|
فتاوى وأحكام
*ما معنى حديث (لا يصلي أحدكم وهو ناعس حتى يرقد لئلا يذهب ليدعو فيسب
نفسه)؟
**بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الصلاة هي أم العبادات جميعاً، لأنها تجمع ما لا يجمع غيرها من
العبادات، ومن أجل ذلك تتكرر في اليوم والليلة ما لا يتكرر غيرها من
العبادات .
والله تبارك وتعالى جعل للروح مطالب مثلما جعل للجسم مطالب، وقد هيأ
الله تعالى مطالب كل واحد منهما بقدر الحاجة ، وما كانت الحاجة إليه
أدعى كان أيسر من غيره، وهذا ما نشاهده في مطالب الجسم بين الهواء
والماء والغذاء، فإن كل واحد منهما يتيسر بقدر الطلب، فالهواء الحاجة
إليه أدعى، فالإنسان في جميع أحواله بحاجة إلى الهواء وقد يسره الله
تعالى له من غير معاناة ومن غير تعب ومن غير كلفة ومن غير ثمن، بحيث
يستنشق الإنسان الهواء في ليله وفي نهاره، في نومه وفي يقظته، في ذكره
وفي غفلته، في حركته وفي سكونه. وقد شاء الله تبارك وتعالى أن يكون
ذلك من غير أن يبذل الإنسان أدنى ثمن في مقابل هذا الهواء.
ثم تأتي الحاجة إلى الماء وهو أيسر مما بعده ، وأقل يسراً من الهواء
، ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الغذاء ، ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى
الدواء وهكذا .
وهكذا بالنسبة إلى مطالب الروح ، فقد يسر الله تبارك وتعالى الذكر
بحيث إن الإنسان يمكنه في أي حال من الأحوال أن يذكر ربه حتى وهو يمارس
شئون حياته كأن يكون في تجارته أو في زراعته أو في أي شيء .
ثم بعد ذلك الذكر المنظم الذي له مواقيت معينة بحيث يرتبط بأحوال طبيعية
في نظام هذا الكون وهو الصلاة. وقد يسر الله تعالى هذه الصلاة فلا
تكلف الإنسان كلفة مالية، بل ولا تكلفه كلفة بدنية إلا شيئاً يسيراً
، فهو يمارسها في جميع أحواله سواء كان فقيراً أو كان غنياً ، وسواء
كان في ضيق أو في رخاء ، وسواء كان في حالة رضا أو في حالة غضب، الصلاة
ميسرة للإنسان لأن الحاجة إليها داعية .
هذه الصلاة هي مناجاة من العبد لربه سبحانه وتعالى، فالإنسان جدير
به وهو يقبل على الله تعالى وينال شرف هذا اللقاء بينه وبين ربه ويتوجه
إليه بوجهه وبقلبه ويكلمه بلسانه جدير بهذا الإنسان وهو في هذه الحالة
أن يكون متيقظا لا يقبل على هذه الصلاة وهو في حالة تخالف ما ينبغي
أن يكون عليه من اليقظة والانتباه.
وليقدر الإنسان أنه يدخل على عظيم من عظماء الناس، على حاكم أو من
يقدر بين الناس، هل يكلمه ويناجيه وهو معرض عنه أو وهو مشغول بشيء
آخر أو وهو في حالة يفقد فيها وعيه ويفقد فيها انتباهه ، أو أنه يحرص
على أن يكلمه بيقظة ، فهكذا ينبغي إذاً من يغلبه النعاس يؤمر أن ينام
أولاً حتى يأخذ حظه من النوم ليقبل على الله تبارك وتعالى وهو في حال
يقظة وانتباه بحيث إن كل كلمة يقولها في صلاته يكون معناها إلى عقله
وقلبه أسرع من لفظها إلى سمعه ، هكذا ينبغي، أي أن تكون المعاني تسابق
الألفاظ إلى ذهن هذا المصلي حتى يؤدي الصلاة على الوجه المشروع، وهذا
لا يعني أن يؤخرها عن وقتها هذا إذا كان في الوقت متسع ، أما إذا لم
يكن في الوقت متسع فالصلاة هي كتاب موقوت وليس للإنسان أن يفرط فيها
بحيث يؤخرها عن ميقاتها الشرعي.
*هل مثل هذا يستثنى من وجوب صلاة الجماعة عليه؟
**إن اشتد به أمر حتى صار في حالة لا يستطيع فيها اليقظة معها نعم،
ولكن مع ذلك لا يعوّد نفسه هكذا، يعوّد نفسه على أن ينام من قبل حتى
يأتي الصلاة في جماعة ولا يفرّط فيها .
*في حديث للنبي صلى الله عليه وسلّم (إذا حضر العشاء فابدأوا بالعشاء
قبل العشاء) هل هذا يدخل في نفس المعنى أيضاً؟
**نعم، هذا في من كانت نفسه تتوق إلى الطعام .
*هل الصف الأعوج يؤثر على صلاة من يصلي في ذلك الصف؟
**الصف الأعوج اعوجاجه إن لم يكن اضطراراً فلا ريب أن ذلك الاعوجاج
يؤثر على الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول : أتموا صفوفكم
. والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول : سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصفوف
من تمام الصلاة. فتسوية الصفوف لما كانت من تمام الصلاة فمعنى ذلك
أن من صلى في صف معوجّ من غير أن تكون هنالك ضرورة فذلك الاعوجاج يؤثر
على صلاته .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الرجل والمرأة والفرق
بينهما
ـ تفضيل جنس على جنس إنما هو تفضيل وظيفي
ـ المرأة إنسان بكل ما تحمل الكلمة من معنى كإنسانية الرجل, سواء بسواء
ـ المرأة تتأثر بأسرع مما يتأثر منه الرجل، وتنسى أيضاً أسرع مما ينسى
ـ لقد جعل الله تعالى في كل من الرجل والمرأة صفات ومزايا ليست في
الآخر
إعداد: خالد بن سعيد المعمري
من المعلوم أن المرأة خلقت لتكون أنثى، والرجل
خلق ليكون ذكراً، وكل واحد من الأنثى والذكر قد طبع بخصائص معينة،
ومحاولة كل واحد منهما أن يتشبه بخصائص النوع الآخر يعتبر تمردا على
الفطرة، ومعاكسة للطبيعة، قبل أن يكون ذلك إعراضاً عن أمر الله سبحانه
وتعالى وتحدياً لحكمه، ومحاولة المساواة بين المرأة والرجل في جميع
الأمور إنما هي معاكسة ظاهرة للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
حقيقة قرآنية
الله سبحانه وتعالى قد قص علينا نبأ امرأة صالحة
مؤمنة قانتة، أعلنت في خطابها لربها أن الذكر يختلف عن الأنثى، فقد
قال الله تعالى حكاية عن أم مريم (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى
وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى).
(سورة آل عمران: 36).
وإذا رجعنا إلى العلم الحديث وجدناه يقرر هذه الحقيقة التي لا مفر
منها، فالعلم الحديث يقرر أن كل واحد من الرجل والمرأة يشتمل جسمه
على ستين مليون مليون خلية، ولكن كل خلية من خلايا المرأة تختلف عن
خلايا الرجل، فكل خلية من خلايا المرأة عليها طابع الأنوثة، وكل خلية
من خلايا الرجل عليها طابع الذكورة، وتختلف هذه الخلايا من حيث الطبيعة
ومن حيث الشكل أيضاً --، وليس ذلك فحسب بل الأمر أدق من ذلك، فهناك
ما يسمى بالكروموسومات أو الأصباغ أو الجسميات اللونية (1)، وهي من
الدقة بحيث تقاس بالواحد على بليون من المليمتر، ولكن مع ذلك فإن كروموسومات
المرأة تختلف اختلافاً بارزاً واضحاً عن كروموسومات الرجل.
أقوال الباحثين وإدراكهم
ولقد أدرك كثير من الغربيين الباحثين - المنصفين
منهم - ذكوراً وإناثاً، أن الفارق بين الرجل والمرأة ليس فارقاً بسيطاً،
ومن هؤلاء الكاتب المشهور (الكسسكاريل)، الذي ولد في فرنسا، ثم بعد
ذلك أتم دراسته في أميركا وتجنس بالجنسية الأميركية، وألف كتاباً مشهوراً
يسمى "الإنسان ذلك المجهول".
وقد قال في هذا الكتاب ما معناه: إن المرأة لا تختلف عن الرجل من حيث
الأعضاء التناسلية، ومن حيث الرحم والولادة، ومن حيث التربية فحسب،
بل الاختلاف بينهما جد عميق؛ فإن كل حجرة في جسمها عليها طابع جنسها،
ثم بعد ذلك ندد بالمساواة المزعومة بين المرأة والرجل، وقال: إن المرأة
تختلف أيضاً عن الرجل من حيث الاستعداد الذهني، ولذلك لا تصلح المرأة
لأن تتلقى الثقافة التي يتلقاها الرجل، وإنما يجب إن تكون هنالك مناهج
دراسية للفتيات تختلف عن المناهج الدراسية التي للفتيان، فهناك خصائص
للمرأة يجب أن تراعى، وهناك مواهب منحتها المرأة يجب أن تنمى هذه المواهب.
وتحدثت باحثة ألمانية - فرنسية عن الفارق بين الرجل والمرأة، فقالت:
إن دماغ المرأة يشغل جانباه بالعاطفة بينما العاطفة تسيطر على جانب
واحد من دماغ الرجل، والجانب الآخر يكون مستعداً للتفكير في الأمور
الجدية.
وهكذا تحدث كثير من الأطباء والباحثين والاجتماعيين من الغربيين بقسميه:
الرأسمالي والشيوعي عن هذه الحقيقة، وأثبتوها ولم ينكروها.1
لماذا هذا الفرق وماهية قوامة الرجل
لماذا هذه الفروق بين الرجل والمرأة؟ وما فائدتها؟:
ليس أحد يطعن في أن ثمة فوارق جنسية وجسدية ونفسية وعقلية بين الجنسيين,
وليس معنى وجود فوارق بينهما تفضيل أحدهما على الآخر, كلا, فهذه مسألة
محسومة, فالمرأة إنسان بكل ما تحمل الكلمة من معنى كإنسانية الرجل,
سواء بسواء, وهي مكلفة كما هو مكلف من قبل الخالق جل وعلا, بأمور العبادة
وعمارة الأرض, وحسب ما شرع الله لها قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ
صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ) النحل97 .
وإن تفضيل أحدهما على الآخر ليس تفضيل جنس على جنس وإنما هو تفضيل
وظيفي بمعنى أن الرجل مثلا يصلح لقيادة الأسرة وتحمل تبعات الحياة
والجهاد لتحرير الأرض وحماية العرض....إلخ, والمرأة تصلح للأمومة ورعاية
الأبناء والأسرة وتدبير شؤون المنزل ونحوه, مع عدم الخلاف في أن المرأة
يمكن أن تقوم بأعمال كثيرة يقوم بها الرجال, لكن ليس على سبيل العموم.2
أهمية وجوب القوامة التي تهدف إلى تكليف الرجل بواجب الولاية والرعاية
إذ ليس من الطبيعي أن نرى رجلاً "يقوم بتربية الأطفال ورعايتهم
مثلاً" في حين تخرج المرأة للعمل، لان ثمة نقص في تكوينه الجسدي
وتركيبه النفسي يقف حائلاً دون تحقيق ذلك وان ما اكتسبته طبيعته من
سمات الخشونة والصلابه والقوة البدنية تجعله اقدر منها في مواجهة أحوال
البيئة الخارجية وتهئ له قدرة اكبر للنهوض بالمهمات الشاقة وطرق أبواب
الرزق.. كما أن رجاحة العقل ميزة أخرى تتيح له الخوض بمرونة في المعضلات
ومعالجة مشكلات الأمور بحكمة وروية. بخلاف المرأة التي تخضع لسلطان
العاطفة والانفعال وتتخذ منهما معياراً لقياس الأمور في جميع مواقف
حياتها، فتلك الخصائص وغيرها مما تحلت بها المرأة وافتقدها الرجل كاللين
والرقة والدفء والحنان الفياض أصلح في حقل الأمومة منها في حقل آخر.
وبعكس ما يزعم الزاعمون أن المرأة حين تقر في بيتها تتحول إلى عالم
الأموات أو قطعة أثاث معطلة في صمت المنزل، فان البيت بما فيه من أثاث
يعتبر الجسد، وهذا الجسد لا بد له من روح تبعث في أركانه الحياة وتملأه
بالنشاط، وهذه الروح هي المرأة، فهي عنصر الحياة، ووجودها في ذلك العالم
لا يعني تحولها بان تصبح جزءاً معطلاً منه إلا إذا كانت امرأة فاشلة
لا خير منها، بل إنها تغمره بالحيوية وتجدد فيه نبض السعادة فتراه
يتقطر دفئاً سابحاً في أنوار الإنس والطمأنينة الأبدية.
وبدون المرأة يغدو البيت كئيباً يغص بأنفاس الحزن والوجوم كبئر معطلة
وكالسماء لا يمكن لشيء أن يمنحها النور إلا الشمس وكذا بالنسبة للمرأة
فهي كالدرة إذا انتشلت من قاع البحر أصبحت سلعة وكالتفاحة إذا فارقت
الغصن فمصيرها الأنياب!؟
ما أجمل اللحظة التي تعود فيها إلى عشك بعد نهار طويل قضيته في صخب
الشوارع وزحام الحياة فتقابلك زوجتك بابتسامة حنونة دافئة تنفض عن
كاهلك متاعب اليوم وتفجر في أعماقك ينابيع المشاعر الزرقاء الهانئة.3
يقول الدكتور (سبوك) في كتابه (حديث إلى الأمهات): أنا شخصيا أرى أنه
برغم عدم وجود فوارق محددة وفاصلة في الطبيعة النفسية بين الذكر والأنثى
عند الميلاد, إلا أن هناك أيضا فروقا تطفو على السطح منذ ساعة الميلاد
, وبعد ذلك تنمو هذه الفروق وتصبح واضحة المعالم, ويصبح من السهل أن
نميز بين الفتى والفتاة, طبعا بدرجات متفاوته تزيد أو تقل حسب أساليب
التربية, ومن خلال ملاحظاتي كطبيب أطفال أرى أن الذكور عادة يتميزون
بالقلق والعناد والإصرار منذ الميلاد, وأن أكثر الإناث يستسلمن لتيار
الحياة السهلة, حتى وهن في عربة الأطفال الرضع, إن الذكر يحارب حتى
ولو مع نفسه, والفتاة تسترخي وتستمتع بدون حرب.
وهناك صعوبة دائما في تدريب الأطفال على التبول والتبرز, أنهم أكثر
عنادا من البنات في هذه المسألة, وعندما يكون عمر الطفل بين السنة
والسنتين, وعندما لا نفرق بين لعب الأولاد والبنات, فأننا نجد أيضا
بعض الفروق واضحة, عندما يزورني في عيادتي الطبية طفل لكشف عليه فإنه
يأخذ مني جهاز فحص الأذن ليعبث به, وهو جهاز يعمل بالبطارية وبه عدسه
توضح للطبيب حالة الأذن من الداخل, وعندما يقع هذا الجهاز في يد الطفل
فإنه يظل يحاول أن يفك بعض أجزائه أو يحرك أي شي فيه يمكن أن يتحرك,
ويحاول أن يفصل المرآة العاكسة ثم يحاول أن يدير هذا الجهاز, ويبكي
كثيرا عندما تنتهي الزيارة لأنه يريد أن يأخذ هذا الجهاز معه إلى المنزل.
وهذا مثال بسيط على حب الأجهزة الميكانيكية ومحاولة فكها وإعادة تركيبها
رغم عدم معرفته بفائدتها, وكثيرا ما حاولت أن أقدم جهاز فحص الأذن
لطفلة في نفس العمر لكن أي فتاة كانت تبتسم في سعادة كأنها تشكر لي
ذلك, وتنظر إلى الضوء الصادر من هذا الجهاز, وقد تلحس الضوء بطرف لسانها,
ثم تترك الجهاز في هدوء, ولا تحاول أن تفك فيه أي شيء كما يحاول أي
طفل).
تلك كانت شهادة من طبيب أطفال مرت علية مئات, بل آلاف الحالات والتي
شاهد من خلالها فروقا نفسية واضحة بين الجنسيين منذ الميلاد, وتزداد
هذه الفروق وضوحا وبيانا مع مرور الوقت والعمر, والأمر يتضح لكل أب
ولكل أم ولا يحتاج أدلة أو براهين, ولكننا هنا نسوق هذه الفروق لأننا
كلما ازددنا فهما لطبيعتنا ولنفسية الجنس الآخر كلما أحسنا التعامل
معه, فهذه الفروق بين الجنسيين جعلها الله تعالى بين الذكر والأنثى
لينجذب كل منهما للآخر, فالرجل يحب ما في المرآة من صفات تختلف عن
صفاته, وهي تحب ما في الرجل من صفات تختلف عن صفاتها, وربما هو سر
الجاذبية بين الجنسين.4
حكم القرآن الكريم
وجعل القرآن الكريم شهادة المرأة نصف شهادة الرجل..
فقال: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامراتان
ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى). (سورة
البقرة: 282)
وفي هذا الحكم المقرر، جاء القرآن مطابقاً لحكم تكوين المرأة، وما
تتميز به كأنثى تعيش بعاطفتها وبقلبها وبإحساسها الرقيق الذي يقبل
التأثر بشدة، فالمرأة تتأثر بأسرع مما يتأثر الرجل، وتنسى أيضاً بأسرع
مما ينسى الرجل، وفي محاكم الغرب يقولون: ان المحلفين حين تكون فيهم
سيدات، وتأتي قضية مؤثرة، تترك المحلفات قاعة الجلسة، ويجلسن يبكين
من ظروف القضية المطروحة أمامهن، والتي يطلب منهن إصدار حكم فيها،
وهذا البكاء يعني أنهن قد أصدرن الحكم بالفعل حتى قبل أن تكتمل الإجراءات
القانونية.5
قال الدكتور فريدريك كهن: في كتابه (حياتنا الجنسية)
(تظل المرأة محافظة على معالم الطفولة لا في جسمها فحسب, بل في طباعها
وحالتها النفسية. ولو اختلفت وجوه شبهها عن الطفل كثيرا, لما استطاعت
أن تكون أما صالحة, فهي تفهم متطلبات الطفل بسبب شعورها الطفولي, بينما
يبتعد الرجل عن عقلية ومحيط الطفل بسبب تطوره الذهني.
أما هي فتبقى كالطفل تستوعب أكثر ما تكون خلاقه, حنانها يزيد على تفكيرها
وحدسها يقظ أكثر من حياتها الذهنية, إذ هي مكونة لتتحمل وتقاسي أكثر
مما تتصرف, قابلة للخضوع أكثر من السيطرة, عينتها العناية الألهية
متوسطة ما بين الزوج والطفل, وهكذا تحتل في العائلة المركز الأول لتحافظ
على الانسجام بين أفراده المختلفي النزعات) .6
ولقد قدر الله تعالى لصلاح الحياة وجمالها وإعطائها
ثمارها نظما وترتيبات معينة, فخلق من كل زوجين اثنين, وجعل في كل منهما
صفات عديدة مناسبة لا تكمل في أحدهما إلا مع صفات الآخر من أجل أن
تستقيم الحياة.
فجعل في الرجل قوة وخشونة, وقوة إرادة وعزيمة, وصبرا, وحب الخروج,
وجعل في المرأة لطافة وضعفا, وحياء, وحبا للزينة والأطفال, وإيثارا
للبقاء في البيت والعناية به...... وغيرها. وبتفاوت تلك الصفات على
أختلافها تستقيم الحياة الصالحة في الأرض, وباتحاد تلك الصفات بأن
يكون الرجل رجلا وامرأة, أو تكون المرأة امرأة ورجلا لا تستقيم الحياة
الصالحة في الأرض.
لقد جعل الله تعالى في كل من الرجل والمرأة صفات ومزايا ليست في الآخر,
فعلى كل أن يعيش لما خلق له وفطر عليه إن أراد صلاح الحياة وفق ما
قدر الله تعالى الذي خلق وسوى, والذي هو أرحم بخلقه من الوالدة بولدها,
وحين تمنت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن تكون مثل الرجل تغزو
كما يغزو الرجال, وأن يكون للنساء مثل ميراث الرجال, وحين قال الرجال
إنا لنرجوا أن نفضل على نسائنا بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهم
في الميراث أنزل الله تعالى قوله : (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ
اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ
اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)
النساء32 .
من أجل اختلاف طبيعة المرأة ووظيفتها في صفات وأمور عن الرجل, ومن
أجل ما جعل الله تعالى في الرجل والأنثى من الميل الفطري أحدهما نحو
الآخر, فقد حصن الإسلام كلا منهما بحصانة مراقبة الله تعالى والتقوى.7
أعلى
النيرات المنيرات
فاطمة الزهراء بنت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
حفل الزواج ووليمة العرس
ذكر ابن سعد في طبقاته أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب : (يا علي إنه لا بد للعروس من وليمة).
فقال سعد ـ يقصد سعد بن عبادة نقيب الخزرج ـ : عندي كبش وجمع له رهط
من الأنصار أصعا من ذرة.
دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهما ليلة الزفاف
لما كان ليلة الزفاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي
طالب كرم الله وجهه : (لا تحدث شيئا حتى تلقاني). ثم دعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بإناء فتوضأ فيه ودعا عليا ثم أفرغه عليه , ثم
دعا فاطمة رضي الله عنها فأقبلت تعثر في ثوبها حياء من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ثم فعل معها مثل ذلك,ثم قال لهما: (يا فاطمة أما أني
أنكحتك خير أهلي). ثم قال: ( اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك
لهما في نسلهما).
وبذلك بدأت فاطمة رضي الله عنها ليلتها الأولى في بيت زوجها علي بن
أبي طالب كرم الله وجهه مسبقة بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
لهما.
وكان زواج علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من فاطمة بنت رسول الله صلى
الله عليه وسلم في رجب بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة
بخمسة أشهر وزفت إليه بعد رجوع المسلمين من غزوة بدر وكان عمرها رضي
الله عنها يوم زواجها ثماني عشرة سنة وقيل خمس عشرة والأول هو الأرجح.
حياتها في بيت الزوجية رضي الله عنها
عاشت فاطمة رضي الله عنها في بيتها مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
حياة تقشف وعمل فلم يكن لها خادم يعينها على أعباء المنزل بل كانت
تقوم بكل شؤون بيتها داخله بمفردها بينما كانت فاطمة بنت أسد رضي الله
عنها أم زوجها علي بن أبي طالب تقوم بحاجات المنزل خارجه.
وفي هذا الصدد يذكر لنا ابن سعد رواية في طبقاته عن عطاء بن السائب
عن أبيه عن علي بن أبي طالب , (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحاءين وسقاء وجرتين
, قال: فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري,وقد
جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه ,فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى
مجلت يداي.
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاءك يا بنية؟ قالت: جئت لأسلم
عليك, واستحيت أن تسأله,ورجعت,فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله.
فأتياه جميعا,فقال علي: والله يا رسول الله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري,وقالت
فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي,ثم سألاه خادما لهما من السبي.
وفي رواية عن أبي داود قال علي: كان عندي فاطمة بنت النبي صلى الله
عليه وسلم فمرت بالرحى حتى أثرت بيدها واستقت بالقربة حتى أثرت في
عنقها وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها ـ وفي رواية ـ وخبزت حتى تغير وجهها.
فلما سألا النبي صلى الله عليه وسلم خادما من السبي قال لهما: (والله
لا أعطيكما,وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم,ولكن
أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم , فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم
وقد دخلا في قطيفتهما,إذا غطيا رؤوسهما تكشف أقدامهما,وإذا غطيا أقدامهما
تكشفت رؤوسهما,فثارا,فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مكانكما,ألا أخبركما
بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى,فقال: كلمات علمنيهن جبريل،تسبحان في
دبر كل صلاة عشرا,وتحمدان وتكبران عشرا,وإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا
ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبر أربعا وثلاثين). قال:فوالله
ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله.
وبذلك نرى مدى التقشف الذي كانت تعيش فيه فاطمة داخل بيتها مع زوجها,ورضاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الحياة,رغم الفتوحات والغنائم
التي من الله بها عليه وعلى المسلمين,وصرف نظرهما عن متاع الحياة الدنيا
الزائل ليكونا قدوة للمسلمين جميعا وهم أهل بيته صلى الله عليه وسلم
وقد صبرهما بالدعاء والتسبيح لله جل جلاله.
أولادها من علي كرم الله وجهه
أنجبت فاطمة رضي الله عنها من علي كرم الله وجهه البنين والبنات,فأنجبت
الحسن والحسين ومحسنا وزينب وأم كلثوم رضي الله عنهم جميعا ـ إلا محسنا
توفي صغيرا,وقد أنجبتهم كلهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم تنجب بعد وفاته شيئا حيث إنها أول من لحق به من أهل بيته وكانت
بناته كلهن ـ عداها ـ قد توفين قبله صلى الله عليه وسلم.
إعداد ـ أم الزبرجد الشيبانية.
أعلى
الدين المعاملة
عبد الرحيم محمد جاد الرب
الدين المعاملة ، والمعاملة قد تكون بين العبد وربه ، أو بينه وبين
نفسه أو بينه وبين الناس ، ورأس ذلك كله تقوى الله ، فهي سر الاعتدال
في كل هذه المعاملات ، ولكن الحياة تتشابك ،والإنسان فرد في مجتمع
، فإذا صلح الأفراد صلح المجتمع ، وإذا فسدوا فسد المجتمع ، لأن الأفراد
هم الخلايا التي تتكون منها المجتمعات ، فإذا تنافرت الخلايا وأكل
بعضها بعضا فلا استمرار للحياة السليمة ، ومعظم ما جاء به الدين إنما
هو لعلاج الأمراض الاجتماعية ، وتحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع
، والقضاء على أسباب الفرقة والتنافر بينهم . . إن العبد يلزمه مأكل
وملبس ومشرب ومسكن ، وهو في سبيل ذلك يعمل على الحصول على المال ،
فإذا اقتنع بأنه يكفيه من المأكل والمشرب ما يحفظ عليه حياته ويحقق
له شيئا من الرفاهية التي لا تزيد عن الحد فإنه لا يتجه إلى الاعتداء
على مال غيره ، وكذلك الملبس الأصل فيه أنه يكسو الجسم ، والمباح فيه
قليل من الرفاهية ، لكن الزيادة الممقوتة مجلية للذنوب مدعاة إلى الاعتداء
على حقوق الناس . وأما المسكن فقد جعل في الأصل لحماية الإنسان من
تقلبات الجو وتحقيق الأمن له والإحساس بالراحة ، فتحويله إلى متحف
يضم الأثاث الفاخر والتحف الفنية والتنافس في تزويده بما لا يتيسر
إلا للأغنياء كل ذلك يدفع الإنسان إلى السرقة والنهب والرشوة وسوء
معاملة الناس ، يقول تعالى : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري
سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ) سورة الأعراف [26 ] ويقل جل
وعلا : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا
إنه لا يحب المسرفين ) الأعراف[ 31 ] وينطلق الإنسان في رحلة الحياة
فيسلك أحيانا مسالك السوء من أجل تحصيل الرزق الذي كان يمكن أن يأتيه
من حلال ، إنه ينهب ويسرق ويختلس ويرتشي ويظلم ويسيء معاملة خلق الله
، ثم يخرج من ذلك كله بمال يزيد عن حاجته وحاجة أولاده ، ثم يتركه
ويرحل عن هذه الدنيا ، وقد يختلفون بسبب هذا المال ، وربما لعن بعضهم
بعضا . . لقد كان سلفنا الصالح يتركون ما لا بأس به حذرا من الوقوع
فيما فيه بأس عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبلغ
العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس )
ألا فليعلم هؤلاء وهؤلاء أنه لو أكل العبد شيئا حراما فلن يبارك الله
فيه ، ولو تصدق بشيء حرام فلن يقبل منه ، وصدق رسول الله صلى الله
عليه وسلم حيث يقول : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر
المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى : (ياأيها الرسل كلوا من
الطيبات واعملوا صالحا ) المؤمنون[ 51 ] وقال : (ياأيها الذين آمنوا
كلوا من طيبات ما رزقناكم ) البقرة[ 172 ] ثم ذكر الرجل يطيل السفر
أشعث أغبر ، يرفع يديه إلى السماء : يارب . يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه
حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟ ) رواه الطبراني
. إن المعاملة الطيبة بين الناس تقتضي البعد عن الحرام لأن المال الحرام
لا يكون إلا بسرقة أو غش أو اختلاس . . والمؤمن يتورع عن ذلك لأنه
يخاف الله فيلتزم ما أمر به الله . القارئ الكريم : يذكرنا التاريخ
بإبراهيم النخعي يستأجر دابة ليصل بها إلى مكان معين ، وفيما هو في
الطريق إذ وقع سوطه من يده ، فنزل فربط الدابة ثم رجع فأخذ السوط ،
فلما قيل له : لو حولت الدابة إلى موضع السوط فأخذته ؟ قال : إنما
استأجرتها لأمضي هكذا ولا هكذا ؟ وكان ذلك بالطبع في غيبة صاحبها ولكنه
لم يكن في غيبة الله سبحانه وتعالى ، وهذا أبو حنيفة النعمان يبعث
إلى شريكه في التجارة حفص بن عبد الرحمن بقماش ، ويعلمه أن في ثوب
منه عيبا ليبينه للمشتري ، ولكن حفصا باع الثوب بثمن طيب لأنه نسي
أن يبين ما فيه من عيب ،،، فأمره أبو حنيفة أن يبحث عن المشتري ولكنه
لم يهتد إليه ، فأبى أبو حنيفة إلا أن يفض الشركة ،،، بل رفض أن يضيف
الثمن إلى حر ماله وتصدق به كاملا ــ إن المعاملة الطيبة تكفل سعادة
الناس وراحتهم ، أما الغش والخداع فيجلبان المصائب ، والمسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم
وأعراضهم ، والله تعالى يقول : (ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) سورة النساء[ 29 ]
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (من باع عيبا لم يبينه لم يزل في
مقت الله ، ولم تزل الملائكة تلعنه ) رواه بن ماجة ، ولذلك فإن النبي
صلى الله عليه وسلم كان يتجول في الأسواق يطمئن على تصرفات التجار
ويقول : ( يا معشر التجار ، إنكم تبعثون يوم القيامة مع الفجار إلا
من بر وصدق ) ولما مر في السوق على صبرة طعام ، وأدخل يده فيها ، ونالت
أصابعه بللا ، قال ما هذا يا صاحب الطعام ؟؟ قال : أصابته السماء يا
رسول الله ، قال : أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ( من غشنا
فليس منا ) رواه مسلم وابن ماجه . . أجل. . من غش فليس منا ، وكذلك
من طفف في الوزن أو الكيل وكذلك كل مختلس وخائن . . القارئ الكريم
: ـ من لي برجل يعلم أن الغش لا يأتيه بغير المقسوم ، وأن التطفيف
لا يعود عليه إلا بما قدره الحي القيوم ، فيتوجه بالنصيحة لذلك الطبيب
الذي أجرى عملية جراحية لمريض وهو يعلم أنه لا ضرورة لها ، ولهذا الصانع
الذي أفسد جهازا لعميل من أجل أن يعود إليه فيصلحه ليأخذ أجرا لا يستحقه
. أو ما يقوم به بعض المخربين من تخريب لأجهزة الهاتف في الشوارع أو
قطع للأسلاك الكهربائية أو مواسير المياه أوغير ذلك مما نسمع عنه أوما
قرأناه على صفحات الجرائد وهذه منافع عامه ملك لكل مواطن .. والمحافظة
عليها واجب ديني لأن الدين يأمرنا بالسلوك السليم القارئ الكريم :
ـ إن الحياة المادية طغت على الناس حتى لم يعد الكثير منا يفكر إلا
في دنياه ، ونسي في سبيل ذلك أخاه ، هل سمعتم قصة ذلك الرجل الذي ذهب
إلى صديقه يطلب منه قرضا فخرج إليه وأعطاه القرض ثم عاد إلى زوجته
باكيا فسألته : أتبكي لأنك أعطيت مالك لصاحبك ؟ فأجاب : إنما أبكي
لأني لم أسأل عن حاله حتى اضطر أن يحضر إلي معرضا نفسه لمذلة السؤال
. هكذا كان الناس ، وهكذا نريد أن يكونوا . . إنسانية نظيفة ومعاملة
لطيفة
أعلى
العبر والعظات الباهرة
من أحداث الآخرة
المستقري المتأني للسور المكية تطالعه عبر حقيقية
وعظات كثيرة يمكن ان تعدّل مسيرته، وترشد وجهته، وتقوّم في الحياة
مسلكه، فالقارئ لسورة التكوير على سبيل التمثيل يرى عجبا عجابا في
هذا المشهد الكوني الرائع الذي يتحول الى انقلاب هائل في كل موازين
الكون، انسانا وحيوانا وجمادا وارضا وسماء، وجبالا وبحارا ووحوشا وعشارا،
كل ما في هذا الكون سيشهد تغييرا جذريا جديرا بأن نتمثله ونعايشه،
ونضع انفسنا وفق احداثه وفي اتونه وأطواره، فالقرآن ـ وهو بصدد إثبات
حقيقة القيامة وهي من مقاصد السور المكية عموما ومن لوازم الايمان
خصوصا ـ يعرض هذا الانقلاب الهائل الخطير، حيث الشمس تكوّر بما تحمله
هذه الكلمة من معان جسام تتصدع بها الافئدة وتذوب حبات الفؤاد هلعا
وفزعا، اذ يحمل التكوير معنى البرودة وانطفاء الشعلة وانكماش الالسنة
الملتهبة المنبعثة من جوانب الشمس الى ألوف الاميال في الفضاء والارض،
او يعني التكوير تحولها من حالة الغازية الى حالة تجمد كما هي قشرة
الارض وتصير كالكرة لا ألسنة لها ولا امتداد ولا لهيب لها ولا شعاع
فأين الانسان في هذه الساعة الرهيبة الرعيبة! واين قدرته على تحمل
هذا المنظر الهائل المرعب. ثم حدث آخر من احداث الآخرة وهو انكدار
النجوم وتناثرها وانفراط عقدها المنظوم وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها،
وهل هي النجوم القريبة التي نراها في مجوعتنا الشمسية ام هي مجرتنا
التي تحوي مئات الملايين من النجوم، ام هي النجوم السماوية جميعا التي
لا يعلم تعدادها الا خالقها؟! واين نحن من حدوث هذا الحدث الكبير وزوال
هذا النسق البديع، اين شعورنا عندئذ؟ وهذه الجبال التي نضرب بها المثل
في الثبات والرسوخ والاستقرار والهدوء هي نفسها ستشهد تغييرا كاملا
شاملا اذ تنسف وتبسّ وتذرى في الهواء (ويسألونك عن الجبال فقل ينفسها
ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) (وبست الجبال
بسا فكانت هباء منبثا) (وسيرت الجبال فكانت سرابا) (واذا الجبال سيرت)
(وتكون الجبال كالعهن المنفوش)، أين الثبات وأين الرسوخ! انه ـ بقدرة
القادر المقتدر ـ تحول إلى سراب وهباء، ذهب كل شيء، واندك وراح كل
شيء وانفك وزلزلت الارض زلزالها واخرجت الارض اثقالها، فأين الانسان
ساعة تنسف الجبال وتصير امام ناظريه سرابا وصوفا هشا يأخذه الهواء
هنا وهناك حيث شاء!!
اما العشار في ذلك اليوم ـ وهي النوق الحبالى في شهرها العاشر فتهمل
وتعطّل وتصبح لا قيمة لها ولا اهتمام بشأنها، وهي كرائم العرب، وهي
أغلى ما تكون عندهم فهي مرجوة الولد واللبن كثيرة النفع قريبة الخير،
سوف تتجمد لا تعطي خيرا ولا تدرُّ نفعا، ويراها خرابا يبابا لا نفع
فيها ولا غناء اما الوحوش الأوابد التي من طبيعتها الشرور في الجبال
والنفور في الشعاب فقد تجمعت وحُشرت ونسيت مخاوفها من بعضها ونسيت
طبائعها في الافتراس والوحشية ومضت هي الاخرى هائمة على وجوهها لا
تأوي الى جحورها وبيوتها، ان الهول والرعب لا يدعان حتى الوحوش، فلا
يتركان لها بقية من طباعها وخصائصها فكيف بالخلق في ذاك الهول العصيب
والفزع الرهيب؟!
أما عظة البحار فكبيرة وواسعة اتساع هاتيك البحار، فهي مرة تسجّر واخرى
تفجّر وتسجيرها قد يعني امتلاؤها بالمياه من باطن الارض واما من هذه
الفيضانات واما من تلك الزلازل والبراكين التي ستزيل الحواجز بين البحار،
فتنساب ويختلط بعضها ببعض، واما ان يكون التسجير بمعنى التفجير والالتهاب
كما في قوله ـ تعالى ـ:(واذا البحار فجرت) وسواء كما اثبت العلماء
تفجير عناصرها إلى ايدروجين واكسجين والايدروجين يشتعل والاوكجسين
يساعد على الاشتعال او كما يحدث في تفجير الذرات الاشد هولا، المهم
ان البحار ستصير جهنم مستعرة، تنطلق منها ألسنة اللهيب الهائلة فأين
حجم الانسان في هذا الدمار؟ ولم هذا التنكّب عن الطريق والبعد عن سواء
السبيل؟!
ثم ترى عظة اخرى من احداث الآخرة تتمثل في تزويج النفوس التي لها معان
كثيرة، منها جمع الارواح بالاجساد ثانية، او ضم كل جماعة من الارواح
المتجانسة كلّ في مجموعة كما ورد (وكنتم ازواجا ثلاثة) المقربون واصحاب
الميمنة واصحاب المشأمة او العلماء مع العلماء والجهال مع الجهال او
النساء مع النساء والرجال مع الرجال والاطفال مع الاطفال والشيوخ مع
الشيوخ او الكفار مع الكفار ونحو ذلك من التشكيلات المتجانسة، فأين
هذا الانسان من هذه الازواج والنفوس اين موضعه؟ اما الموءودة التي
ظلمت وقتلت بين وائدها حيث كانوا يدفنون البنات احياء خوفا من العار
او الفقر ونحوه، فتأتي الموءودة وتسأل بأي ذنب قتلت، وهو سؤال توبيخي
إنكاري عتابيّ لوائدها، فإذا كانت هي تسأل فما بال من تسّبب في وأدها
وازهاق روحها وضياع حياتها، أين هؤلاء القتلة لبناتهم في هذا الانقلاب
الهائل؟! ويأتي دور الصحف والاعمال فتتطاير وتنشر ويظهر ما خفي ويتضح
ما ستر ويفتضح امر الخلائق الذين كانوا يقولون مالا يفعلون ويظهرون
خلاف ما يبطنون ويتظاهرون بعكس ما يختلون، ان الله فاضحهم بنشر كتبهم
وأعمالهم فكم من سر سيعلن وكم من سوأة ستكشف انها العلنية الشديدة
النكاية في هذا الانقلاب الرعيب، ان هذا النشر وذاك الكشف هو جزء من
هذا الهول، وسمة من سمات هذا التدمير الرهيب حيث يكشف المخبوء ويظهر
كل مستور، ويخرج كل ما في الصدور، فأين الانسان وما محله يومئذ؟!
وتأتي السماء هي الاخرى فتكشط ويزال غطاؤها الأزرق الجميل، وينظر الانسان
فلا يرى هذه القبة الزرقاء السماوية، ويستعد الجميع للحقيقة الكبرى
(واذا الجحيم سعرت واذا الجنة ازلفت علمت نفس ما احضرت) ساعتها تكون
الحسرة وتكون الندامة ويحلّ الخسران والعار بكل من كان عن الله بعيدا،
ولأمره ونهيه فاجرا عنيدا ومع عباد الله الصالحين قاسيا شديدا، ولكل
ما جاء به الرسول الكريم كافرا صنديداً، اما اهل الله الذين مشوا في
ظلال شرعة ورهين اشارة دينه فهم في منجاة وأمان وافضال وعطايا وجنان
مع رسولهم الحبيب العدنان يتنعمون بعطاء رب حنان منان فهيا بنا نعيش
هذه المشاعر والاحاسيس الآن ونعبد رب الأنام حتى نفوز بالبعد عن الشنار
والخسران والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. جمال عبدالعزيز أحمد ـ كلية دار العلوم ـ
جامعة القاهرة
أعلى
الشريعة بين المرونة
والثبات
الإسلام الذي ختم الله به الشرائع والرسالات
السماوية أودع الله فيه عنصر الثبات والخلود كما أودع فيه عنصر المرونة
والتطور وهذا بحد ذاته من روائع الإعجاز في ديننا الحنيف وآية من آياته
في عمومه وخلوده وصلاحيته لكل زمان ومكان فالإسلام ثابت في أهدافه
وغاياته ومرن في وسائله وأساليبه ثابت في أصوله وكلياته ومرن في فروعه
وجزئياته ثابت في قيمه وأخلاقياته مرن في شؤونه الدنيوية والعملية
وقد تدور الأسئلة في أذهان البعض لماذا هكذا هو شأن الإسلام؟ لماذا
لم يجعله الله تعالى مرنا مطلقا أو ثابتا مطلقا؟
والجواب ان الإسلام بهذا يتسق مع طبيعة الحياة الإنسانية الخاصة ومع
طبيعة الكون الكبير عامة فقد جاء هذا الدين مسايرا لفطرة الإنسان وفطرة
الوجود.
أما طبيعة الحياة الإنسانية نفسها ففيها عناصر ثابتة باقية ما بقي
الإنسان وعناصر أخرى مرنة قابلة للتغير والتطور.
وهذه هي سنة المولى في خلقه فالكون من حولنا يحوي أشياء ثابتة وأخرى
متغيرة فثمة أشياء في هذا الكون تمضي عليها ألوف السنين وهي كما هي
أرض وسماء وجبال وبحار وليل ونهار وشمس وقمر ونجوم مسخرات بأمره كل
فلك يسبحون.
كما أن فيه عناصر تتغير باستمرار فتغرق اليابسة وتصير بحرا وبحيرات
تجف وجزر تنشأ وأرض تحيا وأخرى تموت.
وهذا هو حال الإنسان ثابت ومتغير في آن واحد فلا تصلح له شريعة أبدية
إلا أن تكون ثابتة متغيرة ملائمة لفطرة الإنسان وفطرة الوجود جامعة
بين عنصر الثبات وعنصر المرونة.
وبهذه السمة التي يمتاز بها الدين الإسلامي تكون عاملا رئسا لرقي المجتمع
المسلم إذ بها يتمكن المجتمع من أن يعيش ويرتقي ثابتا على أصوله وقيمه
وغاياته متطورا في معارفه وأساليبه وأدواته.
فالثبات يستعصي هذا المجتمع على عوامل الانهيار والفناء أو الذوبان
في المجتمعات الأخرى أو التفكك إلى عدة مجتمعات تتناقض في الحقيقة
وإن ظلت في مجتمع واحد في الصورة .
وبالثبات يستقر التشريع وتتبادل الثقة وتبنى المعاملات والعلاقات على
دعائم متينة وأسس راسخة لا تعصف بها الأهواء وكذلك بالمرونة يستطيع
المجتمع أن يكيف نفسه وعلاقاته حسب المتغيرات المكان والزمان وذلك
بطبيعة الحال دون أن يفقد خصائصه ومقوماته الذاتية.
سالم بن ناصر الرواحي
أعلى
وقل اعملوا
واجبات العمال
الإخلاص في العمل واتقانه
أيها القراء الأكارم:
لا يخفى على إنسان ما لإتقان العمل والاخلاص فيه والاحساس بالمسؤولية
فيه أمام الله عزوجل من تأثير في رفع مستوى الانتاج... ولكي يتمكن
العامل من الوفاء بمستلزمات العمل يجب عليه أن يتقن عمله ويؤديه على
أحسن وجه... وقد وعد الله عزوجل من أحسن عمله وأتقنه بالثواب العظيم
والنعيم المقيم فقال سبحانه وتعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات
إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا).
ولا يراد العمل في الاسلام أن يؤدى على أي وجه كان وإنما يراد به العمل
المتقن المنظم الهادف , ولهذا جاءت النصوص الشرعية مقررة اتقانالعمل
. فالله عزوجل قلما يذكر العمل منفردا من غير وصف بل يقرن العمل غالبا
بالصلاح لأن العمل لا يؤتي أكله إلا إذا كان صالحا وحسنا ولا يتأتى
صلاحه وحسنه إلا إذا أخذ حقه ممن يقوم به وينبغي عليه أن يبتغي به
وجه الله عزوجل ويبذل ما في وسعه وطاقته من أجل رفع مستوى إنتاجية
العمل المتقن.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على إتقان العمل بقوله: (إن الله
يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه). وإتقان العمل أصبح اليوم شعارا
لكثير من الدول التي تحترم إنتاجها فقد غزت هذه الدول السوق العالمية
وأثبتت جدارتها فيها بإتقانها لعملها الصناعي.
وإتقان العمل شرط ضروري في التجارة الخارجية والداخلية لأنه يغري المواطنين
والبلاد الأجنبية بالإقبال عليه فيكون خير دعاية لسمعة البلاد في الخارج
لهذه الأسباب ـ وغيرها ـ ندرك سر اهتمام الاسلام بالعمل الصالح المتقن.
ويجب على العامل أن يرفع من كفاءته الفنية ليصبح أكثر إتقانا وإجادة
لعمله . وعليه أن يتابع كل جديد في فنون الانتاج ليستطيع تحسين الانتاج
وزيادته. وينبغي على العامل المتقن لعمله أن يبتعد عن كل صور النفاق
والاضطراب والغش والخيانة في العمل.
ويجب عليه أيضا ألا يفرق بين عمله الخاص به وعمله للغير فيتقن الأول
ويهمل الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه
ما يحب لنفسه). ولا ينبغي لعامل أن يتهاون في أداء عمله بحيث لو عامله
به غيره لما ارتضاه لنفسه ولا يعمل على نية أنه إن لم يعمل ضاع ـ بل
يعمل بقصد نفع خلق الله ـ ولا على مقدار الأجرة بل يعمل على حسب إتقان
ما تقتضيه الصنعة.
إعداد ـ علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|