|
فتاوى وأحكام
*إمام يصلي بالناس وبعد الصلاة شكّك أحد المأمومين في عدد الركعات
وقال بأن الإمام أنقص ركعة؟
**إن كان ذلك واثقاً من نفسه مطمئناً فعليه هو أن يعيد ولا يُكلف الإمام
أن يعيد. من لم يكن موقناً إيقانه فلا يلزمه أن يعيد.
*رجل ذهب إلى مكتب عقاري لبيع الأراضي، أخذ مواصفات أرض وفي الظاهر
كأنه أراد أن يشتري هذه الأرض لكنه عرضها في مكاتب أخرى للبيع، هو
لم يشترها وإنما أخذ مواصفات الأرض ثم عرضها للبيع، هل في هذا هو حرج
عليه؟
**لا ، لا ، ما لم يشترها وتكون في ذمته لا يجوز له أن يبيعها.
*رجل غطى ثوبه الجوزة فهل هذا من الإسبال؟
**النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: إزرة المؤمن إلى نصف الساقين لا
حرج فيما بين ذلك وبين الكعبين وما كان أسفل الكعبين فهو في النار.
في هذا الحديث سكت عن الكعب وإنما بيّن أن إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين
ولا حرج في ما بين أنصاف الساقين وما بين الكعبين، إلا أن هناك رواية
أخرى عنه صلى الله عليه وسلّم تقول: لا حظ للكعبين في الإزار. ومعنى
ذلك أنه لا بد من إظهار الكعبين.
*كيف نوفّق بين حديث الرسول الكريم (ما جاءكم
عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني) وبين
وجود السنة النبوية التي تنفرد بأحكام عن القرآن الكريم؟
**تلك الأحكام هل هي معارضة لما في القرآن أو
هي مخصصة لعمومات القرآن أو مقيدة لمطلقات القرآن، فإن كانت مخصصة
فلا تعارض بين الخصوص والعموم، حكم القرآن يحمل على العموم وهذا يحمل
على الخصوص، والخصوص يُقدّم على العموم، لأن العام ظني الدلالة وإن
كان قطعي المتن، ولو كان متنه متلقى بطريق القطع كالقرآن أو الأحاديث
المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلا أنه بما أنه عام والعام
يحتمل التخصيص بل احتماله للتخصيص احتماله قوي فإن معظم العمومات مخصصات
ما عدا العمومات التي لا يمكن أن يطرقها التخصيص وبما أنها بمثل هذه
الحالة أحكام العمومات يمكن أن يطرأ التخصيص ولو من الأحاديث الآحادية
فيؤخذ بالحديث الآحادي عندما يكون مخصصاً في شيء يحتمل التخصيص لا
فيما لا يحتمل التخصيص، في ما لا يحتمل التخصيص لا يمكن أن يؤخذ، لأن
هناك أمورا لا تحتمل التخصيص قد يكون ذلك راجعاً إلى العقل، العقل
لا يقبل التخصيص في بعض العمومات، بل العقل والشرع جميعا مثل قول الله
تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ
إِلَهٍ) (المؤمنون: من الآية91)، فلو جاءت رواية ذُكرت، قد يكون بعض
المغرضين ينسب رواية يذكرها السلف هذه ترد مهما كان لأن العقل والنقل
قاضيان باستحالة التخصيص، لا يمكن ان يتخذ الله من ولد وما كان معه
من إله، كذلك مثل قول الله سبحانه وتعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص:3-4) ، وقوله (لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: من الآية11)، وقوله سبحانه وتعالى: (لا
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) (الأنعام: من
الآية103)، وقوله سبحانه وتعالى: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)
(الكهف: من الآية49)، وقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) (الإسراء: من الآية111)،
هذه العمومات لا يمكن أن تُخصص بحال من الأحوال.
وقد يكون مَنْعُ التخصيص بسبب الإجماع على أنه لا يُخصص هذا الحكم
مثل قول الله سبحانه وتعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ
وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ
الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أرضعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ
مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي
فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فإن
لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ
أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ
الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ) (النساء: من الآية23)، فإن الأمة
متواطئة جميعا بلا خلاف أن الأمهات داخلات في الحكم ولا يمكن أن يُخصص
عموم من هذا بحيث تحل الأم لولدها بحال من الأحوال، وكذلك البنات وكذلك
الأخوات وكذلك العمات وكذلك الخالات....، فمثل هذا لا يمكن أن يُخصص
لو جاءت رواية تفيد التخصيص، هذه الرواية لا يمكن أن تكون ثابتة عن
الرسول صلى عليه وسلّم بحال من الأحوال أما فيما عدا فيؤخذ بالخصوص.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الوسواس ومسبباته
خميس الغسيني: من أعظم مسببات الوسواس الشيطان
والفراغ والجهل
ـ على الإنسان أن يحذر من ألاعيب الشيطان ومداخله وخطواته حتى لا يقع
فريسة لوسواسه وخداعه
ـ علاج الوسوسة الاستعانة بالله تعالى على عدوه الأول الشيطان
حاوره ـ أحمد بن سعيد الجرداني:الوسواس من الأمور
التي ينبغي على المرء معالجتها من خلال نشر الوعي الديني كالأذكار
من خلال القرآن والسنة لقوله تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
فالوسواس مرض يصيب الإنسان حيث يتفاوت من شخص إلى آخر حسب الإيمان
وشخصية الإنسان، فبعض الأنفس الضعيفة يتمكن الشيطان من السيطرة عليها،
بضعفها، ويسبب لها الشيطان تأثيرات نفسه لأنه يخيل للإنسان خيالات
وإذا بهذه النفس تضعف شيئا فشيئا وهو يستغل هذا الضعف، فالله تبارك
وتعالى يقول: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)
(الأعراف:200-201)، وقد دل أيضا القرآن الكريم على ان الوسوسة تكون
من الشيطان (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ
الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) (سورة الناس)، فالإنسان مطالب بأن
يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وفي هذه الاستعاذة ما يدفع هذه
الوسوسة إن شاء الله تعالى.
فمن المعلوم أن الوسواس يتخذ صورا متعددة على
ذهن المريض بشكل مستمر أو بين فترة وأخرى... وحول هذا كانت (للوطن)
هذه الأسئلة التي طرحتها على أحد المعالجين بالقرآن الكريم وهو المعالج
خميس بن سالم الغسيني...
أقسام الوسوسة
*من خلال تجربتكم في معالجة الناس بالقرآن هل
الوسواس مرض عضوي أم هو مجرد وسوسة شيطانية؟
**من خلال وجة نظري يمكن أن تقسم الوسوسة النفسية
الى وسوسة نفسية ووسوسة شيطانية، فالوسوسة النفسية هي الوسوسة الداخلية
النابعة من ذات الإنسان والتي تكون نتيجة كثرة التفكير في أمر ما أو
بسبب الترقب أو التوجس والخوف من أمر من الأمور وأما الوسوسة الشيطانية
فهي الخواطر والأفكار الآتية من قبل شياطين الجن والإنس.
مسبباته
*ما هي مسببات الوسواس؟
**من أعظم مسببات الوسواس الجهل، فالانسان عندما
يجهل أمورا فإنه يحذرها ويخاف منها ولا يعلم كيف يتعامل معها وكيف
يواجهها، فالوسواس والخواطر ستأتيه ويبقى مترددا ومتحيرا، مما قد يعمق
هذه الوساوس فتحدث له آثار وعقد وأمراض نفسية يعاني منها الإنسان،
ويصبح بالتالي أسيرا لهذه الوساوس لا ينفك عنها مما قد يؤدي به الحال
إلى تدمير حياته وتنغيص عيشته، كما أن الجهل قد يوقعه في الدخول والتفكير
بأمور خارجة عن نطاق حدوده الممكنة، مما يدخله في دوامة من الهواجس
والوساوس والسبب الثاني هو الفراغ فالإنسان عندما يكون عاطلا أو لا
يشغل عقله ونفسه بما يفيده من أمور الدنيا والآخرة يكون عرضه لهذه
الوساوس.
والسبب الثالث هو الشيطان، فإنه أعلن عداوته للإنسان وأن كل جهده هو
احتلال الإنسان والسعي من أحل إفساده وتدمير حياته، ولقد أوضح الحقيقة
القرآن الكريم، فيحكي لنا اعتراف الشيطان بنفسه وبأهدافه الخبيثه،
ومن ذلك قوله تعالى: (وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم
ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله
ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم
وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) (سورة النساء 118 - 120 ) .
كما أن على الإنسان عموما ومن أصيب بهذه الوساوس خصوصا أن يكثر من
ذكر الله في جل أوقاته يقول تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) إضافة
إلى المواضبة على قراءة القرآن بنية الاستشفاء به كما قال تعالى: (يا
أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة
للمؤمنين) (سورة يونس الأية 57).
علاجه
*ما هو علاج الوسوسة النفسية والروحية لديكم؟
**إن علاج الوسوسه هو بعلاج أسبابها وهو كما
أشرنا، فعلاج الجهل بالعلم فلا بد أن يتعلم الإنسان ويزيد من العلم
النافع قدر استطاعته وخاصة العلم بأمور الدين لأنها تفتح الآفاق لدى
الأنسان وترشده إلى ما يسعده في دنياه وعقباه، كما أن العلم يوضح له
كيفية التعامل مع هذه الوساوس وكيفية دفعها، كما أن بالعلم يعرف الحدود
التي ينبغي له عدم تجاوزها.
وعلاج الفراغ بالعمل، فعلى الإنسان أن يشغل كل وقته فيما يعود عليه
بالنفع في حياته وفي آخرته، فلا يضيع وقته بلا عمل كما أنه لا يهدر
وقته فيما لا يعود عليه بالنفع، وعليه أن يدرك أنه خلق في هذه الحياة
لفترة محدودة وهي فترة اختبار وعمل فبقدر ما يعمل في هذه الدنيا سيجني
في الآخرة من خير أو شر ومن قليل أو كثير.
وعلاج عداوة الشيطان بتقوى الله والاستعانة به على الشيطان، فبتقوى
الله يكون منسجما مع هذا الوجود، وبالأيمان بالله والالتزام بطاعته
ومجانبة معصيته يكون عقل الإنسان وفكره وسلوكه وخلقه وتطلعاته وتوجيهاته
وهواجسه ورغباته موافقة لما يرضي الله، والله يريد لعباده الفوز والسعادة،
وذلك بالتزام عبادته وامتثال أوامره، يقول تعالى: (فإذا قرأت القرآن
فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين أمنوا
وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون)
(سورة النحل الآيات 98 - 100) فعلى الإنسان أن يلتجأ إلى الله بالاستعانة
والاستعاذة به من الشيطان الرجيم ووساوسه وجميع شروره، وهكذا كلما
خطر خاطر من الشيطان فعلى الإنسان أن يستعذ بالله ليعينه على التخلص
من نزغاته ووساوسه قال تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ
بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا
فإذا هم مبصرون) (سورة الاعراف الايتين 200-201).
فعلى الإنسان أن يحذر من ألاعيب الشيطان ومداخله وخطواته حتى لا يقع
فريسة لوسواسه وخداعه، لانه عدو واضح العداء للانسان حاقد عليه وحاسد
له، قال تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا
خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا
على الله مالا تعلمون) (سورة البقرة الايتين 168 - 169) ومن قبيل الإعانة
على التخلص من أمراض الوسوسة يمكن الاستعانة بالمختصين كل في مجاله،
فمن أصيب بالوسوسة الشيطانية فعليه الاستعانة بالطيب الذي يعالج بالقرآن
الكريم، وكل واحد منهما يكمل الآخر في العلاج.
بعض الأمثلة
*من خلال تجربتكم الطويلة في مجال العلاج بالقرآن
نريد أن تذكروا لنا أمثلة حية قمتم بعلاجها وتخليصها من الوساوس؟
**هناك الكثير من الحالات التي قمنا بعلاجها
من الوسواس وتخليصها من مسبباتها سواء كانت بسبب السحر أو المس الشيطاني
أو كانت بسبب وساوس نفسية، وكل ذلك بفضل الله وبركة كتاب الله، ومن
الأمثلة طالب بإحدى المدارس كان يعاني من حاله تأتيه عندما يأتي إلى
المدرسة، وتصيبه حالة مثل حالة الصرع ويغمى عليه وتسوء حالته، وتم
الكشف عليه من قبل الطبيب ولم يكتشف أي مرض عضوي، ثم بعد ذلك أتي به
للعلاج عندي لاحتمال أن يكون قد اصابته عين أو حسد أو مرض من الجان،
فكشفت عليه فلم أجده يعاني شيئا من هذه الامراض، ثم بعد ذلك جلست معه
على انفراد، وطلبت منه أن يصارحني بالحقيقة، فقال لي بأنه يفعل ذلك
متعمدا بنفسه لأنه قد ضاق ذرعا من المدرسة ولا يطيق الذهاب إليها،
بسبب أنه تأخر دراسيا، وهو الآن أكبر الطلبة سنا، فيوهم الآخرين بهذه
الحالة التي تصيبه حتى يتخلص من الذهاب إلى المدرسة، فطلبت منه الكف
عن ذلك وأني سأكلم أهله حتى لا يجبروه على الذهاب للمدرسة، فقلت لأهله
بأنه يعاني من بعض الأمور وعلاجه يمكن في عدم إجباره على المدرسة،
فوافقوا على ذلك، وانتهت المشكلة، وكل ذلك بسبب الوساوس النفسية التي
أدت به إلى هذا الحال، فلا بد من التأني في التشخيص لمعرفة المرض وعلاجة
المناسب.
أعلى
مع أهل القرآن
شهداء القرآن ( 3 )
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:القرآن الكريم
ليس مجرد آيات تتلى ، فإذا فرغنا منها انتهي الأمر ، وانقطعت صلتنا
به ، القرآن مدرسة تصوغ وجداننا وعقولنا، وتصبغ حياتنا كلها صبغة قرآنية،
بانية فمن هذا المنطلق تدفقت جموع الشهداء في مواكب الجهاد وفي وجدانهم
تلك الآيات الداعية إلى الله في مثل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ
الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111)
ومن هذا المنطلق كان التنافس الرائع بينهم في موكب الشهداء حتى لينافس
الأب مع ابنه، والابن مع أبيه كما حدث مع الصحابيين الجليلين سعد ين
خثيمة وولده يقول الوالد: أثرني بالخروج ويقول الابن: يا أبي لو كان
غير الجنة أثرتك بها ولا يجدان إلا أن يستهما ! ويخرج الابن ويتحقق
المراد ، ويحزن الأب لا لفقد ابنه ولكن لأنه لم يكن مكانه فيموت شهيداً
فيدخل الجنة ! ويترقب الرجل الفرصة في غزوة أخرى ، فيسارع إليها بعد
أن توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن رأى ابنه في النوم
يقول له : الحق بنا ترافقنا في الجنة ! فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً
!
ويقول الرجل من بين دموعه : والله يا رسول الله أصبحت مشتاقاً إلى
مرافقته في الجنة و.. يكون ! ويلحق بابنه في الجنة !
ويوم قتل مسيلمة الكذاب وأصحابه بني حنيفه بأرض اليمامة في حديقة أطلق
عليها ( حديقة الموت ) حيث ألتف مع مسيلمة من المرتدين قريب من مائة
ألف ! فجهز الصديق لقتاله ( خالد بن الوليد ) في قريب من ثلاثة عشر
ألف ، وفي ساعة من ساعات القتال الرهيب بين الكثرة الطاغية والقلة
المؤمنة انكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الإعراب ، فنادى القرآء
من كبار الصحابة لأن يميزها خالد من هؤلاء الإعراب ، فتميزوا منهم
وانفردوا فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف ثم صدقوا الحملة ، وجعلوا يتنادون
: يا أصحاب سورة آل البقرة! يا أصحاب سورة آل عمران ! فلم يزل ندائهم
حتى فتح الله عليهم وولي جيش الكفر فاراً هاربا ! واستشهد من القراء
يومئذ قريب من خمسمائة رضي الله عنهم 0
وحدث بين الصحابي الجليل بين عمرو بن الجموح وكان طاعنا في السن وهو
إلى ذلك أعرج شديد العرج - وبين أبنائه حين قالوا له : يا أبانا أن
الله عذرك فغضب منهم أشد الغضب وانطلق يشكوهم إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال لهم : دعوه لعل الله عزوجل يرزقه الشهادة !
وفي ساحة ( أحد ) شوهد ( عمرو بن الجموح ) يثب على رجله الصحيحة وهو
يقول : إني لمشتاق ، إني لمشتاق إلى الجنة ، وكان وراءه ابنه خلاد.
وما زال الشيخ وأبنه يجالدان ويجاهدان حتى خرا صريعين شهيدين على أرض
المعركة 0
وتعالوا بنا نختم حديثنا عن شهداء القرآن بهذه الواقعة التي أخرجها
الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة ( عمرو بن جامع ) قال : روي أن
شاباً كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها فما زالت
به حتى كاد يدخل معها المنزل فذكر هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا
إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ
مُبْصِرُونَ) (الأعراف:201) 0
فخر مغشياً عليه ثم أفاق فأعادها ، فمات 0
فجاء عمر فعزي فيه أياه 0
وكان قد دفن ليلاً فذهب فصلي على قبره بمن معه ثم ناداه عمر فقال :
يا فتى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن:46) 0
فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطاينهما ربي عزوجل في الجنة
مرتين !
المرجع : أهل القرآن بقلم : إبراهيم أبو الحسن 0
أعلى
الإيثار
الإيثار خلق فاضل نبيل لا يتحلى به إلا ذو قلب
كبير وهمة عالية وعزيمة ثابتة لأن الإيثار يحتاج فى تحقيقه إلى صبر
وجلد واحتمال وبذل وكرم والإيثار هو تفضيل الغير على النفس ومطالبها
الدنيوية رغبة فى نيل ثواب الآخرة الباقية وذلك لا يكون إلا بالقوة
واليقين والثقة فيما عند رب العالمين وفى ذلك قول الله تعالى فى سورة
الحشر 9 (( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم
ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) وضرب النبى صلى الله
تعالى عليه وسلم أروع الأمثلة فى هذا الخلق الفاضل النبيل فكان صلى
الله تعالى عليه وسلم يقدم غيره على نفسه فيما هو محتاج إليه وكان
يجود بما عنده ولا يدخر شيئا لنفسه فإذا لم يكن عنده ما يجود به اقترض
ورده وكثيرا ما عاون الفقراء والمساكين ووقف بجوار الضعفاء والمحتاجين
جاءه رجل يطلب صدقة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما عندى شيء ولكن
اذهب فابتع على فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال عمر ما كلفك الله ما لا
تقدر عليه يا رسول الله فكره رسول الله هذا القول من عمر فقال رجل
من الأنصار أنفق يا رسول الله ولا تخش من ذى العرش إقلالا فتبسم النبى
صلى الله تعالى عليه وسلم وعرف البشر فى وجهه وقال بهذا أمرت ولم يؤثر
عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه رد سائلا أبدا وإنما كان إذا وجد
شيئا أعطاه للسائل وإلا اقترض له ورده
هذه التعاليم العالية وتلك الأخلاق الكريمة والمعاملات الحسنة والقدوة
الطيبة أثرت فى نفوس أصحابه الكرام فكان الرجل منهم يؤثر غيره على
نفسه طالبا لما عند الله ومقتديا برسول الله وموقف الأنصار مع إخوانهم
المهاجرين يشهد بذلك فقد كان الأنصارى يقسم بينه وبين أخاه المهاجر
ماله وبيته بل أن بعضهم عرض على أخيه المهاجر أن يطلق إحدى زوجتيه
فإذا انقضت عدتها يتزوجها هو على كتاب الله وسنة رسوله ونزل القرآن
الكريم يشيد بهؤلاء الأنصار الذين آثروا إخوانهم على أنفسهم وأثنى
عليهم أعظم ثناء فذكر فى آخر الآية ((ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
) فما أكرم هذا الإيثار وما أجل فوائده وآثاره وهل هناك عمل يجمع بين
القلوب ويؤلف بينها كما يؤلف الإيثار ؟ كلا : إنه لا يوجد عملا يقتلع
من النفوس شحها ويعودها على السماحة والجود كما يفعل الإيثار والكرم
والإحسان إن الإيثار أشرف خصال المؤمن وأعظم خلال المسلم فيذكر لنا
التاريخ رجلا من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أضاء الإيمان
قلبه وانشرح لتعاليم الإسلام صدره ونفذ على الفور ما سمعه من النبى
صلى الله تعالى عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت ( من
ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم ) الحديد 11
قال أبو الدحداح يا رسول الله إن الله يريد منا القرض ؟ قال نعم يا
أبا الدحداح قال أرنى يدك يا رسول الله فناوله الرسول يده قال فإنى
أقرضت ربى حائطى وكان له حائط (بستان ) فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح
فيه وعيالها فجاء أبو الدحداح ونادها يا أم الدحداح قالت لبيك قال
اخرجى فقد أقرضت البستان لربى فقالت ربح البيع يا أبا الدحداح
إن الإيثار فضيلة سامية ومحمدة عالية وخلق فاضل كريم عظيم فعلى المسلم
أن يتحلى به ولا يبعد نفسه عن الإيثار والكرم والسخاء فإن الإسلام
يريد للمسلم أن تكون نفسه سخية وكفه ندية يعطى كلما طلب منه العطاء
ويمنح إذا رأى موقفا يحسن فيه السخاء ويحارب فى نفسه رذيلة الشح والبخل
فقد نهى عنهما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ( إياكم والشح فإن الشح
أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ) إن
المال نعمة من نعم الله تعالى وفضل من عند الله يمتن به على من يشاء
ويسلبه ممن يشاء ((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك
ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير
) آل عمران 26 وقال تعالى ( الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) الرعد
26 والمال أيضا فتنة يختبر الله تعالى به عباده الأغنياء فالمال خير
وشر نعمة وبلاء يكون خيرا بما يقضى به من مصالح ويكون شرا بما يقضى
به من شهوات وملذات حرام ويكون خيرا إذا جمع من حلال وأنفق فى حلال
ويكون شرا إذا جمع من حرام وأنفق فى حرام والعياذ بالله.
أنس فرج محمد فرج
أعلى
التفكّر ووجوب النظر
يهدي الى الايمان برب البشر
ان هناك فريضة ننساها او نتناساها ، وهي لا تكلفنا
شيئا من المال او كثيرا من الوقت، او كثيرا من العناء، وهي فريضة التفكير
في خلق السماوات والارض، والنظر في بديع صنع الله والتأمل في جليل
آثاره وعظمة خلقه، ولذلك فإن آيات القرآن الكريم تتتابع مرشدة الى
هذه العبادة، فتجد كثيرا من الآي تحث على النظر وتحض على السير والبحث
(قل انظروا ماذا في السماوات والارض وما تغني الآيات والنذر عن قوم
لا يؤمنون، قل سيروا في الارض فانظروا، أفلا ينظرون الى الإبل كيف
خلقت والى السماء كيف رفعت والى الارض كيف سطحت والى الجبال كيف نصبت)،
وتجد الآيات كذلك تطلب التفقه والتعقل والتدبر قال تعالى (افلا يتدبرون
القرآن، ان في ذلك لآيات لقوم يفقهون) لان التفكر والنظر والتأمل والبصر
يهدي الى الفلاح والرشد، والى الايمان برب البشر، ان سورة كسورة عبس
نجد فيها كثيرا من هذه الدعوات التي تدعو الى نبذ الإلف وترك ما اعتاده
الانسان من امور تبعده عن ربه، وتقصيه عن مولاه ـ جل في علاه ـ انها
تدعو قبل ان ينظر في الكون الخارجي ان يتأمل في كونه الداخلي، في خلقه
ونشأته، في أوله وولادته، كيف اتى ، ومن اي شيء تكون، وفي اي صورة
خلق، وكم مرحلة تقلب فيها الى ان صار انسانا سويا قال تعالى (قتل الانسان
ما أكفره من اي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم
أماته فأقبره ثم اذا شاء انشره) نعم لابد من التعايش مع النفس والتلاحم
مع الذات في معرفة الجواب على هذا السؤال (من أي شيء خلقه؟).
إنه مخلوق من ماء مهين نزل في قرار مكين الى اجل معلوم وزمن موقوت،
ثم امر هذا المكان ان يكون محضنا هادئا وهانئا لهذه النطف وذلك الماء،
ليبدأ في التشكل من النطفة الى المضغة الى العلقة الى العظام ثم اكتسى
العظام ـ بفضل الله ـ لحما ثم خرج هذا الماء خلقا آخر، فتبارك الله
احسن الخالقين، لابد من العودة الى النفس والخروج عن العادة والإلف
لنجيب عن سؤال يعود بنا الى انسانيتنا وتواضعنا لا نستكبر على الخالق
ونحن أتينا بسبب فضله وانعامه وامره، قدر لنا ان نكون، وجعل لنا رزقا
واجلا وعملا ثم بطاعتنا له او عصياننا إياه نكون سعداء او اشقياء،
اننا جئنا لحكمة وخلقنا لغاية وهدف ووجدنا لرسالة ووظيفة (وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون، قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا
ومن اتبعن، ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) ( كنتم خير
امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)
، لابد من التفكر في ان الانسان لابد ان يكون عبدا لمولاه، هذا المخلوق
الذي خرج مرتين من سبيل البول (الذكر والفرج) كما يقول الحسن البصري
ـ كيف يتكبر على من خلقه، ويسر له سبيل الخروج من هذين الموضعين او
كيف يسر له سبيل حياته ومهد له شؤون وجوده، ان الله ـ جل جلاله ـ خلقه،
واعد له ما يقتات منه ويعيش عليه، وكذلك خلق ما يواريه ويستر جسده
بعد خروج روحه ولم يتركه كالسباع والوحوش والطير لا مدفن له ولا قبر
يواريه، فهي نعمة تتوجب الشكر وتتطلب الحمد (ثم اماته فأقبره)، جعل
له قبرا يواريه، وامر الناس ان يقبروه بعد موته، ويستروه بعد توفيته
اجله، التفكير يهدي الى العبادة والتوقير ومعرفة العلي القدير، اما
الإلف ووثنية العادة وعمل الشيء على سبيل التقليد فصاحبه من الله بعيد،
ومسلكه غير سديد. ان هذه السورة تلفت انظارنا نحن البشر الى التفكير
في أمر آخر اعتدناه ولم نعط انفسنا وقتا يسيرا في النظر فيه، وهو جد
قريب منا ولا يمكننا الاستغناء عنه، وهو نعمة ايجاد الطعام ومراحل
خلقه الى ان يصل الى ايدينا وافواهنا وبطوننا ، قال تعالى (فلينظر
الانسان الى طعامه انا صبنا الماء صبا ثم شققنا الارض شقا فأنبتنا
فيها حبا وعنبا وقضبا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم)
وقال في موضع آخر (انظروا الى ثمره اذا اثمر وينعه) نعمة النظر تهدي
الى دقة البصر ومن ثم طاعة رب البشر، كلنا يأكل ، لكن كلنا لم يفكر
ولم يتأمل كيف وصل هذا الأكل اليه كيف اخرجته الارض، ان لذلك مراحل
طويلة اسهب القرآن فيها للفت الانتباه اليه وترك التجاهل عنها، ان
الله تعالى ينزل المطر ينصب انصبابا، فترى الاودية ملأى والبحار والمحيطات
تزمجر أمواجها والسماء تسح سحا، ثم يمتن الله باسقاط المطر موزعا على
الاراضي والصحاري يسقى الزروع والنباتات، ثم ترى البذرة: الضعيفة او
النبتة الصغيرة تشق الارض شقا بامر الله جل جلاله ـ فتتعجب لهذه النبتة
التي لا تكاد ترى كيف تفتح الارض وتشق الصخور وتخرج بإذن الله من بينها
، انها قدرة الله الكبير المتعال، فتمتلئ الارض زروعا وحبوبا وفواكه
وحدائق تمتع النظر وتشبع البطن، نعم اذا تفكر الانسان في كيفية انبات
هذا النبات لسلم لرب الكائنات ، ورفع اكفه بالدعوات واكثر لربه من
السجدات والركعات.
لان ذلك كله انما حدث ويحدث لصالح هذا الانسان وبيئته،(متاعا لكم ولانعامكم)
لابد ان يدع المرء لنفسه لحظات يخلو بها مع نفسه، ويبتعد بها عن شواغل
هذه الحياة ليرتقي بنفسه، ويعلو بذاته، ويسمو بعلاقته مع ربه، وبعضهم
ذهب الى ان تفكر ساعة يعدل عبادة سنة، لكن نحن نرتكن الى قوله تعالى
(ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب
الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات
والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)، ونستنبط منها
ان المعايشة مع الذات والتفكر في هذا الملكوت الواسع لاشك أنه يؤدي
الى رقة القلب وصدق الصلة وحسن التوجه وشفافية العلاقة التي توصل الى
صفاء التوحيد، والإقرار الكامل بربوبية الله، والتسليم المطلق لألوهيته،
، ومن ثم الوقاية من عذاب النار وخزي الجحيم وسوء المصير.
ان التفكر في صفحة هذا الكون عبادة، لان العبادة ذات مفهوم واسع، يدخل
فيها غض البصر وكف الأذى والارشاد الى الخير ونفع الناس وتقديم المشورة
وحمل المتاع عمن لا يستطيع حمله، كما يدخل فيها بذل الجاه لفض النزاع
وارجاع الحقوق الى اصحابها، فالتفكر يدخل في مفهوم هذه العبادة الشامل،
وهو يعيد الموازين الى حقيقتها والأمور الى نصابها، ويوقف الانسان
على حقيقة دوره ورسالته ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.
التفكير عبادة سامية وطاعة نبيلة، ومن ثم ننصح بقراءة كتاب للأستاذ
عباس محمود العقاد يحمل عنوان (التفكير فريضة) نعم انها فريضة غابت
عن مجتمعاتنا نحن المسلمين، وبغيابها راح الكثير من اقدارنا، وفقدنا
شيئا غير قليل من مكانتنا ومنزلتنا وخيرتنا، وهذا يتطلب منا عودة الى
الله، واشاعة هذه الفضيلة والفريضة الغائبة حتى ننال شرف قوله تعالى
(كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون
بالله) نسأل الله تعالى (ان يرزقنا حسن الفهم عنه، وجميل التلقي من
كتابه الجليل، انه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
د. جمال عبدالعزيز احمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم
أعلى
تصحيح الأخطاء وتفادي وقوعها
ليس كل عمل يعمل الإنسان صوابا ويبشر دائما بالخير
العام والصلاح بل هناك من الأعمال قد يقع أصحابها في الأخطاء الفادحة
ولربما كان هذا الخطاء سببا من الأسباب التي تؤدي إلى معاناة ذات الفرد
أو المجتمع المحيط به وقد يترتب على ذلك وجود بعض المشكلات سواء أكانت
كبيرة أو صغيرة من جراء الأخطاء فقد أخطاء أبو البشر ادم عليه السلام
وكذلك أخوة يوسف عندما القوه في الجُبِّ ( ما أظلم من قعر البئر )
فالإنسان ليس معصوما من الوقوع في الأخطاء فهل يقف الإنسان مكتوف الأيدي
أمام هذا الأخطاء ويستسلم للقدر أم انه ينحى منحنا آخر فيحاول استدراك
ما فات ويعمل على تصحيح الخطأ الذي وقع فيه ليتدارك مستقبلا الوقوع
فيه مرة أخرى فقد يكون عمله سليما صحيحا وفي محل المعقول فسلوك هذه
الطريقة أي عملية تصحيح الأخطاء والعمل الجاد على تفادي الوقوع فيه
مرة أخرى تعتبر من الطرق التي تعين الناس على التعايش السلمي بينهم
فالإنسان العقل النبيه سيفكر تفكيرا عميقا قبل الشروع في أي خطة أو
عمل يعمله لكي يظفر بالنجاح والتوفيق وكل ذك يتم من خلال تفادي الوقوع
في الأخطاء ولا يكون الحال إلا من خلال الاعتبار ودراسة الأحداث التي
وقعت في الماضي فنستطيع تحقيق تصحيح الأخطاء وتفادي وقوعها مستقبلا
إذا أمعنا النظر في الماضي وتفكرنا في الحوادث والأخبار مع الأخذ بعين
الاعتبار تحليل تلك الوقائع تحليل علميا بعيدا عن العواطف أو الرغبات
الذاتية شريطة أن يكون هذه التحليل معتمدا على وقائع علمية وموضوعية
لها مصداقية عند العقلاء كالعلماء وأصحاب الفكر والمثقفين الحيين الذي
يرسمون بعض الخطط التي تقي المجتمع من الوقوع في الأخطاء على اقل تقدير
فيكون هذا التحليل في نهاية الأمر يخدم الصالح العام الذي يعين على
تحقيق التعايش السلمي بين الناس وخلاف ذلك المنهج في عملية التحليل
لا يؤدي إلا إلى منهج عكسي لا تقره العقول السليمة إلا وهو طريقة التناحر
وأثارت البلابل والقلاقل التي فتك وتفتك بالمجتمعات البشرية قديمها
وحديثها.
إن في تصحصح الأخطاء تدارك للأخطار المستقبلة التي قد تجتاح بعض المجتمعات
وتتربص بالناس فتحدث الخلل الكبير فمراجعة ودراسة الماضي له أهداف
كثيرة ومزايا متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر دحر موجات الفتن
الظاهر منها والباطن، والعمل الجاد على وأد المشكلات في مهده قبل التفريخ
وقد ذاقت بعض المجتمعات مرارة ذلك وبؤسه سابقا ولا تريد أن تكرر الخطأ
مرة أخرى إذا أخذت العبرة من تلك الأخطاء لكي لا تقع في مستنقع اكبر
واخطر، ومن أهدف تصحيح الأخطاء أيضا هو الأعداد الجيد للخطط المستقبلية
التي يهتم بها المشرعون وأصحاب القرارات السياسية أو الخدمية من أجل
رفاهية المجتمع وتقدم خدمات جلية للناس تكون أفضل وارقي من الحياة
السابقة خصوصا المشاريع العامة التي تخدم كافة شرائح المجتمع، وفي
تدارك الأخطاء الماضية منهج يقلل من التكاليف المالية ويوفرها لمشاريع
أخرى ينتفع بها عامة الناس فتكون طريقة مثلى للتعايش السلمي بينهم،
وفي تصحيح الأخطاء وتدارك وقوعها يجعل بعض الناس فهم أسلوب الآخرين
وتعاملهم مع المجتمع محليا أو دوليا من حيث الاتجاه لان قد يكون بعض
الناس سواء أكان عالما أو مفكرا أو صاحب ثقافة أو غير متعلم ... قد
خاض احد من هؤلاء او وقع في بعض المسائل والأحداث ولم يكن لهم الدراية
تامة بها فلا ريب أنهم قد وقعوا في أخطاء ليست صغيرة أو يتسامح منها
لأنها قد تكون تعرضت لذات شخصية معينة أو مجتمع أو دين... الخ فتدارك
تلك الأخطاء يجعل المرء منفتحا على الآخر من خلال تتبع الأحوال الحقيقية
واستقصاءها وبعد ذلك قد يخرج بنهج طيب وسليم يكون عونا على التعايش
السلمي بين الناس.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
أعلى
قول الكذب وشهادة
الزور
الشيخ حمود بن حميد الصوافي
إن من آفاتِ اللسانِ التي هي عظيمةُ الخطَرِ على الإيمانِ والأخلاقِ
، وكبيرةُ الأثرِ على الأفرادِ والأسرِ والمجتمعاتِ ، والتي تفشّتْ
في أوساطِ كثيرٍ من الناسِ ، فوجبَ إنكارُها والتنبيهُ عليها ، والتنفيرُ
منها ، والتحذيرُ عنها ؛ هي قولُ الكذبِ وشهادةُ الزورِ ؛ فشهادةُ
الزورِ كبيرةٌ من كبائرِ الذنوبِ ، كيفَ لا ؟! وقد حذّرَ اللهُ سبحانه
وتعالى عنها غايةَ التحذيرِ ، أمرَ باجتنابِها والبعْدِ عنها ، وقرنَها
بعبادةِ الأوثانِ لفظاعتِها وشدّةِ قبحِها ، يقولُ عزَّ من قائلٍ :
( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ
الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ( ( الحج/30 ـ 31)
، وجاءَ عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ : "عدلتْ
شهادةُ الزورِ الإشراكَ باللهِ عزَّ وجلَّ " ، وقد رويَ أنّه
كانَ من دعائِه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ : " اللهمَّ إنّي أعوذُ
بك أنْ أقولَ زوراً ، أو أغشى فجوراً ، أو أكونَ بك مغروراً "
، وعن أبي بكرةِ عن النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنّه قالَ : ألا
أنبئكم بأكبرِ الكبائرِ ؟ ، قلنا : بلى يا رسولَ اللهِ ، قالَ : الإشراكُ
باللهِ ، وعقوقُ الوالدين ، وكانَ متكئاً ، فجلسَ فقالَ : ألا وقولُ
الزورِ ، ألا وشهادةُ الزورِ " ، فما زال يكرِّرُها حتى قلنا
ليتَه سكتَ .
في هذا الحديثِ الشريفِ يبيّنُ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أنًَّ شهادةَ الزورِ من أكبرِ الكبائرِ ؛ لأنَّ وراءها ما وراءها من
قلبِ الحقائقِ ، وطمسِ معالمِ الحقِّ ؛ من جعلِ الحقِّ باطلاً ، والباطلِ
حقّاً ؛ لأنَّ وراءها ما وراءها من تضييعِ الحقوقِ وزرعِ الأحقادِ
، وبعثِ الفتنِ وقطعِ الصِّلاتِ ، وهتكِ الأعراضِ وانتهاكِ الحُرماتِ
، وسفكِ الدماءِ وإزهاقِ الأرواحِ ؛ لأنَّ وراءها ما وراءها من آثارٍ
سيئةٍ ونتائجَ مؤلمةٍ وعواقبَ وخيمةٍ ، فكم من حقوقٍ ضُيِّعت ؟! وكم
من أعراضٍ هُتِكت ؟! وكم من حُرُماتٍ انتُهِكت ؟! وكم من دماءٍ سُفِكت
؟! وكم من أرواحٍ أُزهِقت ؟! وكم من شعوبٍ اضطُهِدت ؟! من أجلِ أناسٍ
شهدوا زوراً كتابةً أو قولاً ، أو كتموا شهادةً وجبَ عليهم أن يقولوها
، لهذا ونحوِه أظهرَ الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ اهتماماً كبيراً
وهو يتحدّثُ عن شهادةِ الزورِ ، حتى أنَّه غيّرَ الهيئةَ ، فجلسَ بعد
أن كانَ متكئاً ، وأخذَ يكرّرُ قولَه : ألا وقولُ الزورِ ، ألا وشهادةَ
الزورِ حتى تمنّى الصحابةُ ـ رضوانُ اللهِ عليهم ـ سكوتَه ـ عليه الصلاةُ
والسلامُ ـ لتأثّرِهم بما قالَ .
فهل يدري شاهدُ الزورِ إلى مَن أساءَ ؟! نعم ، لقد أساءَ إلى نفسِه
، وأساءَ إلى من شهدَ عليه ، وأساءَ إلى من شهدَ له ، وأساءَ إلى القاضي
، وأساءَ إلى الأمّةِ ، أما إساءتُه إلى نفسِه حيثُ إنّه أسقطَ مروءتَه
، وأضاعَ منزلتَه وكرامتَه ، وسجّلَ على نفسِه خزياً وعاراً ، وألقى
بنفسِه في نارِ حرُّها شديدٌ وعذابُها أليمٌ ( وَمَن يُهِنِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ( ( الحج/18) ، وأمّا إساءتُه إلى من شهدَ
عليه فحيثُ إنّه أهانَه وأضاعَ حقَّه ، وقطعَ صلتَه التي تجبُ بين
المسلمِ وأخيه المسلمِ ، وظلمَه وحقرَه وخذلَه ، وخالفَ فيه قولَ رسولِ
اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا
يحقرُه ولا يخذلُه ، بحسبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلمَ،
كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُه ومالُه وعرضُه ، وأمّا إساءتُه
إلى من شهدَ له فحيثُ إنّه أعانَه على الظلمِ ، وأوقعَه في الحرامِ
، وعرّضَه لمقتِ اللهِ وسخطِه ، وصيّرَه ذليلاً بين يدَيْ المنتقمِ
الجبّارِ الحكيمِ العادلِ الذي يأخذُ من القويِّ للضعيفِ ، وينتصرُ
من الظالمِ للمظلومِ يومَ يتعلّقُ المظلومون بالظالمين ، يومَ الفزعِ
الأكبرِ والهولِ الأعظمِ ، يومَ ( َتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا
هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( ( الحج/2) ( يَوْمَ
لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ ( ( الشعراء/88 ـ 89) ، وأمّا إساءتُه إلى القاضي فحيثُ إنّه
أتعبَه وأضاعَ وقتَه ، وطمسَ عليه معالمَ الحقِّ ، ولو صدقَه لأراحَه
وأراحَ غيرَه ، وأمّا إساءتُه إلى الأمّةِ فحيثُ إنّه لوّثَ سمعتَها
، وأضاعَ الثقةَ بها ، فكلُّ أمّةٍ فشا فيها قولُ الكذبِ وشهادةُ الزورِ
سقطت من أعينِ الأممِ .
فما الذي يحملُ شاهدَ الزورِ على هذا الخلُقِ الذميمِ ، وعلى ذلك الموقفِ
المُخجِلِ المَعيبِ ، فإذا كان الحاملُ له على هذه الشهادةِ مالاً
يأخذُه ممن شهدَ له ؛ فإنَّ ذلك سُحْتٌ لا بركةَ فيه ، بل هو عارٌ
عليه في الدنيا ، وعذابٌ له في الآخرةِ ، فكلُّ لحمٍ نبتَ من حرامٍ
فالنارُ أولى به ، وإذا كانَ الحاملُ له على هذه الشهادةِ صحبتَه لمن
شهدَ له ؛ فبئست هذه الصحبةُ التي تؤدي إلى سقوطِه وخسرانِه ، وتوقعُه
في عذابِ الله وسَخطِه ، (من التمسَ رِضى اللهِ بسخطِ الناسِ كفاه
اللهُ مؤونةَ الناسِ ، ومن التمسَ رضى الناسِ بسخطِ اللهِ وكّلَه اللهُ
إلى الناسِ ) ،
( من اتقى اللهَ كفاه اللهُ مؤونةَ الناسِ ، ومن اتقى الناسَ ولم يتقِ
اللهَ سلّطَ اللهُ عليه الناسَ وخذلَه ) ، وإذا كانَ الحاملُ له على
هذه الشهادةِ خوفَ ضررٍ يصيبُه ؛ فليعلمْ أنَّ الصدقَ يُنجيه ، وأنَّ
تقوى اللهِ تحميه ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا
( (الطلاق/2) ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْرًا ( (الطلاق/4) ( إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ
هُم مُّحْسِنُونَ ( (النحل/128) ، وإذا كانَ الحاملُ له على هذه الشهادةِ
قرابةً بينه وبين المشهودِ له ؛ فليعلمْ أنَّ مَن أبطأَ به عملُه لم
يُسرِعْ به نسبُه ، ومن ضيّعَ أمرَ اللهِ ضاعَ بين خلقِه ، ودخلَ عليه
الضررُ ممن يرجو نفعَه وفضلَه ، وتسلّطَ عليه أقربُ قريبٍ من أهلِه
وعشيرتِه ، وليتذكّرْ ذلك الموقفَ الرهيبَ ، وذلك اليومَ العصيبَ ،
ذلك اليومَ الذي تتقطّعُ فيه جميعُ الصلاتِ ، وتنحلُّ فيه جميعُ الروابطِ
، فلا تبقى فيه قرابةُ قريبٍ ، ولا صداقةُ صديقٍ ، ولا صلةُ واصلٍ
إلا ما كانَ مِن صلةِ التقوى بين عبادِ اللهِ المتقين ( فَإِذَا نُفِخَ
فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ
( ( المؤمنون/101) ( الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ( ( الزخرف/67) ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ
مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ
امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
مُّسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا
غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
( ( عبس/34 ـ 42) ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ
وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ
فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا
كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ( (الأنعام/94) .
يجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يتقيَ اللهَ سبحانه وتعالى ، وأن يلزمَ الصدقَ
، وأن يكونَ مع الحقِّ حيثما كانَ وأينما كانَ ، وأن يحرصَ أن يكونَ
ممن أثنى اللهُ عليهم بقولِه : ( وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ
قَائِمُونَ ( ( المعارج/33) ، وبقولِه : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا( ( الفرقان/72)
، وعليه أن يؤديَ الشهادةَ على وجهِها ابتغاءَ وجهِ اللهِ سبحانه وتعالى
، لا يريدُ بذلك غرضاً دنيويّاً ، سواء كان المشهودُ له أو المشهودُ
عليه بعيداً أو قريباً ، بغيضاً أو حبيباً ، غنيّاً أو فقيراً ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء
لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ
إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ
تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ
فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ( النساء/135)
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء
بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ
اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( ( المائدة/8) ( وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ
وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ ( ( البقرة/283) ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً
عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (
( البقرة/140) .
أعلى
المستقبل بيد الله
تعالى
الخوف من المستقبل , ومحاولة تأمينه يعتبر هذا قاسم مشترك بين المؤمن
والكافر , بين الكبير والصغير , بين المرأة والرجل , الكل يسعى لتأمين
مستقبله خوفا من تقلبات الدهر , ومتاعب الحياة , لكن المسلم يختلف
في تفكيره بخصوص هذا الموضوع عن غيره من البشر فالمسلم له شأن , وللناس
شأن , ونحن نعيش في عصر طغت فيه المادة على كثير من تعاملاتنا , وأصبح
عصر المادة , بل وأصبح الإنسان يعيش في مجتمع المسلمين , وهو يشعر
بالغربة , وأصبح الكثير يخاف من المستقبل ويقولون إنه مُستقبل مظلم
, لكن المخرج الحقيقي من كل هذا القلق والخوف , سبيله الرجوع إلى منهج
الله تعالى , والعيش في رحاب القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة
, قال تعالى ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن
له معيشة ضنكا ) وهناك بعض الناس ضعاف الإيمان يقولون : نريد أن نؤمن
مستقبل أولادنا فتجدهم يفكرون أول ما يفكرون في المال فتجد الرجل يحرص
على أن يزوج ابنته لصاحب الأموال ولا يُهمه إن كان هذا عنده من الأخلاق
الكريمة , وعنده من الدين ما يحفظ به حق الزوجة , هو لم يفكر في كل
هذا , المهم عنده أن المال سيحل كل المشاكل . كلا والله بل إن المال
في كثير من الأحيان يكون سبب التعاسة والفرقة والخلاف , والعلماء الكرام
يقولون : من زوج ابنته من فاسق فقد قطع رحمها. وكانت السيدة عائشة
أم المؤمنين رضي الله عنها تقول
( النكاح رقُ فلينظر أحدكم عند من يسترقُ كريمته ) ثم إنك تستمع للكثير
من الناس يقول .أريد أن أضمن لأولادي مستقبل آمن ومستقر ولم نجد أحداً
يقول : أريد أن أؤمن مستقبل أبي وأمي , وكأن الوالدين صارا على هامش
الحياة أو كما يقال ( شبعا من الحياة ) وكأنه قد آن لهما أن يموتا
, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , هناك من يؤمن على أولاده
وعلى أمواله وتجارته , ضد الحريق , وضد الهدم , وتأمين على الحياة
, هل هذا هو التأمين ؟ كلا . إن التأمين لا يحدث ولا يكون إلا بالاستقامة
على أمر الله تعالى , والعمل بدين الله تعالى. وهناك بعض الناس في
مجال عمله تجده يرتشي وإذا قلت له : يا أخي إن الرشوة حرام , فتجده
يعتذر ويقول هذا هو واقعنا وهذا هو السائد في زماننا , أو تجد الغالبية
يقول : أنا ارتشيت لكي أُؤمن مستقبل أولادي من بعدي , نقول لمثل هذا
النوع من الناس . كيف انعدمت ثقتك في الله لهذه الدرجة ؟ إن الله تعالى
لطيف بعباده وهو الذي يُنزل الغيث , فاطلب رحمة الله في الرزق الحلال
, ولا تتبع خطوات الشيطان , وإذا أردت أيها العبد ضمان لأولادك وتأمينُ
على حياتهم فلتقرأ قول الله تعالى في سورة النساء ( وليخش الذين لو
تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاُ
سديدا ) النساء 9 إن الله عز وجل يرزق الطير في السماء ويرزق الحيتان
في البحور ويرزق النملة في جحورها وهو الذي ينزل الرزق للمؤمن وللكافر
, فكيف انعدمت الثقة عندك أيها العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى ؟
من أراد مستقبلاً آمنا بعيد عن كل الاضطراب فعليه بالرجوع إلى الله
في كل وقت وحين , وهناك أمر خطير يقع فيه الكثير من الآباء ألا وهو
: الإضرار بالورثة , بأن يُفضًل أحد أبنائه على الآخر في الوصية بحجة
أن هذا يبرني وهذا لا يبرني نقول لمثل هؤلاء : يجب عليك أن ترفق بنفسك
, ودع الملك للمالك , فإن الله تعالى أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية
لوارث واعلم بأن الرزق مضمون , سُئلَ بعض الصالحين : ما مالك ؟ قال
: لي مالان لا أخاف معهما الفقر : الثقة في ما عند الله , واليأس مما
في عند الناس. أخي المسلم : من أراد الأمن والأمان لحاضره ومستقبله
فعليه بطاعة الله تعالى , إن الأمان غداً لمن باع قليلاً بكثير ونافذاً
بباق ,ونحن كل يوم نًشيًع أخاً ذهب لرب العالمين فقد خلع الثياب ,
وفارق الأحباب وأقبل على الحساب , ولو دامت الدنيا لغيرنا ما وصلت
إلينا ,وإلى كل من يقول أريد أن أُؤمن مستقبل أولادي نقول له : أنت
لا تدري ما هو مصيرك غداً أراحل أم مقيم ؟ أنت لا تدري من يرث من ؟
فالحقيقة أنه ( ميت يرث ميت , يتطلع إلى موت الآخر ليرثه هو ) كان
الواجب على الكل أن ينهض بطاعة الله تعالى ويسلموا وجوههم إلى الله
, ويؤمًنوا مستقبلهم بالاستقامة على كتاب الله تعالى , وعلى سُنة رسوله
صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا
تطغوا إنه بما تعملون بصير ) سورة هود 112 ومن أراد لأهله المستقبل
المضمون فعليه أن يعلم : أن صلاح الأبناء بصلاح الآباء ( وكان أبوهما
صالحا ) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( ليس بينكم وبين الله تعالى
نسب , أنتم عباده وهو ربكم تنالون ما عنده بطاعته , فعليكم بطاعة الله
واستقيموا يرحمكم الله , تنالوا الأمن والأمان اليوم وغداً بإذن الله
تعالى ,,, اللهم إنا نسألك يا رب العالمين أن ترزقنا الأمن والأمان
في كل وقت وحين , وأن تبارك لنا في ذرياتنا أجمعين , اللهم آمين ,
والحمد لله رب العالمين ************
إبراهيم السيد العربي .
أعلى
وقل اعملوا
واجبات العمال
أيها القراء االكرام:
إذا كان الاسلام قد أعطى العامل حقوقا فقد كلفه ببعض الواجبات أيضا
وتتنوع واجبات العامل وتتعدد تبعا للعمل ونوعيته والمقصود منه وكيفية
أدائه.. وسنجمل الكلام عن أهم هذه الواجبات فيما يلي:
1- التفقه في الدين:
العمل عبادة , وعبادة الله عزوجل يجب أن تكون على علم وبصيرة قال الله
تعالى: ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان
الله وما أنا من المشركين)).
وإذا ما أراد العامل أن يمارس نشاطه الاقتصادي فعليه أن يتعلم أو يعرف
الأحكام التي تتعلق بمجال عمله لأن المسلم مطالب بأن يكون كسبه حلالا
وعمله مباحا ولكي يؤدي ذلك لا بد من أن يتفقه في دين الله عزوجل في
نطاق نشاطه الاقتصادي. وقد ورد عن علي كرم الله وجهه أن رجلا جاءه
فقال له: إني أريد التجارة فادع الله لي,فقال له علي كرم الله وجهه:
أوفقهت في دين الله؟ قال:أو يكون بعض ذلك؟!... فقال له: ويحك الفقه
ثم المتجر. وقال محمد بن الحسن الشيباني: (فإن أراد التجارة يفترض
عليه تعلم ما يتحرز به عن الربا والعقود الفاسدة,وإن كان له مال يفترض
عليه تعلم زكاة جنس ماله ليتمكن به من الأداء).
وقد نص بعض الفقهاء على أن تعلم أصول الصناعات ــ من حراثة ونساجة
وخياطة وتجارة ــ وما به قوام المعاش ــ من بيع وشراء.. ــ والعلم
بأحكامها فرض كفاية. والمراد بفرض الكفاية تحصيل ذلك الشيء من المكلفين
به أو بعضهم ويعم وجوبه جميع المخاطبين به فإذا فعله من تحصل به الكفاية
سقط الحرج عن الباقين وإذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم فكلهم سواء
في حكم القيام بالفرض في الثواب وغيره.
2- الأمانة في العمل:
يجب أن يكون العامل أمينا في عمله وعليه أن يجهد نفسه فيما أوكل إليه
من عمل,فلا يؤثر الراحة على حساب عمله. والعمل أمانة لأنه حق واجب
للغير والله عزوجل أمرنا بأداء الحقوق والأمانات إلى أهلها ومستحقيها
بقوله: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)). وكلمة (الأمانة)
التي جاءت في الآيات القرآنية تشمل كل ما يؤتمن عليه الانسان والأمانة
هي ما وجب لغيرك عليك من حق فأديت ذلك الحق إليه.
والأمانة في العمل متعددة الميادين منها:
***المحافظة على رأس المال النقدي والإنتاجي فالعامل مطالب بالمحافظة
على أموال الانتاج وآلات العمل لقوله عليه الصلاة والسلام: (أد الأمانة
إلى من ائتمنك,ولا تخن من خانك).
***المحافظة على أسرار الصناعة والعمل,فينبغي على العامل ألا يحدث
بهذه الأسرار لقوله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبا أن يتحدث
بكل ما سمع).
***عدم الإضرار بصاحب العمل أو ممتلكاته,وضرورة صيانتها وعدم تعطيلها
ومراقبتها بأمانة أثناء سيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا
ضرار).
***المحافظة علة مواعيد العمل واحترام الوقت فقد جاء في رسالة الإمام
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى أحد ولاته لما ولاه على مصر: (وامض
لكل يوم عمله,فإن لكل يوم ما فيه).
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|