ثلاثة خبراء يجمعون على ضرورات الانسحاب من
الجولان
دعوات إسرائيلية لإحياء المسار التفاوضي مع سوريا
علي بدوان*
قبل فترة قصيرة، كتب الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي افرايم عنبار
في بحث استراتيجي عنوانه " كيف اخفقت إسرائيل في لبنان في صيف
2006 " يقول " إن إسرائيل أخفقت في حربها الأخيرة في لبنان
ويرد ذلك الإخفاق إلى عدد من الأسباب هي: فشل الاستعداد، وإدارة
إستراتيجية غير مناسبة زمن الحرب، ونصب أهداف غير واقعية، وتجاهل
الموقف الاسنادي السوري لحزب الله، مع استمرار الخمود في المسار
التفاوضي السوري/الإسرائيلي ". كما كتب الخبير الاستراتيجي
يفتاح شبير، في مقالة إستراتيجية عنوانها " ازدياد جيش سوريا
قوة " يقول " إن الجيش السوري قد أخذ في المدة الأخيرة
يزيد قوته في مجالات كثيرة، وخاصة بعد تجديد وإعادة إحياء العلاقات
العسكرية مع روسيا، في ظل استمرار المراوحة بعملية السلام بين سوريا
وإسرائيل ". أما الخبير الاستراتيجي الدكتور داني بركوفيتش،
فكتب في مقالة استراتيجية عنوانها " الحروب - لا تحدث إلا في
الصيف؟ " يقول " إن القيادة الاسرائيلية تتابع بيقظة واهتمام
وحذر ما يحدث في سوريا في المدة الأخيرة، وهوامش الأمن لدولة إسرائيل
ضيقة وقد تكون الاخطاء باهظة الثمن جداً "، وفي مساحة الالتقاء
المشتركة يجمع الخبراء الإسرائيليون الثلاثة على ضرورات الانسحاب
الإسرائيلي من الجولان كشرط لابد منه لتوفير السلام لإسرائيل "،
وينادون باحياء المسار التفاوضي الإسرائيلي السوري في انابوليس والتقاط
الفرصة المعروضة.
المقدمة أعلاه، كافية لامعان النظر والتحليل بمدى ما تشكله وماتحمله
مسألة التسوية المنهارة والمتوقفة فوق هضبة الجولان منذ سنوات طويلة
على الجانب الإسرائيلي، والحراكات الداخلية الناشبة داخل إسرائيل
على خلفية الانقسام الداخلي بشأن التسوية مع سوريا واستحقاقاتها
المطلوبة. فمنذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديداً بعد انتهاء جولات الحرب
العدوانية الدموية الإسرائيلية ضد لبنان صيف العام الماضي، بدأت
تتعالى الأصوات الإسرائيلية الحكومية والعسكرية والأمنية، تتحدث
عن واقع التسوية المأزومة مع سوريا، بعد أن فقد الجيش الإسرائيلي
" الهراوة الردعية " في حربه الأخيرة على لبنان، فدفعت
إسرائيل ثمناً بشرياً ومعنوياً فادحاً، وعن مدايات الاستعداد العسكري
السوري لتوجيه ما أسماه البعض في إسرائيل ( ضربة عسكرية قاسية )
لإسرائيل، بل وحدا البعض من القادة الإسرائيليين للقول بأن إسرائيل
ستبقى تعيش تحت كابوس الضربة القاتلة من جيش محترف، منادية بضرورة
العودة إلى طاولة المفاوضات، لكنها ومعها المصادر العسكرية تؤكد
بأن الخيار التفاوضي السوري ليس وحيداً بعد أن أكدت سوريا أكثر من
مرة أن هناك " خيارات اخرى " لديها لاستعادة هضبة الجولان.
فلم يعد الأمر مقتصراً على الخيار السياسي وحده. وبالرغم من الضجيج
الإعلامي الإسرائيلي بشأن الاستعداد العسكري السوري، انتقلت بعض
الأوساط السياسية في تل أبيب للحديث المتفائل بشأن التسوية مع سوريا،
مبشرة باحتمالات إقلاع قطار التسوية المتوقف فوق الهضبة السورية
منذ عام 2000 عندما انهارت مفاوضات شيبرزداون مع الجانب السوري نتيجة
الهوة الكبيرة بين الطرفين بشأن مبدأ الانسحاب الشامل والترتيبات
الأمنية وغيرها من المواضيع التي باتت تشكل نقاط استعصاء كبيرة على
مسار التسوية بين سوريا وإسرائيل. وفي تقدير عدد من المحللين الاستراتيجيين
فان أكثر من سبب يكمن وراء عودة الحديث عند بعض المراكز القيادية
الإسرائيلية عن "الخيار السوري " إذ لا يكاد يمرّ يوم
دون أن تطالعنا وسائل الإعلام الإسرائيلية بعناوين مرتبطة بهذا الخيار،
وهي ليست المرة الأولى التي يحدث فيها انتقال لمواقف بعض صناع الديبلوماسية
الإسرائيلية من المركز الفلسطيني إلى " الخيار السوري "،
فالأسباب التي يفترضها المحللون السياسيون لانبعاث الحياة مجدداً
في الخيار السوري إسرائيلياً هو حقيقة الوهن الذي طرأ على المسار
الفلسطيني في الصراع وذهاب إسرائيل بعد مؤتمر أنابوليس لخيار إدارة
المسألة أو الصراع مع الفلسطينيين عوضاً عن السعي للتوصل إلى حلول
حقيقية. فإسرائيل ومن وجهة نظر نخبها، تدعي أن بإمكانها أن تضبط
مفاعيل الحل مع الفلسطينيين على هذا النحو أو ذاك أو أن تلتفّ على
استحقاقاتها وأن تؤجّلها إلى أجل غير مسمى. وهناك سبب يبديه المحللين
والمتابعين، وهو سبب كامن في حقيقة أن هناك قبولاً إسرائيلياً يتأتى
بشكل ما كل يوم لدفع ثمن اتفاق مع سورية قوامه إعادة الجولان المحتل،
وأن هناك استعداداً في الرأي العام الإسرائيلي للقبول به، ويشار
هنا إلى حقيقة أن المستوطنين المستعمرين الإسرائيليين في الجولان
السوري، في قطاع واسع منهم، لم يأتوا من أيديولوجيا استيطانية بقدر
ما ذهبوا إلى حيث هم في مستعمرات بعيدة عن نقية الهواء ومرفّهة بعيدة
عن التلوث والضجيج. وفيما مضى أعلنت نسبة عالية منهم في استطلاعات
للرأي استعدادها لدفع الثمن ـ من ناحيتها ـ لقاء سلام مع سورية بالانتقال
إلى داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وبمعنى ما، ستكون إعادة الجولان
لأصحابه أسهل بكثير من فكرة إعادة الضفة الغربية والقدس للسلطة الوطنية
الفلسطينية، الأمر الذي يقودنا إلى حقيقة كون الاستحقاق السوري بالنسبة
لإسرائيل والإسرائيليين أقل وطأَة وكُلفة على الجبهة الداخلية من
الاستحقاق أو جملة الاستحقاقات الفلسطينية. هذا في حين تراهن بعض
مصادر القرار في إسرائيل إلى أن الخيار السوري قد تستتبعه تطورات
أخرى تتعلّق بالوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط عموماً، كالمراهنة
على ماتسميه المصادر الإسرائيلية " إبعاد سورية عن المحور الإيراني
ودمجها في محور الاعتدال العربي ".كما يشير بعض الأكاديميين
الإسرائيليين المختصين بالشؤون الاستراتيجية، أن يكون لذلك قِيم
إضافية تتعدى الاتفاق الثنائي بين سورية وإسرائيل، مثل إضعاف المفاوض
الفلسطيني بإبقائه وحيداً وأخيراً في الميدان، أو إضعاف قوى المقاومة
الفلسطينية بشكل عام، عبر بتحييد حليفها الإقليمي أو بتر الصلة معها،
فأي اتفاق سلام مع سوريا من الوجهة الإسرائيلية سيؤثر بطريقة غير
مباشرة على " الحلبة الإسرائيلية ـ الفلسطينية لجهة تحقيق المزيد
من إضعاف الفلسطينيين، وفصل دمشق عن طهران وحزب الله ".
وفي هذا السياق فان شريك أولمرت الرئيسي في الائتلاف الحكومي، زعيم
حزب العمل الجنرال أيهود باراك، الذي يحظى بتأييد حازم من هيئة الأركان
العامة للجيش الإسرائيلي، وبمساعدة الشاباك، صرح مراراً في الأونة
الأخيرة بأنه يعتقد " أن الجهد السياسي يجب أن يجري في القناة
السورية تحديداً، بينما يتعين إدارة الجهد على القناة الفلسطينية
بحذر وعلى نار حامية "، ويساند باراك في وجهة نظره وتقديراته
المؤسسة الأمنية التي تقرر بأنه" توجد الآن فرصة جيدة وضرورة
حقيقية للتوصل إلى اتفاق سلام ملزم مع سوريا، وهو اتفاق يكون قادراً
على توفير البضاعة، في مقابل الحصول على تنازلات جغرافية ".
وعليه، وفي مجرى العملية الإعلامية التحشيدية داخل إسرائيل، فقد
نشرت الصحف الإسرائيلية أواخر العام الماضي 2007 معلومات نفتها سوريا،
وتتضمن تسريبات عن " اتصالات سرية " إسرائيلية ـ سورية،
دعمتها تصريحات مسؤولين في الدولة العبرية تدفع باتجاه فتح قناة
تفاوضية مع دمشق، مشيرة أيضاً إلى وجود " مبادرة سلام "
سرية يقودها وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك، الذي قالت إنه
عيّن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق أوري ساغي منسق مشروع
التفاوض " مع السوريين، وبواسطة رئيس الحكومة التركية رجب طيب
أردوغان، أوضح فيها باراك بأنه " يعرف ثمن السلام مع سوريا
(إعادة الجولان كاملاً)، ومستعدّ لدفعه". لكن مقابل قطع العلاقات
مع إيران، ووقف دعم سوريا للمقومة الفلسطينية، وأضافت المصادر الإسرائيلية
إلا أن الرسائل الإسرائيلية التي بعثت خلال العام الماضي لم تؤدّ
إلى نتيجة تذكر، خصوصاً بعد الغارة الإسرائيلية (الملتبسة) على الأراضي
السورية في السادس من سبتمبر 2007.
في هذه الأثناء أشارت استطلاعات للرأي في إسرائيل نشرت في ابريل
الماضي أن (74 %) من الإسرائيليين لايثقون بموقف سوريا بصدد السلام،
وأن (45%) منهم مع استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا، على فرض
أنها ستعنى أيضا بمستقبل الجولان، بينما عارضها (48%) وأن (44%)
ضد أي انسحاب من الهضبة السورية، مقابل (44%) مع انسحاب جزئي، ونسبة
(10%) مع الانسحاب الكامل. وعلى هذا الأساس أضحت تعقيدات الانسحاب
الإسرائيلي من الجولان مطروحة على جدول الأعمال لدى موقع القرار
في إسرائيل، بين مؤيد لانسحاب جزئي وانسحاب شبه كامل وبين رافض لمبدأ
الانسحاب، وارتفعت بذلك عقيرة أصوات التطرف التي تجاوب معها أولمرت
لتغطية اخفاقاته وكسبها إلى صفوفه، فقد همس أيهود اولمرت لبعض رجالات
الصحافة الإسرائيلية قبل فترةً قائلاً " هضبة الجولان دون سلام
" أفضل من " السلام دون هضبة الجولان " ، وأضاف "
ستبقى الجولان في أيدينا إلى الأبد ". فالكلام أعلاه لأولمرت
قيل بطريقة توحي بدرجة عالية من اللامسؤولية، ويكذب الادعاءات السلامية
الإسرائيلية والكلام المعسول الذي يصدر أحياناً عن تحالف حكومة (
العمل و كاديما ...) بشأن المفاوضات مع سوريا. خصوصاً عندما تتراكم
المعلومات المتسربة والواردة من على طاولة أولمرت، والتي تشير إلى
النوايا التي تؤكد عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وقادة الجيش
الإسرائيلي الذين يتحدثون عن الحاجة إلى تغيير النظرية الاستخبارية
العسكرية بالسرعة الممكنة بالنسبة إلى سوريا، وأن يتم تحديثها بخطوات
استعدادية، وعملية فورية. بما في ذلك زيادة كبيرة لعملية "
نشر القوات " العسكرية، واجراء التمارين والتدريبات العسكرية
اللازمة على ضوء التجربة الإسرائيلية الأخيرة في لبنان. وعليه جاءت
المناورات العسكرية الإسرائيلية الواسعة فوق أراضي هضبة الجولان.
فكل المؤشرات الصادرة عن مواقع القرار الرسمي الإسرائيلي، تشير بالخيارات
اللاسلمية الإسرائيلية تجاه سوريا. ولأول مرة بعد مرور سنوات طويلة،
تعود إسرائيل لفحص الخيار العسكري الواسع كإمكانية واردة ضد سوريا،
وعندما تصعد كل هذه المعلومات محمولة على أوتار الخوف المجتمعي الإسرائيلي
عند قطاعات تتكاثر باضطراد من مغامرة جديدة، كالصرخات إلى السماء،
وهي ترجو التوصل إلى تسوية، فان ايهود أولمرت يفضل اللجوء إلى استخدام
لغة المناورة الملتبسة، ففي عرفه إن إسرائيل ليست معنية مطلقاً بإعادة
هضبة الجولان إذا لم تكن هناك حاجة أو ضغط، وطالما أن العالم من
جانبه ايضاً صامت ولا يبدي أي تحرك فاعل وجاد.
إن حرب لبنان وتداعياتها على الطرف الإسرائيلي، حرضت قطاعات من انتلجنسيا
التجمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، على إعمال العقل قليلاً،
والتفكير مجدداً بمآلات الحروب والكوارث التي قامت عليها الدولة
العبرية الصهيونية، فسماء المنطقة بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان
ملبدة بالغيوم الكثيفة، وأصوات متناقضة تنبعث من داخل الدولة العبرية
الصهيونية، حاملة معها سيل من الأسئلة المصيرية على خلفية ماحدث
وما سيحدث، وعن الدور السوري في الصمود اللبناني ودعم حزب الله،
وإمكانية إقلاع قاطرة السلام المتوقفة منذ سنوات فوق الهضبة السورية
المحتلة، وعن الثمن المطلوب إسرائيلياً لقاء السلام الشامل مع سوريا.
ولكن الدولة العبرية الصهيونية ممثلة بائتلافها الحكومي، تصّر على
الاحتفاظ بالجولان أو بأجزاء منه، في سياق مفاوضات تسوية قد تكون
قادمة مع سوريا في إحدى الافتراضات.
ومن الزاوية المقابلة، إن حرب لبنان، أعطت دفقاً متزايداً من التفاؤل
والشعور بالثبات وإمكانية الصمود لدى الطرف السوري، فالسوريين كونوا
فكرة جديدة عن الجيش الإسرائيلي، باعتباره جيشاً سميناً تحولت دباباته
الثقيلة من طراز الميركافاه التي عبرت لبنان إلى أكوام من الحطب
المشتعل، فهو جيش قليل الحركة، ويمكن وصفه بـ " العتيق "
غير المتجدد، إلا في قوة ضرباته الجوية، التي إذا تحملوها لبعض الوقت
فان نتيجة الحرب ستكون على غير ما يتوقعها قادة إسرائيل. والجنرالات
الإسرائيليون بالمقابل، أصبحوا وبشكل مفاجىء يرون نصف الكأس المليئة،
فمن وجهة نظرهم، إن المدفعية السورية أفضل بكثير، كما أن فرق الكوماندو
والوحدات الخاصة السورية مدربة جيداً ( الفرقة 14 + كتائب الصاعقة
من جيش التحرير الفلسطيني التي تعمل تحت الإدارة العملياتية للجيش
العربي السوري) وذات معنويات عالية جداً، والى جانب هذا كله، شبكة
بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات المنتظرة و...
وعليه، لم تأت الوثيقة الإسرائيلية الجديدة غير الرسمية التي وقعها
العشرات من الأكاديميين والكتاب والضباط الإسرائيليين والتي آتت
بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان بفترة قصيرة من الزمن، والتي يدعون
فيها رئيس الحكومة أيهود اولمرت للشروع في مفاوضات مباشرة مع كل
من سوريا والفلسطينيين بما فيهم حركة حماس من فراغ، ولم تأت كصاعقة
في سماء صافية. فقد جاءت في مسار حراكات متواصلة لم تهدأ داخل الدولة
العبرية، وفي سياق محاولات النخب والانتلجنسيا الإسرائيلية في سعيها
للإجابة عن التساؤلات المصيرية التي باتت تؤرق مضاجع الإسرائيليين
بعد عقود من الحروب الطاحنة، وسيادة منطق الكراهية في منطقة باتت
لاتحتمل المزيد من الحرائق والنيران، وبعد سنوات من انسداد مسارات
المفاوضات مع كل من سوريا أولاً، والفلسطينيين ثانياً، وبعد النتائج
الإسرائيلية والحصاد المر من الحرب الأخيرة على لبنان.
فالوثيقة، الذي أقدمت علي توقيعها مجموعة من (68) شخصية من الانتلجنسيا
اليهودية في إسرائيل بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، من
الأكاديميين وكبار الضباط في الاحتياط، من خلال عريضة إلى رئيس الوزراء
أيهود اولمرت، طالبوه فيها بالشروع في محادثات سلمية مع السورية،
ومع السلطة الفلسطينية - بما في ذلك حماس - ومع الحكومة اللبنانية،
تؤشر في جانب منها على استحالة بقاء الجمود الستاتيكي مسيطراً على
الناس والمجتمع اليهودي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فهو مجتمع
/ أو تجمع بشري يخضع بالضرورة لعوامل التغيير اليومية، خصوصاً وأنها
عوامل تجرها وراءها طبيعة الأشياء، كما تفعل عوامل التأكسد الكيميائي
في إذابة الفولاذ وأعتى أنواع المعادن صلابة ومقاومة لعوامل التغيير
كالتنغستين، عبر عامل الزمن، مهما توفرت لدى الإنسان من وسائل وتقنيات
حماية تأكل المعادن. وبالمقاربة، إن المجتمعات / أو التجمعات البشرية
في نهاية المطاف، مع ماتحمله من مصالح ومن تفاعلات داخلية، تتفاعل
مع البيئة السياسية والمحيطة، وتبحث دوماً عن عوامل استقرارها. فالخطأ
التاريخي للسياسات العربية كان ومازال يكمن نسبياً في النظرة إلى
التجمع اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 باعتباره كتلة ستاتيكية
مانعة جامعة من الأعلى إلى الأسفل، لاحراك بها، ولا تخضع لعوامل
التغيير.
وما يعطي الوثيقة الإسرائيلية غير الرسمية المشار إليها أهمية، احتواءها
على أسماء هامة من فعاليات الدولة الإسرائيلية، كالحائز على جائزة
نوبل العالمية البروفيسور اهرون شخنوفر، والكُتّاب : أ. يهوشع، عاموس
عوز، ايلي عمير، يهوديت كتسير، يوكي براندس، والجنرالات ابراهام
ادان، جنرال المخابرات العسكرية سابقاً شلومو غازيت، شلومو (تشيتش)
لاهط، عاموس لبيدوت، العاد بيلد، فضلاً عن (47) بروفوسوراً واكاديمياً
كبيراً، وكذا شخصية من رجال الأعمال.
ان الوثيقة الموقعة من بعض الفعاليات الإسرائيلية والداعية لفتح
دائرة المفاوضات مع سوريا والنزول من هضبة الجولان، وتنفيذ خارطة
الطريق على المسار الفلسطيني، لاتعني البتة المراهنة على عوامل التغيير
الداخلي في إسرائيل، ولاتعني البتة بأننا أمام نقطة انعطاف جذرية
في المجتمع الإسرائيلي، ولايعني أبداً أن نجلس على مقاعد المتفرجين
بانتظار عوامل التغيير الذاتي في إسرائيل. فعوامل التغيير تحتاج
بالضرورة إلى البيئة المناسبة والى شروط التغيير الناجمة عن الوسط
العام، فكما أدت الانتفاضة والنضال الفلسطيني لتوليد تفاعلات هائلة
داخل إسرائيل دفعتها للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، فان مواصلة
الجهد العربي ومراكمة القوى يعد العامل الأساس في توليد التفاعلات
داخل إسرائيل، بالرغم من الموقف الأميركي المنزاح نحو الرؤية الإسرائيلية،
وسيل التحريضات الأخيرة التي غذى بها الرئيس جورج بوش الابن، نزعات
المستوطنين والمتطرفين في إسرائيل الذين لايريدون النزول من هضبة
الجولان والانسحاب منها لقاء السلام مع سوريا.
ومع هذا، تعد العريضة إياها بادرة أولية لما يلوح، كمحاولة متجددة
من حركات " الوسط واليسار السياسي الصهيوني " في إسرائيل،
لتقديم بديل للجمود السياسي المسيطر في المنطقة بعد أن اصطدمت التسوية
الإسرائيلية مع سوريا ومع الجانب الفلسطيني، بجدران الجنون الدموي
الإسرائيلي المنفلت، وتطرف عتاة اليمين وجنوح الأقطاب القيادية لـ
" اليسار الصهيوني " نحو مواقع اليمين بشقيه العقائدي
والتوراتي.
* كاتب فلسطيني
مكتب الوطن بيروت
* فضيحة سجن (ابو غريب)..نموذج للتصوير الفوتوغرافي
النفسي
* أاد الاميركيون إلال المعتقلين بالصور فلحقهم العار والفضيحة
* الصور وثيقة ادانة للديمقراطية الاميركية
* الجنود صوروا العار الذي تنقل معهم حيثما حلّوا
اعداد ـ محمد نجيب السعد*
في الثامن والعشرين من ابريل 2004 عرض برنامج (ستون دقيقة) الذي
تقدمه شبكة سي بي أس الاخبارية التليفزيونية صورا لمعتقلين في سجن
(ابو غريب) ومنذ اللحظة الاولى لعرضها، حظيت الصور المشينة بردود
أفعال مختلفة تتعلق بحالة ومعنى اللقطات في الصور وعملية التصوير
والصور ذاتها وتأثير عرضها على الجمهور وانتشرت الصور بسرعة البرق
عبر العالم. وخلال ايام معدودة طبعت الصور ووزعت عبر الانترنت وقنوات
التلفاز والصحف والمجلات. لقد هزت هذه الصور العالم لبشاعة محتواها
ولأن العالم اخذ على حين غرة في سابقة هي الاولى من نوعها في التاريخ.
وبالرغم من كل هذا فإن المعنى السياسي والتاريخي للحادثة ومعنى الوقائع
التي جسدتها الصور ومعنى الصور (الصورة بوصفها شيء او حدث) ما زالت
غامضة مما يدفعنا الى القول الى ان التأثيرات النهائية للصور لم
تنته بعد لأن قراءة الصور والأحداث المرتبطة معها تبقى صعبة وملحة.
خلال العامين المنصرمين ومنذ عرضها علناً، اصبحت الصور مادة هامة
للاعلام فعرضت في المتاحف وصالات عرض الاعمال الفنية ومواقع الانترنت
وعلقت بعضها على جدران العديد من المدن والمنتديات في الانترنت وفي
مواقع عديدة اخرى (مثلا المعرض الذي في مركز التصوير الدولي في سبتمبر
ونوفمبر 2004 تحت عنوان دليل مقلق صور من سجن (ابو غريب) علاوة على
مجموعة هامة من المقالات لعدد من الفنانين والباحثين) ونشطت جماعات
في ارشفة ما احدثته الصور من ردود افعال مختلفة (مثلا يمكن العودة
الى جوان ولش: ملفات ابو غريب 2006 على موقع Solon.com ان الاهمية
الثقافية والسياسية لهذه الملفات تكمن في انها تمنح الصور حياة خاصة
بها حتى ان بعدت من زمان الحدث الاصلي ومكانه وبعض هذه الصور تحولت
الى رموز يعتقد ان صورتين اصبح لهما بعدا رمزياً كبيرا الاولى للمعتقل
الذي غطي رأسه بكيس ووقف على صندوق وربطت الى جسمه الاسلاك، وهي
الصورة التي سميت بفيتنام والثانية للجندية الاميركية ليندي انجلاند
وهي تجر وراءها معتقلا من رقبته واستخدم فنانون من مختلف بقاع الارض
الصور مادة في اعمالهم او قدموا اعمالاً اخرى استلهموها من الصور
كما استخدم الصحفيون والناشطون والمثقفون والرسامون الصور في كتاباتهم
ومع هذا فان الصور ما زالت صعبة القراءة لأنها تطرح معنى او معان
جديدة مع كل محاولة لتوظيف هذه الصور او محاولة ادراك معناها النهائي
محدثة تأثرات سياسية وتاريخية جديدة. الا ان هذا لا يعني عدم وجود
اجماع حول بعض جوانب او معاني هذه الصور. منذ اللحظات الاولى لعرض
الصور اتفق الجميع على انها صور مخزية وشاهدنا هذا الوصف في العديد
من ردود الافعال مما يجعلنا نتوقف عند معنى هذه الكلمة. (الخزي او
العار يعني القلق الناجم عن الخوف المرتبط بكشف بعض الامور للعلن).
هذا التعريف يلتقي في نقاط عديدة مع التصوير الفوتوغرافي خاصة وان
البعض يعتقد ان للعار تأثيرا تصويريا (مثلا اليسا ماردر من جامعة
آموري وليون ورمسير) في التصوير الفوتوغرافي كما في العار هنالك
تأكيد على افعال النظر وتأثيرات الكشف كما ان العار مثله مثل التصوير
الفوتوغرافي، فيه خرق للحدود الفاصلة بين الخاص والعام، في التصوير
الفوتوغرافي والعار يمكن ان تصبح مظاهر الحياة الخاصة او الجسد او
التاريخ الشخصي (او ربما يجري التهديد يجعلها كذلك) مكشوفة امام
الملأ ويمكن ان تصبح اللحظات الاكثر خصوصية ملكا يتناقله الناس كيفما
شاءوا ان هذه العلاقة ضرورية جدا لفهم البعد النفسي لصور فضيحة (ابو
غريب) لكن علينا في البداية الاجابة عن هذه الاسئلة: ما هو العار
ننظر اليه من النواحي النفسية والسياسية والثقافية؟ كيف تؤثر الصور
الفوتوغرافية؟ وماذا يحدث عندما تصبح الصورة الفوتوغرافية مادة اساسية
في الحوار السياسي والتاريخي؟ هل يمكن اعتبار الصورة الفوتوغرافية
وثيقة ادانة؟ ولماذا تأخذ الصور شكل نزوات منحرفة؟ بالرغم من انها
تقدم افعالا سادية مذلة، الا ان تلك الافعال لا تقدم بذلك الشكل
لأن الافعال تجري من اجل التقاط الصورة وبسيناريوهات شعائرية او
مشاهد مسرحية ان العلاقة بين الصورة الفوتوغرافية والعار تساهم في
ادراكنا للاسباب والكيفية التي كان معها للصور الخاصة بفضيحة سجن
(ابو غريب) ادوارا مختلفة (احيانا متناقضة) ومعان عديدة لقد عوملت
الصور كقرائن ونصير لحقوق الانسان وادوات تعذيب وافعال لسلوكيات
منحرفة ولأن العار والصورة الفوتوغرافية لهما الكثير من الصفات الشكلية
المشتركة فأنهما يتعاونان بطرق عديدة للتأثير على الرأي العام. ان
التواصل بين الصورة الفوتوغرافية والبناء النفسي للعار يقوي الطرفين
(سواء معا او كل على حدة) وهما يستفيدان كثيرا من اللغط الذي قد
يثار بين التأثير السياسي والنفسي. في التصوير الفوتوغرافي النفسي
فإن السياسة والتاريخ يصبغان بصور تتراوح بين الوعي واللاوعي وبين
الشخصي والتاريخي وهي (اي الصور) توجد اواصر تاريخية وتأثيرات سياسية
اي ان التصوير الفوتوغرافي النفسي يتحول الى شكل من اشكال الدراسة
التاريخية للامراض التي تستدعي دراسة سياسية متأنية.
في هذه المرحلة علينا تلخيص المعاني والادوار المتناقضة التي ارتبطت
بصور فضيحة سجن (ابو غريب) منذ عرضها للمرة الاولى.
1. التوثيق: يعتقد اصحاب هذا الرأي ان الصور موضوعية بحتة، وهي في
جميع الاحوال تعتبر قرينة ادانة ودورها ينحصر في التوثيق والتسجيل
لذلك تصبح علاقة الصور سطحية بالاحداث التي تسجلها وهذا الموقف تبنته
العديد من منظمات حقوق الانسان انطلاقا من قلقها من ان الاهتمام
سينصب على الصور لا على الاحداث الحقيقية في التقرير الذي اصدرته
منظمة هيومن رايتس ووتش تحت عنوان الطريق الى (ابو غريب) اصرت المنظمة
على أهمية الفصل بين حقيقة الاعتداء وواقعة التقاط الصور لها: (في
الواقع ان الميزة الوحيدة لفضيحة (ابو غريب) هي ان الحادثة صورت
قال معتقلون افغان في السجون الاميركية في افغانستان انهم تعرضوا
الى الاعتداءات ذاتها التي مورست ضد معتقلي (ابو غريب) من الضرب
والتعرية والحرمان من النوم وغيرها ـ منذ بداية العام 2002 وبشكل
اكثر قسوة وتطرف، وان حالات تعذيب قد سجلتها اللجنة الدولية للصليب
الاحمر ومن قبل صحفيين لمعتقلين في سجون اخرى في العراق.
ان هذه الطريقة في النظر الى الصور يعزز المظهر او البعد الجسدي
للتعذيب الذي جسدته الصور الفوتوغرافية وعلى حساب الابعاد الاخرى
للتعذيب. ان تأكيد حقيقة ان الصور تسجل التعذيب الجسدي من قبل منظمات
حقوق الانسان يعني ان تلك المنظمات تريد استخدامها لشد الانتباه
الى حالات موثقة للتعذيب في العراق وافغانستان لكن هذه الحالات لم
يجر تصويرها وبالرغم من وضوح الاهداف والنوايا السياسية لهذا الموقف
(هذا الموقف دحض الادعاء الاميركي بأن ما جرى في (ابو غريب) لا يعدو
كونه سوى حالة وحيدة منعزلة وطالب بالتركيز على حالات التعذيب الكثيرة
الاخرى) الا ان الموقف يعتبر الصور مجرد تجسيد لحقيقة خارجية، اي
ان الصور تجسيد لا علاقة له بالحقيقة التي تجسدها الصور وهو يلغي
ايضا الطبيعة الجنسية للتعذيب ولا يفسر السيناريوهات الشاذة الموجودة
في الصور بتعبير آخر ان صور الفضيحة هي حقائق لا افعال.
2. الكشف او النشر: ان صور الفضيحة ليست مجرد وثائق، انما هي وثائق
ذات قوة اقناع كبيرة. ان الصور ليست شهادات لواقعية الاحداث انما
لها القوة ايضا على كشف الاحداث المستورة وعرضها على الرأي العام
من خلال تسليط الضوء عليها وعرضها على الناس. عندما تعرض الصور الفوتوغرافية
حادثة غير معلنة وقعت في الماضي فأنه يعتقد ان لتلك الصور القدرة
على عرض حقائق مميزة عن الحادثة او الحوادث المعنية. وان جميع من
كتب عن الصور (بدءا من سيمور هيرش وسوزان سونتاج وما كتب في الارمي
تايمز حتى دونالد رامسفيلد) يؤيدون وجهة النظر هذه يصف سيمور هيرش
في كتابه سلسلة القيادة كيف انكشفت الفضيحة بسبب غضب جوزيف واربي
والذي حقق مالم تستطع جميع منظمات حقوق الانسان المؤثرة ان تحققه.
ان اللجنة الدولية للصليب الاحمر وهيومن رايتس ووتش اعلنتا في السنة
السابقة عن عدم ارتياحهما لمعاملة الجيش الاميركي للمعتقلين العراقيين،
الا ان الجيش الاميركي لم يعبأ بتلك الشكاوى. يقول روبيرت درينان
في كتابه تعبئة العار (2001) انه وبسبب قوة التوثيق في الصورة الفوتوغرافية
لا تنفصل عن فعل كشف الحقائق غير المعلنة فأن الصورة الفوتوغرافية
تساهم مساهمة فعّالة في تعبئة العار. ومن الواضح ان صور فضيحة (ابو
غريب) قد اجبرت المعنيين على الاعتراف بالتعذيب والاعتداء بعد ان
رفضوا في البداية الاقرار بذلك، وان هذه الصور يجب ان توضع تحت تصرف
منظمات حقوق الانسان اثناء حملاتها ضد التعذيب والاعتداء على السجناء
سواء في العراق او في مناطق اخرى من العالم (اي التعبئة) ويقول هيرش
بالرغم من ان دونالد رامسفيلد عرف بقصة الصور وان مساعديه اخبروه
بالقصة كاملة، الا انه انكّر اهمية الصور اطلّع بنفسه عليها عندما
قال انها تصور افعالا لا يمكن وصفها الا انها افعال سادية ووحشية
وغير انسانية. يبدو ان قوة الاقناع للصور هي التي اجبرت رامسفيلد
على الاقرار علنا بوجود اعتداءات على معتقلي سجن (ابو غريب).
وبالاضافة الى قوة الاقناع هنالك فكرة مصاحبة تقول ان القوة التي
تجعل الصور مقنعة يمكن لهذه القوة ان تجبر الصور على الانزواء بمرور
الوقت. ان الصور تكشف قدرة غامضة على حجب وجود الاشياء التي تجسدها
من خلال التحول إلى عازل يفصل ويبعد المشاهد عن الواقع الذي تجسده
الصور يقول مارك داينر في كتابه التعذيب والحقيقة بالرغم من الصور
قدمت (ابو غريب) للمرة الاولى للعالم وفتحت الباب امام التحقيقات
حول ما حدث، الا انه وبمرور الوقت وتجمع المزيد من القرائن اصبح
للصور تأثير معاكس (حجب فهم الناس الكامل لكيفية نشوء الفضيحة) عندما
تخبو قوة الصور: تنعزل الاحداث في الصور وتنفصل عن التاريخ المستمر
والمعقد الذي انتج تلك الصور.
3. عندما تتحول الحادثة الى فعل: لكن لصور فضيحة (ابو غريب) بعدا
اخر يعقد ما ذكرناه سابقا الى حد بعيد. بالرغم من قرار نشر الصور
كان يهدف الى فضح التعذيب الجاري في سجن (ابو غريب) والذي جسدته
الصور الا ان عملية التقاط الصور كانت جزء لا يتجزأ من عملية التعذيب
والاعتداء. وهذا الامر مهم جدا لأن قرار النشر (وهو يعود الى جوزيف
داربي) قد اجبره على فضح الاشخاص الذين التقطوا الصور ايضا باعتبارهم
طرفأ مشاركا في عملية التعذيب والاعتداء. بتعبير آخر ادرك داربي
ان الصور الفوتوغرافية ليست وثائق فقط لأعمال همجية ضد المعتقلين
انما هي ايضا اداة في هذه الاعمال. اي ان الصور اصبحت دليلا موضوعيا
على التعذيب واداة ذاتية لذلك التعذيب. ان الطبيعة الخاصة للتصوير
الفوتوغرافي وعملية التصوير يستلزم شكلا من اشكال ازدواجية الذات
علاوة على انفصال في مواقع الشخص. ان الصور الفوتوغرافية تعمل وفقا
لعملية متواصلة بين الاشخاص احيانا تبدو وكأنها تتحدث بضمير الغائب
واحيانا بضمير المتكلم واحيانا تحافظ على مواقع شخصية متعارضة ان
احد المظاهر المزعجة لصور (ابو غريب) ان الكثير منها يبدو وكأنه
يتحدث بلغة المخاطب. وكما لاحظ الكثير فان المعذبين (بكسر الذال)
كانوا ينظرون مباشرة الى آلة التصوير (الكاميرا) ويبتسمون (اشارة
الى انهم ينظرون ويبتسمون الى مشاهد غير مرئية) ويبدو ان العديد
من مشاهد الصور قد أعدت خصيصا للمناسبة (اي التقاط الصور) وهذه الصور
(بمشاهدة السادية المنحرفة) تقدم نفسها للمشاهد الموجود خلف الكاميرا
ومستقبلا توسع دائرة الحدث (مشاهد التعذيب) لتطول كل ما هو موجود
خارج اطار الصور. لذلك توسع معنى الصور وازدادت اعداد الجمهور المستهدف.
ان اعادة نشر الصور (مهما كانت الوسيلة) يعني اعادة الحياة للأحداث
التي سجلتها الصور. ان الصور التي اثارت جوزيف داربي (وهو عريف في
جيش الاحتياط الاميركي)، ودفعته الى تقديمها الى السلطات هي ذاتها
الصور التي استخدمت من قبل بعض زملائه لغرض الاستمتاع. وكما قال
سيمور هيرش فأن قادة الجيش واجهوا بعد ذلك تناقضا بين الطبيعة الحساسة
لما عرضته الصور ووثقته وبين الطريقة الخرقاء التي تعامل الجنود
مع الصور. يقول هيرش: يبدو ان الصور انتشرت بسرعة بين اجهزة الحاسوب
في اللواء 320. وادرك الضباط الكبار في الجيش وجود مشكلة ـ كارثة
سياسية وشعبية ستلوث سمعة الولايات المتحدة وتقضي على جهود الحرب.
علاوة على ذلك فان الصورة الفوتوغرافية نادرا ما تفشل في تلبية ما
يريد المشاهد ان يراه. لذلك فان الصور توزعت حتى لو كان بالامكان
القول ان صور (ابوغريب) كانت تهدف التوثيق (كما في حالة المعتقل
الذي قتل وبعدها صور على الثلج) او لعرض التعذيب (كما في الصورة
التي رفع الجنود اصابع ابهامهم دليل على التأييد) في لحظة التقاط
الصور. ومنذ تلك اللحظة اصبحت وظيفة الصور ومعناها تعتمدان على الرغبات
والمعاني والوظائف التي يمنحها المشاهد لتلك الصور. ان جميع مناسبات
الاطلاع على الصور تتحول الى افعال شخصية ترتبط بالرغبات والمشاعر
والادراك (في الوعي واللاوعي) للمتفرج او المشاهد. على سبيل المثال
نشر داربي الصور ليس فقط لما رأه فيها ولكن ايضا بسبب الطريقة التي
رأى فيها تلك الصور وشعوره لما رأه. لذلك فأن الصور المنشورة تحمل
وبشكل غير مباشر اثرا من نظرة داربي. لذلك فأن عملية النظر الى الصور
من خلال عيون داربي تعني النظر الى المصور/ المعتدي (فردا او مجموعة)
وهم زملاء داربي عبر نظرة الاخير الرافضة. الا ان تبني هذا الموقف
لن يمنع المشاهد من الدخول في شراكة مع الذين قاموا بالفعل او مع
المصور. وبالرغم من ان الصور احيانا تدفع المشاهد الى التطابق (ولو
على نحو جزئي) مع النظرة غير المرئية للمصور الذي لا يمكن رؤيته،
الا ان تلك النظرة لن تستنزف حقل الرؤيا بكامله او تشبع امكانية
الحفاظ على مواقع متعددة ومتناقضة ان احد الامور التي تجعل من تلك
الصور غريبة ومزعجة هي الطريقة التي تولد فيها الصور مجموعة قلقة
من النظرات والمواقف. يمكن للمشاهد وفي الوقت ذاته ان يرد على نظرة
الاشخاص في الصورة الذين ينظرون مباشرة الى الكاميرا ويمكنه ان ينظر
بشكل موضوعي الى الضحايا (واغلبهم وضعت اكياس على رؤوسهم) وان يضع
نفسه مكان المصور الذي (على ما يبدو) سعد بالتقاط الصور وان يحتل
موقع الشخص الذي اعلن عن وجود الصور لأنه اعتقد ان الصور تفضحه.
في الواقع يمكننا ان نتخيل ان داربي احس بالعار من الصور عندما رآها
وقرر بعدها ان يسلم الصور الى قادته في محاولة للتخلص من الاحساس
بالعار. وبالرغم من ان جميع هذه المواقف غير ثابتة الا انها جميعا
تولدت وتسببت في الوقت نفسه برد فعل قوي ، ولهذا السبب فهي (اي المواقف)
جميعها مجسدة.
4. الصورة الفوتوغرافية كوسيلة تعذيب وقضية العار: من المهم ان نتذكر
ان احد اهداف التصوير الفوتوغرافي في سجن (ابوغريب) هو انه وسيلة
فعالة للتعذيب. ان غالبية صور (ابوغريب) التقطت من اجل اذلال المعتقلين
والحاق العار بهم. لذلك من المفيد ان نعرف ان التقرير الذي وضعه
الجنرال تاغوبا، وعلى النقيض من التقارير السابقة التي وضعتها اللجنة
الدولية للصليب الاحمر، فأنه اشار بوضوح الى ان عملية التصوير تندرج
ضمن ادوات التعذيب. يقول تاغوبا: وجدت ان اساءة معاملة المعتقلين
على يد افرد شرطتنا العسكرية اشتملت على ما يلي: تصوير المعتقلات
والمعتقلين وهم عرايا (تصوير فوتوغرافي وفيديو) واجبار المعتقلين
على اتخاذ اوضاع جنسية من اجل التقاط الصور الفوتوغرافية لهم واجبار
المعتقلين على الاستنماء بينما يجري تصويرهم فوتوغرافيا وعلى اشرطة
الفيديو ووضع سلاسل واحزمة الكلاب حول اعناق المعتقلين تقودهم جندية
ويلتقطون صور لهم. وكذلك التقاط صور للمعتقلين الموتى.
الا ان تقرير تاغوبا يبقى واحدا من وثائق رسمية قليلة التي اثارت
الانتباه الى ان التقاط الصور الفوتوغرافية للمعتقلين ليس مجرد قرينة
تعذيب انما هي عملية تعذيب بحد ذاتها. واضاف تاغوبا في تقريره: ان
مزاعم الاعتداء تدعمها اعترافات شهود مفصلة مع اكتشاف دليل من الصور
الفوتوغرافية. وبسبب الطبيعة الحساسة جدا لهذه الصور الفوتوغرافية
واشرطة الفيديو والتحقيقات الجنائية المتواصلة واحتمال إدانة بعض
المتورطين فأن الصور غير مرفقة مع هذا التقرير.
من الملاحظ ان تقرير تاغوبا يعزو سبب ابعاد الصور عن التقرير للطبيعة
الحساسة للصور. ويبدو ان تاغوبا (مثله مثل داربي) كان في صراع مع
ردود الافعال المؤلمة التي تولدت لديه بعد اطلاعه على الصور واحساسه
بان واجبه يتحتم عليه احتواء هذه المؤثرات او ردود الافعال. علاوة
على ذلك فان تاغوبا، وبعد ان استنتج ان الصور الفوتوغرافية قد التقطت
من اجل الاساءة للمعتقلين قرر عدم ارفاق الصور مع التقرير وكأنه
اراد القول انها مجرد دليل ادانة. ويجب ان نلاحظ ايضا ان عدم رغبة
تاغوبا في ارسال الصور الى قيادته بسبب طبيعة الصور المخزية لدليل
على رغبته في عدم تلويث سمعة الجيش. لقد كان تاغوبا مدركا تماما
ان الصور كانت تصور لقطات مشينة وانها (اي عملية التقاط الصور) كانت
عملية مشينة ايضا. بتعبير آخر لقد كان تاغوبا خائفا على نفسه لأنه
ادرك ان الصور موبوءة وانها ملوثة بالعار. والحقيقة ان لدينا امثلة
عديدة من التحليل النفسي تدلل على ان العار قريب من الامراض المعدّية
التي تنتقل بسرعة من شخص الى آخر وان انتقالها لا يضعف المرض، وكذلك
الحال مع الافعال المشينة. يقول ليون ورمسير في كتابه (قناع العار)
متحدثا عن طبيعة العار في استنساخ ذاته: يمكن القول ان العار هو
الأكثر تعميما وانتشارا وله تأثير الطوفان الذي يتعزز من خلال طبيعة
العار الميالة للانتشار بحيث يصبح في النهاية عارا يولد عارا.
الخاصية الاخيرة تجعل من الصعب السيطرة على العار، ان العار ينتقل
من شخص الحق به العار على يد شخص آخر والأخير على يد شخص آخر (او
اشخاص آخرين) وهكذا. ان العار يصبح قذارة تلوث كل من يلمسها ، لذلك
تأخذ محاولات الدفاع (النفسية والثقافية) شكل المحاولات للفصل او
الابتعاد عنه بواسطة اجراءات حازمة وقوية (مثل العزل او النفي).
وهذا ما فعله الجنرال تاغوبا الذي على ما يبدو كان يفكر بسمعته وسمعة
الجيش، وربما فسرت اجراءات الحكومة الاميركية في السياق ذاته في
محاولة منها لاحتواء تداعيات فضيحة سجن (ابوغريب) واصرت الحكومة
الاميركية على ان الفضيحة محدودة قام بها عدد محدود من الجنود وان
الصور تمثل اعمالا مخزية بعيدة عن القيم والمبادئ الاميركية وانها
(اي الصور) مثلت محاولة مريضة للاستمتاع وليست اسلوبا رسميا للتحقيقات
كما ان التقاط الصور بهذا الشكل المخزي لم يجر تنفيذا لأوامر من
القيادة (الضباط الاعلى) او اجهزة الاستخبارات او مسئولي السجن وان
الصور او اساءة معاملة المعتقلين لا تعتبران شكلا من اشكال التعذيب
ولم تسبب في موت اي من المعتقلين وان المسيئين سيقدمون للعدالة.
الا اننا نعرف ان جميع هذه الادعاءات كانت باطلة، والمؤسف في الامر
ان الحكومة الاميركية كانت تعرف ذلك، وتعرف ايضا ان الاساءات والاعتداءات
كثيرة جدا وان (ابوغريب) مجرد واحدة من تلك الاساءات الكثيرة التي
كشفت بعد ذلك وقام بها جنود وضباط ومسئولون اميركيون في العراق وغوانتنامو
وافغانستان .
5. صور العار والحاق العار والفضيحة: جاء في كتاب سلسلة القيادة
لسيمور هيرش وجود سياسة رسمية اميركية باستخدام الصور (بجميع اشكالها)
كوسيلة لالحاق العار بالعراقيين. يقول هيرش: ان الاعتقاد بان العرب
ضعفاء جدا امام الاهانة الجنسية اصبح مدار حديث بين مؤيدي الحرب
من المحافظين في واشنطن الاشهر التي سبقت مارس 2003 (احتلال العراق).
وخلال تلك الاحاديث وردت اشارات متكررة الى كتاب العقل العربي. وقال
لي احد الاساتذة ان ذلك اصبح انجيل المحافظين الجدد حول سلوكيات
العرب. واضاف هذا الاستاذ خلال نقاشات المحافظين الجدد برز موضوعان
الاول ان العرب لا يفهمون الا لغة القوة والثاني ان اكبر نقاط ضغط
العرب هي العار والاذلال. وقال لي مستشار حكومي ان هدفا خطيرا قد
يكون موجودا في البداية وراء الاذلال الجنسي والتقاط الصور الفوتوغرافية
الفاضحة. كان يعتقد ان بعض السجناء على استعداد للقيام بأي شيء (حتى
التجسس على زملائهم من المعتقلين) لتجنب نشر الصور المشينة وارسالها
الى الاهل والاصدقاء. واضاف هذا المستشار قالوا لي ان هدف الصور
هو ايجاد جيش من العملاء الذين يمكن زرعهم بعد ذلك بين الناس. كانت
الفكرة اخافة هؤلاء من نشر الصور وجمع المعلومات عن عمليات المسلحين.
وحتى لو افترضنا عدم وجود هذه السياسة او انها لم تعتمد رسميا فان
صور فضيحة (ابوغريب) يجب ان تقرأ ضمن سياق الحقيقة ان الاميركيين
في العراق (جنودا كانوا ام ضباطا ام مسئولين حكوميين في ادارة السجون
او الاستخبارات) كانت لديهم قناعة باستخدام التصوير (فوتوغرافي او
فيديو) كأداة لالحاق الاذلال والعار بالعراقيين لان الاميركيين يفهمون
ان العراقيين ضعفاء امام ذلك.
وبغض النظر عن عقم السياسة الاميركية ووحشيتها، الا اننا نلاحظ ان
السحر ارتد على السحرة وعانت الإدارة الاميركية الأمرين من فضيحة
(ابوغريب) والصور التي التقطت للمعتقلين. ان الوسيلة (التصوير) التي
اريد استخدامها من اجل اذلال العراقيين كي يؤيدوا الديمقراطية تحولت
الى اداة لتوثيق معاملة الاميركيين المخزية واللاديمقراطية للمعتقلين
العراقيين. ان تبادل الادوار (من الحاق العار بالآخرين الى الحاق
العار بنفسه) هو اسلوب آخر نقلت فيه صور فضيحة سجن (ابوغريب) معانيها
وخلقت مؤثرات بطرق مشابهة للآليات النفسية المرتبطة بالعار.
ان الصور التي اريد بها اذلال الاخرين والحاق العار بهم ، ارتدت
على مرتكبيها واصبحت صورة مخزية للديمقراطية الاميركية. ان الافعال
العنيفة والمنحرفة التي نقلتها الصور لا تمثل تصرفا وحشيا واهوج
لجنود لا يعرفون معنى الفضيحة والعار انما هي تعبير محدد للعار على
يد هؤلاء الجنود، اي ان الجنود ليسوا مصورين وقحين انما هم رموز
بشرية للعار. ويمكن القول ايضا ان هؤلاء المصورين حولوا انفسهم الى
صور بشرية. ان اللقطات التي ظهروا بها تمثل العار الذي حملوه بين
ثناياهم ونقلوه حيثما حلوا وربما تمثل العار الذي ارتبط بالافعال
التي قام بها الجيش الاميركي ولم يعرف احد عن الكثير من تلك الافعال
حيثما حط الجيش الرحال، ربما بدءا من كوريا وفيتنام مرورا بافغانستان
والعراق فاصبحت هذه الثلة من الجنود وما قاموا به عينة يمكن الاستدلال
بها على الجزء الاكبر المجهول واصبحت الصور دليلا دامغا ليس لفضيحة
(ابوغريب) فقط انما جميع الفضائح التي ارتبكت في العراق واماكن عديدة
اخرى (وحتما سترتكب مستقبلا). وان الضحايا من المعتقلين انتصروا
وهم ضحايا على جلاديهم لأنهم كشفوا للملأ حقيقة ما تسوقه الولايات
المتحدة في المنطقة والذي تعلمته (او علمته) من حليفاتها ، خاصة
اسرائيل، الا ان ما ينقص العالم هو القرائن التي توفرت في فضيحة
(ابوغريب) لذلك عدت سابقة في التاريخ البشري ارتجفت لها اوصال العالم
لفترة ثم عاد هذا العالم ليطبق جفنيه غافيا او انه يغير قناة التلفاز.
* باحث ومترجم عراقي
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|