أكثرَ فظاعة مِنْ أيّ وقت
سابق. قابلَ عضد الدولة هذه الكارثة بإرسال جيش تحت قيادة وزيره أبي
القاسم المطهر، وكان قويا بما فيه الكفاية لسَحْق كُلّ معارضة. أبحرَ
الأسطولُ أولا إلى صحار، وبعد ذلك انتقلَ إلى قريات، حيث حشد الإمام
وردُ القبائلَ العربية. هناك على السهلِ بين البحرِ وهُوّة الشيطان(12)،
نشبتْ معركة عظيمة، والعرب، رغم سوء حالهم، لم يُقهروا، وتراجعوا إلى
وادي الطائيين، ولاحقهم العدو إلى نزوى، حيث صمدوا ثانية. كان القتال
هذه المرة أكثر شدة و دموية من السابق، مما أدّى إلى دمارِ القوةِ
العُمانيةِ. ذُبِحَ الإمام ورد في ميدان المعركة، وسَقطتْ البلاد خاضعةً
تحت أقدامِ المنتصرين. بقي الجبل الأخضر وحده منيعا، وإلى هذا المعقل
الجبلي، آوى الناجون من المعركة. لم يخاطرْ أيُّ مستعمرٍ سابق في مُهَاجَمَة
هذه المرتفعاتِ الخطرة والمتعذرة الوصولِ، لكنّ الوزير أبا القاسم،
مزهوا بنفسه وانتصاره، صمّمَ على تَتويج عملِه باقتحام و إخضاع هذا
الحصنِ الأخيرِ للعرب.
10 ـ يفترض مايلز، كما سيتضح لاحقا، افتراضا
تاريخيا مفاده أن أهل الشريجة هم من بقايا الديلم، أو البويهيين الذين
غزوا عمان، واحتلوا الجبل الأخضر في القرن العاشر الميلادي، ولكنه
مجرد تخمين يعوزه الدليل و البرهان.
11 ـ اليَتوع: نبات ذو لبن دار.
12 ـ Devil's Gap أو "هوّة الشيطان" مصطلح أطقه الرحالة
البريطانيون على وادي ضيقة، وهو واد ضخم يمتد بين وادي الطائيين وقريات.
13ـ هذا من التناقض الذي يقع فيه مايلز؛ حيث أنه سبق أن حدثنا عن لطفهم
و دماثة أخلاقهم، وحسن استقبالهم له.
ترجمة: هلال الحجري*
* كاتب عماني
أعلى
تــراث
يعتذر أربعين سنة
روي أنه كان أُهدي لملك من ملوك الهند ثياب وحـُلـِيٌّ،فدعا
بامرأتين له، وخيـّر أحظاهما عنده بين اللباس والحـِلـْية،وكان وزيره
حاضراً،فنظرت المرأة إلى الوزير كالمستشيرة له، فغمزها بعينه أن تختار
اللباس،ولحظه الملك، فاختارت المرأة الحلية لئلا يفطن للغمزة،ومكث
الوزير أربعين سنة بعد ذلك يغمز بعينه في حضرة الملك حتى يظن أنها
آفة أصابته، أو عادة صارت له،فلما حضرت الملك الوفاة، قال لولده:
توصّ بالوزير خيراً، فإنه ظل يعتذر من شيء يسير أربعين سنة!.
ــــــــــــ
يتمنى محضراً غيّبه الله عنه
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال:
جلسنا يوماً إلى المقداد بن عمرو، فمرّ به رجل فقال للمقداد: طوبى
لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لوددنا
أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت. فغضب المقداد، وجعلتُ أعجب
من غضبه، وقلت له: مالك غضبت؟ والله ما قال إلا خيراً. فقال المقداد:
ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيّبه الله عنه، ما يدري لو
شهده كيف كان يكون فيه؟ لقد حضر رسول الله أقوام لم يجيبوه ولم يصدّقوه
فكبّهم الله في جهنم أفلا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم،
مصدّقين بما جاء به نبيكم، وقد كُفيتم البلاء بغيركم؟
ــــــــــ
رحمك اللَّه يا بُنَيَّ
قال زياد بن أبي حسان شهدت عُمَرَ بنَ عبد العزيز
رحمه اللّه حين دفن ابنَه عبد الملك فلما سُوِّيَ عليه قبرُه بالأرض
وجعلوا على قبره خشبتَينِ من زيتونٍ إحداهما عند رأسه والأخرى عند
رجليه ثم جَعل قبرَه بينه وبين القبلة واستوى قائماً وأحاط به الناس
قال: رحمك اللَّه يا بُنَيَّ فلقد كنتَ برّاً بأبيك وما زلتُ مُذ
وهبك اللَّه لي بك مسروراً ولا واللَّه ما كنتُ قطُّ أشدَّ بك سروراً
ولا أرْجَى لحظّي من اللّه فيك منِّي مُذْ وضعتُك في هذا الموضع الذي
صَيَّرك اللَّه إليه فغفر اللَّهُ ذنبَك وجَزَاك بأحسن عَملِك وتجاوَزَ
عن سيِّئتك ورحم اللَّه كلَّ شافعٍ يشفع لك بخيرٍ من شاهدٍ أوْ غائب
رَضِينا بقضاء اللَّهِ وسلّمْنا لأمره فالحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين
ثم انصرف.
ــــــــــ
أتدرون ما أراد؟
كان أبو العلاء المعرّي يومـًا عند الخليفة ببغداد،
وكان الخليفة يكره المتنبي ويضع منه، وأبو العلاء يحب المتنبي ويرفع
من قدره ويمدحه. فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس، فذمـّه الخليفة.
فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أوّلها: لك
يا منازل في القلوب منازلُ.... لكفاه ذلك. فغضب الخليفة، وقال
لمن في المجلس: أتدرون ما أراد هذا الـ(...) من ذكره لهذه القصيدة؟
أراد قول المتنبي فيها: وإذا أتتـكَ مـذمـّتي من ناقصٍ
فهي الشـهادة لـي بأنـّي كاملُ
وإلاّ فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه، وإنما أراد هذا. ثم قال:
أخرجوا عني هذا الـ (...) وحين سئل أبو العلاء عن ذلك قال: والله
ما أردت إلا هذا!.
ـــــــــــــــ
بملء قبرك سـؤدداً
كان علي بن محمد مليح المقطعات، حلو الشعر، خبيث
الهجاء، وليس له حظ في التطويل، إنما يسنح له المعنى، فإذا أراد أن
يركب عليه معنى آخر استهدم بناؤه، وهو القائل في أبي يحيى المنجم يرثيه:
قد زرت قبرك يا عليّ مسلّـمـاً ولك الزيارة من أقلّ الـواجـبولو استطعت
حملت عنك ترابـه فلطالما عنّي حملـت نـوائبـيودمي فلو أني علـمـت بـأنـه
يسقي ثراك سقاه صوب الصائب لسكبته أسفاً عـلـيك وحـسـرة وجعلت ذاك
مكان دمعٍ ساكـبولئن ذهبت بملء قبرك سـؤدداً لجميل ما أبقيت ليس بـذاهـب
ـــــــــــــ
انصرف راشداً
كان أصحاب المبرد إذا اجتمعوا واستأذنوا يخرج
الإذن فيقول إن كان فيكم أبو العباس الزجاج وإلا انصرفوا فحضروا مرة
ولم يكن الزجاج فيهم فقال لهم ذلك فانصرفوا وثبت رجل منهم فقال عثمان
للآذن قل لأبي العباس انصرف القوم كلهم إلا عثمان فإنه لا ينصرف فعاد
الآذن إليه وأخبره فقال له إن عثمان إذا كان نكرة انصرف ونحن لا نعرفك
فانصرف راشداً.
ــــــــــــ
تلقَّاها عـرابة
قيل لعرابة بن أوس: بم سدت قومك؟ فقال: والله
إنّي لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل
فعلي فهو مثلي، ومن زاد فهو أفضل، ومن قصّر فأنا خيرٌ منه. فقال فيه
الشّمّاخ:
رأيتُ عرابةَ الأوسيَّ يسمـو
إلى الخيرات منقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفعَتْ لـمـجـد
تلقَّاها عـرابةُ بـالـيمـين
ـــــــــــــ
أو ما أعطى أبي أباك؟
قال المدائني :كانت بنت هرم بن سنان عند عائشة
أم المؤمنين فدخلت عليها صبية تسأل فقالت مالي لا أرى عليك آي السؤال؟
قالت لها إني بنت زهير بن أبي سلمى. فقالت لها بنت هرم أو ما أعطى
أبي أباك ما أغناه؟ قالت إن أباك أعطى أبي ما فني وإن أبي أعطى أباك
ما بقى.
ـــــــــــ
ما أنت كما قال الشاعر
روى المعدل بن غيلان أن امرأة من بني نعيم مرت
ومعها ديك لها على شباب من بني نمير فأتبعوها أبصارهم فقالت لا نظر
الله اليكم برحمة فوالله ما أطعتم الله فيما أمركم به من غض الأبصار
اذ يقول :"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" ولا أطعتم جريراً
حيث يقول لكم:
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعباً بلغت ولا كلابـا
فقال لها رجل منهم ما هذا الديك الذي معك فقالت:
هو البازي المطل على نمير
أتيح من السماء له انصبابـاً
إذا علقت مخالبـه بـقـرن
أصاب القلب أو هتك الحجاباً
قال ثم مرت مسرعة فصاح بها رجل منهم من خلفها عظيم البطن ما أنت كما
قال الشاعر:
كأن مشيتها من بيت جارتـهـا
مر السحائب لا ريث ولا عجل
قالت وأنت والله يا عظيم البطن ما أنت كما قال
الشاعر:
مهفهف ضامر الكشحين منخرق
عنه القميص لسير الليل محتقر
تكفيه حزة فلـذ إن ألـم بـهـا
من الشواء ويروي شربه الخمر
ــــــــــ
الفارس أبو محجن
كان أبو محجن رجلا شاعرا شريفا وكان قد غلب عليه
الشراب، فضرب فيه مرارا، ثم حبسه سعد بالقادسية في القصر معه، والناس
يقتتلون، فجال المسلمون جولة وهو ينظر، فقال:
كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا
وأترك مشدودا على وثـاقـيا
إذا قمت غناني الحديد وأغلقـت
مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثـير وإخـوة
فقد تركوني واحدا لا أخـا لـيا
وقد كنت ذا مال كثـير وإخـوة
أرى الحرب ما تزداد إلا تماديا
وكان مقيداً يومئذ عند زبراء، أم ولد سعد بن
أبي وقاص، فقال لها: أطلقيني، فلك الله، لئن فتح الله على المسلمين
وسلمت، لأرجعن حتى أضع رجلي في القيد. فأطلقته، وحملته على فرس لسعد،
فأخذ الرمح فخرج فقاتل، فحطم المشركين. فقال سعد: لولا إن أبا محجن
محبوس لقلت: الفارس أبو محجن! فلما فتح الله على المسلمين رجع إلى
محبسه،فقال له سعد: لا ضربتك في الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله
لا أشربها أبدا.
أعلى
الادب
الشعبي
* وهج ..
بيني وبينك
لا تنامي والسهر يسكن جراحي
والمسافة تحتضر بيني وبينك
يا عسى يشرق في هاللحظه صباحي
وما تحسي غير إيدي في يدينك
عندها، لا تسألي عن شيء راحي
وأسألي كيف أشتري ْبعمري سنينك
علي الحارثي
ــــــــــ
* استراحة ..
البرعة
من الفنون التي يمارسها الرجال ولا تشارك فيها
النساء الا في الغناء خاصة في الرد على المغني، ولا تستخدم فيه المطارحات
الشعرية، والغناء في البرعة أغلبه في الغزل، والشعر فيه مسبق وغير
مرتجل والشلة فيه تسمى صوتا، ومثال لذلك هذا النموذج من شعر البرعة
الذي يغنى في الأعراس:
حبل المحبة الهي رب لا تقطع
والشمل تجمع لمن له قلب هجاعي
لله محبي صغير السن يتواضع
يعطف ويرحم من اللي كبده لساعي
اللي مجاري دموعه جرح المجمع
واللي فؤاده قطار دماعي
ــــــــــ
* دعوة ..
منتديات مجلس الشعر الشعبي العماني
يقدم مجلس الشعر الشعبي الدعوة لكافة الشعراء
والمهتمين المشاركة في منتديات المجلس الإلكترونية والتي تم تفعيلها
مؤخرا سندا للموقع الإلكتروني الخاص بالمجلس، حيث يحتوي المنتدى على
مجالس حوارية مختلفة للشعر الشعبي والفصيح، ومجالس للأخبار والنقد
والدراسات، إضافة إلى مجلس التراث والهمس وغيرها، كما يطرح الموقع
الرئيسي للمجلس على عنوانه http://www.majlesom.com الاخبار الخاصة
بالمجلس إضافة إلى فعالياته القادمة، كما سيتم تفعيل الديوان الإلكتروني
للشعراء من خلاله بحيث يمكن لكافة الشعراء إضافة دواوينهم الشعرية
بأنفسهم، إضافة إلى وضع اخبارهم ومشاركاتهم كتابة وصورة.
ــــــــــ
خارج التعبير..
تسنّــد وحدتك وأشعل سؤالٍ يحــرج التعبيــر
تسندعن شتاتٍ ما يجيب إلا حديث اللّـــوم
لسانك مو حصانك والزمن ما هو زمان الـزير
تزوّد بالسكوت ولــو قِــدرّك إنك لســـان القوم
سرى عُمْركْ وصرت الحاني ضلوعك بـلا تبرير
عصَاك الصبر كنك عشت وضلوعك عليك تقوم
تمر أيــام تتمنى جنــاحين، وفضـــا، وتطيـــر
بـلا تـاريخ أو كـذبه.. بـلا ظـــالم بــلا مظلــــوم
تمدد يالعطش خلّ السواقي من غــــلاك تغيـــر
عدد مـاي المزون.. وعدّ ما هدّ الضلـــوع همـــوم
هلا بالشمس من أوّل ذهبها لين قرص عْصيـر
هــلا بغيــاب يغرق كل ما حــج الـجفـــن للنـوم
مع الأحلام تصعد وانت أرضك للنزول تسير
من الأشواق تبرد.. لا حبيب ولا صديق يــدوم
متـى الأيام عنها تغّسل الذنب العـظيـم بخيـــر!
متى الأسفلت صبره ينتحر في الشــارع المــعدوم!
وربـــي ما رحــلت إلاّ لأنــك يا بلادي غير
ولا عندي كــلام أكـثر من اللّي فــات قبل اليـوم
أحمد السعدي
ــــــــــ
حصير الرماد
أفرش حصيري للرماد يمر ويثرثر معي
وآسمعه بعض القصايد من حطام الذاكره
في أضلعي زيف يكسر ما بقى من أضلعي
زيف أغاني أوله تخنق أماني أخره
في داخلي زحمة قصايد ما تشنف مسمعي
ليت الغياب اللي سكن فيني سحابه عابره
من طارت الغربان باحلام الحصاد ومدمعي
يسقي جراد ماعرف إلا يعري باكره
والذاكره ليل / زمن
منّ برغيفه
رغم قبح الجوع
واحلام الحصاد
وما بقى من هالألم
إلا رماد الإنتظار
والذاكره درب طويل
الذاكره حلم جميل
الذاكره مهرب
من كل أوجاعي
الذاكره أعذب
من كل أطماعي
ما باقي الا الضمى
يمضغ سنين عجاف
زحمة وجوه ودمى
والذاكره والجفاف
لو يعرف الوقت ما
في داخلي كان خاف
من صاب حلمي العمى
ما شاف والوقت شاف
والحزن فيني نما
صرت احترفه احتراف
وآنا شربته كما
أشرب كؤوسي صراف
سمه جحود/انتماإنكار حق/ اعتراف
عصيان /طوع انما
راسي ينع للقطاف
لو هالضمى ما رمى
فيني مشاعر رهاف
لو كنت اشوف السما
ودموع عيني نظاف
ما كنت اخلي الدما
تحمل سموم زعاف
ما كنت اخلي الضما
يحرق سنيني العجاف
عبدالعزيز الحسيني
ــــــــــ
* قصيدة مسافرة ..
خارج السرب
خارج السرب حلق في سماك الفكر
كان غنت طيور الليل من وكرها
لك تركت الفضا كله مساحة نشر
تيه واطلع بنفسي فيك الى قدرها
يانزيه المواكر ياعزيز القدر
ياوحش ياطليق الروح ياحرها
لا تدور لنفسك عن مرامك عذر
النفوس العظيمة موتها عذرها
ويش معنى حياتك في ربيع العمر
كانك بتحسد الميته على قبرها
بالرجا بالتمني بالامل بالصبر
الليالي ليا طالت عليك اسرها
كنت اقدم قصيدي ورد واهل الشعر
ناقة تقطف الوردة وتجترها
لكن اليوم حنا في زمن في عصر
ابن زايد محمد واكتمل درها
غن يامن بصدري لك زمانٍ تجر
هات عجز القصيدة واعطني صدرها
ماهجرت الوزن والقافية من عسر
لكن النفس ماكان الشعر خمرها
اشغلتني حياة ( الغندبه والفقر
في مشاويرها واغنتني بفقرها
موتري يطوي البيد ويحوم النسر
ويتسابق معي ظله على برها
يطلب الله رزقه من صلاة الفجر
لين ماتستريح الشمس في خدرها
كن روحي بجنحانه عليها نذر
ماتوقع بدار الا على نذرها
اعتزلت المدينه عن حياة الحضر
في صحاح الفلا والعين ذا بصرها
خيمتي والنسايم بالنسايم تمر
والثريا على جفني غفى بدرها
يسري الليل يسريبي وضوي سمر
تنجذب له بنات الجن من سدرها
كان يطحن براسي حب صوت النجر
ويتمايل بروس ابلي صدرى نجرها
ترزم النوق من حولي بضيقة صدر
وانا مع فوحة الدلة على جمرها
اتقهواه فنجالي بحالة سكر
واسأل الليل هالنجمات كم عمرها
شفت سر الوجود بسر حب التمر
واكتشفت اكبر الاشياء من صغرها
به يلف الغموض الكون به ابتصر
كل ايه تجي من اية كبرها
والنجوم القريبه في سماي شكثر
لكن بقلبي الجوزا وياحرها
لي تلوح المدينه بالليوت الصفر
من بعيدٍ سفينه والدجى بحرها
كنها في غياهب ليلها تحتضر
تغرق ويغرق الانسان في قعرها
كل بيت سكنته في فناها قبر
كل حلوٍ تذوقته بها مرها
لجو الناس فيها الهلال النصر
التعصب يعل الروس ويضرها
ذاك عبدالاله وذاك عبدالخضر
واتّشابه عقول ويختلف فكرها
والتطرف لمذهب دون مذهب كفر
اشهد اني بريء النفس من كفرها
خارج اسوارها حلق سماك الفكر
لاقيودك قيود ولاانت في اسرها
فالح الدهمان الظفيري *
* شاعر سعودي .
أعلى
من
خلال الدراسات العربية
صورة "ألف ليلة وليلة" في الأدب الفرنسي (4 ـ 7)
علي بابا والأربعين حرامي: أما "قصة علي
بابا والأربعين حرامي" فهي من أولى القصص التي تناولها المسرح
الفرنسي، وأول من اقتبسها للمسرح الفرنسي كاتب من جنوب فرنسا هو (جيليبر
بيكسيريكور) (1773-1844) وبعده بعشرة أعوام تناول (سكريب) الموضوع
نفسه. إلا أن المغالاة في إثارة المشاعر، في هاتين المسرحيتين وفي
تصوير بؤس علي بابا، وشراسة اللصوص، وجو الغابة المخيف، ثم بذخ علي
بابا والنعيم (الشرقي) الذي يرفل فيه، مبالغات رومانيتكية لم يصحبها
عمق في الفكرة أو في تحليل المواقف والشخصيات، مما أدى إلى ضياع هاتين
المسرحيتين في طيّ النسيان. وهذا عكس ما حدث للأوبرا كوميك الاستعراضية
التي ألفها عام 1887م ألبرت فانلو (1846-1920)م مع وليم بوزناخ (1832-1907)
م .
وتتكون المسرحية الفرنسية من ثلاثة فصول وثماني لوحات، ويلاحظ أن المؤلّفين
غيرّا كثيرا من تفاصيل القصة العربية، وأدخلا تعديلات على الشخصيات
الرئيسية. فيبدو (علي بابا) حطابا مسكينا لا شريك له في الحياة سوى
جاريته مرجانه. و(قاسم) ابن عمه، وهو تاجر كبير تعاونه زوجته (زبيدة)
في إدارة متجره الذي يضم الكثير من العمال. وتدور التعديلات في ثلاثة
محاور رئيسية، هي: محور التناقض، ومحور الواقعية، والمحور الاستعراضي
الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على الطابع الشرقي .
إن التناقض من المقومات الرئيسية لأية مسرحية، والمقصود هنا هو التناقض
بين الشخصيات والأوضاع التي توجد فيها، والتناقض - هنا - واضح من البداية
إلى النهاية: التناقض بين بؤس (علي بابا) مثلا وبذخ (قاسم). ولإبراز
هذه النقطة خصص الكاتبان اللوحة الرابعة لما أسمياه "كوخ علي
بابا". ولم يكتفيا بذلك بل سرعان ما ألقيا به على قارعة الطريق،
وقد صدر حكم بطرده وبيع أثاثه الرث وثيابه البالية، بعد أن عجز عن
تسديد الإيجار. أما (قاسم) فيشهد مسكنه بثرائه، وكذلك متجره المكتظ
بالبضائع المتنوعة، ويصاحب هذا التناقص المادي تناقص معنوي عكسي. فطيبة
(علي بابا) "الفقير"، ورضاه بما قسم الله له. يناقضها جشع
(قاسم) "الغني" الذي لا يشبع، والذي يُشاهد في المسرحية
يتصّرف بشكل يتنافى مع نخوة الرجولة والشهامة الشرقية، فهو الذي يطرد
(علي بابا) من مسكنه، ولا يتردد في الانضمام إلى اللصوص الأربعين كي
ينجو من القتل، ثم هو الذي يشي بابن عمه (علي بابا) في نهاية المسرحية.
والتناقض بين شخصية (علي بابا) وشخصية (قاسم) يوازيه تناقض آخر بين
رفيقتيهما. أمّا (مرجانه) جارية (علي بابا) الكتوم فهي مثال للإخلاص
والتفاني؛ لا هم لها سوى إسعاد سيدها وهي شديدة التمسك به برغم فقره،
بينما (زبيدة) زوجة (قاسم) لا يعنيها سوى ثروته. وفضولها هو الذي يؤدي
إلى الكارثة التي تذهب بحياة زوجها في النص العربي، وإلى تحوله إلى
لص وحرمانه من هويته في النص الفرنسي.
وهذه الشخصيات وإن كانت تقوم بأدوار رئيسة متماثلة في القصة العربية
والمسرحية الفرنسية إلا أنها تنطوي على اختلاف كبير في تصرفاتها وفي
ردود أفعالها، ويرجع هذا الاختلاف إلى البيئة التي أنتجت هذه الشخصيات.
وكلا النصين "واقعي" على طريقته، ولكن شتان بين الواقعية
الشرقية البدائية، والواقعية الغربية الفاضحة، وكذلك بين الواقعية
التي تتحملها القصة كنوع أدبي، وتلك التي تتقبلها الكوميديا الاستعراضية.
ومرجانه في النص العربي تتصرف بوحشية بدائية، فهي ترد العدوان بمثله
أو ما هو أشد ضراوة وهذا العنف البدائي قد شد (بيكسيريكور) حين صاغ
قصة (علي بابا) ميلودراما رومانتيكية عام 1823م، فحرص على التمسك بهذا
العنف فيها خاصة أن الميلودراما الرومانتيكية تمزج بين القبح والجمال،
وبين العنف والرقة، وتلجأ إلى استثارة الجماهير بالمشاهد الدامية.
أما الكوميديا الاستعراضية فهي على العكس من ذلك تستهدف إشاعة البهجة
والحبور، ولذلك يحذف المؤلفان الأحداث الدامية كلها، فاللصوص لا يقتلون
قاسما أو يمزقون جثته للتمثيل به، بل يرق له قلب جلاده فيعفو عنه،
بعد أن يشترط عليه أن يذيع نبأ موته، فيتنكر في زي لص وينضم إلى العصابة،
وفي نهاية المسرحية تكتفي مرجانه بتسليم اللصوص إلى العدالة بدلا من
قتلهم. وإذا كانت هذه التغييرات قد أضعفت دور (مرجانه) فهناك تغييرات
أخرى أعطت أبعادا جديدة لدور (علي بابا) و(قاسم) و(زبيدة) زوجته، فهذه
الشخصيات يستخرجها الراوي العربي من بيئة ذات نظام اجتماعي بسيط، يعتمد
فيها الفقير على التحطيب والغني على التجارة. ولا تعطينا القصة الأصلية
أيه تفاصيل عن ماهية تجارة (قاسم) أو مداها، فقد يكون (قاسم) من التجار
الرحل أو صاحب حانوت صغير يعيش في بحبوحة من العيش دون أن يصل إلى
حد البذخ، وبعد موته يضم (علي بابا) أرملته (زبيدة) إلى أسرته التي
ينتهي دورها عند هذا الحد.
أما المسرحية الفرنسية التي أبرزت بؤس (علي بابا) وثراء (قاسم)، فإنها
أرادت أن تعبر بصورة هزلية عن عذاب الفقراء والمعدمين من العمال الذين
خرجوا إلى الحياة، دون أن يتعلموا أية حرفة أو مهنة مثل (علي بابا)،
فوقعوا ضحية استغلال البرجوازية الغنية التي يمثلها (قاسم)، تلك البرجوازية
التي تطردهم من ديارهم وتحسدهم على النزر القليل، وتستكثر عليهم أي
رزق إضافي آخر .
أما (زبيدة) فهي تمثل فئة من نساء الطبقة البرجوازية، التي تطمع في
السلطة والجاه، ولا تتورع عن اتخاذ أية وسيلة لتحقيق مآربها حتى لو
انتهى بها الأمر إلى الاتجار في عرضها، فهذه الأرملة الطروب تذهب غداة
وفاة زوجها للقاء (علي بابا) وتراوده عن نفسها طمعا في ثروته، كما
أنها لا تستحي من محاولة الإيقاع ببعض صبية المتجر في حبائلها... ولا
علاقة بين هذه الصورة وألف ليلة وليلة، ذلك لأنها تنبع من المجتمع
الفرنسي الذي زاد فيه الإجحاف والجشع والانحلال بعد حرب 1870م، تلك
التي دارت رحاها بين فرنسا وألمانيا.
د. حمود الدغيشي*
* أكاديمي عُماني
أعلى
توفي
مؤخرا في سن الـ 28، منجزا 18 فيلما رشحته للأوسكار
هيث ليدجر.. ممثل يشارك شخصياته نفس الهواء الذي
تتنفسه!
ترك المدرسة ومدينة طفولته غربي أستراليا متوجها
إلى سيدني بحثا عن فرصة للتمثيل
كان ليدجر موهوبا حقيقيا يعتمد على التمثيل لا
على الخدع والمؤثرات
عبدالله خميس *
في الثاني والعشرين من يناير 2008، وُجِد الممثل
الأسترالي الشاب هيث ليدجر Heath Ledger ميتا بشقته في حي منهاتن بمدينة
نيويورك الأميركية والتي أقام فيها منذ نحو عامين ونصف بعد أن باع
ممتلكاته في وطنه الأم أستراليا وهاجر ليقيم بصفة دائمة في نيويورك
فرارا من إزعاجات مصوري الصحافة المتطفلين. اتضح لاحقا للطب الشرعي
أن وفاة ليدجر جاءت نتيجة جرعة دواء زائدة تشكلت من خلطة من مسكنات
الألم ونحوها تناولها بنفسه.
صدمت وفاة ليدجر الكثيرين، فهو قبل كل شيء قد توفي في سن الثامنة والعشرين،
وهي سن باكرة جدا. أما الصادم أكثر من ذلك، فإن هيث ليدجر قد توفي
في عز عطائه الفني، بعد أن حقق مجموعة أفلام رسّخت اسمه وأنالته شعبية
دولية، حيث كان متابعو الفن السابع ينتظرون منه عطاء أكثر نضجا وأوفر
كمّا في السنوات القادمة.
خلال 11 عاما، وهو العمر الفني لهيث ليدجر، ظهر ليدجر في 18 فيلما
منها إثنان لم يتم عرضهما بعد. وإضافة للتمثيل فقد كان ليدجر ينوي
أن يتحول إلى مخرج سينمائي، وتمهيدا لهذا فإنه قد تمكن قبل وفاته من
إنجاز إخراج بعض أغاني الفيديو كليب كتدريب أوليّ على الإخراج.
* * *
"التمثيل" هو الحلم الذي حلم به هيث ليدجر منذ صباه، حتى
أنه ترك المدرسة لأجل التمثيل وترك مدينة طفولته بيرث في غربي أستراليا
متوجها إلى سيدني بحثا عن فرصة للتمثيل. المهارة الأخرى التي احترفها
ليدجر هي لعب الشطرنج، فقد سبق له الفوز في سن باكرة ببطولة استرالية
وطنية في الشطرنج. ولآخر عمره وحتى بعد أن صار ممثلا مشهورا، كان يحب
لعب الشطرنج في منافسات ودية مع عدد من أشهر أبطال اللعبة.
بدأت الحياة السينمائية لهيث ليدجر عام 1997 مع دورين صغيرين لعبهما
في فيلمين أستراليين، أحدهما ظهر فيه صوته فقط، والآخر شارك فيه بالتمثيل
الكامل. إلا أن 1999 كانت هي الانطلاقة الفعلية، وهي انطلاقة سريعة
جدا جاءت دفعة واحدة وأخذته فورا للشهرة العالمية. في تلك السنة، أي
في عام 1999، ظهر ليدجر في دور البطولة في فيلمين. الأول هو الفيلم
الكوميدي الهوليوودي "10 أشياء أكرهها فيك"، والثاني هو
الفيلم الأسترالي الناجح جماهيريا والذي تخاصم النقاد حوله كثيرا،
ألا وهو فيلم "يدان اثنتان"
(أو بترجمة أخرى "إسداء خدمة")، والذي سنعرّج عليه في بعض
سطور هذه المادة.
في عام 2000 دخل ليدجر عالم الإنتاج الهوليوودي الضخم وذلك بفيلم "الوطني"
مع مواطِنِهِ الممثل الشهير ميل جيبسون، بعدها بسنة شارك ليدجر في
بطولة فيلم "رقصة الوحش" الذي دخل منافسات الأوسكار ذلك
العام وحصد جائزة أفضل ممثلة في دور رئيسي والتي ذهبت لـ هالي بيري.
في سنة إنتاج "رقصة الوحش"، أي عام 2001، ظهر ليدجر في البطولة
المطلقة لفيلم الكوميديا الرومانسي "حكاية فارس" وهو فيلم
تدور أحداثه في العصور الوسطى ولكن بإنجليزية شبابية معاصرة وبأغاني
حديثة لبريتني سبيرز وغيرها.
من العلامات الفنية اللافتة في مسيرة هيث ليدجر فيلم "ند كيلي"
Ned Kelly الذي رأى النور عام 2003 ولعب فيه ليدجر دور الزعيم الأسترالي
المتمرد من أصل إيرلندي ند كيلي الذي سعى لتكوين إمبراطورية إيرلندية
في أستراليا. يعد لعب ليدجر لدور شخصية قومية أسترالية مرحلة متقدمة
في مسيرته الفنية بحيث أصبح قادرا على لعب أدوار شخصيات تاريخية بما
في ذلك تحمّله للأبعاد السياسية وغيرها ترافق لعب الدور.
المحطة الأميز لـ ليدجر بعد ذلك هي فيلمه "جبل بروكباك"
الذي لعب فيه دور مثليّ جنسيّ ورشح عنه لأوسكار أفضل ممثل في دور رئيسي
لكنه لم ينل الجائزة، غير أنه نال استحسان كبار النقاد وأشهر المجلات
الفنية الأميركية الرائجة.
في عام 2006 ظهر ليدجر في الفيلم الأسترالي "كاندي" Candy،
وهو فيلم لم ينل شهرة دولية، إلا أن أداء ليدجر فيه كان قد وصل إلى
نقطة تقترب من الكمال. أما آخر فيلم جاهز، ابتدأ عرضه فعليا، وشارك
فيه ليدجر فهو فيلم "أنا لست هناك" ويتناول العالَم الغرائبي
للمغني الشهير بوب ديلان، وقد كان ليدجر أحد الوجوه التي أدت دور ديلان،
حيث يمثل شخصية هذا المغني في أطواره النفسية المختلفة أكثر من ممثل
منهم نساء يلعبن دوره!
آخر فيلم اكتمل تصويره وشارك فيه ليدجر بدور أساسي هو فيلم "الفارس
الأسود" وهو تتمة لفيلم "عودة الرجل الوطواط"، ويؤدي
فيه ليدجر دور الجوكر الذي كان الفنان القدير جاك نيكلسون قد لعبه
عام 1989. "الفارس الأسود" فيلم قد اكتمل مونتاجه تماما
وهو مجدول للعرض ضمن أفلام صيف 2008، ما لم تُحدِث وفاة ليدجر تغييرا
في البرنامج.
وافت المنية هيث ليدجر وقد تبقت له عدة مَشاهد لم يصورها من فيلم "أوهام
الدكتور باماسوس". في حفل تأبين ليدجر أشار تيري ليليان مخرج
الفيلم أنه غير عازم على حذف المشاهد التي أداها ليدجر، بل سيكمل العمل
ربما مستعينا بحيل وخدع حاسوبية، كما أشار أن الفيلم سيهدَى لذكرى
هيث ليدجر.
ذكرى هيث ليدجر مرشح لها أن تظل باقية، فقد كان ليدجر موهوبا حقيقيا
يعتمد على التمثيل لا على الخدع والمؤثرات. امتلك ليدجر وسامة وجاذبية
ساعدتا في تبوئه مكانة أثيرة في قلوب عشاقه لاسيما من الفتيات، إلا
أن وسامته لم تجعله أسيرا لدور الفتى الرومانسي، بل تنوعت أدواره حتى
لعب المعقد جدا منها كمدمن المخدرات المعذب والمشوَّش في فيلم "كاندي".
كما لعب الشخصية التاريخية كما في فيلم "ند كلي"، وإذا كان
الفيلم قد جاء محملا بمغالطات تاريخية وتم رسم الشخصية بمقاييس هوليوودية
فرّغتها من أبعادها الفكرية العميقة، فإن مجازفة القبول بالدور لا
يمكن اعتبارها بلا نقاش سقطة شنيعة في مسيرة فنان وظيفته الأساسية
هي التمثيل وتجويد أدائه، فالأمر قابل للنقاش.
* * *
"يدان إثنتان" هو أحد فيلمين أطلقا شهرة هيث ليدجر عام 1999،
وذلك مع الفيلم الأميركي "10 أشياء أكرهها فيك". أخرج يدان
اثنتان المخرج الأسترالي جورج جوردان، وظهر فيه ليدجر إلى جوار الممثل
الأسترالي المخضرم برايان براون. لعب ليدجر في "يدان اثنتان"
شخصية الشاب "جيمي" الذي يدخل على استحياء عالم الجريمة
لتحسين حياته المادية، لكن الأمور ـ منذ أول مهمة يكلَّف بها ـ تسير
كليا ضد طموحاته.
بدا ليدجر في الفيلم متمكنا وواثقا من نفسه، كما بدا أشبه بالطفل المعجزة:
كان وجها جديدا في دور رئيسي في فيلم ذي أسلوب مختلف، ورغم كونه وجها
جديدا إلا أنه كان كارزميا، فقد استطاع ليدجر في "يدان اثنتان"
أن يخلق بين المُشاهد وبينه ألفة وكأن المشاهد يعرفه قبلا منذ سنوات.
الفيلم خليط بين الفانتازيا والأكشن والكوميديا، إضافة إلى قصة حب
محشوة في المنتصف، إلا أن سلاسة السيناريو وكاريزمية أداء ليدجر جعلا
الفيلم انسيابيا عذبا ومسليا.
في 2006 كان أداء ليدجر قد تحسن كثيرا، وذلك في فيلم "كاندي"
الذي سبق وأن تناولناه في مقالة مستقلة قبل شهر من الآن. "كاندي"
فيلم عن الانهيار الذي يقود إليه الإدمان. عن الأحلام المحلقة عاليا
في السماء عندما ينسى أصحابها أنهم مخلوقات أرضية. هو فيلم عن المعاناة،
مثلما هو فيلم عن الأمل والإرادة. هو باختصار فيلم عن معاناة الإنسان
للخروج من واقع قاس لا يعرف هل قاد نفسه بنفسه إليه أم فرضته عليه
الحياة رغما عن أنفه.
ينقسم فيلم "كاندي" إلى ثلاثة فصول تظهر أسماؤها على الشاشة.
كل فصل منها يحتل تقريبا ثلث زمن الفيلم. الفصل الأول هو السماء أو
الفردوس، أو بالإنجليزية Heaven التي تعني المعنيين معا: السماء والفردوس.
هو على أية حال فصل عن الفردوس الوهمي الذي يدخل إليه من يتعاطى المخدرات
فيظن أنه يحلق بجناحين إلى السماء. الفصل الثاني هو الأرض. وهي أرض
يهوي إليها بطلا الفيلم بعد أن اكتشفا أن التحليق في الأعالي لا يتم
بالأجنحة الوهمية. أما الفصل الثالث فهو الجحيم، وهو ـ كما يَبِيْـنُ
من السياق ـ الجحيمُ الذي يهوي إليه أبطال الفيلم بعد رحلة فاشلة إلى
فردوس السماء وسقوط مدو على الأرض.
في "كاندي" رسم ليدجر انفعالات الشخصية التي أداها بتعمق
|