الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
بلاد الشمس
عبقريات عمانية
استراحة
من خلال الدراسات العربية
للصورة بعدان






مبتدأ
مساواة

ربما لأنني عماني بالأصل لم أهتم كثيرا بالقراءة عن الشخصية العمانية وتحليلها، إلا أن من الأشياء التي استرعت انتباهي هو ما قاله لي بعض الأصدقاء من المثقفين العرب الذين عاشوا على أرض السلطنة مدة طويلة وتعرفوا على جوانب هامة من مكونات الشخصية العمانية، إذ قال: (الشخصية العمانية زاهدة).
وبالرغم من أن مقولة صاحبي كانت في مجالٍ بعينه، إلا أنني كلما تمعنت فيها وتأملت في شخصيتنا كعمانيين وجدت أنها تنطبق علينا في الكثير من الأوجه، فنحن قوم نرضى باليسير، ونؤمن جدا بأن القناعة كنز لا يفنى.
المؤسسات التي تتعامل مع المثقف لدينا تتعامل معه وفقا لهذه المفاهيم على أنه إنسان راضٍ وقنوع يقبل باليسير، الأمر الذي جعله يتحمل الكثير من الخسارات مقابل الكثير من التضحيات والتنازلات التي يقدمها، لاسيما إذا ما جاءت المقارنة في التكريم والعطاء المادي بينه وبين ضيوفنا من المبدعين العرب والأجانب. ونحن هنا نتحدث عن المكافآت المالية تحديدا، حيث يتم إكرام الضيوف في الفعاليات المشتركة على نحو طيب ومشرف ـ وهذا أمر حسن نتمنى أن يدوم ـ في حين يتم التعامل مع المثقف العماني بمقاييس ومعايير أخرى.
كنت أتحدث مؤخرا مع أحد الأصدقاء من المبدعين العمانيين الذين شاركوا في إحدى الفعاليات الثقافية، فتطرقنا في الحديث ـ على سبيل الدعابة ـ عن المكافأة المالية، فقال انه لم يستلم أي شيء! فسألته عن الضيوف، فقال انه تمت مكافأتهم ماليا وعلى نحو مشرف. أما هو كمبدع عماني فقد أبلغوه بأن اسمه رفع في القائمة للحصول على موافقة إدارية بذلك!
هذه الحادثة أعادت إلى ذهني قصة بعض الأصدقاء من المثقفين العمانيين أيضا الذي شاركوا في إقامة فعالية ثقافية، حيث كانوا أعضاء ضمن اللجنة المنظمة للحدث، وكان عليهم المشاركة في الاجتماعات التحضيرية والإعداد للفعالية، كما أن بعضهم تم تكليفه أيضا بالمهام الإعلامية للحدث، وقد قام بإعداد كتيب الفعالية ابتداء من توفير المادة العلمية إلى المتابعة في المطابع، ثم بعد ذلك التنسيق مع الصحف ووسائل الإعلام المختلفة أثناء إقامة الفعالية التي تواصلت لعدة أيام، وكل ذلك من خلال استخدام هاتفه النقال الخاص. في ختام الفعالية تمت مكافأة الضيوف المشاركين فورا، أما أبناء الوطن فقد تم إبلاغهم بأنه سيتم النظر في أمرهم، وهو ما تطلب عدة أشهر كلفتهم الكثير من السؤال والتسآل والتساؤل والتوسل والتسول والمساءلة، حتى قدرت الجهة المختصة جهدهم بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين!
إننا نتساءل لماذا يسقط اسم المبدع العماني من قائمة المكافأة الرئيسية، ليضاف إلى قائمة ثانوية تتطلب موافقات ومخاطبات إدارية مختلفة، في حين تصرف حقوق الضيوف من الخارج على الفور؟ لماذا تأتي مكافأة العماني أقل بكثير عن نظيره الضيف؟
أعتقد أن الجمعيات المختصة بقضايا المبدعين في السلطنة مثل ـ الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والجمعية العمانية للسينما، والجمعية العمانية للفنون التشكيلية ـ عليها أن تولي هذه القضية عناية تامة، حتى يتم ضبطها وتسويتها، كي يسترد المبدع العماني اعتباره ويتم التعامل معه أسوة بغيره من المدعين والضيوف.

حسن المطروشي


أعلى




تمزق مطلق

أمي
الكواكب كلها
اتحدت
فما صفتي أنا
بعد الغياب
قمر شبيه الماء
أم وحدي مع الفوضى
شريد في جهات الريح
منسي على وجعي
أصلي علّ هذا الجرح
يمنحني نبيذا
علّ هذا الليل
يأتي بالبعيد
أبصرت هاويتي هنا
وهناك
أبصرت السراب
محطة أخرى
حياتي خارج الرؤيا
وحيدا
أذرف الماضي
على جسدي
ولا أحدا
يمد بياضه نحوي
غدا سأموت
" تجمعني بهذا الموت روح
لا تزال طليقة في الحرف
أعشقها"
فأبكي وحده قلقي معي


إسحاق الخنجري*
* شاعر عماني


أعلى






بلاد الشمس

رحلة صمويل مايلز إلى الجبل الأخضر سنة 1876م (1 ـ 5)

منظر الجبل رائع جدًّا والقصصُ التي سمعتُها عن سكّانه والحدائقِ المعلّقة به زادت رغبتي في اكتشافه

في منتصف عام 1876 وجدتُ نفسي قادرا على القيام بالرّحلة وقد سهّل لي السّلطانُ هذه المهمة بتوجيهاته التي أرسلها إلى والي "نخل"

ترجمة: هلال الحجري*

الجبل الأخضر، كما يسميه العرب، يقع تقريبًا على بعد 60 ميلاً جنوب غرب مسقط، وهو النقطة المركزيّة و الأقصى ارتفاعا للسّلسلة الجبلية الكبيرة التي تُشكّل العمودَ الفقريَّ لعُمان. هذا المارد الضخم، الذي يُشاهَد على بعد قرابة 40 ميلا من الساحل، يلوح، عن بعد، قرنُه الأسود المُتحدِّر، بشكله المهيب والمميز بمنحدراته المتراكمة، عاريا، مقفرا، حَرونا، يصل ارتفاعُه إلى 10،000 قدم تقريبًا. منظر الجبل رائع جدًّا لدرجة أنني منذ أن رأيتُه لأول مرة أزمعتُ زيارته، والقصصُ التي سمعتُها لاحقًا عن سكّانه والحدائقِ المعلّقة به زادت رغبتي في اكتشافه. لكنّ البلادَ في تلك الفترة كانت متقلّبة جدًّا، والحروبَ القبليّة والعائلية مستمرة، ولهذا لم تسنح لي الفرصة إلا بعد سنوات عدة.
في منتصف عام 1876 وجدتُ نفسي قادرا على القيام بالرّحلة، وقد سهّل لي السّلطانُ هذه المهمة بتوجيهاته التي أرسلها إلى والي "نخل" كي يُجري التّرتيباتِ مع بني ريام، أهلِ الجبل الأخضر، والقبائل الأخرى في الطّريق، لتزويدي بالحراسة. أبحرتُ من مسقط في 27 يونيو على قارب محلي إلى "السيب"، حيث هبطتُ وخيّمتُ لليلة في حديقة قرب الشّاطئ. دبّرتُ أمر الرواحل، و في الصّباح الباكر بدأتُ الرحلة، بصُحبة شيخين جاءا من نخل لاستقبالي، حيث وصلنا "بركاء" عند الظّهيرة. بعد مقابلة مع الوالي، و أخذ راحة قصيرة، استأنفنا رحلتنا وانطلقنا نحو الدّاخل في اتّجاه الجنوب، عبر الطّريق الذي يخترق وادي حمّام.
أصبحنا الآن نقطع الجزء الشّرقيّ للسهل البحريّ، المعروف بالباطنة، وهو، باستثناء بعض الواحات، صحراء قاحلة ذات رمل و حصى. بعد 10 أميال وصلنا إلى واحة صغيرة، لكنّها غنيّة، تسمّى "الواسط"، قرب ملتقى واديي الحمّام والمعاول، حيث لاقينا، في الجوّ الرّطب والبارد لبساتين النخيل، أنعشَ تحوّلٍ من الحرارة والوهج. صعدنا وادي المعاول الآن، وتجنبنا الدخول إلى نخل، حتى وصلنا، بعد ساعة تقريبا، إلى قرية "حبرا"، حيث توقّفنا لليلة في بيت السيد علي، حفيدِ أخ السلطان. وادي المعاول معروف أيضا بوادي معين، وفيه عدّة قرى، مثل جنب، وحبرا، وأفي، و مسلمات، والواسط. قبيلة المعاول التي تنتمي إلى القحطانيين، يصل عددها حوالي اثني عشر ألف نسمة. في القرنين الخامس أو السادس الميلاديين بدأتْ هذه القبيلة في تحقيق مكانة مرموقة في البلاد، لأن أمراء الجلندى الذين حكموا عمان كانوا من عائلة المعاولة. وسلالة الجلندى من المعتقد أن السورة الثامنة عشر في القرآن تشير إليها.(1) لقد اكتسبتْ سمعة عظيمة في العالم الإسلامي؛ بفعل الأخوين عبد وجيفر اللذين حكما نزوى في الجاهلية، وقد قبلا الدّيانة الجديدة فورًا عند تلقّيهما خطاب دعوة النّبيّ، وتصديا للوثنيّين في عمان. مضايقات معاوية والحجاج تسببت في نهاية هذه الأسرة، وأُجبر آخِرُ حكامها على اللجوء إلى المنفى.
في اليوم التّالي دخلنا الوهد الذي يؤدّي إلى الوادي الصغير المنعزل الذي يطوق بلدة نخل، أو قُلْ بالميرا أو تدمر؛ لأن الثلاث بمعنى واحد.(2) كان المدخل إليها له جاذبيّة رّائعة ومدهشة. اقتربنا الآن من الكتلة الضخمة، والعملاقة لجبل نخل، الذي برز أمامنا عاليا إلى ارتفاع 5240 قدما، وحين اعتلينا سفحه المتعرّج، بدا كما لو أننا على وشك اختراق جميع أعماقه. لا أثر لحياة بشرية هنا، لا زراعة ولا نخيل، لا شيءَ سوى صخور صماء كئيبة؛ الصّمتُ كان مطبقا، وكنتُ أتساءل أين يمكن أن تكون القرية، حتى سمعنا فجأة عدة طلقات نارية فُرِّغَتْ في اتّجاهنا، ولمحتُ حينها برجَ مراقبة على قمّة شاهقة بعلوّ 200 قدم، يقوم بالحراسة، إذا جاز التّعبير، على المدخل، وقد أطلق منه الحرّاسُ النّارَ إيذانا بقدومنا. ثم رأينا الأسوار الضّخمة للحصن، والتي بعد أن تلقت الإخطار من برج المراقبة، شرعتْ فورًا في إطلاق التحيّة من مدفع الحديد ذي الاثني عشر رطلا، والذي تردد صداه في كل جنبات الوادي. لكن البلدة نفسها مازالت مختفية حتّى الآن، وما إن مررنا على حافة القمة، وعبرنا تحت جسر مقوّس، حتى برزت لنا القرية بكاملها، البيوتُ، والنخيلُ، والحدائقُ، والبساتين، مُقدِّمة مشهدا في غاية الروعة. كان الجو حارا عندما وصلنا، و مع أن الشمس قد صبّت نارَها اللّافحة على الصّخور السّوداء حولنا، وأوقدتْ الهواء إلى درجة غير محتملة، لم أستطع أن أتمالك نفسي لبضع دقائق من مراقبة المشهد، والإعجاب بالقوّة الاستثنائية للمكان.
اُسْتُقْبِلْتُ بحفاوة بالغة من قبل الوالي السيد سالم بن خلفان، الذي قدم لمقابلتي وأوصلني إلى بيت صغير في حديقة جميلة هيئتْ لي. تأخرتُ هنا لمدة ثلاثة أيّام بحكم العادات البطيئة للعرب، ثمّ، تلقيتُ خطابا يطلب مني ضرورة وجودي في مسقط، فقفلتُ راجعا سالكا أقصر الطرق. بعد أسبوع، في 9 يوليو، بدأتُ الرحلة ثانية، مصحوبا هذه المرّة بالسّيّد ماجواير، وكيل شركة بي. آي. إس. إن. أخذنا طريقا مباشرا، فكانت أولى محطاتنا قرية "حلبان"، غير بعيدة عن جبل الطو، دعَامةِ سلسلة جبال نخل، حيث خيّمنا لليلة. وجدنا حلبان مكانَ نشاط صناعيّ مدهش، فأهلها كانوا مشتغلين بصناعة الصّبغة النّيليّة من النّباتات المزروعة بكثرة في المنطقة. وهي تُعَدّ في أوعية فخّاريّة كبيرة، لتُصبغ بها أقمشة النّسيج المستوردة من مانشستر، و تحيلها إلى لون كحلي صارخ، و تُفضِّلُ هذا اللونَ من الأقمشة معظمُ النساء في عمان على اختلاف مراتبهن. في المساء تفقدنا مدرسة القرية التي كانت قرب معسكرنا، وهي تُعقدُ في الهواء الطلق، تحت شجر المانجو، تماما كما هو معروف عن مدارس الباتشالا الهنديّة. كان المدرّس مُلًّا عجوزا، العصا في يده، و من بين الواحد و العشرين طفلا، كانوا يجلسون عند قدميه، عددنا خمسَ بنات، إحداهن كانت تتعلّم الكتابة.(3) بين حشد الزّوّار الذين جاءوا لرؤيتنا كان شيخ بلدة "الطو"، الذي أشار إلى بلدته في اتّجاه الجنوب الغربيّ، و قدّم لنا دعوة مُلِحّة لزيارته، قائلا بأن الطو أكبر بثلاثة أضعاف من حلبان. اليومَ التّالي مضينا إلى نخل، عابرين العديد من الأودية، و مارين في الطّريق بقريتين هما "الآجال"، و "فارح".
البيوت في نخل مبنية بالطين أو الجص، معظمها عالٍ و فسيح، و رغم أنها تفتقر للجمال المعماريّ، فإنها لا تعدم من الدّيكور الخارجيّ. العتبات غالبا مقوَّسة، و الأبواب مزخرفة و مدعّمة بمقابضَ حديدية مدببة الشكل. النّوافذ ليستْ زجاجية لكنها ذاتُ ألواحٍ خشبيّة قويّة، و تُزوَّد أحيانا من الخارج بالمشربيّات، و أحيانا بعوارضَ حديدية صلبة. البيوت من الداخل مخططة على نحو سيّئ؛ السّلالمُ ضيّقة وشديدة الانحدار، و الشّقق العلويّة طويلة و ضّيّقة. الأسقفُ ديكوراتُها تقليدية بحتة، وإن كانت جذوعُها منقوشة وملوَّنة بأشكال مختلفة. النّوافذ مثبّتة عادة في أماكنَ منخفضة جدًّا؛ حتّى يستطيع القاطنون في الطوابق الأرضيّة النظرَ منها، وفي أعلى الحجرات فتحاتٌ دائرية عدة تُستخدم للتّهوية. السجّاد، أو البُسُط، والوسائد، هي كل الأثاث المتوفر، أما الموائد و الكراسيّ، فبالطبع، لا وجودَ لها. خزاناتُ الملابس والمقتنياتُ عبارة عن صناديقَ من الخشب المتين، نحاسيّة الجوانب. وداخل جدران الغرف تنتظم رفوفٌ واسعة، تُعرَض عليها تشكيلة مدهشة ونادرة من السّاعات الدقاقة، ودِلال القهوة، والأواني ذاتِ الزخرفة الصينية، واللّعبِ الإنجليزيّة والهنديّة، وغيرِها من التُّحفِ الأخرى، التي يعتني بها مُلاكُها عناية فائقة. وسط هذا الهوس لجمع التحف، وأيضًا في أسلوب ديكور البيت، يتبدى لك الذوقُ الفارسيّ بشكل ملحوظ. كما أنّ معظمَ البيوت تلتحق بها حدائقُ صغيرة.
الحقيقة التي تجدر الإشارة إليها، هنا في نخل، أن السكانَ يتسمون باختلاط الأعراق. فبالإضافة إلى العرب، يوجد هنا الفُرْسُ، والزّنوجُ، والزُّطُّ، ونسبة كبيرة جدًّا من "البياسرة"، الذين من المعتقد بأنهم قد هاجروا أصلا من حضرموت. البياسرة أناسٌ مجتهدون ومسالمون، وكثير منهم أغنياء.
تتميز نخل بوفرة المياه، ومن أبرز معالمها بالطّبع، العيون الحارّة الغزيرة، ذاتُ الفضائل والفاعليّة العلاجيّة. العين الرّئيسيّة فيها، تسمى "حمّام الثوارة"، وتقع على رأس الوادي، على بعد مسافة صغيرة من البلدة، بين حدائق عطرة، وأشجار نخيل ومانجو وارفةِ الظلال. المشهد يُثير الفضول. بين مجموعة من العيون الصّغيرة، تتدفّق أمُّ العيون من تجويف في الأرض، عمقُه حوالي ستة أقدام وقطرُه قدمان، و تضخُّ كمّيّة من الماء، تصل تقريبًا إلى مائتي جالون في الدّقيقة. هذه أكبر وأكثر العيون حرارة في نخل، و قد وجدتُ درجة حرارتها 106 درجات فهرنهايت. وهناك على الأقلّ عشرون عينا في جوارها، مكوِّنة مخزونا وفيرا جدًّا من الماء، لكنّ حرارتها عندما اختبرتُها لم تتجاوز 104 درجات فهرنهايت. على الجانب الآخر للبلدة مجموعة متشابهة من العيون يطلق عليها "حمّام العديسي"، أكثرها خصبا يتدفق من فتحة في الصّخر ليتجمع في حوض ينساب منه لريّ الحقول. حرارة هذه العين كانت 105 درجات فهرنهايت، وأخرى بجوارها كانت 102. ورغم السّمعة العالية لهذه المياه والإيمانِ العامّ بخواصّها العلاجيّة، لم ألاحظ، هنا ولا في الثوّارة، أيّ مرافق للاستحمام، كتلك التي رأيتُها في بوشر، مع أنّ أهلها يؤمنون بأنّ فوائدَها الصحّيّة تكمن في الاستحمام بالماء أكثر من شربه. مخزون المياه في هذه العيون كافٍ ليس فقط للاستخدام البيتي، وإنما فائضٌ لريّ الحدائق، والحقول وبساتين النخيل في البلدة. يؤكّد أهلُ البلدة أن حرارة الماء تنخفض في الصّيف وتزيد في الشّتاء، ولديهم إيمان جازم بأن المخزون ثابت ولا ينفد. الأنهار التي تتدفق من هذه العيون السّاخنة تزخر بأسماكٍ صغيرة، تعيش حتى حين يكون الماء حارا، وهي بحجم السمك الأوروبي المعروف ب "المِنّوة"، ومن نوعين مختلفين.(4)
العبقريّة الميكانيكيّة ليست من ميزات العرب، وكنتُ مندهشًا لإيجاد طاحونة تُشغّل بالقوّة المائيّة، في أحد الجداول في نخل. كان شيئا صغيرًا وبدائيًّا، لكنه الأوّل من نوعه في الجزيرة العربيّة، رغم أننيّ بعد ذلك الوقت رأيتُ مثله في الرستاق. كانت الطّاحونة تتكون من حجر عُلويّ دائريّ، مشطوفٍ حتّى حافّة رفيعة، يدور على قاعدة من حجر، ومثبّتٍ إلى عجلة دّوّامةٍ وُضِعَتْ رأسيًّا بشفرات ملتوية. الحبوب توضع غير مقشورة، ويتم طحنها ببطء شديد.
الحصن مبني على ربوة تُطلّ على البلدة، بين "جبل لابان" وبرج الصّخرة، والصعود إليه عبر الطريق المؤدي إلى البوابة الرّئيسيّة، وهو شديد الانحدار. تتصدر هذه البوّابة سورًا خارجيّا متينا، متعددَ الكُوَى لإطلاق النار، ومسلّحا بمدافع من حديد. وحين تعبر البوابة، تجد نفسك في الفناء، الّذي يقف فيه الحصن، متكوّنا من سور شامخٍ محاط ببرجين، ومن شرفاته العالية يمكن أن ترى مشهدا رائعا تجاه الساحل. للحصن ثلاثُ بوّابات، في حالة خربة إلى حدّ ما. بوقوفه على التل، وتمنّعِه بالأسوار العالية من كلّ جانب، يكتسب الحصنُ موقعا جيّدًا، وهو غير قابل للاختراق من وجهة نظر العرب، الذين يؤمنون إيمانا عميقا بأهمّيّته العسكريّة. وبمكانته هذه، فإن نخل لعبتْ دورا هاما في تاريخ عمان خلال القرون الثلاثة الماضية، خصوصًا في الأيام الأخيرة من حكم اليعاربة، وقد تحملتْ العديدَ من الحصارات. البلدة مُطوَّقة بحلقومٍ جبلي صلد، و لهذا فإنها مغلقة من كلّ الجهات، و ما بقي فيها من مساحة تشغله البيوت، والنخيل، ومزروعات أخرى. يوجد في نخل سوق كبير ونشط، وهو مقسم إلى خمسة أرباع: العتيق، والحضين، وسفرة الإيجال، والخوريه، وحجرة القرين. أشجار النخيل فيها مثمرة جدًّا، ورطبها يعتبر من أفضل أنواع الرطب وأحلاها مذاقا؛ لما تتميز به أرضها من خصوبة وري.
لا يزيد عدد العرب في نخل عن 1500 نسمة من مُجمل السكان البالغ عددهم حوالي 6000 نسمة، و يمثلون القبائل التالية: اليعاربة، وبني حرّاص، وبني خروص، والسريريين، والخضوريين، والحضارمة. عدد المقاتلين فيها 800 رجل، و لكلّ حارة في نخل "سبلة" خاصّة بها. هذه المجالس منتشرة جدًّا، و هي عبارة عن سقيفة صغيرة، أو منصّة مغطاة، مفتوحة من كلّ الجهات، ومرفوعة فوق الأرض بين 15 أو 20 قدما مربّعا تقريبا، و مسقوفة بحُصُرٍ بسيطة، وبعضِ خوصِ النخيل، عَمَدُها قوائم خشبيّة. على أنني رأيت بعضا منها محكمَ البناء، ويشبه المساجد. وهي تقع في مركز القرية، مشكلة بذلك قاعة مجلسٍ يتجمّع فيها الشّيوخُ والأعيانُ يوميّا لمناقشة السّياسة المحلية و الدّردشة حول أحداث اليوم. وفي غياب التّبغ التركي أو الفارسي، الذي لا يكاد يُعرف في عمان، فإن القهوة هي البديل، ولهذا ترى عبيدَ الشّيوخ دائما مشغولين بدقِّ البُنِّ وتحميصه، وتحضير القهوة التي لا غنى عنها في مثل هذه المجالس.
هنا في نخل مصانعُ نسيجٍ يدويّة عديدة، تُنسج فيها ملابس ملونة كالبُجَّرَات(5) وغيرها، كما تنسج فيها ملابس قطنية ذات لون بني طبيعي، تسمى "الخضرنج".ويُصْبَغ هنا الغَزْل الأزرق المستهلك محليا، في حين أن الأغزال الصّفراء والحمراء تُسْتَوْرَد من بومباي. كذلك تصنع هنا أيضًا أحزمة الحرير المطرّزة للسّيّدات. ومن الصناعات الأخرى في نخل صناعة الأواني الفخّاريّة لتبريد الماء، وتُنتج بكثرة تكفي للاستهلاك المحلّيّ في عُمان. وهي تُصنع من طينٍ ضاربٍ إلى الزرقة، يُجلب من قرية مجاورة تسمى "مسلمات"، و يُخلط بالرّمل. يتكون مصنع الفخار من قالب، أو دولاب، له قرصان، السّفليّ منهما يُسَمَّى الرّحى، ويُدار بدوّاسة. يوضع الطّين المراد تشكيله على القرص العلويّ، ويشكل بأداة حديد تسمى "المِسْحل"، وتوضع اللّمساتُ الأخيرة بنوع من الأمشاط تسمى "البارية".
أثناء إقامتي في نخل زرتُ بعضا من المدارس، والتي يبلغ عددها خمسا، ورأيتُ الأطفال يتشربون التّعليمَ بالأسلوب الإسلامي المألوف؛ يرددون بصوتٍ عال آياتٍ من القرآن، أو قواعدَ نحويّة، يلقنهم إياها أحد الملالي. يحضرون في الصّباح، ويمكن رؤيتهم في ساعة مبكّرة، وهم يحثون الخُطى إلى المدرسة، الأولاد والبنات معًا، البعض يضع على رأسه "مرفعا" خشبيا للقرآن، والآخر يتأبّط لوحة مصبوغة، أو كتفَ ناقة، يتعلم عليه الكتابة. الدروس التي يتلقونها تمهيدية، تقتصر على القراءة، والكتابة، والنحو العربي، وبعضِ مبادئ الحساب. لكنّ أولاد المتعلمين والميسورين، أكثر تقدما في التعليم؛ لأنهم يتلقون دروسا خاصة في بيوتهم. والعجز في طريقة التعليم يُعَوَّضه التلاميذ جزئيًّا بنُضجهم المبكر وقوة ذاكرتهم. تستحقّ نخل التنويهَ بحالة التّعليم المتقدّمة نسبيًّا بين النّاس فيها، فهنا نسبة كبيرة من الأشخاص يعرفون القراءة والكتابة أكثرَ من أيّ مكان آخر في عمان. كما يوجد هنا أيضًا، عددٌ لا بأس به من النّاسخين المحترفين. وعليه، فالكتب ليست نادرة كما في المناطق الأخرى.
المناخ في نخل، في معظم أيام السنة، لطيف ومعتدل، لأن البلدة بعيدة عن الرياح اللافحة التي تندفع من الصّحراء الكبرى، كما أنها معزولة جزئيًّا عن وهج الشّمس بكتلة الجبال المحيطة بها من الشّرق والجنوب. وهي، علاوة على ذلك، يُصيبها نسيمٌ باردٌ ومنعشٌ من جهة السّاحل، لكنني وجدتُ من تجربتي الشّخصيّة أن الحرارة فيها، رغم جفافها، تصير أحيانًا خانقة وقابضة للصدر إلى أقصى حد. ويصل ارتفاعُ الضغط الجوي فيها، بأخذ متوسط قراءتين للباروميتر المعدني، 1100 قدم.
في 11، يوليو، بعد أن أنبأنا خفيرُنا الشّيخ سليم، بأنّه استطاع أن يدبّر لنا مُرافقا، وبأنّه مستعدّ لإرشادنا إلى أول الطريق، امتطينا الخيولَ وتَركنَا نخلا في الثالثة من فجر اليوم التالي. امتدَّ طريقنا على طول طريقِ الرستاق، والذي أفضى بنا، على امتداد سلسلة الجبال ما بين خطي الغرب وجنوب الغرب، إلى أرض قاحلة بنظامِ معقّدٍ مِنْ التلالِ المنخفضةِ، والجروف، والأودية. يسكن بعضَ هذه الوديان قبائلُ محاربة، ومن المناسب هنا أن نذكر أسماء هذه الوديان كما هي متوالية مِنْ السيب غربا. أوّلها وادي الطو؛ والثاني وادي اللاجال، ويسمى أيضاً وادي حلبان، ومخرجه في الرميس؛ والثالث وادي حمّام، أَو نخل، الذي يتصل بوادي المعاول، وينتهي إلى البحر في "الحرادي". الرابع وادي بني خروص، والذي يندمج مجراه الأسفل مَع وادي مَسْتل، ويَصبُّ في البحرِ في منطقة أبو عبالي. يخص وادي مستل بصورة رئيسية بني ريام، الذين يَحتلُّون "الفيق" وثلاث قُرى أخرى.


* أديب عماني


1 ـ السورة هي سورة الكهف، و لعل مايلز يقصد هنا ما تذكره بعض كتب التاريخ من أن الملك المقصود في الآية "و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا" هو الجلندى بن المستكبر، و لكن العوتبي في كتاب الأنساب يرجح أن الآية تشير مالك بن فهم الأزدي، فقد عاش في عصر موسى عليه السلام، مما يتوافق مع قصة السفينة. انظر: سلمة بن مسلم العوتبي، الأنساب، ج2، (مسقط: وزارة التراث و الثقافة،2006)، ص 731.
2 ـ يشبّه مايلز هنا قرية نخل بمدينة تدمر أو بالميرا كما تسمى أحيانا، المدينة الأثرية المعروفة في سوريا، من فرط إعجابه بها.
3 ـ مع أن كلمة "المُلا"، و هو رجل الدين، غير مستخدمة بكثرة في عمان، و تحل محلها كلمة "المطوع"، إلا أنني آثرت إبقاءها كما استخدمها مايلز بنفسه (moolla).
4 ـ جاء في المورد: minnow المـِنــّوَة: "سمك أوروبي صغير". و يعرف هذا النوع من السمك في عمان باسم "الصدّ".
5 ـ جاء في (المورد) كلمة puggaree: "البُجَّرَة: لفاع رقيق يلف حول قبعة أو خوذة لوقاية الرأس من الشمس"، و هذا الوصف ينطبق دون شك على العمامة، أو ما يعرفه العمانيون بـ"المصر".

أعلى






"النَّزعات الماديَّة في الفلسفة العربية الإسلامية"

هامش أوليٌّ لإشكاليَّة المتن

لقد غَلَبَت الحقائقُ الإيديولوجيات"
-- غرامشي --

كتاب حسين مروَّة بين قراءة ما تريد والقراءة كما تريد

حين يكون ممثلو الأمصار ورموز الارستقراطية الفاتحة صوتاً للمسحوقين!

كيف يمكن قبول أن يكون التأريخ العربي سببا لإخفاق الاستشراق الماركسي؟!


كان ذلك في عزِّ ظهيرة قائظة من صيف 1980 تقريباً، أي بعد نحو سنتين من صدور كتاب حسين مروَّة المهم "النزعات الماديَّة في الفلسفة العربية الإسلامية" الذي لم تكن الرقابة الثمانينيَّة المتشدِّدة قد أجازته بعد، وكانت السيارة العتيقة ذات المكيِّف المعطوب والعادم المثقوب تهدر على الطريق الصحراوي بين مدينتي العين وأبوظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. في السيارة ثلاثة ركاب صغيري السن ومحدودي التجربة الحياتية والفكرية: الصديقين الشاعرين الإماراتيين أحمد راشد ثاني، وخالد البدور، وأنا على المقعد الخلفي. كان أحمد راشد ثاني قد انتهى لتوِّه من قراءة كتاب جورج بولتزر "مبادئ أوليَّة في الفلسفة الماركسيَّة" الذي تُرجم إلى العربية بعنوان "مبادئ أوليَّة في الفلسفة" حيث أسقط الناشر كلمة "الماركسيَّة" الواردة في نهاية العنوان الأصلي للكتاب لاعتبارات تخص محاولة الالتفاف على الرقابات العربية العتيدة فيما يبدو.
كان خالد البدور يقود السيارة، أما أحمد راشد ثاني فقد كان يفيض بالحماس وهو يلخِّصُ لنا الكتاب. ولأن صاحبنا أحمد من ذوي اللغة الجسديَّة التعبيريَّة حين يتكلمون بحيث تصير حركات جسده وتعبيرات وجهه جزءاً مما يقول، فقد كان يُطَوِّحُ بيده اليمنى إلى اليمين حين يعرض موقفاً فلسفيَّاً للفلاسفة اليمينيين ناعتاً إياهم بأوصاف مقذعة تبدأ بـ "خْمَام هاذيلا" وتنتهي بما لا يسمح قانون المطبوعات والنشر بإيراده هنا، ويطوِّح بيده اليسرى إلى اليسار حين يذكر موقف الفلاسفة اليساريين من ذات السؤال الفلسفي واصفاً إياهم بأنهم "شغل تمام هاذيلا". ولأن الهواء الحار المتدفق من النوافذ المفتوحة وهدير أنبوبة العادم المثقوب كانا يجعلان من السماع الواضح أمراً صعباً للغاية لمن هو جالس على المقعد الخلفي، فقد كنت أنحني بجذعي إلى الأمام، مُوَسِّطَاً الجزء الأعلى من جسدي في الفراغ الصغير الواقع بين المقعدين الأماميين وذلك حتى لا يفوتني شيء من تلخيص أحمد راشد الجامع المانع للكتاب النفيس. وقد نتج من ذلك الحرص البالغ ان موقف الفلاسفة اليساريين من إحدى المسائل الفلسفيَّة العويصة قد جعل رأسي ضحيَّةً لِلَكْمَةٍ ثوريَّة عنيفة غير مقصودة من قبضة أحمد راشد ثاني، وذلك حين امتدت ذراعه النزقة إلى اليسار في إشارة إلى انه سيذكر الآن موقف أهل "الشغل التمام" من تلك المسألة الفلسفيَّة، مما سبب لي وجعاً لا بأس به في الرأس. وحين انتهى أحمد من تلخيص الكتاب كان الوجع قد انتهى، وكنا قد وصلنا إلى مدينة أبوظبي، وكنا أيضاً قد اعتقدنا بأننا وصلنا أيضاً إلى "الحقيقة".
وفي ليل المدينة الدَّبِق قلت لأحمد راشد ان الكتاب أعجبني كما أعجبني تلخيصه له، وان أفكار أهل "الشغل التمام" تروق لي بالكامل منذ مدة. لكني أردفت له نصف جاد ونصف هازل اني كنت مشفقاً عليه من الانشطار وهو يطوِّحُ بذراعيه يميناً ويساراً حتى كاد جسده أن ينفلق وكاد رأسي أن ينكسر. ضحكنا لهذا من دون أن أعي في ذلك الوقت اني إنما كنت أطلق بصورة عفوية رأياً نقدياً بريئاً حول خطورة أن يتم النظر إلى الأشياء وفقاً لرؤية مانويَّة تبسيطيَّة وضيِّقة لا ترى إلا خيراً مطلقاً في هؤلاء وشراً كاملاً في أولئك الى الحد الذي يمكن الحديث فيه فعلاً عن "انفلاق الجسد" حرفيَّاً ومجازاً.
بعد سنوات طويلة من ذلك كانت "الحقيقة" التي توصلنا إليها في الظهيرة الغابرة تلك قد تشظَّت تماماً، وتشظى العالم معها، وتشظينا نحن مع العالم وفيه. وكنت هذه المرة أقرأ كتاب حسين مروَّة "الحركات الماديَّة في الفلسفة العربية الإسلامية" في أواخر التسعينيات من بعض المسافة النقديَّة مصحوبة بملف ثري كانت مجلة "الطريق" اللبنانية قد نشرته عن الكتاب بُعَيْدَ صدوره. وقد صادف ذلك أن وقع بيدي عدد من مجلة "الرافد" التي تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة منشور به حوار مع أحمد راشد ثاني الذي كان يتحدث هذه المرة بإحباط مرير عن كل شيء آلت إليه الحالة العربية البائسة، وهو إحباط أين منه حماسه الأهوج في تلك الظهيرة البعيدة الحمقاء. وفي إجابة منه في ذلك الحوار حول دور النقد الأدبي في الحياة الثقافية العربية المعاصرة قال أحمد مُغْتَمَّاً ما يعرفه الكثيرون من أن النقد باعتباره ممارسة حضارية قبل أن يكون جهداً فكرياً وإبداعياً لا يمكن أن يزدهر في مجتمعات لا تؤمن بالرأي الآخر، ولا تمارس الحوار بدءاً بالبيت، ومروراً بالمدرسة والجامعة، وانتهاء بالحزب والدولة، ولا تنتهج أية تعدديَّة حقيقية، إلخ. بيد ان أحمد راشد أضاف في معرض إجابته جملة استوقفتني وأريد إيرادها هنا. تقول تلك الجملة: "أعتقد أنه أصبح من الممكن للعربي الآن أن يقرأ ما يريد، لكن لا يزال غير مسموح له أن يقرأ كما يريد".
بهذه الجملة المُفارِقة أود، إذاً، أن أنظر إلى مشروع حسين مروَّة في سياقه التاريخي، إذ أن هذا العمل الضخم ـ والذي للإنصاف تنبغي الإشادة الكبيرة والمخلصة به في مستهل أي حديث عنه ـ يجيء نتيجة لِتَمِلْمُلات عسيرة شهدتها الحياة العربية في مختلف جوانبها السياسية والثقافية والفكرية منذ مدة طويلة. يجيء الكتاب بوصفه ـ أولاً وقبل كل شيء ـ اعترافاً علمياً وعملياً بأهمية سؤال التراث واضطلاعاً فكرياً بمحاولة إضاءته من أجل التعامل مع تحديات الحاضر وآفاق المستقبل. والحقيقة ان لهذا الكتاب الضخم الأول من نوعه ذي أهمية تاريخية بالغة لا ينكرها حتى الذين اختلفوا مع أطروحاته، وقد جاء نشره بعد جهد فكري عملاق توَّج المرحلة التي كان فيها شعار "إعادة قراءة التراث" قد بلغ مداه في الحياة الفكرية والثقافية العربية، بعد أن كان الكثيرون قد اعتقدوا بإمكانية القفز فوق ذلك التراث.
ووفقاً للمراحل التي يُنَظِّرُ لها طيِّب تيزيني في ملف مجلة "الطريق" فإن كتاب حسين مروَّة يجيء في المرحلة الرابعة من مراحل تعامل اليسار العربي مع قضية التراث، أي مرحلة النضج والوعي؛ الأمر الذي يقترح علينا جديَّة مضاعفة في التعامل معه. لقد ظهر الكتاب في نهاية سبعينيات القرن الماضي، ومع انني لست مؤهلاً لدحض تقسيمات طيِّب تيزيني الأربعة إلا اني أجد نفسي هنا ميَّالاً إلى الاقتناع بقراءة وليد حمارنه للتغيرات الجمَّة التي حدثت في المجتمع والثقافة العربيين بين حربي 1967 و1973 وآثار تلك التغيرات في سياق رؤيته للكتاب؛ فمما تعلمه المرء ان قراءة السياق التاريخي الذي تُقَدَّمُ أو يُرَوَّجُ فيه لفكرة معينة إنما هي على قدر درجة أهمية الفكرة نفسها. وبذلك فإنه في الوقت الذي ينظر فيه طيب تيزيني إلى الأمر داخلياً، أي من زاوية نظر مثقفي اليسار العربي، فإن توسيع الرؤية على النحو الذي فعله وليد حمارنه لتشمل الارتجاجات والتبلورات التي حدثت خارج النطاق الضيق لمنظومة فكريَّة معينة ـ أي في إطار البانوراما الأشمل لأوجه أزمة الحياة العربية ـ إنما يقدم إضاءة أشمل. غير اني ـ على عكس ما يعتقد وليد حمارنه ـ أرى أن كتاباً مثل مؤلَّف حسين مروَّة يمثِّل جزءاً من مشروع، وإن كان هذا المشروع غير معلن، غير منتظم الملامح، وغير دقيق التفاصيل.
بهذا المعنى، واستعانة بتشخيص أحمد راشد ثاني، يجيء كتاب حسين مروَّة بوصفه نموذجاً للقراءة "كما نريد"، أي بالمنهج الذي نريد، ووفقاً للفكر الذي نرتأي، وبتطبيق أدوات القراءة التي ننتخب، ما دامت المناهج السابقة لم تقدم رؤية فكرية شاملة ومتماسكة، وما دامت أفكار مثل القوميَّة لم تقد في أحد جوانبها إلا إلى خسارة رهيبة هي أقرب إلى الفضيحة والخزي والعار منها إلى الهزيمة العسكرية والسياسية. غير ان المفارقة هنا هي ان القراءة "كما نريد" يمكن أن تعني أيضاً انفلاتاً منهجيَّاً غير مشروط؛ إنها يمكن أن تعني أن تقوم بقراءتك كيفما اتفق، بالانتقائيَّة، والجزافيَّة، والقفزيَّة، والاختزاليَّة، والتشبيحيَّة، والتهويليَّة التي تريد؛ فأن تقرأ "كما تريد" هو أن تكون في حِلٍّ من مسؤوليات القراءة.
أظن ان طرفي المعادلة هذين هما وجهي العملة في كتاب حسين مروَّة نظراً إليه من مقدمته؛ فهو من ناحية يمثِّلُ خطوة إلى الأمام من حيث انه اختيار فكريٌّ ثوريٌّ حُرٌّ لمنهج وأدوات القراءة وذلك رداً على قراءات وأطروحات أخرى، كما انه خيار سياسي واجتماعي متقدم. وليس هذا الاختيار فرديَّاً أو عشوائيَّاً منفصلاً من سياقه الاجتماعي والتاريخي العام؛ بل انه تعبير عن وجدان وطموحات وأشواق جمعيَّة في فترة تاريخيَّة محدَّدة عبَّر عنها فكريَّاً موقفٌ ثوريٌّ بالمعنى العميق لهذه المفردة شائعة الاستعمال المجَّاني. ولعلَّ في سيرة حياة حسين مروَّة الغنيَّة وانتقاله عبر القراءة الفكرية العميقة والتجربة السياسية المباشرة من الفكر الديني إلى الفكر الماركسي ثم سقوطه شهيداً برصاص الاغتيال الدنيء والجبان في 1987 ما يلخِّصُ فيه بكثافة مأساوية تلك الاشرئبابات، والتقلصات، والتقدمات، والتراجعات الجمعيَّة. غير أن الكتاب من ناحية أخرى يمثِّل مغبَّات المسؤولية الناجمة عن القراءة "كما نريد"؛ أعني المسؤوليات المحدَّدة المترتبة على اختيار منهج معين. بهذا المعنى يجيء كتاب حسين مروَّة في أحد جوانبه مثالاً على لوي ذراع ما لا تريد كي تجبره على السير في الوجهة التي تريد، فهو بذلك صدى عربي لتسيُّدِ نسخة الفلسفة الماركسيَّة الرسميَّة في الاتحاد السوفيتي السابق وبلدان المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية عهدذاك، والتي كان السواد الأعظم من الماركسيين العرب ينظرون إليها بوصفها منابع الالهام ومصادر الحقيقة: موسكو بالنسبة لحسين مروَّة، وبرلين الشرقية (سابقاً) بالنسبة لطيِّب تيزيني.
لهذا يَعتبر حسين مروَّة، مثلاً، وجود الطبقات (بالمعنى الماركسي التقني) في المجتمع العربي بمراحله التاريخية المختلفة من المسلَّمات المفروغ منها في حضارة لم تشهد قيام ثورة صناعية، بل انه ـ مستشهداً بالنموذج اللبناني ـ يذهب إلى تقرير ان الظروف الاجتماعية في المجتمع العربي المعاصر قد حوَّلت "الوعي الجماهيري" إلى "وعيٍ طبقيٍّ" بصورة مضطردة، وذلك من دون تعقيد أو مَشْكَلَة السؤال الشائك حيث ان اتضاح العكس ـ أو اتضاح وجود شيء لا هو هذا ولا هو ذاك ـ قد لا يكون منسجماً مع القدرة الكليَّة للمنهج الكُليَّاني؛ هذا في الوقت الذي يصرِّحُ فيه حسين مروَّة بما لا يلتزم به كما في قوله "إن الفلسفة الماركسيَّة ليست عقيدة جامدة، بل مُرشدة للعمل". أود هنا القول بأقصى ما يمكن من الفظاظة ان المرء كثيراً ما يسمع مثل هذا الكلام التطميني المريح من المثقفين والحزبيين الماركسيين العرب، لكنه في الحقيقة قلَّما يجد دليلاً مقنعاً عليه في تحليلاتهم وممارساتهم. ولعل في كتابات الراحل الكبير حسين مروَّة الأخرى الخاصة بالأدب والفن وعلم الجمال ما يبرر هذه الفظاظة.
زِد إلى هذا أن حسين مروَّة، وقد اعتقد بأنه ممسك بناصية الفكر "الصحيح" (يستخدم هذه الكلمة الواثقة من نفسها أكثر مما ينبغي بالضبط) فإنه يقع في مآزق فلسفية من قبيل تقريره الصارم ان "الحقيقة ليست ذاتيَّة"، وهذا طرح سيجد أي وجوديٍّ يساريٍّ، مثلاً، صعوبة في قبوله على علاته. أضف إلى هذا أيضاً ان ارتباك حسين مروَّة يبدو جليَّاً في تعامله مع نماذج تستعصي على مقاسات المسطرة النَّظرية كما في رؤيته لنموذج ابن تيميه. لكني أود القول مع ذلك بأن مروَّة وبسبب من ثقافته الإسلامية العميقة لا يقع في الابتذالات التي يقع فيها كثير من زملائه المثقفين الماركسيين العرب الذين يفقهون جوانب مجتزأة من الفكر الماركسي وتاريخه عبر ترجمات رديئة في الغالب أكثر مما هم ضليعون في الثقافة والتاريخ العربيين الإسلاميين. (علَّق أحد الزملاء الظرفاء مرة بأنه كان لا بد للأحزاب الشيوعيَّة العربية من أن تنهار بتلك الصورة المريعة لأنها ببساطة كانت قائمة على ترجمات مغلوطة!).
وبسببٍ من انحيازه غير النقدي للنظريَّة (النقدية) فإن حسين مروَّة تسود ثنايا مقدمة كتابه تعبيرات مجانيَّة وفظفاظة مما نجد في المنشورات السياسية والحزبيَّة التحريضيَّة وبما لا يليق بالبحث الفكري المنهجي الرزين ـ تعبيرات مذهبيَّة تقريباً من قبيل "لا يمكن حل هذه القضية حلاً صحيحاً إلا على أساس الأسلوب الماركسي ـ اللينيني"، ومثل قوله الديني الصريح ان المنهج المادي التاريخي هو "مفتاح الحقيقة الكاملة التي نريد جلاءها"، إضافة إلى كثير من مثل هذا كالحشو والاطناب اللغويين والنظريين. لا أظن اني بملاحظة كهذه إنما أدقق في توافه الأمور تعويضاً لعجز عن الاتيان بما يستحق الذكر أكثر؛ ذلك ان لغة أي خطاب هي جزء منه. ولذلك فإني أرى ان قلقي حول ما يترتب على تحديد المسافة بين المشروع الفكري والشعار السياسي قلقاً في محله.
والإشكالية الأكبر في أطروحة حسين مروَّة هو انه يأخذ المفاهيم الماركسيَّة الكلاسيكية الخاصة بقراءة الفكر والتاريخ الغربيين ويسقطها خارج سياقها على التراث العربي إسقاطاً لا تعوزه الميكانيكيَّة، عامداً في قراءته غير قليل من المرات إلى المط والبتر، وذلك من أجل أن يستوي جسد الفكر على سرير النظرية استواء مثالياً، أي كما كان يفعل قاطع الطريق الإغريقي في القصة المعروفة. ومروَّة بذلك يرى إلى التاريخ العربي بوصفه صراعاً بين ما يمكن تسميته على طريقة هوليوود بـ "معسكر الفلاسفة الأخيار" (أي الماديُّون) وحلفائهم الاجتماعيين من الطبقات المستغلَّة وبين "معسكر الفلاسفة الأشرار" (أي المثاليون) وحلفائهم الاجتماعيين من الطبقات المستغِلة، وكفى الله البحَّاثة والمفكرين شر الغوص والتدقيق والتمحيص والمناطق الرماديَّة. وقد كنت أود أن أورد بعض الأمثلة على ذلك لولا اني قرأت المداخلة النقديَّة القيِّمة لنايف بلُّوز في ملف مجلة "الطريق" سابق الذكر، حيث ان المداخلة المُحْكَمَة تلك قد قطعت عليَّ الطريق وأضاعت فرصتي. فعلى سبيل المثال وجدت أن ما أسميتُه بيني وبين نفسي "مانويَّة ماديَّة" ينعته نايف بلُّوز بـ "الثانويَّة المانويَّة". هي الثانويَّة المانويَّة هذي إذاً ما يجعل حسين مروَّة يرى في الانتفاضة على الخليفة عثمان بن عفَّان مطلباً جماهيرياً صريحاً مُحَدَّدَاً بقضية اجتماعية وسياسية هي ثورة البسطاء على عثمان ودولته شبه الاقطاعيَّة. وهكذا بقدرة قادرٍ ماركسيٍّ أصبح ممثِّلو الأمصار ـ وهم أبعد ما يكونوا عن "البسطاء" ـ وشخصيات طموحة مثل طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ممثِّلين للجماهير الشعبية المسحوقة، وليس لقطاع كبير من أسياد العرب والارستقراطية الجديدة الفاتحة التي لها مشاكلها الخاصة مع عثمان الذي أصبح نظامه يهدد مصالحها.
وقد يكون من المفيد كذلك ملاحظة ان مداخلة توفيق سلوم ـ ـ والذي بدا لي للمفارقة انه ينطلق من خلفية ماركسيَّة أكثر أرثودوكسيَّة من ماركسيَّة مروَّة ـ تتدبر طريقها بسهولة فائقة لإثبات القسر الفلسفي الذي يرتكبه حسين مروَّة، كما في عرضه للمشكلة بين "المدرسة الاسميَّة" و"المدرسة الواقعيَّة" في الفلسفة الغربية ثم إسقاط ذلك الفهم على تراث الفكر العربي الإسلامي؛ وبذلك فإن الأمر يشي بمفارقة مضاعفة كون الجدل يدور هنا بين اثنين من "أهل البيت". غير ان ما بدا لي خلفية ماركسيَّة أرثودوكسية لدى توفيق سلوم لا يمنع من ملاحظة انه أكثر حذراً في استخدام المفاهيم والمصطلحات. وبذلك فإن وجهاً من وجوه مأزق حسين مروَّة ربما كان الولاء العاطفي والأخلاقي للنظرية، والإرتباك العلمي في التعامل معها.
ويبدو مروَّة سادراً في تطبيق الأدوات القرائيَّة لمنهجه "الصحيح" لدرجة يبدو معها انه مُنَوَّمٌ مغناطيسيَّاً، فهو يريد أحياناً من الأشياء أن تحدث بالمقلوب ـ حرفيَّاً. وهذه رغبة فنتازيَّة تقف ضد قوانين التطور التاريخي والماديَّة الجدليَّة التي يعتنقها مروِّه ويستبسل في الدفاع عنها. فعلى سبيل المثال، وفي استعراضه لظاهرة الاستشراق، يتوقف مروَّة عند الاستشراق الماركسي. وهو يعترف هنا بعدم توافر صورة واحدة عن الحياة العربية في القرنين الخامس والسادس الميلاديين لدى أولئك "الرفاق" المستشرقين، ولذلك فإنه يجهد نفسه لتبرير ذلك القصور. غير ان المفارقة هنا هي ان حسين مروَّة بدلاً من أن يكون أميناً فيصارح الراقصة بضعف إمكانياتها وتواضع موهبتها يسارع إلى اتهام حلبة الرقص بالضيق. وبذلك فإنه يلقي باللائمة في ذلك الاخفاق ليس على "الرفاق" بل على "طريقة المؤرخين العرب الأقرب عهداً إلى تلك المرحلة، وهي طريقة تتسم بالإنهماك في تفاصيل جانبية [...] لا تمس الواقع إلا قليلاً". هكذا يبرر مروَّة اخفاق "الرفاق" من المستشرقين الماركسيين في التوصل إلى بلورة نظرية متماسكة لفترة نشوء الإسلام وفقاً للمعطيات والمصادر المتاحة، فالسبب في تبريره الغريب هو طبيعة كتابة التأريخ العربي من قِبَل أبنائه؛ أي انه كان من المفروض على المؤرخين العرب الأوائل أن يكتبوا التاريخ باللغة العربية ولكن وفق الأسلوب أو الرؤية التي يستطيع المستشرق الماركسي أن يتعاطى معها بعد خمسة عشر قرناً من كتابتها!. وهذا كلام تعوزه الحدود الدنيا من الموضوعية قبل أن يكون طرحاً لاتاريخيَّاً، بل ـ وللمفارقة ـ طرحاً استشراقيَّاً، وعنصريَّاً، وكولونياليَّاً مؤسفاً وغير مقصود حتماً من قِبَل المناضل السياسي والفكري العتيد. ولعل الذكرى تنفع القارئين هنا ان اليسار العربي استقبل كتاب إدوَرد سعيد "الإستشراق" بامتعاض كبير مردُّه النقد الذي وجهه سعيد إلى ماركس بصورة عابرة تقريباً، بحيث ان مهدي عامل كلَّف نفسه بنشر كتاب دفاعيًٍّ هو "هل القلب للشرق والعقل للغرب: ماركس في استشراق إدوَرد سعيد".
في نحوٍ من صيف 1980 تعرض رأسي لِلَكْمَة ثوريَّة عنيفة غير مقصودة وجهها أحمد راشد ثاني في أثناء تلخيصه لكتاب جورج بولتزر "مبادئ أوليَّة في الفلسفة الماركسيَّة" (الذي اكتشفنا فيما بعد انه كتاب تبسيطي من مخلَّفات النسخة الفرنسيَّة من الستالينيَّة). وبعد سنوات طويلة من ذلك وجدتُّني أتحسس رأسي في ذات الموضع على اثر قراءتي لكتابة حسين مروَّة "النزعات الماديَّة في الفلسفة العربية الإسلامية". غير ان عزاء رؤوسنا جميعاً هو اننا بدأنا "نقرأ ما نريد كما نريد"، لكن بأكثر من معنى. وهذه الحرية التي تم التضحية لأجلها بالكثير الكثير عبر التاريخ العربي الإسلامي تدعونا لأن نتحمل مسؤوليات الصداع الذي لا نريد والصعود الذي نريد.

عبدالله حبيب *
* أديب عماني

أعلى



الإشارية والإيحائية في الصورة الفوتوغرافية

عبدالمنعم الحسني

يرى رولان بارث أن هناك مرحلتين أساسيتين لقراءة الصورة الفوتوغرافية وهي المعنى الإشاري (Denotation meaning) والمعنى الإيحائي (Connotation meaning). المعنى الإشاري هو المرحلة الأولى من الرسالة وفيها يتم وصف العلاقة في الإشارة بين الدال وهو المفهوم الطبيعي للإشارة ومثالها الصورة الفوتوغرافية والمدلول وهو المفهوم الذهني لفحوى الرسالة ومثالها ما يعنيه موضوع الصورة بالنسبة للمشاهد. فالمعنى الإشاري للرسالة المصورة هو ماتلتقطه آلة التصوير للحدث؛ فهي عملية ميكانيكية بحتة (أو اليكترونية كما في الصورة الرقمية). يوجد معنى واحد واضح ومحدد ومباشر هنا؛ فآلة التصوير تسجل الحدث كما هو أو كما تراه العين المجردة في الواقع. ولا يمكن لأي شيء آخر-حتى الرسم- أن ينافس التصوير الفوتوغرافي في تسجيله للواقع. يمكن القول إذن أن الرسالة الإشارية للصورة الفوتوغرافية هي الصورة ذاتها. تلك الصورة الواضحة التفسير والتي لا يمكن الاختلاف عليها. لكن إذا تدخل الإنسان عبر استخدامه لآلة التصوير وتفسيره للصورة سيكون للرسالة معنى آخر وهو المعنى الإيحائي (Barthes, 1977; Al-Hasani, 1996). في هذا المقال البحثي أقوم بمحاولات تطبيقية لفكرة الإشارية والإيحائية في الصورة الفوتوغرافية مع بعض القراءات التحليلية لها.
إذا كانت الإشارية في الرسالة المصورة قد عرفت على أنها العلاقة بين الإشارة والموضوع، فان الإيحائية هي المرحلة الثانية من الرسالة المصورة وتعني العلاقة بين الإشارة والموضوع والشخص المفسرة. نجد هنا عنصرا ثالثا قد تمت إضافته وهو الإنسان أو الشخص الذي يتدخل في المعنى الإيحائي للصورة الفوتوغرافية عن طريق اختياره لتقنيات المعالجة أو التأطير أو طريقة العرض أو الإخراج النهائي للصورة.
لفهم المعنى الإيحائي للرسالة المصورة لابد من معرفة الواقع الثقافي والمعرفة الاجتماعية اللذين يفسران الاختلاف في النظر إلى الرسالة المصورة بين مجتمع وآخر. فقراءة أي صورة فوتوغرافية تعتمد على تاريخ ذلك المجتمع وكيف يستخدم الناس هذه الإشارات ضمن سياقات محددة لإنتاج المعاني الإيحائية. فساعة البيج بن (Big Ben) لدى البريطانيين تعني مباشرة رمز البرلمان والديمقراطية بينما هو مكان سياحي وطراز معماري جميل لغيرهم من ملايين السواح. وصورة البقرة في بعض أجزاء الهند تمثل قيمة هامة دينية وأسطورية، فهي لدى عدد من القبائل الهندية مقدسة، بينما لا تعني شيئا أكثر من الغذاء (الحليب واللحم) أو إشارة إلى الريف في مجتمعات أخرى مثل بريطانيا ونيوزلندا. وقد تعني البقرة في مفهومها الذهني للعرب مثلا دلالة على الغباء أو عدم المفهومية (انظر شكل:1). بعد انتشار مرض جنون البقر، تشكلت صورة ذهنية أخرى للبقرة حيث برزت مفاهيم الجنون المرتبط بهذا الحيوان (الحسني، 1999).

(شكل1: مراحل قراءة الصورة الفوتوغرافية سيميوطيقيا).

هناك ستة عناصر أساسية ـ حسب بارث (1977) تؤثر في إنتاج وتعميق المعاني الإيحائية في الصورة الفوتوغرافية بشكل عام وهي: التأثيرات الخادعة (trick effects) ووضعية الصورة (Pose) والموضوع (object) وجاذبية الموضوع للتصوير (photogene) والجمالية (aestheticism) والتركيب (syntax).

التأثيرات الخادعة (trick effects)
يمكن استخدام التقنية القديمة مثل المونتاج اليدوي أو التقنيات الحديثة مثل التراكيب الرقمية في عمليات مزج أكثر من صورة في صورة واحدة وبالتالي معنى مخالفا عن عرضها لوحدها.


وضعية الصورة (Pose)
وضعية الصورة المشهورة التي التقطها مصور البورتريه الشهير يوسف كارش لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل أكبر مثال عن أوضاع الغضب والتوتر والغليان التي كان يعيشها تشرشل في تلك الفترة الحرجة التي مرت بالعالم. وقوة اللقطة في اختفاء السيجار الكوبي (رفيق تشرشل الدائم) منها.
وفي الصورة التالية من الواضح أن وضعية القرفصاء التي يجلسها هذا الطفل تدل على تقوقعه وانكماشه على نفسه. وضعية اليد على العينين دلالة على أنه لا يريد أن يرى أحدا أو أن يراه أحد. وإيماءة اليد اليسرى دلالة على التفكير في أمر ما؛ وفي بعض الحالات دلالة حزن وألم.


الموضوع (object)

طاولة مكتب.. عليها ألبوم صور.. نوتات موسيقية.. قنينة زهور.. الزهور ذابلة.. علبة أدوية.. أشرطة مسجلة تبرز منها مقاطع من عناوينها سواح..قارئة الفنجان.. نبتدي منين الحكاية.. الصورة مأخوذة بالأبيض والأسود مع اضاءة خافتة يغلب عليها القتامة. من كل الاشارات الموجودة وبعد تحليل الشفرات نعرف أننا في غرفة لفنان (النوتات الموسيقية + الأشرطة المسجلة)، الجو قاتم يوحي بالكآبة والفراق (زهور ذابلة+ تقنية الاضاءة)، عناوين الأشرطة توحي أنها لفنان عربي (اللغة)..ألبوم الصور يوحي باسترجاع الذكريات.. الأدوية توحي بالآلام والمعاناة التي كان يعاني منها الفنان.. من خلال معرفتنا بسياق المجتمع وثقافته نعرف أنها أغاني الفنان الراحل عبدالحليم حافظ؛ والصورة مأخوذة بمناسبة ذكرى وفاته.
اللوحة التالية حملت عنوان "موت وميلاد". العمل يمتلىء بالايحاءات ودلالاتها. لكن ايحاءات هذا العمل انسانية عامة أكثر من مجتمعية ضيقة. فالجمجمة والأيدي المتكسرة على رأسها ودلالات اللون الأسود الذي يغلف اللوحة دلالات تشاؤمية قاتمة تسير في اتجاه الموت. في حين أن الشمعة توحي بالحياة.

جاذبية الموضوع للتصوير (photogene)
الصورة هنا نفسها رسالة ايحائية. تأتي هذه الايحائية من خلال قدرة الفنان المصور على خلق وابداع مايريد تصويره عن طريق استخدامه لعناصر الاضاءة والديكور وسرعة اللقطة والطباعة وغيرها من تقنيات التصوير الفوتوغرافي التي تساعد على ابراز جماليات الصورة الفوتوغرافية فالصورة بحد ذاتها عنصر جذب له دلالاته الايحائية.


الجمالية (aestheticism)
إذا كانت التقنية هي الأساس في البند السابق فإن القواعد الفنية التي تساعد على صنع الايحائية هنا؛ وذلك من خلال مراعاة المصور الفوتوغرافي لقواعد الفن العامة في التكوين والخط والتوازن والتباين واللون وغيرها من القواعد الأساسية في الفن.

التركيب (syntax)

عندما يجتمع عدد من الصور المتلاحقة لحدث ما فإن تأثيرها الايحائي قد يكون أكبر. من أشهر الأمثلة هنا صورة حرق الراهب البوذي لنفسه حتى الموت في عام 1963 في مظاهرة ضد ماكان يعتقده البوذيون باضطهاد الحكومة الفيتنامية للبوذيين. والصور المتلاحقة التي أقدمها جاءت بعنوان "الفقد" في محاولة لخلق تأثير ايحائي الذي لا يمكن أن يحدث بصورة واحدة فقط.
كانت هذه بعض النماذج التطبيقية الحديثة على فكرة المعاني الإشارية و الإيحائية التي أطلقها المفكر الفرنسي رولاند بارث في مقالته الشهيرة عام 1977 :"الرسالة المصورة "Photographic message".


· كاتب ومصور فوتوغرافي عماني
·
** من ورقة مقدمة إلى مؤتمر فيلادلفيا الدولي"ثقافة الصورة"، الأردن، بعنوان قراءة الصورة الفوتوغرافية، تحليل سميوطيقي، من ديسمبر 2007، مع ملاحظة أن كل الصور المعروضة في هذا المقال هي من التقاط الكاتب.
المراجع:
الحسني، عبدالمنعم (1999)، "الصورة الصحفية بين الثقافة ...و الأيديولوجيا" في مجلة نزوى، العدد التاسع عشر، يوليو، ص: 95-104
Al-Hasani, A. (1996) Pictures in the Omani Press: a Study of News Photographs in the Daily Arabic Newspapers, (MA Thesis), Cardiff: University of Wales
Barthes, R. (1977) Image Music Text, London: Fontana

أعلى


 

عبقريات عمانية


نشأ في أسرة عريقة في علوم الطب
راشد بن عميرة .. الطبيب/ الأديب / الفيلسوف( 2 ـ 3 )

د. وليد محمود خالص *

وضع العلاج من خلال الربط المنطقي بين المرض وأسبابه بعيداً عن التعويذات والرُّقى

كان أشبه بذلك الذي يبني بناءه الجديد على أسس متينة ثابتة

- 3 -
من الواضح أنَّ جلّ إنتاج الطبيب راشد بن عميرة العلمي، إن لم يكن كلّه يقع ضمن علمين كبيرين هما الطبّ والصيدلة، وليس ذلك بمستغرب فطالما اقترن هذان العلمان اقتراناً حميمياً لاحتياج الداء بعد تشخيصه إلى دواء، يعالجه، أو يسكّنه، أو يقضي عليه، ويذهب بعض الدارسين إلى أنَّ "الحديث عن الأدوية المفردة لم يكن دائماً مستقلاً عن الحديث العام في الطبّ، والصيدلة بل كان جزءاً منه، يفرد بباب خاص ضمن أبواب تتّصل بالطب، والصيدلة عامة" (3)، ونستطيع القول باطمئنان إنّ كتب الطبيب راشد تقع تحت ما يُصطلح عليه في مصادر الطبّ العربي وتاريخه بكتب العلم والعمل، فهي تتحدّث عن أجزاء جسم الإنسان، والعلل التي تصيب هذه الأجزاء معتمدة على التشريح والتجربة من جهة، وتقدّم الطرق المتنوعة الكفيلة بمداواة هذه العلل من جهة أخرى، يضاف إليها حديث طويل عن الدواء، وتركيبه، وأنواعه، وأوزانه، ولذلك سيجيء الحديث عن الجوانب المنهجية في مؤلفات الطبيب راشد في ثلاثة أقسام هي:
ـ الأخذ عن الشيوخ.
ـ المصادر، وهي نوعان: عربية، وأعجمية.
ـ التجربة والمشاهدة.
يقرّر الطبيب راشد بن عميرة في مواضع كثيرة من كتبه أنَّ الطبّ، وبعده التأليف فيه محتاج بالضرورة إلى شيخ يعلّم هذا المبتدئ أصول الصناعة بحيث يطلعه على أولى مراحلها، ثمّ يهديه إلى مراتبها المختلفة، وصولاً إلى التمكّن منها، وكأنَّ ترك هذا الشرط المنهجي يخلّ بالعلم والعمل كليهما، ويُخرج الطبيب عن الطريق السليم الواجب اتباعه، فنراه يقول في أرجوزته [ محلات المتطببين ومهيع السالكين ] يخاطب ذلك الطبيب المبتدئ:

يـا عـائـمـاً يبـغـي نجـاح المطلـبِ
فـي أبحـر الطـبّ وظهـر السبسـب
لا تـطـلـب الـعـلـم بغـيـر فَـهْـمِ
ولا تـكـن مجـانـبـاً لـنـظـمـي
يـرشــدك الله بــه الـطـريــقــا
ويظـهـر الـقـول بـه التحقيـقــا
لأنّــه قــد جــاء فــي الآثـــار
وعــن رواة النـقـل والأخـبــار
شــرّ الـعـلـوم مـا رواه الــراوي
مـن غـيـر شيـخ يحسـن الفتـاوي

ثمّ يشرح هذا الرجز بقوله: "يجب على مَنْ أراد تعلّم الطبّ أن يكون تعلّمه عن شيخ، فقد روي في الأخبار أنَّه مَنْ تعلّم الطبّ من الكتب قتل الأنام، ومَنْ تعلّم الفقه من الكتب غيّر الأحكام، ومَنْ تعلّم النحو من الكتب غيّر الكلام، ومَنْ تعلّم النجوم من الكتب غيّر الليالي والأيام، ومَنْ تعلّم المواريث من الكتب ظلم الأيتام" (1)، ونسارع فنقول إنَّ الشيخ لا يقصد بالكتب هنا على إطلاقها بل أن لا تكون هي المنفردة، والمعوّل عليها وحدها في طلب الطبّ، وتعلّمه، وإلا كيف نفسّر تصدّيه هو نفسه للتأليف في الطبّ ومباحثه، إذ ما الفائدة منها إذا كان المقصود هو إهمالها، والاعتماد على الشيوخ وحدهم، وقد لاحظنا، وخصوصاً في كتابه الكبير عن تشريح العين أنّه يكتب للأطباء المتخصصين من حيث إسهابه في شرح إجراء الجراحات، ووصف الدواء، ولجوئه إلى المصطلح العلمي، واعتماده على المصادر المتقدمة، ولا يصنع هذا مَنْ لا يؤمن بأهمية الكتاب مصدراً مهماً من مصادر تلقّي الطبّ على أن لا يكون المصدر الوحيد كما ذكرنا، ويكرّر هذا الأمر بوضوح في كتابه [ فاكهة ابن السبيل ] حين يقول: "... ينبغي للطبيب أن يكون تعلّم الطب نقلاً عن شيخ" (2)، ومن المؤكد أنّه تلقّى تلك المقولة المنهجية عمّن سبقه من أطباء أسرته كوالده، وجدّه، واختبر بالمعاينة ما يقومون به من أعمال فاضلة في تطبيب المرضى، وعلاجهم، أو سماعه عنهم تفاصيل وافية عن الأمراض، وعلاجها، ونراه يشير في موضع آخر إلى مسألة السماع حين يتحدث في مقدمة مختصر فاكهة ابن السبيل عن مصادره التي عوّل عليها في تأليف هذا الكتاب إذ نجد من بين تلك المصادر "ممّا أجدته سماعاً" (3) على حدّ قوله، ولا شك أنّه يريد بالسماع هنا ما أشرنا إليه هناك من السماع عن أطباء أسرته وغيرهم من الأطباء، ويذكر في مكان آخر صراحة واحداً من الأدوية التي تعلّمها من بعض الأطباء سماعاً في علاج الرَّمد فيفيد منه، ويصفه بأنَّه "مجرّب، وهو من الأدوية التي لا تجد لها أثراً في كتب الطبّ" (4)، ومثل السابق حين يعتمد السماعَ عن رجل وصف له الأطباء دواءً للاستسقاء من حرارة لا من برودة (5) فيجعله ضمن اهتمامه، وتجاربه، وهكذا نرى أهمية السماع عند الطبيب راشد بن عميرة، ومدى إفادته منه بحيث اعتمده مصدراً من مصادر تلقّيه العلم، ورأيناه الملمح المنهجي الأول في بناء مؤلفاته.
ينتقل الطبيب راشد بن عميرة نقلة منهجية أخرى لتعضيد ما أخذه عن الشيوخ، وسمعه منهم، وتمتين بناء كتبه العلمي، وذلك بالاعتماد على [ المصادر ]، وهي خطوة منهجية لا غنى عنها لمن يريد ممارسة الطبّ، أو التأليف فيه، إذ تقدّم تلك المصادر مادة معرفية جاهزة تكوّنت من خلال الخبرة المتراكمة الطويلة، واضطلع بقسم منها أطباء مشهورون لهم في تاريخ الطبّ باع طويل.
ومن الممكن جعل ما نريده بالمصادر هنا في قسمين كبيرين تنضوي تحتهما أقسام أصغر، أمّا القسم الأول فيتضمّن الحديث النبوي الشريف، وما أُثر عن الأطباء العرب، والأعاجم من أفعال وأقوال طبية. ويتمثّل القسم الثاني في الكتب الطبية المعتبرة التي يذكرها الطبيب راشد بن عميرة نفسه صراحة، ويجعلها معتمده في ممارسة الطبّ، والتأليف فيه على حدّ سواء.
ونودّ قبل الوقوف عند القسم الأول من مصادر الطبيب راشد بن عميرة أن نشير إلى أمر نراه مهمّاً، ومن الممكن أيضاً اعتباره أحد مصادره التي اعتمد عليها كثيراً، ونريد به الإيمان بالله سبحانه وتعالى إيماناً مطلقاً، والتسليم لقضائه، وأنَّ مردَّ الأمر كلّه إليه سبحانه، فهو المعين، وهو الشافي. وقد لمسنا هذه الروح المؤمنة منتشرة انتشاراً بيّناً في ثنايا كتبه، ومقولاته، ونعتقد أنّه يستمدّ منها القوة، والعزم على مداواة الناس، والتعامل مع أبدانهم، ووصف الأدوية لهم، مع ما في هذه الأعمال من خطورة واقتحام، فكثيراً ما ألفيناه يوصي بالافتتاح بالبسملة عند البدء بالعلاج، ويختم كلامه بعد وصف الدواء بإيكال الأمر إليه سبحانه، فبيده مقاليد كلّ شيء، ولم تمنعه هذه الروح المؤمنة بالله سبحانه من الأخذ بالأسباب، وتوظيف ما يعرفه من وسائل لاستجلاب الشفاء، ولعلّه يلخّص في نصّه الآتي وظيفة الطبيب منطلقاً من الإيمان بالله سبحانه، يقول: "... وليس على الطبيب أن يُشرط عليه البرء من الأمراض، ولا إبقاء الشباب على حاله، ولا مسك القوة ألا تنقص فضلاً عن الزيادة، ولا أن يبلغ كلّ شخص الأجل الأطول فضلاً عن أن يدفع الموت، وذلك لأمور جلّ خالقها... ولكن عليه معرفة الطبائع الأربع التي بها قوام الجسد، واعتدال الصحة" (1)، فالنّص صريح من ضرورة الأخذ بالأسباب، ومعرفة جسم الإنسان، ووصف الدواء، ولكنّ الأساس في ذلك كلّه هو الإيمان بمشيئة الله سبحانه فهو المدبّر الحكيم.
وكأنَّ الطبيب راشد بن عميرة كان يمهّد الطريق لنفسه بتلك المقولة السابقة، أو المقدمة المنطقية ليفسح المجال لنفسه بعدها بالخوض في غمار ذلك التراث الطبي الهائل الذي تركه المتقدمون، فلا مفرّ من الاطلاع عليه، والإفادة منه، ويأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدّمة ما يعوّل عليه في بعض الأمور الطبية، مثال ذلك استشهاده بالحديث: "الحمية أصل الدواء، والبطنة أصل الداء" (2) على ضرورة الاعتدال في تناول الطعام، وترك الإفراط فيه، ونراه حين يتحدّث عن الألوان، وتأثيرها الطبي على العين يذهب إلى أنَّ أحبّ ما كان إلى النبي صلى الله عليه وسلّم الخضرة فهي "ممّا يزيد النظر، ويجلو البصر" (3)، على حدّ قوله، كما ينقل تحذيره صلّى الله عليه وسلّم من الطاعون في حديثه: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها" (4)، وذلك خشية العدوى، وانتشار المرض.
ويتحوّل الطبيب راشـد بـن عميرة بعد هـذا إلى مـا أُثِـر عـن بعـض الأطباء، أو المتعاطيـن صناعـة الطـب مـن أفـعـال أو أقـوال فينقل جمهـرة منها في كتبـه، لا يمنعه مـن هذا النقل إن كانوا عرباً أم أعاجم، مسلمين أم غير مسلمين فالحكمة ضالّة المؤمن، فإذا وجد فائدة طبية عند أحد حفظها بين دفّتي كتبه، ولذلك راحت تتردّد في كتبه أسماء مثل الحارث بن كلدة (5)، وعلي بن أبي طالب (1)، وأنس بن مالك (2)، ومجاهد (3)، والشعبي (4)، والشافعي (5)، والجاحظ (6)، أمّا رأس العائلة الطبيب راشد بن خلف (7) فيكثر من النقل عنه، وهذا من أثر التعلّم، والسماع غير المباشر، والمناخ العلمي الذي عاش فيه كما ورد سابقاً، وممّا يذكر هنا أنّه ينقل عن مجموعات من الأطباء بلا تعيين لاسم محدّد كأن يقول: "قال علماء الطبّ" (8)، أو "قال رؤساء المتطببين" (9)، أو "قال الحكماء" (10)، أو "قال اليونانيون" (11)، وقد أفاد الطبيب راشد بن عميرة من آراء أولئك العلماء، وقدّمت لكتبه مادة جديدة قائمة على التجربة، والبرهان، ولعلَّ العبارة الأخيرة التي وردت سابقاً وهي: قال اليونانيون تقودنا إلى الحديث عن الأطباء غير العرب الذين نقل عنهم الكثير من آرائهم الطبية، ومن الضروري أن نسارع فنقرّر حقيقة توصّلنا إليها من خلال الإحصاء لورود أسماء الإعلام في كتب الطبيب راشد بن عميرة، وهي إنّ الأعلام غير العربية ترد أكثر بكثير من ورود الأعلام العربية بمعنى أنّه يتكئ على الطبّ اليوناني، أو "علوم الأوائل" (12) كما يسمّيهم أكثر من اتكائه على الطبّ العربي القديم، ونستطيع أن نرجع هذا الأمر إلى ثلاثة أسباب موضوعية، أولها إنّ الكثير من الأطباء العرب، وخصوصاً القدماء منهم لم يتركوا كتباً تحفظ آراءهم، وتجاربهم فضاعت بالتالي تلك الآراء بسبب انعدام المصدر الذي يحفظها، وثاني الأسباب يتمثّل في الضدَّ من السبب الأول تماماً وهو إنَّ الأطباء اليونانيين، وغيرهم من الأمم الأخرى كالروم، والهنود، والفرس قد تركوا كتباً كثيرة حفظت آراءهم (1)، وقياسهم، ونتائج تجاربهم، وتناقلها الخلف عن السلف، وليست حركة الترجمة المنظّمة في العصر العباسي سوى شاهد قويّ على ما نقول، إذ تُرجمت الكثير من الكتب الطبية ضمن تلك الحركة لأسباب كثيرة، ودوافع مختلفة فانتشر على إثر ذلك الطبّ غير العربي بين أوساط المتعلّمين، والأطباء على حدّ سواء، وهذا يقودنا إلى السبب الثالث وهو إنّ كتب الطبّ العربي القديم نفسها تزخر بأقوال، وآراء أولئك الأطباء غير العرب، وقد نقلها الأطباء العرب عن مصادرها بلغاتها الأصلية، أو من خلال الترجمة، أو من خلال اللغة الوسطية كالسريانية مثلاً، فلم يكن الطبيب راشد بن عميرة إذن نسيج وحده في هذا الأمر للأسباب السالفة، ولهذا رأينا أسماء أرسطو طاليس (2)، وأفلاطون (3)، وديسقوريدس (4)، وفولويس (5)، تتردّد بكثرة في كتبه، أمّا أبقراط (6)، وجالينوس (7) فيحتلان نصيب الأسد من هذا الانتشار، وكثيراً ما يطلق على جالينوس صفة "الفاضل" (8)، وهي الصفة التي عُرف بها في الكتب الطبية. وكتب تراجم الأطباء، ويقبس الطبيب راشد بن عميرة من أولئك الأطباء آراءهم الطبية، وتجاربهم العملية، ووصفاتهم الدوائية ما يغني به كتبه، ويزيدها ثراءً وخصوبة، ونعتقد أنَّ إدامة النظر في أقوال أولئك الأطباء الكبار، وتقليبه الأمور على وجوهها بالإضافة إلى استعداده الخاص، وذهنه المتفتّح قد أكسبه قدرة على ربط النتائج بمقدماتها، واستخدام البرهان في وصف المرض، ووضع العلاج له من خلال الربط المنطقي بين المرض وأسبابه بعيداً عن التعويذات، والرُّقى، والعقلية الخرافية التي تعجز عن معرفة السبب فتلجأ إلى الادعاء، والتهويم بلا فائدة تذكر، ويحسن بنا أن نقف هنا عند نموذج واحد يجلّي هذا المنحى المنهجي الصرف في تفكير الطبيب راشد بن عميرة الذي انعكس بدوره على كتبه قبل الانتقال إلى القسم الثاني من المصادر وهو الكتب، فنراه يتحدّث عن المرض الذي يصيب العين فلا ترى ليلاً، يقول: "فصل في العشا... وهو مَنْ يبصر نهاراً، ولا يبصر ليلاً، يكون ذلك من أربعة أسباب: إمّا من رطوبة تعرض للبيضية، وإمّا لغلظ الروح النفساني، وإمّا من رطوبة الجليدية، وكدورتها وإمّا من مداومة الشمس" (1)، ثمّ يقدّم البرهان العلمي على هذه الأسباب التي ساقها وهو: "... وذلك أنَّه إذا كان بالنهار لطفت تلك الرطوبات، والغلظ لسبب حرارة هواء النهار فيلطف البصر، فإذا كان بالليل تكاثفت تلك الفضول بسببٍ هو الليل، ورطوبته فلا يبصر بالليل، وأمّا الذي يعرض من مداومة الشمس فإنَّ حرارة الشمس تضعف الروح النوري لما تحلّل لطيفهُ، وتبقي غليظه فيتكاثف لرطوبةٍ هي الليل أيضاً فيمنع البصر" (2)، ثمّ يروح بعد هذا يقدّم ما توصّل إليه من دواء لعلاج هذا المرض، وقد تبيّن لنا من خلال النصّ أنّه يلجأ إلى تشخيص الأسباب تشخيصاً علمياً دقيقاً يقوم على القراءة، والتجربة معاً فيجعل الأسباب المؤدية إلى المرض أربعة، وهو ما وقع له، وتيقّن منه، ولم يكتف بهذا بل عمد إلى تفسير تلك الأسباب بالبرهان الجليّ الذي يعتمد الحسَّ، وقَرْن المؤثر بالأثر، والنتيجة بالمقدمة غير ناظر إلى أيَّ تعليلات غير علمية تأتي عن طريق الحدس أو التخمين، وهو بهذا يتابع أولئك الأطباء الكبار الذين غرف من آرائهم، وتجاربهم، وعاد بعدما ليشكّل تفكيره ذلك التشكيل المنهجي المستقيم.
ويأتي القسم الثاني من مصادر الطبيب راشد بن عميرة على هيئة تلك الكتب الطبية التي يعرفها ممارسو الطب، وهي تشكّل عدّتهم التي لا يستغنون عنها (1)، وقد تمكّن الباحث من رصد مجموعة من الكتب ذكرها الطبيب راشد بن عميرة نفسه صراحة، وبيّن أنَّه ينقل عنها، أو يقوم بتلخيص موادهـا، وإدخالها ضمـن نسيـج كتبـه، وقد ذكر واحداً منها في كتابه في تشريح العين وهو العلل لجالينوس (2)، أمّا البقية فقـد ساقها في مقدمـة كتابـه مختصـر فاكهـة ابـن السبيل، وهـذه هي كما وردت عنـده، يقول: "... ومن أكثر مما أخذته من كتب الطب مثل كتاب المجلب، ومنهاج البيان اللذين صنّفهما ابن جزلة (3)، وكتاب الرحمة (4)، وأبقراط (5)، وكتاب برء ساعة (1)، وكتاب كامل الصناعة الذي ألّفه علي بن العباس (2)... وكتاب زاد المسافر (3)، وكتاب تذكرة الكحالين (4)، وكتاب لقط المنافع (5)، وكتاب حلّ الموجز، وهو موجز القانون المسمى [ ] (1) الأقصرائي (2)، وكتاب يحيى بن ماسويه (3)، ومن سؤال جالينوس بطليموس (4)، وغير ذلك" (5)، ويقول في مقدمة كتابه في تشريح جسم الإنسان: "... وكان جميع ما نظمت هذه القصيدة من كتاب لقط المنافع (6) الذي ألّفه الشيخ العالم العلامة أبو الفرج عبدالرحمن بن علي الجوزي، ومن كتاب مقالات تذكرة الكحالين (7)، وغيرها من الكتب" (8)، وكأنَّه يعيد ما قرّره في النّص السابق من اعتماده المستمر على هذين الكتابين. ومن الضروري أن نشير هنا إلى أنَّ الطبيب راشد نفسه يؤكد مداومته على مطالعة الكتب، والأخذ عنها، وذلك حين يقول: "... واعلم أنَّ هذه الأدوية... لا يعرفها إلا مَنْ يعرف التشريح، وقد حكّته القراءة ومطالعة الكتب" (9)، ممّا يؤكد أن تلك الكتب كانت معتمده في التأليف.
ومن اللازم الوقوف هنا بغية تحليل نوعية تلك الكتب التي فاء إليها الطبيب راشد ابن عميرة، ومقدار ما زوّدته بمادة علمية نفعته في عمله. وقد تمكّن الباحث من رصد أربع نقاط جوهرية هدى إليها تحليل تلك الكتب، وهي:
1 ـ اعتماد الطبيب راشد بن عميرة على كتب معروفة كتبها مشاهير الأطباء، وأعلامهم هي خلاصة تجاربهم الطويلة ممّا يضفي عليها مصداقية علمية، وثقلاً معرفياً.
2 ـ بدا الطبيب راشد بن عميرة حرَّ التفكير، يلتزم الجانب السمح اللين من الدين، وذلك باعتماده على مؤلفين يختلفون عنه في الدين أو المذهب، وكان همَّه الحكمة والمعرفة الخالصتين المجرّدتين من أيّ تعصّب، أو هوى، ولذلك راح ينهل من تلك الكتب غير ناظر إلى مشرب صاحبها الفكري، أو قناعته الدينية.
3 ـ غلبة التنوّع على تلك الكتب من حيث مادّتها، ومباحثها، فهي كتب علم وعمل على حدّ قول الأطباء، أي إنّها تولي الجانب النظري اهتمامها، مع عناية خاصة بالجانب العملي، ولا تغفل النظر في الدواء وتركيبه فله منها نصيب وافر، وقد قدّم هذا التنوع لكتب الطبيب راشد طبقات من التجدّد، والغنى، وأتاح لكتبه أن تكون أقرب إلى التخصص العام منها إلى التخصص الدقيق مع استثناء قليل بحيث ينتفع بها أكبر عدد من متعلّمي الطبّ، وممارسيه، أو المؤلفين فيه فيما بعد.
4 ـ وإذا كنّا قد لاحظنا تنوّع المادة التي حوتها تلك الكتب في النقطة السابقة فإننا نرى هنا تنوّعاً من شكل آخر ذا علاقة بمصدر تلك الكتب، فهي تفد من أمصار متباعدة ذات قدم راسخة في الطبّ وعلومه كاليونان، وفارس، والعراق، وتونس، والشام، فإذا علمنا أن صاحب كتاب [ الأزرق ] يعتمد هذا التنوّع الجغرافي في مصادره هو الآخر، أقول إذا علمنا هذا أدركنا احتفاء المناخ العلمي بتلك الكتب، وقبولها القبول الحسن، وتسرّبها في نسيج المعرفة العلمية عموماً، والطبية خصوصاً في عُمان بلا عوائق فكرية، أو إقليمية من جهة، أو [ عزلة ] كتلك التي وقفنا عندها في صدر البحث من جهة أخرى.
ولم يقف الطبيب راشد بن عميرة أمام تلك المصادر موقف الأخذ والتسليم فحسب، بل كانت له ذخيرته من مشاهداته الشخصية، وتجاربه الخاصة، تلك التي اضطلع بها ردحاً طويلاً من الزمن، فكان أشبه بذلك الذي يبني بناءه الجديد على أسس متينة ثابتة، وهو ما نريد التريّث عنده الآن في القسم المنهجي الثالث وهو التجربة، والمشاهدة.


* أكاديمي عراقي مقيم في السلطنة

أشعار في الطب لراشد بن عميرة من مخطوطة لناسخها محمد بن حمد بن سلام الحراصي ، كتبت عام 1305 هـ، حصلت عليها (أشرعة) من وزارة التراث والثقافة.

) إتحاف الأعيان، 2/167، وما بعدها.
(1) يتقدّم الباحث بجزيل شكره، وعظيم امتنانه إلى المنتدى الأدبي بسلطنة عُمان الذي هيّأ له نسخاً مصوّرة من كتب الطبيب راشد بن عميرة مع فوائد أخرى، ولولا تلك اليد البيضاء لما جاء البحث على هذه الصورة من الإطلاع على مؤلفات هذا الطبيب الفاضل.
(2) ينظر إتحاف الأعيان، 2/185.
(3) بحوث في تاريخ الطب، إبراهيم بن مراد، ص372، وينظر كذلك أقرباذين القلانسي، ص5.
(1) محلات المتطببين، مخطوط.
(2) فاكهة ابن السبيل، 1/102.
(3) مختصر فاكهة ابن السبيل، مخطوط، وا.
(4) فاكهة ابن السبيل، 1/209.
(5) المصدر السابق، 2/61.
(1) محلات المتطببين، مخطوط، و1-2، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنَّ الطبيب راشد بن عميرة يصدر في مقولته عن الطبائع الأربع عن المقولة اليونانية القديمة التي تحدّث بها جالينوس، وتبعه الأطباء من بعده من أنَّ "... النار، والهواء، والماء، والأرض... هي الأركان الأولى البعيدة لبدن الإنسان، وأما الأركان الثواني القريبة التي بها قوام بدن الإنسان، وسائر ماله دم من الحيوان فهي الأخلاط الأربعة، وهي الدم، والبلغم، والمرّتين". عيون الأنباء، 1/138 - 139، وينظر كذلك كتاب [ الأزرق ] لمحمد بن ناصر بن سليمان، وهو طبيب عُماني ومؤلف أيضاً، إذ يبدأ القسم الأول من كتابه بـ [ الطبائع الأربع ] قائلاً: "اعلم أنّ الله تعالى خلق الدنيا وما فيها من أربعة أشياء: من الريح، والنار، والتراب، والماء. وبيان هذه الأشياء الحرّ، والبرد، والرطب، واليابس، وبنى الجسد على أربعة أمزاج: مِرة صفراء، ومِرة سوداء، ودم، وبلغم". ينظر الأزرق، 1/17، وهو كلام جالينوس بعينه، والنظرية اليونانية عموماً.
(2) فاكهة ابن السبيل، 1/74.
(3) المصدر السابق، 1/88، وينظر كذلك، 1/88 و92.
(4) فاكهة ابن السبيل، 2/78.
(5) ينظر فاكهة ابن السبيل، 1/98 و2/308، والحارث بن كلدة طبيب العرب المعروف، عمّر طويلاً حتى أدرك أيام معاوية، وله الجواب المشهور حين سأله معاوية: ما الطبّ يا حارث؟ فقال: الأزْم، وهو الجوع. ينظر عنه طبقات الأطباء، ابن جلجل، ص54، وما بعدها، وعيون الأنباء، 2/13، وما بعدها، وفيه أنَّ ابنه النضر بن الحارث هو الآخر طبيب مما يشي بالعائلة الطبية التي أشرنا إليها فيما سبق.
(1) فاكهة ابن السبيل، 1/95، 96 و2/114.
(2) المصدر السابق، 1/79، 95 و2/116.
(3) السابق، 2/402.
(4) السابق، 2/402.
(5) محلات المتطببين، مخطوط، و43.
(6) فاكهة ابن السبيل، 1/44، 80.
(7) المصدر السابق، 2/176، 300، 304، 370، وغيرها.
(8) السابق، 1/12، 39، 92 و2/366.
(9) السابق، 1/11.
(10) السابق، 1/246، ومن الواضح أنَّ الحكماء هم المشتغلون بالفلسفة والطبّ على حدّ سواء، وهو ما وقفنا عنده سابقاً.
(11) كتابه في تشريح العين، مخطوط، و5، و61.
(12) فاكهة ابن السبيل، 1/7، وعلوم الأوائل هي التسمية التي أطلقتها المصادر العربية القديمة على ذلك التراث اليوناني والرومي الذي ترجم الكثير منه إلى اللغة العربية في أواخر العصر الأموي، والعصر العباسي، وبعض المصادر تجعل من التراثين الهندي والفارسي ينضويان تحت تلك التسمية أيضاً.
(1) تنبّه الجاحظ منذ زمن مبكر بذكائه النادر، واستقصائه العجيب إلى شيء من هذا حين أثبت في كتابه البيان والتبيين، 3/29 الاختلاف بين العقلية العربية، والعقلية الأعجمية فقال: "... وفي الفرس خطباء، إلا أنّ كلّ كلام للفرس، وكلّ معنى للعجم فإنّما هو عن طول فكرة، وعن اجتهاد رأي، وطول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكّر ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني حتى اجتمعت ثمار تلك الفِكَر عند آخرهم"، ومن هنا بقيت آثارهم، وآراؤهم محفوظة بسبب اعتماد اللاحق على السابق، وحرصه على تراث مَنْ تقدّمه.
(2) فاكهة ابن السبيل، 1/37 و2/136.
(3) المصدر السابق، 1/75، 79، 99.
(4) السابق، 1/160، 262، وأكثر ما يعتمد عليه الطبيب راشد في تركيب الدواء، ولا غرابة في هذا فهو "صاحب النفس الزكية النافع للناس المنفعة الجليلة... السائح في البلاد، المقتبس لعلوم الأدوية المفردة من البراري والجزائر والبحار، المصوّر لها، المصوّر لمنافعها... وهو رأس كلّ دواء مفرد، وعنه أخذ جميع مَنْ جاء بعده"، على حدّ قول صاحب عيون الأنباء، 1/57، الذي يختم كلامه عنه بقوله: "وطوبى لتلك النفس التي شقيت بالتعب من محبتها لإيصال الخيرات إلى الناس كلّهم"، وهو من أهل عين زرْبة، شامي، يوناني، وعين زربة بلد بالثغر من نواحي المصيصة في قليقيا، وكان قبل جالينوس، وقد أثنى جالينوس كثيراً على كتابه في الأدوية. ينظر طبقات الأطباء، ابن جلجل، ص21 مع الهامش.
(5) فاكهة ابن السبيل، 1/168 و2/300، وفولويس من أهمّ طلبة أبقراط و "أجلّ تلاميذه، وخليفته في أهل بيته"، ينظر عنه طبقات الأطباء لابن جلجل، ص16، ص19، وعيون الأنباء، 1/55.
(6) فاكهة ابن السبيل، 1/10، 54، 65، 68، 69، 114، 115 و2/9، 28، 70، 307، 371.
(7) المصدر السابق، 1/15، 37، 42، 61، 68، 69، 88، 95، 161، 228، 262 و2/16، 27، 76، 129، 202، 286، 297. وينظر كتابه في تشريح العين، مخطوط و39 وو64.
(8) ينظر كتابه في تشريح العين، مخطوط، و14،.
(1) و (2) كتابه في تشريح العين، مخطوط، و18.

(1) ممّا يؤكد أهمية درس المصادر في هذا المجال، وغيره ما رأيناه من إفراد د. إبراهيم بن مراد بحثاً خاصاً عن [ المصادر التونسية في كتاب الجامع لابن البيطار ] استخلص فيه تلك المصادر، ودرسها دراسة تفصيلية، مبيّناً أهميتها، وكيف أفاد المؤلف منها. ينظر هذا البحث في كتابه بحوث في تاريخ الطب، ص31، وما بعدها.
(2) كتابه في تشريح العين، مخطوط، و8، ولعلّه يريد به "مقالة في دلائل علل العين التي كتبها جالينوس في حداثته لغلام كحّال، وقد لخّص فيها العلل التي تكون في كلّ واحدة من طبقات العين، ووصف دلائلها"، ينظر عيون الأنباء، 1/145. ولعلَّ هذا الوصف لمقالة جالينوس يقترب كثيراً من مباحث الطبيب راشد في كتابه في تشريح العين.
(3) ابن جزلة، يحيى بن عيسى البغدادي المتوفى سنة 493 للهجرة، طبيب وفيلسوف عراقي، كان نصرانياً ثم أسلم.
(4) كتاب الرحمة في الطب والحكمة للشيخ مهدي بن علي بن إبراهيم الصبنري المهجمي المقري المتوفى سنة 815 للهجرة. ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن كتاب الرحمة كان أحد مصادر كتاب [ الأزرق ] لمؤلفه الطبيب العُماني محمد بن ناصر بن سليمان. ينظر، 1/10.
(5) لم يحدّد الطبيب راشد بن عميرة أيّ كتاب من كتب أبقراط يقصده، ولعلّه يريد بها كتب أبقراط هكذا على إطلاقها فهي ممّا لا يستغني عنها أيّ طبيب، وخصوصاً أنها ترجمت في العصر الذهبي للترجمة في العصر العباسي.
(1) كتاب [ برء ساعة ] من كتب الطبيب والفيلسوف أبي بكر محمد بن زكريا الرازي الملقب بجالينوس العرب، أحصى له ابن أبي أصيبعة مائتي كتاب، ورسالة وتزيد، ومنها هذا الكتاب. ينظر عيون الأنباء، 2/360.
(2) علي بن العباس المجوسي من الأهواز، كان طبيباً مجيداً متميزاً في صناعة الطب، فارسي الأصل، وله الكتاب المشهور الذي احتوى على أجزاء من الصناعة الطبية: علمها وعملها، وقد مال الناس إليه في وقته، ولزموا درسه إلى أن ظهر كتاب [ القانون ] لابن سينا فمالوا إليه.
(3) كتاب زاد المسافر وقوت الحاضر للطبيب أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد أحمد الجزار القيرواني المتوفى سنة 369 للهجرة بالقيروان.
(4) كتاب تذكرة الكحالين لعيسى بن علي الكحال، كان مشهوراً بالحذق في صناعة الكحل متميزاً فيها، وهو من تلاميذ حنين بن إسحاق، وبكلامه يقتدى في أمراض العين ومداواتها
(5) لقط المنافع في الطب للشيخ أبي الفرج عبدالرحمن بن محمد بن الجوزي، جعله على سبعين باباً.
(1) ما بين المعقوفين بياض في الأصل بمقدار كلمة.
(2) هناك تصحيف وبياض وقع في المخطوطة، أمّا التصحيف ففي كلمة [ الموجز ] إذ كتبت [ الموخر ] بالخاء، وأما البياض فجاء بين كلمتي [ المسمّى ] و [ الأقصرائي ] كما أشرنا، والكتاب كما أثبتناه في المتن هو [ حلّ الموجز ] لجمال الدين الأقصرائي المتوفى سنة 799 للهجرة، وشرح فيه كتاب ابن النفيس المسمّى بـ [ الموجز ]، وهو من أشهر كتب ابن النفيس الطبية، أراد به أن يوجز ما ذكره ابن سينا في كتابه [ القانون ] لكنّه لم يتعرض فيه لموضوعات التشريح التي أفرد لها كتاباً آخر، وقد طبع كتاب الأقصرائي بلكنهو بالهند تحت العنوان نفسه الذي يذكره الطبيب راشد بن عميرة، وهو [ حلّ الموجز ]. ينظر شرح فصول بقراط لابن النفيس، مقدمة التحقيق، ص54 - 55. ومعلوم أنَّ ابن النفيس من كبار أطباء العرب، ولد بدمشق سنة 607 للهجرة، وتوفي سنة 687 للهجرة بالقاهرة، ترك وراءه كتباً كثيرة منها شرح تشريح القانون الذي سجّل فيه اكتشافه للدورة الدموية الرئوية قبل كتاب وليم هارفي الذي ظهر سنة 1628م. ينظر مقدمة كتاب شرح فصول أبقراط، ص56.
(3) يحيى بن ماسويه أو يوحنا بن ماسويه الطبيب المعروف، نصراني، سرياني عاش في أيام هارون الرشيد، وتوفي في أيام المتوكل.
(4) لم أعثر على نصّ صريح يفيد بوجود كتاب، أو رسالة بهذا العنوان تنسب إلى جالينوس..
(5) مختصر فاكهة ابن السبيل، مخطوط، و1.
(6) و (7) مرّ الحديث عن هذين الكتابين.
(8) تشريح جسم الإنسان، مخطوط، و1.
(9) فاكهة ابن السبيل، 2/159، والتشريح الذي يذكره الطبيب راشد في نصّه ملمح منهجي مهم هو الآخر، وهو باب من أبواب الطب العربي ما يزال مغبوناً على حدّ قول د. إبراهيم بن مـراد في كتابه بحوث في تاريخ الطب، ص20، وذلك لعلاقته بأسباب دينية، ولعلّ كتابيْ الطبيب راشد في تشريح جسم الإنسان، وتشريح العين يوحيان ضمناً بقيامه بالتشريح، أو إنَّه يشبه في صنيعه ابن سينا الذي أحاط بمختلف أعضاء البدن فبيّن تركيبها، وهيئتها ولكنه كان في حديثه ناقلاً جمّاعة. ينظر بحوث في تاريخ الطب، د. إبراهيم بن مراد، ص21، ومع عدم توفر النص الصريح لا نستطيع القطع بأيّ الرأيين هو أكثر انطباقاً على حالة الطبيب راشد، ولعلَّ الأمر كلّه محتاج إلى بحث منفرد.

أعلى



تــراث


ما كذبت

اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهثم، فذكر عمرو الزبرقان قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنه إطعام جواد الكف، مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنه ليعرف مني أكثر من هذا، ولكنه يحسدني. فقال عمرو: والله يا نبي الله، إن هذا لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم العم، أحمق الخال، فرأى الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة.

ــــــــــــــــــ

تولى رعيها الأسد

قيل لأبي مسلم: بأي شيء أدركت هذا الأمر? قال: ارتديت بالكتمان، واتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، وحزت بغيتي؛ وأنشد في ذلك:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت
عنه ملوك بني مروان إذ حشـدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهـم
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبـهـوا
من نومة لم ينمها قبلـهـم أحـد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعـيهـا الأسـد

ــــــــــــ

عذرناك

قيل: دخل أبو العتاهية على المهدي، وقد ذاع شعره في عتبة، فقال: ما أحسنت في حبك، ولا أجملت في إذاعة سرك، فقال:
من كان يزعم أن سيكتم حبه
أو يستطيع الستر فهو كذوب
الحب أغلب للرجال بقهـره
من أن يرى للسر فيه نصيب
وإذا بدا سر اللبـيب فـإنـه
لم يبد إلا والفتى مغـلـوب
إني لأحسد ذا هوىً مستحفظاً
لم تتهمه أعـين وقـلـوب
فاستحسن المهدي شعره وقال: قد عذرناك على إذاعة سرك، ووصلناك على حسن عذرك، إن كتمان السر أحسن من إذاعته.

ــــــــــــ

قمران

قيل للخنساء: صفي لنا صخرا، فقالت: كان مطر السنة الغبراء، وذعاف الكتيبة الحمراء. قيل: فمعاوية قالت: حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل. قيل: فأيهما كان عليك أحنى? قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد، وأنشدت:
أسدان محمرا المخـالـب نـجـدةً
غيثان في الزمن الغضوب الأعسر
قمران في النادي رفيعا مـحـتـد
في المجد فرعا سؤدد مـتـخـير

ــــــــــــ

عنان

قال السلواني: دخلت يوماً على عنان وعندها رجل أعرابي، فقالت: أيا عم لقد أتى الله بك، قلت: وما ذاك؟ قالت: هذا الأعرابي دخل علي فقال: بلغني أنك تقولين الشعر فقولي بيتاً، فقلت لها: قولي، فقالت: قد ارتج علي، فقل أنت، فقلت:
لقد جد الفراق وعيل صبري
عشية عيرهم للبين زمـت

فقال الأعرابي:
نظرت إلى أواخرها ضحـيا
وقد بانت وأرض الشام أمت
فقالت عنان:
كتمت هواكم في الصدر مني
على أن الدموع علي نمـت
فقال الأعرابي: أنت والله أشعرنا!(...) وقال بعضهم: دخلت علي عنان فإذا عليها قميص يكاد يقطر صبغة وقد تناولها مولاها بضرب شديد وهي تبكي فقلت:
إن عناناً أرسلت دمعهـا
كالدر إذ ينسل من سمطه
فقالت وأشارت إلى مولاها:
فليت من يضربها ظالماً
تجف يمناه على سوطه
فقال مولاها: هي حرة لوجه الله إن ضربتها ظالماً أو غير ظالم.

ــــــــــــ

كلانا على وجد

ذكروا أن الأخطل كانت عنده امرأة، وكان بها معجباً، فطلقها وتزوج بمطلقة رجل من بني تغلب، وكانت بالتغلبي معجبة، فبينا هي ذات يوم جالسة مع الأخطل، إذ ذكرت زوجها الأول، فتنفست الصعداء، ثم ذرفت دموعها، فعرف الأخطل ما بها، فذكر امرأته الأولى، وأنشأ يقول:
كلانا على وجدٍ يبـيت كـأنـمـا
بجنبيه من مس الفـراش قـروح
على زوجها الماضي تنوح وزوجها
على الطلة الأولى كـذاك ينـوح

ــــــــــــــ

ما بعد الكثيب .. كثيب


أورد المرزباني في (أخبار النساء) أنه كانت امرأة من بني عامر في نجعة فكلفت بفتى منهم، فلما لاح لهم البرق، ورجع أهلها إلى مياههم قالت:
تمتعتُ من أهل الكثيب بنظـرةٍ
وقد قيل ما بعد الكثيب كـثـيب
فإنَّ الكثيب الفرد من أيمن الحمى
إليَّ وإن لـم آتـه لـحـبـيب
ألا حبذا ريح الغضا حين أدرست
بقضبانه جنح الظلام جـنـوب
إذا هبَّ علوي الرياح وجدتنـي
كأني لعلـوياتـهـنَّ نـسـيب


ــــــــــــ

فسد ما بينهما

كان مطيع بن إياس صديقاً ليحيى بن زياد، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، ويرى كل واحد منهما بصاحبه الدنيا مودة ومحبة، ثم فسد ما بينهما فتهاجرا، ففي ذلك يقول مطيع:
كنت ويحـيى كـيدي واحـد
نرمي جميعاً ونرامى معـا
إن عضني الدهر فقد عضـه
أو موجع نال فقد أوجـعـا
أو نام نامـت أعـين أربـع
منّا، وإن صم فلن أسمـعـا
حتى إذا ما الشيب في مفرقي
لاح، وفي عارضه أسرعـا
سعى سعـاة بـينـنـا دائبـاً
فكاد حبل الوصل أن يقطعا
فكاد أعداء لـنـا لـم تـزل
تطمع في تفريقنا مطمـعـا
حتى إذا استمكن من عثـرة
أوقد نيران القلى مسـرعـا

ـــــــــــــ

لعل اللص في البيت

روى أبو المهزم الأعرابي قال:كان لأبي حية النميري سيف يسميه لعاب المنية. وكانت المغرفة أقطع منه، فدخل بيته كلب ليلة من الليالي من حيث لا يدري به، فلما حسه في البيت توهمه لصاً، فقام في البيت وقال: أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، جئت والله إلى خير قليل، وسيف صقيل، ونفس تأبى الضيم وتأنف العار، جارها آمن، وعدوها خائف، أما سمعت بلعاب المنية- ثكلتك أمك- مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، يقرب الأجل. ويبطل الأمل. أما تخشى- إن كنت أوطأتك نفسك العشوة فينا، وسولت لك ما لا تجده فينا- إن أدع قساً ملأت عليك الأرض خيلاً ورجلاً. فيا طيبها وطيب كثرتها. ما أنت والله ببعيد من بائقتها، والرسوب في لجتها، إن أقمت وثبت على طغيانك، وإن هربت أدركتك.
فما زال ذلك دأبه وهو يخاف أن يدخل، وإذا به قد خرج عليه كلب يبصبص فقال له: الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني منك حرباً. ثم قعد لا يدخل البيت، فقيل له: ما لك لا تدخل؟ فقال: لعل اللص في البيت وهذا كلبه قد خرج.

ــــــــــ

حنين

ابن زيدون

ودَّع الصبرَ محبٌ ودَّعَك
ذائعٌ منْ سرِّهِ ما استوْدَعكْ

يقرَعُ السنَّ علَى أنْ لمْ يكُنْ
زادَ في تلكَ الُخطا إذْ شَيَّعكْ

يا أخَا البدرِ سناءً و سنىً
حفظَ اللُه زَماناً أطْلَعَكْ

إنْ يطلْ بعدك ليلي فلَكَم
بتُّ أشكو قِصَر الليل

أعلى


 

الأدب الـشـعـبـي


* بوح ..

مفردات اليوم !


تكرار

يتناول الشاعر الكثير من المفردات في ثنايا قصيدته والبعض يأتيها بعفويته والآخر هي من تأتيه ومنهم من يحاول التنقيب عن المفردات التي تعجبه او ربما تميّزه عن الآخرين بحسب وجهة نظره ، وتختلف طرق التوظيف بين مختلف الفئات من الشعراء . ولكن هل وقف الشاعر أمام مجموعة من نصوصه للبحث عن المفردات المتشابهة المشتركة في مجموعة النصوص تلك ؟ .. أعتقد أن أغلب الشعراء لا يهتم لذلك ، ولذلك في الآونة الأخيرة أصبحنا نرى تشابها كبيرا في القصائد من حيث المفردة المتكررة في نصوص الشاعر الواحد او الجمل المتشابهة في نصوص مجموعة الشعراء حتى نكاد لا نميّز صاحب القصيدة مما يفقد الشاعر خصوصيته ، ونتمنى من الشعراء مراجعة أنفسهم في هذا الشأن بحيث لا يكرر الشاعر نفسه ونقدم نتاجا مغايرا في كل مرة يتميز بخصوصية معينة للشاعر نفسه.

لزوم ما لا يلزم

ملاحظة أخرى أيضا يجب التركيز فيها وعدم تكرارها وهي الجمل التي تحمل طابع ( لزوم ما لا يلزم ) وتطويع المفردات بمضادات أخرى في ذات البيت الواحد مثلا
( ذكرتك .. ما ذكرتك ) و ( يا سواد الحلم .. يا حلم السواد ) ، إضافة إلى أدوات القسم والتي يستخدمها الشعراء في قصائدهم ومثالها ( قسم بالله ) والتي أصبحت تتكرر كثيرا خاصة مع الشعراء الذين أصبح شغلهم الشاغل ( تقليد الآخرين ) و
( زج القوالب الجاهزة ) .. لماذا ؟ لاعتقاد البعض بأن ذلك سوف يسجل تقدما لتجربة الشاعر المنطلقة نقاط الصفر . وفي الواقع أن هذا خطأ واضح ربما المجّرب والمتابع للساحة يدركها وهي بسيطة الوضوح ولكن الشعراء الواقعين في هذا الخطأ من المؤكد لا يدركون ذلك او لم ينتبهوا .. وإن منهم تعمد ذلك فهي مصيبة !

العنوان

الكتاب يُستدل من عنوانه ، والقصيدة يعكس ماهيتها العنوان ، واختيار العنوان بحد ذاته يدلل على ثقافة الشاعر ومحتوى النص ، وليس صحيا أن يرى الشاعر ضرورة اختيار العنوان من المفردات المرافقة للقصيدة نفسها . وهنا نطالب الشعراء بضرورة الاهتمام بواجهة النص ( العنوان ) وتعيين مفردة او اثنتين تدلل على النص تنم عن ثقافة الشاعر وإبداع النص بعيدا كل البعد عن التقليدية او النظر بضرورة اختيار العنوان من مفردات القصيدة .

ومضة ..

باكر إذا مروا صحابي بدربي ..
واستكثروا أضواء كواكب عيونـــك
ابيك توقف ساعةٍ بس تربــي ..
هالحال ! ، كيفه ؟ واصلٍ وين دونك
إشعل فنارك قبل نارك تحر بـي !
ما عاد للدنيا بقى لك يـخونــــــــــك

فيصل العلوي *

*


ــــــــــــ

* وهج ..

أستأذنك ..

أستأذنك مني رحلت
علمني ويني أنتظر
مليت مني أحتضر !!

لا صبحي أنت ولا مساي أنته
كل ما بقى لي للأسف خنته
وتركت جرحي في يد الأغراب
كلما صدقني حبك الكذاب
أستأذنك مني رحلت
وأنته ولا غيرك


محفوظ الفارسي

ــــــــــــ

المنجنيق

يوم أينعت بالروس وين انت يالحجاج..؟
صار الحصاد أدنى من شفرة المنجل
اترجل الراكب واتعنّت السرَّاج
وشياهنا تسخر من ثورة المرجل
يا صالبٍ وجهي في لحية الحلاَّج
يا قابرٍ صوتي في راسي المثقل ..
قل الحكي حكمة.. وكثر الحكي.. إحراج
والقمح لولا الجوع ما ظن يتسنبل
كن الشفاه البكم .. قفلٍ على مزلاج
لا نام عبد الرب تصحي وتتمرجل
كل الوجوه اكذب من زرقة الأمواج
كل السنين أقسى من نبتة الحنظل
يهتز عرش الله.. ويطيح عرش وتاج
والقافلة تمشي والراحلة ترحل
يا صاحب العمة.. كان الدروب فجاج
مديت بأقدامي واصدحت بالهمبل
يوم أينعت وين أنت..؟ ناديت يا الحجَّاج
صار الخراب أدنى من شرفة المنزل

أحمد مسلّط

ــــــــــــــــــــــــــــ


بَعْدك .. !

غطّيه رمشك وأعطي العين راحه
لا ما بحاجة استدلك إلى الظل
كان الهوى نسناس في قلب واحه
وصار الهوى صعلوك في موسم ( البل )!
من وين ما يممّت أشياء مُباحه
متداولة في شفّها يركض الكل
أخطر من اللي شاهرٍ لك سلاحه
وأمضى من اللي فْحضرته يزقرك : ول
دونك ومرّي .. كم / قيسي المساحه
بس اْتركي باللي رفاته على التل
وش هوّه افضل من كلام الصراحه
دام الأمل يستهتر بْفاية الحل
ما أريد مستوصف وأْخشى الجراحه ..
لا زال جرحك قوّته منتهى الذل
سور الفخر بدوي عليك اجتياحه
بعدك صغيرة فالمراجيح والدل
حبٍ على ذلٍ أشوفه وقاحه !
ما اريد ظِلّه .. لو تعدّم بي الظل !

سعيد بن خميس الرحبي

،،،ـــــــــــــــــــــــــــ


أعلى


 

استراحة

أكبر من قصيدة ..
أبعاد حرف الجر لدى الحميدي الثقفي

فضاء:
لن ندرك أن الشعر آية جمالية ما لم يضخ النص في أوردة الذائقة أفيون التجلي، أو يحكّ صدأ الذات لدى القارئ بمحك الدهشة ويكنس عنها الرتيب من التكدسات السطحية. الشعر ليس هذا الوعاء المصفح الذي عشنا نملأه بكلامٍ عابر، لنصبح الأحق باتهام الآخرين لنا كوننا عابرين على كلامٍ عابر، إنما الشعر ـ كما أعتقده صواباً ـ هو كيف نتحول بين طرفة عين وانتباهة إلى مخلوقات أخرى تخرج عن طور الإنسان العادي، نصبح بأجنحة، نتأوه، نعيش ولو لوهلة ضئيلة مددا من الأخيلة والشعور والحس غير المرئي ما بيننا وبين ذواتنا، جراء اختلاج الأفئدة بمعانٍ غير مألوفة، صَبّبت عليها من سماءٍ أخرى، قد تكون سماء الشعر!
بابٌ للشعر:

صبّي الغيم يا سلمى لناسٍ غلابه
من عطشهم على الما.. يحلبون السّراب!

من بيتٍ شعريّ وحيد، يحولني الحميدي الثقفي إلى فارسٍ ضرغام، مدجج بأسلحة الوعي وأنا اواجه شعراء الفصيح، أو نخبة منهم، حين يعرفون الشاعر الشعبي / النبطي/العامي كالتالي:
بدوي، رث الملابس، يطوق بطن قدميه بقطعةٍ من جلد جمل، رُبِطت بدقةٍ وعنايةٍ.. باستخدام خيوط الوبر، مشكّلةً له نعليه، مسنداً هذا البدويّ ظهره على جذع السمر أو السدر، يجلس القرفصاء على كثيب رملٍ أصفر، وأمامه ترعى أنعام وإبل القبيلة، وهو ممسك بعصى الرعاة.. ليخط بها الشعر!!
في بيتٍ وحيدٍ للحميدي الثقفي، يحق لنا كشعراء أو كمتذوقين للشعر الشعبي (مع اختلاف مسمياته أو تسمياته) أن نتحول إلى أرقى شرائح الأرض من الناس، ونكسر الأطر والبراويز الركيكة التي نُصّبَت لملامحنا من قبل الآخرين، لنخرج باعتزازٍ وأنفة مرفوعي الهامة، منصوبي الجباه. يحدث كل ذلك حين يقودنا الحميدي الثقفي ببداوته إلى قلب الحضارة والتمدن وهو يرتكب الإبداع بــ (حرف جرٍ) صغير، قبل أن يبهرنا بفضاءات شعره وأخيلتها الجامحة.
مدخل:
فعندما يحاكي الثقفي الحياة بــ(سلمى).. وجب علينا التمهل والحذر، ومحاولة التخمين إن لم نملك آلية استقراء القادم، فمن ذا الذي يستجدي الحياة بــ (صبي) سوانا نحن (الغلابة) يا ترى؟.. إن كل كلمة ومفردة داخل هذا البيت الخالد منتقاة بعناية وامتياز من قبل شاعرها، فالغلابة ليسوا هم الفقارى أوالمساكين. لاحظوا أن حاجة الفقير إلى الماء موجودة، ولكنها قابلة لأن تُسدّ في وقتٍ وشيك، إنما الغلابة هم دركٌ آخر للعدمية، دركٌ قد لا تأتي بعده طبقة أخيرة، الغلابة لا يتمنون الخبز؛ لأن مجرد تمني الخبز لديهم قد يصيب أمعاءهم بالتليّف، إنهم بحاجة ماء، ماء فقط، كي يحفظوا كرامة وجوههم أمام الأبناء، ويحافظون عليها.
صيد:
(من عطشهم على الما)
مر بكٌ حرف الجرّ (على) حين يأتيك من وجع الحميدي، تتداخل الأبعاد الكثيرة لتحط متشابكة أمام ناظر القارئ، وأجدني ـ على مستوى الحالة الشخصية ـ مركون بين بعدين رئيسيين، الأول هو الظاهر في المعنى، وقد يكون الثاني خلاصة جيدة للمسكوت عنه في هذا الشطر..
(1) المعنى الظاهر:
هو أن الغلابة هنا يقفون أمام نبع ماء، متلهفين لسد العطش، إلا أن الطبيعة القاحلة أمام نواظرهم قد أحالت (السراب) إلى ماء.. أو العكس، وهي آية واردة عند أهل الصحراء على وجه الخصوص، فعادة ما يتبادى لنا السراب حين نكون على درجة عالية من درجات العطش، ويؤلمنا السراب أكثر حين نقارع مرحلة الظمأ. فهنا يحدثنا حرف الجر(على) عن وقوفنا مشدوهين أمام مشهد طبيعي مرئي، وارِد.
بدأ (الغلابة) دون حولٍ لهم أو قوة باستجداء الغيم، متضرعين إلى الله أن تهبهم الحياة مطر السماء، فها هم الغلابة ـ بعد أن عانوْا تلك القسوة التي تمارسها طبيعة الأرض والحياة من حولهم ـ يتجهون نحو تصوير السراب بضرعٍ حلوب، يدر عليهم الماء، بعد أن جلدهم الوقت طويلاً بسياط العطش، ليوقفهم عند قارعة النهاية/الموت.
(2) المسكوت عنه:
ماذا لو كان الغلابة ـ بالفعل ـ يقفون (على نبع ماء) عطشى؟ وصلوا عند حافة النبع أو ضفته، بعد أن اجتازوا المفازات والأديم القاحل، باتجاه هذا النبع سعيًا منهم وراء غاية سد العطش، وهم الآن بالضبط عند/ على/ فوق/ نبع الماء؟!.. لكنهم لا يستطيعون الشرب، أو بالأحرى.. ثمة قوة خارجية لا تأبه بحالتهم المزرية، ولا تهتم بمستوى الموت الذي هم عليه الآن.
كفة راجحة:
(على الما).. وأظنها الصورة الأرجح التي يسعى الثقفي إلى البوح بها، وما يجعلني أكثر تآلفا مع هذا البعد أو المعنى هو النداء الأول، حين بدأ الحميدي الثقفي صيحته أو صوته من جملة/عبارة (صبي الغيم).. لماذا؟ لأن حالة العطش التي عليها الغلابة الآن مقدور على أمرها، فهي حتى وإن أشارت إلى قلب القحط، أو موسم الصيف المتوحش لدينا نحن أهل الجزيرة على وجه الخصوص، هذا الفصل الذي نادرًا ما يمنّ فيه الله علينا بالمطر، تظل حالةً غير مستعصية، ويفترض أن يسكت هذا التضور في زمن عولمتنا بكل يسر، وعلى الرغم من أنف قاعدة مناخنا الصحراوي تنص على أنه (مناخ حار جاف صيفا، بارد شتاءً).
إلا أن المفروض مرفوض في هذا المشهد، فضاعت الحيلة لدى الغلابة بعد أن قطعوا مشوار التعب في سبيل الحصول على الماء (أضعف الحقوق/ أقل الإيمان) للمواطن، ووصلوا بالفعل عند المصب أو النبع، أو ضفة الماء، ليجدوا أنفسهم ( ممنوعون) عن الشرب، ولم يعد باستطاعتهم ـ مع الأسف الشديد ـ قتل العطش الذي يغتال أوردتهم، ما جعلهم يعيشون مرحلة من اليأس والإحباط، وربما أكثر من ذلك. فلم يبق في يد (الغلبان) حيلة أخرى سوى استجداء السماء أو توسل الحياة (سلمى) بــ: (صبي الغيم).
الزمن.. عامل فكٍّ لشيفرة الفكرة:
لا يجب على القارئ هنا تفويت زمن كتابة هذا النص، إذ أنه ولِد في زمن تسهيل صرف الماء والكهرباء والبنزين، فلماذا استحال على الغلابة إذاً(من وجهة نظر الحميدي) الحصول على الماء؟.. إن الأمر أبعد من ذلك طالما أن مَن في الأرض لم يعودوا بآدميتهم أو إنسانيتهم، واختفت الرحمة عن ضمائر وقلوب هؤلاء، وجعلوا من الغلابة ضرباً من المحقّرين المهضومين عن جدارة واستحقاق.
منخل البعد:
إن الصورة الآنيّة للمشهد الطبيعي داخل بيت الشعر أعلاه، موجودة، ولكنها مستبعدة من منطق الشاعر المجتهد، أي أن الحميدي الثقفي.. يعلم ـ كما هو معلوم لدى أغلب الناس ـ أن السراب خادع، كدموع التماسيح، فهو مقابل ذلك ليس ملزما بتكرار المعنى، وليس الشاعر المجتهد من يطرق المسمار على برواز مكرر، باستطاعة أي عابرٍ إنشاءه. إن حرف الجر (على) ليس هو ذاته المُصطَفّ بين حروف الجرّ الأخرى، بل هو إشارة إلى نقطة وصول (عند)، والذي يريد أن يخبرنا به الثقفي هنا:
أن الغلابة موجودون على رأس النبع الآن، وليسوا أمام/ على مرأى السراب، ولكنهم لن يستطيعوا الحصول على شيء.. لمجرد أنهم (غلابة)!!
البعد الواحد، يجلب الأبعاد الأخرى صوب المخيلة.. تـَـتـْرى:
إن الشاعر الحقيقي، منفلت عن أبجدية السرد انفلاتاً تاماً، وليس هو من يوظب لنا المرئي من المشاهِد في قالبٍ مرئي مماثل، وما مِن شاعرٍ حقيقي يصِفّ لنا الرتابة بانتظامٍ فوق جسد الرتابة نفسه؛ المزروع منذ أمدٍ بعيدٍ بين أصابع أو سيقان دواخلنا. لذلك نجد الحميدي الثقفي شغوف بارتكاب الأبعاد الأخرى، تلك المشاهد الحقيقية البارزة ـ وأقصد الفجائعية منها ـ التي يعجز الإنسان العادي عن سرد تفاصيلها، أو التعبير عنها كما أنزلتها الطبيعة، أو تلك الفرضيات التي أحكمت على حرية واقعه المعاش. فليس الحميدي الثقفي ـ وهو المالك الأول والأخير لــ (شمس أبجدية) ـ من يحب الثرثرة أو الهذي على المشهد المألوف بمألوفٍ مثله، وعبر نسخة كربونية مطابقة له، إنما الحميدي هو البدوي/ الحضري/ الذي يصلح في كل مكانٍ أو زمان لصنع الخضرة، مع أنه يأتي في أول القائمة الخاصة بــ(أشد أنواع الغلابة من البشر) كما يتضح لي ذلك من خلال تجربته الشعرية الناضجة. وحين يحدثني أصدقاؤه عن شكل الواقع المؤلم الذي يقتات حياة الثقفي ليل نهار بالظلم والجبروت وسلب الحق اللا مبرر له؛ فأنا لا أبكي أبداً أو أتألم لأجله، لا أتعاطف معه البتة، إنما أجدني أسند رأسي على أي جدار مثقوب، قد تكون حياتي برمتها عرضة للخطر بجوار هذا الحائط وكواته أو ثقوبه، والذي قد تخترقه أي رصاصة (حكومية) أو (طاغية) أو (مغتصِبة) لمجرد جلوسي هنا خارج المتاح، ذلك أن ظهري قد استند على ممتلكات محظورة، ليس لي حق اختراق خطوطها الحمراء. أنا أملك الـ(فيتو) بأكمله أيها العالم؛ لأنني مخدر بأفيون دهشة، مبنج بالشعر الحقيقي الذي مرره الحميدي الثقفي (سيد الغلابة) داخل أوردة الدم، وأحالني إلى جسدٍ مجرد، مرئي نعم.. ولكنه بروحٍ أخرى، لا تطالع العالم، إنما هي راحلة في أمان الشعر إلى مدارك الصدق واللا مألوف، بمجرد قراءتي هذا البيت/ القصيدة!

جمال الشقصي *

* سكرتير تحرير مجلة شاعر المليون

أعلى



مسرح الطفل في عمان: الواقع والطموح

إن الحديث عن نشأة مسرح الطفل يرتبط ارتباطا وثيقا بالإعلان عن حقوق الطفل التي ورد في ميثاق الأمم المتحده في جلسته المنعقده في 20 / نوفمبر / 1959 حيث حددت الأمم المتحده بعض الحقوق التي لابد أن يتمتع بها أطفال العالم منذ الولادة والتي يشكل الأمن الاجتماعي والصحي والتعليمي والثقافي والاقتصادي جانبا منها. كما لم تتجاهل هذه الحقوق حق الطفل في اللعب والتسلية وتنمية مدركاته وإحساسه بالمسؤلية الأدبية والاجتماعية. يرى ( مارك توين ) رائد مسرح الأطفال في العالم بان مسرح الأطفال هو من أعظم الاختراعات في القرن العشرين وان قيمته التعليمية الكبيرة سوف تتجلى قريبا ... انه أقوى معلم للأخلاق وخير دافع إلى السلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقه مرهقة أو في المنزل بطريقه مملة بل بالحركة المنظورة التي تبعث الحماس وتصل إلى قلوب الأطفال التي تعتبر وعاء لهذه الدروس. إن أهميه مسرح الطفل يتجدد في كونه يحقق البهجة والسرور للأطفال، لكن السعادة والبهجة والسرور ليست وحدها عناصر كافيه لوجود مسرح الطفل، وبالتالي تزداد أهميه مسرح الطفل يوما بعد آخر نظرا لما يحققه من أهداف جعلت الكثير من دول العالم تهتم به وتسعى إلي زيادة أعداد مسارح الأطفال في كافه بلدان العالم. إن لمسرح الطفل العديد من الأهداف التي يمكن أن يحققها: فهو قادر على خلق الاتزان العاطفي وتقبل التعليم بسهوله والتعامل مع المجتمع بنجاح ، كما انه قادر على إثارة عواطف الطفل بعد مشاهده المسرحيات بحيث ينمي لديه الأحاسيس الطيبة والإدراك السليم بالإضافة إلي انه يمد الأطفال بالمعلومات مما يساعدهم على إدراك سر العالم الذي يحيط بهم، هذا إلى جانب قدرته على إثارة خيال الأطفال وزرع القيم الدينية والخلقية والاجتماعية والسلوكية لديهم ، وأخيرا يمكن القول بأنه مدرسه شاملة يمكن أن يتعلم منها الأطفال الكثير من الدروس والعبر وبالتالي كان لزاما علينا الاهتمام بهذا الشكل المسرحي الجميل.
عندما نتحدث عن واقع مسرح الطفل في عمان فإننا نتحدث عن مجموعه من التجارب المسرحية البسيطة والمتفرقة التي قدمتها مختلف الفرق المسرحية في السلطنة. ويعتبر عام 1972 هو البداية الأولي لظهور أول مسرحيه للأطفال في السلطنة وذلك من خلال مسرحيه (الفارس الشجاع) والتي قام بإعدادها وإخراجها أعضاء مسرح النادي الأهلي حيث اعتمدت مادة هذه المسرحية على حكايات ألف ليله وليلة، كما ظهر مسرح الطفل أيضا من خلال مجموعه مسرحيات العرائس والتي قامت وزاره التربية والتعليم بتقديمها من خلال المسرح المدرسي. أيضا كانت هناك بعض المحاولات والأنشطة المسرحية الخاصة بالأطفال قدمتها وزاره التنمية الاجتماعية في الفترات السابقة وقد تمثل ذلك من خلال مجموعه من المسرحيات والدورات التدريبية عن مسرح العرائس، ففي عام 1989 قدمت مسرحيه ( ليلى والذئب ) وفي عام 1991 قدمت مسرحيه ( يوم المحبة والتعاون) وفي عام 1994 كتب محمد نور البلوشي مسرحيه ( امل والساحر)
أما الدكتور عبد الكريم جواد فكتب مسرحية (سندريلا) عام 1996 وجميع هذه المسرحيات كانت ذات مواضيع تربوية وارشادية خاصة بالأطفال الذين تفاعلوا معها ومع موضوعاتها.
كما برز أيضا دور مسرح الطفل من خلال مجموعه المسرحيات والدورات التدريبية الخاصة بمسرح العرائس والتي قدمها متحف الطفل في السنوات الأولى من إنشائه بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم. أيضا ساهمت بعض الفرق الأهلية بتقديم بعض مسرحيات الأطفال من بينها مسرحيه( الكنز المفقود ) والتي كتبها صالح الفهدي لفرقه الصحوة المسرحية عام 1997. كما كتب يوسف البلوشي مسرحية ( القرد صديقي ) لفرقه مزون المسرحية عام 2000 . هذا إلى جانب ما كتبه عماد الشنفري لفرقه صلالة لفنون المسرح ، من بينها مسرحيه ( علي والحيوانات) عام 1999 ومسرحيه (الطفل واللصوص) عام 2000 . أما المسرح الجامعي فقدم مسرحيه ( ارض المسك ) لرحيمة الجابري عام 1999 ، هذا إلى جانب غيرها من التجارب التي ظهرت في السنوات الأخيرة خاصة أثناء تنظيم المهرجانات الموسمية كمهرجان مسقط ومهرجان خريف صلالة والتي وجدت تفاعلا كبيرا من جماهير الأطفال على اختلاف مراحلهم العمرية. ويضاف إلى ذلك تلك الإصدارات الأولى لمسرحيات الأطفال ومن خلال الدور المتميز الذي يقوم به الكاتب المسرحي هلال العريمي الذي ولا شك ستساهم كتاباته ونصوصه لمسرح الطفل في إثراء الساحة المحلية بأعمال ستجد مكانتها في تقديم الجديد وبما يخدم الطفل وثقافته. وها نحن ندعو إلى الاهتمام والارتقاء بثقافة الطفل من خلال المسرح وان تكون هناك نظرة مستقبلية جادة بتشكيل مسرح خاص للطفل في السلطنة يكون له مكانته المسرحية بين الفرق والأشكال المسرحية الأخرى، ولعل مهرجان مسرح الطفل العماني الأول الذي نظمته فرقة مزون الأهلية في ديسمبر 2007 يأتي خطوة جادة نحو تحقيق هذه الطموح ، مدركين قبل كل شي بان مسرح الطفل ما هو إلا مؤسسه تربوية تعليمية ترويحية وكذلك مدرسه فكريه وجمالية تسعى لصقل روح الطفل وتنمي فيه التذوق والجمال والثقة بالنفس.

د.محمد بن سيف الحبسي *


أعلى




من خلال الدراسات العربية

صورة " ألف ليلة وليلة " في الأدب الفرنسي ( 2 ـ 7 )


تعرضنا في الحلقة السابقة إلى بعض أوجه تأثير "ألف ليلة وليلة" عند كبار الفلاسفة والمفكرين والأدباء الأوربيين، وفي هذه الحلقة سنتعرض لنموذجيين من نماذج التأثير الأدبي:
أ- الرواية :
لقد ظهر في فرنسا مؤلفات قصصية عديدة متأثرة بأسلوب "ألف ليلة وليلة " وأجوائه ،وأضافت هذه الأجواء بعدا آخر، يتناسب والبيئة التي كتب فيها. تجد مثال على ذلك عند الكاتب " تيوفيل قويتي " في أربع من مؤلفاته : وهي " غداء في صحراء مصر" ، و" ليلة من ليالي كليوبترا" ،و" قدم المومياء "،و"الليلة الثانية بعد الألف". وقد تخيل في الرواية الأخيرة أن قريحة شهرزاد جفت ، فجاءت إلى المؤلف تسأله حكاية فيقصها عليها، ويجعل أحداثها تجري في القاهرة . حيث إن حكايات شهرزاد أوقفت مجرى الدم ، في واقع شهريار ، بينما لم تستطع ـ فيما يبدو ـ أن توقف مآسي واقع " قويتي"، أو عصره فحكايات شهرزاد بحاجة إلى بعد آخر يتناسب وهذا الواقع .
وفي رواية "ترمل شهرزاد" لـ "هنري دي ريني" أطلق الكاتب العنان لخياله فتصور الرواية ابنة إسكافي تعلمت مجموعة من الحكايات وقبلت التزوج من الملك شهريار الذي دفعته لفرط تعلقها بمظاهر البذخ إلى فرض ضرائب جديدة والقيام بغزوات لتوفير المال، لكن الشعب يثور على الطاغية ويقتله في الليلة الواحدة بعد الألف. فتصبح شهرزاد أرملة وتصبح ملكة البلاد. لكن فقدها لجمهورها المتمثل في الملك يثير في نفسها قلقا تحاول أن تدفعه بجميع الوسائل، فتدعو مجموعة من الرواة لتسليتها، فلا يزول قلقها إلا عندما تتعلق بشاب يمكّنها من استئناف رواية حكاياتها.
ويتابع المؤلف في رواية ثانية بعنوان "رحلة الحب" مغامرة شهرزاد فيتخلى عنها الشاب فتسافر من بغداد إلى باريس، وتعاشر هناك امرأة وحيدة مثلها وتكشف عالما جديدا، بينما لا يوجد في شهرزاد هذه الأجواء ، فشهرزاد في الليالي العربية هي الراوية طيلة الليالي، وعلى الرغم من أن شهريار كان طاغية إلا أنه أصبح في نهاية الأمر، وبفضل حكمة شهرزاد ـ زوجته ـ حاكما صالحا. فقد أراد المؤلف أن يثور ضد الأوضاع ويكلل ثورته بالنجاح حين يقضي الشعب على حاكمه الطاغية، بينما شعب الليالي العربية لم يفعل ذلك، فقد عولج الأمر بالحكمة، بينما عالجه المؤلف بالثورة .
وتحمل رواية " شهرزاد " لـ "نيكول فيدال" الطابع نفسه . كما تأثر "بلزاك " بالشرق ، فانعكست بعض أجواء ( ألف ليلة وليلة ) على نتاجه الأدبي ، وخاصة في روايته "الجلد المسحور" و "زنبقة الوادي" .
الشعر:
لم يكن الشعر بمنأى عن التأثر الحاصل من الليالي العربية ، فلا شك ـ كما يرى أحدهم ـ أن قصصا من قصص " ألف ليلة وليلة " كان شائعا في أوربا في القرون الوسطى، حيث كان التناقل الشفوي بين الناس للقصص العربي مصحوبا بترجمات عديدة، لمجموعة من القصص العربية التي عملت لتسلية طبقات عصرية من القراء، هذه القصص الشرقية، هي التي كانت تفضل على قصص القرون الوسطى، لا بكثرة تنوعها وتعدد معانيها ، وعرضها الأدبي الفني وحده ، وإنما لخصوبة خيالها العربي. ونجد عند " كليكسور " أصداء هذه الليالي في مجموعته الشعرية التي أصدرها سنة 1902م بعنوان ( شهرزاد) وتحدث فيها عن الشرق وعن علاقة هارون الرشيد بشارلمان.
قصائد الأمثال الفرنسية : إن قصائد الأمثال لـ" فلوريون" تسري فيها إيحاءات ألف ليلة وليلة سريانا عنيفاً، وقد كتبها "فلوريون" في القرن الثامن عشر، ولا شك أنه قد اطلع على ترجمة (غالان) فقد نشر قصائده سنه 1792م أي بعدما يزيد على ستين سنة من ظهور ترجمة غالان. ففي قصيدة ( الأعمى والمقعد) التي يضرب بها "فلوريون" مثل التعاون بين الضعيفين والتي تقع حوادثها في مدينة آسيوية ، نجد فيها صدى لذلك المثل الذي يضربه التاجر للملك في (الليلة الخامسة بعد التسعمائة ) حكاية ورد خان بن الملك جليعاد ، ففيه يذكر التاجر أن ناظر البستان يقول للأعمى: "الحيلة في ذلك أن يقوم الأعمى ويحملك إليها المقعد على ظهره، ويدنيك من الشجرة التي تعجبك ثمارها، حتى إذا أدناك منها تجني أنت ما أحببت من الثمار، فقام الأعمى وحمل المقعد وصار يهديه السبيل". إن فكرة كيفية التعاون هي واحدة في نص ( ألف ليلة وليلة ) وفي قصيدة (الأمثال ) لـ"فلوريون" وهي أن يقوم الأعمى بحمل المقعد على كتفيه وإذا كان هناك فرق فهو في شخص صاحب الفكرة ،الذي كان في الحكاية ( ناظر البستان)، بينما هو (المقعد) في قصيدة "فلوريون" ولكن هذا الفرق لا يحول دون الاعتقاد بوجود صلة بين القصيدة وبين نص (ألف ليلة وليلة).
حكاية الأعمى بابا عبدالله : أخذ " شامسو" ذو الروح الفرنسية التي انحدر منها ، والروح الألمانية التي اعتنقها عن قصص (ألف ليلة وليلة )قصة (عبدالله و الدرويش ) وقد ترجمها (غالان ) تحت عنوان (حكاية الأعمى عبدالله)، فصاغها (شامسو) شعرا، وهي تتألف من مائة وثمانين بيتا ، لكن القصة في الليالي العربية وردت على لسان بابا عبدالله وهو يحكيها لهارون الرشيد. أما عند (شامسو) فتحكى في الغائب، وتتلخص قصيدة (حكاية الأعمى بابا عبدالله ) في الآتي: أقام عبدالله بينبوع في الصحراء بالبصرة ليستريح .. وكانت إبله ترعى ، وعدتها ثمانون بعيرا، هناك وصل إلى نفس الينبوع (درويش) قادما من بغداد .. سأل كل منهما صاحبه عن وجهة سفره، وتحدثا عن هذا المكان ،فقال الدرويش : أعرف هنا في هذه المنطقة كنزا لا ينفذ .. ولو حمل الإنسان ثمانين بل ألف بعير ذهبا وجواهر لما بدا أنه أخذ منه شيء. ملأ الجشع نفس عبدالله ، وقال للدرويش: قدني إلى هناك .. ودعنا نحمل الثمانين بعيرا بالذهب وأعدك جزاء هذه الخدمة، وأعطيك واحدا من أحسن البعران وأقواها ، محملا بالذهب. قال الدرويش: لك أربعون بعيرا، ولي أربعون بعيرا فهذا هو العدل. ثم تستمر الحكاية ـ كما في النص العربي ـ لحكاية (عبدالله و الدرويش ) في (ألف ليلة وليلة) ، حيث يتفقان على المناصفة حتى إذا بلغا الكنز ، وحمّلاه الثمانين بعيرا ، دب الطمع في نفس بابا عبدالله ، وراح يطالب الدرويش بالتنازل له عن عشرة جمال من نصيبه ، ثم عشرة..وهكذا إلى أن أخذها كلها، والدرويش يوافقه على مطالبه، ولم يبق عند الدرويش سوى المرهم، الذي حرص على البحث عنه في قصر الكنز، وقد أخذه فظن عبدالله أن له خواص عجيبة، فسأل الدرويش أن يمسح على عينه اليسرى بالمرهم، فأبصر تحت الأرض ذهبا وماسا وزمردا ويواقيت و معادن وأحجارا كريمة، وشك فيما يقوله الدرويش عن تأثيره على العين اليمنى، فظن الدرويش يخفي عنه الحقيقة، واعتقد أنه إذا ما وضع منه على اليمنى، فسيمتلك هذه المعادن النفيسة؛ ولهذا طلب من الدرويش أن يضع منه على عينه اليمنى، فحذره الدرويش من مغبة ذلك، ولكنه أصر، فوضع الدرويش من المرهم على عين عبدالله اليمنى، ففقد بصره من كلتا عينيه. توسل عبدالله وصاح بالدرويش، ولكن عبثا، ثم جمع الدرويش الثمانين بعيرا، وساقها إلى البصرة، بينما بقي عبدالله أعمى يائسا بالينبوع في الصحراء .. إلى أن جاء أحد التجار وأشفق عليه، ثم أخذه معه إلى بغداد .

د. حمود الدغيشي *
* كاتب عماني

أعلى


 

للصورة بعدان
ذكريات الزمن القادم


يحكى أن
في سماء شرق المتوسط
اقتربت نجمة متلألئة من قاع الأرض
وجهت ضوءها المتلألئ في أحشاء امرأة حبلى بالوقت
امرأة ظلت تنتظر عودة "الفارس"
مع الأطفال، والنسوة، ومع الرجال
امرأة مسكينة
كالأطفال الصغار، كمن تنتظر قدوم العيد
ظلت تنتظر عودته فوق أرض لا يعرفها الزمن
***
تأكيد ما يحكى
في لحظة من عمر الزمن الذي قد مضى
كان الشتاء يعبث بالأرض وقطرات المطر تحفر في وجه الحبلى الندوب
الحبلى تعاني مخاض الخروج
بالليل، وفي الليل، وما بينهما ماتت المرأة الحبلى وهلّت علينا الطفلة "شهد"
فأيقظت الموتى الذين كانوا نياما من صلواتهم
استيقظ "محمد"
استيقظت "تودد"
استيقظت "فاطمة"
واستيقظ "......."
دقت "شهد" كل أبواب المدينة
فاستيقظ النجارون والصيادون والحدادون والفلاحون
***
كبرت "شهد"
وكأي فتاة صغيرة حاضت
وكأي فتاة صغيرة برزت تكويرة النهدين
وكأي فتاة أخذت تكبر، بدأت الشهوة تتحرك
فأين تذهب برغبتها ورجال المدينة قد بلغوا من العمر عتيا؟
صرخت أبواب المدينة : أين الرجال؟
نادت النسوة : أين الرجال؟
قال الرجال : كلنا كبار والقوي منا اسمه "فارس" قد سافر في غيمة للرزق
قال محمد : سأبحث عنه بين جذور الأرض وحشائشها
قالت تودد : سأصعد فوق السلالم وأهبط لأحرث البحر بحثا عنه
قالت فاطمة : سأكلم الطير ليأتينا به
وقال سالم : سأقرض الكتب والدواوين وأختبئ بين الساردين وسأتنبأ بمكانه

***
تزلزلت الأرض
وكادت أن تقع الواقعة لولا نطق السماء
جاء طفل من أقصى المدينة يسعى
وجاءت طفلة
كانا يحملان لوحا منقوشا بالتصاوير والرموز

قال الطفل الأول : (..................)
قالت الطفل الثاني : (................)
تقهقرت "شهد"
ربطها الطفلين بحبل من عنقها
وصعدا بها نحو الأعلين
"شهد" تتألم والطفلان يدخلان في دائرة صوتية ويختفيان
تزلزلت السماء
نزفت أشجار النارجيل والفافاي
تحركت الجبال وهاجت أمواج البحار
فهلّت علينا السماء بالرجل "فارس"
جاء "فارس" غارقا في النزيف
ودخل في لغة الكلام مع صاحبة الوجه
ظن أنها جنية البحر قد صعدت إليه مع الغيوم
وظنت "شهد" أنه استجابة الشهوة
ركضت نحوه فعانقته وقبلته
واستجاب لعناقها وقبلاتها فبقر بطنها بسكينه فقتلها
يأتي بداخل الكلام ويهتف باسم شهد
اهتز عرش السماء
تهاوت "شهد" أرضا واستقبلها الناس في المدينة
اقترب كل الموتى الذين استيقظوا من نومهم من جثتها وبكوا
واقترب كل النجارين والصيادين والحدادين والفلاحين
صار الجميع يضحكون ويرقصون ويقطعون الجسد بأدواتهم ويأكلون ما تبقى منه
انتعشت الأرض واخضرت البساتين وجرى الماء في العيون
اقترب الميت الأول من "الفارس"
واقتربت الميتة الأخيرة
ظل "الفارس" واقفا أمامهما وأخبرهما بأنه قد قتل الجنية وعاد بالخير على المدينة
صاح الميت الثاني : لقد قتلنا الحبيبة
صاحت الميتة الثانية : لقد قتلنا الحبيبة
وصاح "الفارس" مستفسرا : من تكون الحبيبة؟
***
جزء مقتطع أغفلته الحكاية
بالليل، وفي الليل، وما بينهما
زحفت المرأة الحبلى إلى جذع نخلة في المدينة
صرخت متألمة من الوضع
اقتربت منها امرأة أخرى فسألتها عن حاجتها واشترطت عليها
قالت : إن وضعتِها أنثى فستموت بعد زمن أو ستشيخ مثلي في الأزمنة
سألتها الحبلى : وإن وضعته ذكرا؟
قالت المرأة الأخرى : سيبقر بطن كل النساء
بكت الحبلى مستسلمة لقدر المرأة الأخرى، وماتت كمدا من الحزن
وبالليل جاءت "شهد"
وفي الليل جاء "الفارس"
وما بينهما "شهد" قد أكلتها المدينة

***
نامت عيون الناس
نامت عيون الأطفال
وأغلقت المدينة أبوابه

آمنة الربيع

 

أعلى

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept