50 عاما على الوحدة المصرية ـ السورية.. دروس الماضي.. وآفاق المستقبل
عبدالمالك سالمان*
لم تكن تجربة الوحدة المصرية ـ السورية ممثلة في إعلان قيام الجمهورية
العربية المتحدة (1958 ـ 1963م) بزعامة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر
حدثا عاديا في تاريخ الأمة العربية في العصر الحديث، كما لم يكن
وقوع الانفصال بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من تجربة الوحدة حدثا عاديا
أيضا. فالحدثان كلاهما أي الوحدة، والانفصال كانا علامة فارقة في
التاريخ العربي ألقت بظلالها الايجابية والسلبية على المصير العربي.
واليوم ونحن نحيي الذكرى الخمسين أو مرور نصف قرن على الوحدة المصرية
السورية، فلابد ان نتوقف طويلا بالدرس والتحليل أمام هذا الحدث الكبير
الذي هز أركان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج في ذلك الوقت،
ورأت فيه الأمة فجرا جديدا يعيد لها الأمل في استعادة القدرة على
النهوض والتأثير الحضاري، وتطلعت الجماهير العربية معه إلى أن تكون
الوحدة المصرية ـ السورية بمثابة النواة أو القاطرة التي تقود تاليا
الى الوحدة العربية الجامعة التي كانت ومازالت بمثابة الحلم أو الطموح
العربي الكبير.
وفي البداية لابد من الاشارة الى عدد من الاضاءات المهمة، فلعل من
المهم التذكير والتأكيد في ذات الوقت أن اللقاء المصري ـ السوري
في التاريخ العربي كان دوما علامة على الصحة والحيوية والفاعلية
في الأداء العربي، ويكفي أن نشير في هذا السياق الى المحطات التالية:
أولا: أن اللقاء المصري ـ السوري كان هو القاعدة التي استند اليها
القائد التاريخي صلاح الدين الايوبي في الانطلاق لصد الغزوات الصليبية
وتحرير بيت المقدس ، كما ان اللقاء المصري ـ السوري كان هو عماد
القدرة التي توافرت لسيف الدين قطز ومن بعده الظاهر بيبرس لصد الهجمة
المغولية أو "التتار" بزحفها الوحشي على الأمة العربية
والاسلامية.
ثانيا: ان اللقاء المصري ـ السوري هو الذي أثمر أول تجربة وحدوية
اندماجية عربية في التاريخ الحديث وهي تجربة الوحدة المصرية ـ السورية،
والتي نحن بصدد الحديث عنها في الفترة من (1958 ــ 1963)م.
ثالثا: ان اللقاء المصري ـ السوري هو الذي قاد الى تحقيق أبرز انجاز
عسكري عربي في مواجهة الغزوة الصهيونية وهو ما تمثل في شن حرب اكتوبر
1973م المجيدة، التي عززتها مشاركة عسكرية لكثير من البلدان العربية
في ميدان المعركة ومشاركة نفطية اقتصادية عربية تمثلت في حظر تصدير
النفط العربي الى البلدان الرئيسية المؤيدة لاسرائيل، وهو ما شكل
تجربة متميزة في التضامن والتوحد العربي في لحظة تاريخية فارقة نستعيدها
دوما بكل مشاعر الاعتزاز والفخار. وفي ضوء هذه المعطيات لابد ان
نثمن عاليا تلك اللحظة الوهاجة والمدوية التي تمثلت في اعلان قيام
الوحدة المصرية السورية عام 1958 باعتبارها تجربة مضيئة في التاريخ
العربي الحديث رغم مرارة واقعة الانفصال بعد ذلك. وفي هذا السياق،
فلكي ندرك أبعاد هذه التجربة، فلابد ان ندرس الظروف التاريخية التي
انبثقت في سياقها تجربة الوحدة المصرية ــ السورية، والعوامل المحفزة
والدافعة الى قيامها، ومن ثم محاولة استخلاص بعض من الدورس والعبر
التي لابد منها للاستفادة منها في المستقبل ونحن نتطلع الى بناء
آفاق عصر عربي جديد يقوم على روح الوحدة والمنعة والاقتدار. في هذا
الإطار يمكن الاشارة الى الوقائع التالية:
(1) لا يمكن انكار الآثار الايجابية التي أحدثتها قيادة الزعيم الراحل
جمال عبدالناصر في الشارع العربي، وخاصة بعد نجاحه في معارك تأميم
قناة السويس وتحدي بناء السد العالي في مواجهة الضغوط الغربية لمنعه
من بناء السد، ومحاولة كسر روح وارادة الاستقلال لدى قيادة عبدالناصر،
ولكنه صمد في وجهها وقادة معركة تاريخية لتأكيد قيم الارادة الحرة
والنزعة الاستقلالية. وكان من نتيجة ذلك ان أصبح عبدالناصر وقيادته
الوطنية وتوجهاته القومية العروبية الواضحة هدفا للقوى الاستعمارية
سواء الغاربة منها عن المنطقة وكانت لاتزال تحاول أن تمنع شمسها
عن أن تغيب مثل بريطانيا وفرنسا، أو تلك الدولة الطامحة الى ملء
الفراغ الفرنسي ـ البريطاني، وبسط الهيمنة على المنطقة ممثلة في
الولايات المتحدة الاميركية. ولهذا، فقد كان عبدالناصر قد نجح في
تتويج نفسه زعيما ورمزا استقلاليا عربيا من المحيط الى الخليج تتطلع
اليه الجماهير العربية في كل مكان، وخاصة بعد صموده وانتصاره في
حرب العدوان الثلاثي عام 1956م. .
(2) لقد كان الشعور القومي العربي متغلغلا في وجدان الشعب العربي
السوري، وهناك الكثير من العوامل التي أدت الى أن تصبح سوريا قلعة
رئيسية في تيار المد القومي العربي، فقد كانت في طليعة الشعوب العربية
التي واجهت سياسات التتريك في نهاية حكم الدولة العثمانية وخاصة
بعد الانقلاب على السلطان عبدالحميد الثاني من جانب تيار النزعة
الطورانية التركية بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، وشهدت سوريا مواجهات
ومذابح بين أصحاب النزعة القومية العروبية والسلطات التركية، مما
عزز من مشاعر الوعي القومي العروبي في سوريا، ولهذا رأينا ان معظم
آباء الفكر القومي الداعين الى وحدة العرب كانوا من سوريا من أمثال
ميشيل عفلق وزكي الارسوزي، وقد كانت هناك عوامل ثقافية واجتماعية
وراء تبني المفكرين الشوام وخاصة المسيحيين منهم لفكرة العروبة والدفاع
عنها باعتبارها الرابطة الجامعة مع اخوانهم العرب المسلمين.
(3) نتيجة هذا الشعور القومي الطاغي في سوريا، كانت فكرة الوحدة
والدعوة اليها هي أساس الشرعية لكل الناشطين سياسيا أو الاحزاب السياسية
في سوريا، حتى إن اختلفت المرجعيات الايديولوجية لذلك، لكن أي محلل
أو مؤرخ موضوعي لابد ان يلحظ بكل وضوح ان المطالبة بالوحدة العربية
كانت على رأس المطالب السياسية لمعظم القوى السياسية في سوريا، وخاصة
القوى المؤثرة منها في الواقع السياسي والاجتماعي السوري آنذاك.
.
(4) مرت سوريا بعد هزيمة 1948م واغتصاب فلسطين بمرحلة سياسية صعبة
اتسمت بكثير من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي، وشهدت سلسلة من
الانقلابات العسكرية المتوالية، والتي كان أغلب قادتها يعلنون في
البيان الاول "أو البلاغ رقم 1" للانقلاب عزمهم على تحرير
فلسطين وتحقيق الوحدة العربية واتهام النظام السابق بالتخاذل عن
تحقيق هذه الطموحات القومية، وان النظام الجديد سيكرس جهوده لسرعة
تحقيق هذه الاهداف القومية.
(5) في النصف الثاني من الخمسينيات مرت سوريا بمرحلة من التوتر في
علاقاتها الاقليمية وخاصة مع دول الجوار، فبالاضافة الى وجود الخطر
الصهيوني وحالة الحرب مع اسرائيل في الجبهة الجنوبية، كانت علاقات
سوريا متوترة مع الجار الشمالي التركي الذي كان يتبع سياسة اطلسية،
لدرجة انه كانت هناك مخاوف من هجوم تركي على الاراضي السورية من
الجهة الشمالية. وخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، أظهر
السوريون مشاعر تضامن فياضة مع مصر ـ عبدالناصر، لدرجة ان السلطات
السورية قامت بنفسها بتدمير خطوط نقل البترول العراقي التابعة لبريطانيا
والمارة عبر الاراضي السورية الى البحر المتوسط وذلك تضامنا مع مصر
ـ عبدالناصر واحتجاجا على العدوان الثلاثي، فضلا عن مظاهرات التأييد
العارمة لمصر. وقد قاد هذا الموقف مصر الى ان تظهر كل مشاعر التضامن
والتأييد لسوريا عندما شعرت بتهديدات من تركيا، وأرسلت مصر بالفعل
خلال عام 1957، بعض الوحدات العسكرية المصرية الى ميناء اللاذقية
في رسالة لكل الأطراف بأن أي عدوان على سوريا سيكون بمثابة عدوان
على مصر أيضا. ومن جهة أخرى، كانت علاقات سوريا ذات التوجه القومي
الواضح والمؤيد للسياسات الاستقلالية لعبدالناصر والمتصدية لسياسات
الهيمنة الاستعمارية الغربية، ليست موضع رضا أو قبول من العراق في
عهد نوري السعيد في الجبهة الشرقية حيث كان عراق ـ نوري السعيد يقود
معركة محاولة ضم سوريا الى حلف بغداد الذي دعت اليه أمريكا بعد إعلان
واشنطون مبدأ ايزنهاور عام 1957م، الخاص بملء الفراغ الاستراتيجي
في الشرق الاوسط بعد أفول النفوذ الفرنسي ـ البريطاني، تحت شعار
منع المنطقة من الوقوع في براثن النفوذ السوفيتي. وفي ذات الوقت
لم تكن علاقات سوريا على ما يرام مع حكم كميل شمعون في لبنان ذي
التوجهات المنحازة بوضوح للغرب، وأيضا لم تكن تسير على نحو جيد مع
الحكم الهاشمي في الاردن. وبالتالي فقد وجد القادة السوريون، وخاصة
المجلس العسكري الذي صعد للسلطة في ظل اجواء التوتر الاقليمي هذه
ان سوريا تبدو في حالة عزلة اقليمية لا يمكن الخروج منها وتعزيز
الموقف الاستراتيجي السوري الا بالاتجاه الى الوحدة مع قيادة ذات
نزعة قومية وعروبية واضحة تحظى بتأييد الجماهير سواء في سوريا أو
في عموم الوطن العربي كما كان يجسدها الرئيس عبدالناصر.
(6) ولقد ساعدت بعض التطورات على اتجاه القيادة السورية ممثلة في
قيادة المجلس العسكري الى سرعة المطالبة بالوحدة مع مصر ـ عبدالناصر،
فلقد كان المجلس العسكري الذي كان الحاكم الفعلي في سوريا آنذاك
مكونا من خليط من كبار الضباط ذوي الاتجاهات السياسية المتنوعة،
فهناك مجموعة تمثل البعثيين، وهناك مجموعة الضباط الماركسيين أو
الشيوعيين، وهناك مجموعة تضم الضباط المستقلين، وكانت تضم 24 ضابطا
عضوا. وفي خضم أجواء التوتر السياسي والاقليمي، وتأجج المشاعر القومية
والرغبة في تحقيق الوحدة في عموم الشعب السوري، وفي ظل التنافس السياسي
بين الاحزاب السورية وخاصة بين البعثيين والشيوعيين، سرت اشاعة مسرى
النار في الهشيم في الوسط السياسي السوري آنذاك في مطلع عام 1958م،
تشير الى ان قائد المجلس العسكري وكان ضابطا كبيرا ومعروفا وهو عفيف
البرزي يعارض إتمام الوحدة، وفي ظل الاجواء المشحونة التي أشرنا
إليها، يمكن القول ان ثبوت تهمة كهذه على أي سياسي سوري آنذاك كانت
تعني إصدار حكم بالاعدام السياسي على ذلك السياسي، لذلك سارع عفيف
البرزي الى دعوة أعضاء المجلس العسكري الى عقد اجتماع عاجل لتبديد
تلك الاشاعة ـ التهمة. وكان المخرج من تلك الأزمة، حسبما استقر عليه
رأي الضباط، هو ضرورة وسرعة التوجه الى مصر وعرض مشروع الوحدة الاندماجية
الفورية على الرئيس عبدالناصر.
وعلى الفور قرر أعضاء المجلس العسكري الخروج من الاجتماع الى طائرة
خاصة أقلتهم الى القاهرة، وطلبوا عقد اجتماع عاجل مع الزعيم عبدالناصر،
وشرحوا له دقة الموقف السياسي في سوريا، وضرورة إتمام وحدة اندماجية
مع مصر فورا.
(7) فوجئ عبدالناصر بطلب اتمام الوحدة فورا، وطلب ضرورة التريث والتمهل
قبل الإقدام على خطوة تاريخية ومصيرية كهذه من أجل ضمان تحقيق أكبر
قدر من النجاح لها، حتى لا تقع أخطاء تصدم الجماهير العربية في مشروع
الوحدة، وخاصة أن عبدالناصر كان يدرك كثيرا من الصعوبات المحيطة
مثل عدم وجود حدود جغرافية مباشرة بين سوريا ومصر وخاصة بعد اغتصاب
فلسطين، وشراسة المعارضة الغربية لأي مشروع وحدوي عربي خاصة في ظل
الهجمة الأميركية لفرض حلف بغداد ومحاولة وضع المنطقة العربية تحت
المظلة الأميركية والغربية، ويضاف إلى ذلك الاختلافات الواضحة في
بنية النظام الاجتماعي والسياسي في كل من مصر وسوريا. واقترح عبدالناصر
مشروعا للفيدرالية يتوج بعد خمس سنوات من الخطوات والمشروعات التكاملية
بإعلان الوحدة الاندماجية الشاملة.
(8) رفض القادة السوريون أي خيارات بديلة، وأكدوا انهم يواجهون ضغوطا
شعبية هائلة تطالب بالوحدة، حتى ان الرئيس السوري شكري القوتلي حين
كان يجوب مدن سوريا ـ خلال ما كان يسمى "حملات التحصين الدفاعي"
ضد أي عدوان خارجي، كانت الجماهير السورية تطالب بسرعة إتمام الوحدة
وكانت ترفع شعارات مثل "الوحدة باكر باكر.. مع الثائر عبدالناصر"
وأنهم إذا عادوا من القاهرة بلا إعلان للوحدة فإن موقفهم السياسي
وشرعيتهم ستكون معرضة للخطر.
(9) اضطر عبدالناصر الى القبول بمشروع الوحدة الفورية نزولا على
رغبة القادة السوريين الذي أبدوا استعدادهم للقبول بأي شروط يفرضها
لإتمام الوحدة.. وقد اشترط عبدالناصر شرطين لإتمام الوحدة الاندماجية
الفورية: الأول: حل الأحزاب السياسية السورية ، إذ انه لم يكن معقولا
أن تظل الأحزاب في سوريا قائمة ، في حين أن النظام السياسي في مصر
بعد ثورة 1952م، قد قام بحل الأحزاب وبات يتبع نظام الحزب الواحد،
الذي بدأ بتجربة "جبهة التحرير" ثم تحول الى ما سمي بـ
"الاتحاد القومي" آنذاك. والثاني: هو ابعاد الضباط العسكريين
ذوي التوجهات السياسية والايديولوجية الواضحة عن الجيش السوري، وتحويله
الى جيش محترف بعيدا عن العقائد السياسية كما هو حال الجيش المصري.
وقد اضطر قادة المجلس العسكري السوري الى القبول بذلك لضمان موافقة
عبدالناصر على الوحدة. ولكن هذين الشرطين حملا في طياتهما بذور انهيار
تجربة الوحدة فيما بعد كما سيجري توضيحه تاليا.
حين سأل أحد قادة ثورة يوليو وهو عبداللطيف البغدادي كما جاء في
مذكراته الرئيس عبدالناصر، لماذا قبل بالوحدة الاندماجية وهو غير
مقتنع بذلك، أجابه عبدالناصر: انه لو امتنع عن قبول الوحدة، فان
الاحزاب السورية كانت سوف تردد أن عبدالناصر القائد الذي باتت الجماهير
العربية تهتف باسمه من المحيط الى الخليج رفض الوحدة، وسوف يؤثر
ذلك على الجماهير العربية وعلى مكانته السياسية أيضا.
(10) بعد اجراء الاستفتاء في كل من مصر وسوريا على مشروع الوحدة
الاندماجية، الذي حظي بموافقة كاسحة بنسبة 98% وانتخاب جمال عبدالناصر
رئيسا للجمهورية العربية المتحدة، وتنازل شكري القوتلي عن الرئاسة
ليصبح المواطن الأول في دولة الوحدة، تم إعلان دولة الوحدة في 22
فبراير عام
1958م.
(11) حين زار عبدالناصر دمشق في مطلع مارس 1958م، بعد إعلان دولة
الوحدة، كان يوما تاريخيا مشهودا، إذ يشير المؤرخون ان دمشق كان
يبلغ تعداد سكانها حوالي نصف مليون نسمة آنذاك، ولكن يوم وصول عبدالناصر
إليها كان في قلب دمشق نحو مليون ونصف المليون إنسان زحفوا على دمشق
من كافة بقاع أو مدن أو قرى سوريا ومعظمهم سيرا على الأقدام ليكونوا
في استقبال زعيم الوحدة العربية الرئيس عبدالناصر. ويؤكد باحثون
ان الجماهير التي زحفت الى دمشق لم تكن من سوريا فقط، ولكن رغم القيود
على حركة المواطنين من الدول العربية المجاورة في التوجه الى سوريا،
فإن ما لا يقل عن 200 ألف مواطن أردني ولبناني وعراقي قد زحفوا الى
دمشق أيضا ليكونوا في استقبال جمال عبدالناصر حتى ان مقر الضيافة
في دمشق قد أحاطت به الجماهير من كل جانب، وقد أمر عبدالناصر بفتح
أبواب القصر لتدخل اليه الجماهير قائلا: "ان هذا بيتهم ولا
ينبغي ان يبقوا خارجه"، وكان الجميع يرغب في مصافحة هذا الزعيم
العربي الكبير، وشهدت تلك الاحتفالات الجياشة الكثير من المواقف
الإنسانية المؤثرة في لقاء الزعيم مع الجماهير التي أحبته وتعلقت
به ورأت فيه صورة الزعيم البطل المخلص.
(12) رغم كل المشاعر الفياضة التي تمت في ظلالها الوحدة والاستقبالات
الحاشدة لعبدالناصر، وشخصيته المحبوبة، الا ان تجربة الوحدة لم تستمر
طويلا، وحدثت أخطاء سياسية وإدارية قادت الى صعود قوى الانفصال،
وكان من زعماء الانفصال قادة وحدويون من أبرز قيادات حزب البعث مثل
أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار، اللذين وقعا على بيان الانفصال
عام 1963م.
(13) يمكن الاشارة الى بعض أسباب الانفصال مثل غياب مؤسسات دستورية
وشعبية وديمقراطية تحمي تجربة الوحدة وتدير سياسات الدولة الموحدة،
وكان هناك اعتماد كبير على الشخصية القيادية لعبدالناصر لكن رغم
أسطوريتها وجماهيريتها الطاغية لم تكن كافية لضمان استقرار تجربة
الوحدة. ومع مرور الوقت، شعرت الأحزاب السورية والتي تحظى بقواعد
جماهيرية وعناصر قوية لها داخل الجيش السوري انها دفعت ثمن الوحدة،
وبخاصة الضباط المسيسون الذين لعبوا دورا أساسيا في دفع الحركة باتجاه
الوحدة، ولكن حل الأحزاب في سوريا وابعاد الضباط المسيسين عن قيادة
الجيش جعل كل هؤلاء يشعرون انهم ضحايا دولة الوحدة، في حين انهم
كانوا يتطلعون الى تلقي المكافآت والمزايا لدورهم في قيام الوحدة.
وتدريجيا.. عمل كل هؤلاء باتجاه مناهضة سياسة عبدالناصر واضعاف دولة
الوحدة في سوريا من الداخل، وعاد كثير من الضباط الى العمل السري
الذي سرعان ما لقي دعما من قوى اقليمية ودولية تسعى لاسقاط دولة
الوحدة مما أدى في نهاية المطاف الى وقوع الانقلاب العسكري الذي
أدى الى الانفصال.
(14) يحسب لعبدالناصر رفضه استعمال القوة العسكرية للتصدي للانفصاليين،
وكان بامكانه عبر استخدام شرعيته السياسية كزعيم لدولة الوحدة ان
يخوض معركة يعبأ فيها الجماهير لمساندته ضد القوى الانفصالية، ولكنه
خشي ان تنتهي هذه المعركة بتشويه فكرة الوحدة العربية فيما لو سقطت
فيها دماء الاشقاء. ختاما، ان تجربة الوحدة المصرية السورية تدعونا
الى استخلاص الدروس للمستقبل، فالحقيقة المؤكدة ان حلم الوحدة العربية
سيظل الحلم التاريخي للأمة العربية، وان كانت قد حالت الظروف السياسية
والضغوط الاستعمارية دون نجاح العرب في تحقيق حلمهم الوحدوي الشامل
حتى الآن، وتعرض الفكر القومي العربي الى ضربات موجعة منذ وقوع الانفصال
عام 1963م وحتى يومنا هذا وخاصة خلال التجربة المروعة لكارثة الغزو
العراقي للكويت عام 1990، الا ان الحقيقة المؤكدة ان الحلم العربي
في الوحدة سيظل قائما في أذهان الجماهير العربية الموحدة في مشاعرها
وتطلعاتها وآمالها وتوقها الى النهوض الحضاري والعزة القومية. لكن
أي تفكير مستقبلي باتجاه الوحدة لابد ان يأخذ بعين الاعتبار المعطيات
التالية: أولا: ضرورة ان يعيد العرب النظر في الاعتقاد بفكرة انتظار
الزعيم التاريخي المخلص ذي الشخصية الكارزماتية الاسطورية، فصورة
عبدالناصر رغم بهائها التاريخي يجب ألا تجعلنا نظل نفكر في البحث
عن عبدالناصر جديد، ويجب أن يتجه تفكيرنا الى اتباع سياسات حكيمة
نحو بناء مؤسسات راسخة تؤمن لأي مشروع وحدوي أو تكاملي فرص النجاح،
فغياب تلك المؤسسات والتعلق بشخصية الزعيم هو أحد الأسباب التي أدت
الى نجاح الانفصال في تجربة الوحدة المصرية ـ السورية.
ثانيا: ان أي تفكير مستقبلي في الوحدة أو احياء المشروع القومي العربي
لابد ان يقترن بالفكر الديمقراطي والانفتاح الثقافي الليبرالي وهو
ما يعني القبول بالتعددية السياسية والفكرية وقبول الآخر من التيارات
السياسية الاخرى على قاعدة الإيمان بالوحدة. والابتعاد عن أفكار
الحكم الشمولي أو التسلطي، فلا مستقبل لأي تجربة وحدوية أو تنموية
تتم تحت رايات الاستبداد وغياب العدل الاجتماعي والمشاركة الديمقراطية.
ثالثا: ان الدرس الاعظم من عدم استمرار تجربة الوحدة المصرية ـ السورية
هو ضرورة الاقتناع بحقيقة أن الوحدة الاندماجية الفورية أصبحت أمرا
صعب التنفيذ، ولذلك لابد من اعتماد النهج التكاملي الوظيفي التدريجي
الذي يعزز فكرة اندماج المصالح وبناء قواعد من التكامل الشعبي الذي
بامكانه ان يسرع بخطى الوحدة، ويحفظ وجودها على أرض الواقع.
رابعا: ان من الضروري فك الاشتباك بين طموحات الوحدة العربية وواقع
الدولة القطرية العربية، حيث تعتقد كثير من الانظمة العربية ان أي
مشروع وحدوي سيعني زوال دولها المستقلة التي اجتهدت كثيرا في ترسيخ
أركانها، على نحو جعل زعماء عربا كثيرين لا يرحبون بفكرة الوحدة
لانها قد تعني غيابهم عن الساحة السياسية أو الانقياد وراء زعامة
عربية معينة. لهذا، فاننا نرى ان حل هذه الاشكالية في الطريق الى
الوحدة يبدأ بتبني فكرة تزاوج بين الاطار الوحدوي والحفاظ على واقع
الدولة القطرية، مثل صيغة الكونفيدرالية التي تحفظ للدول والقادة
كياناتهم السياسية وتفتح المجال لاشكال من العمل الوحدوي والتضامني
والتكاملي على غرار ما تشهده التجربة الاوروبية "الاتحاد الاوروبي"
الذي رغم اندماجه الاقتصادي القوي مازال يحفظ للدول كياناتها في
داخله مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. فهل العرب مستعدون للسير في
هذا الاتجاه؟
خامسا: تبقى ضرورة التأكيد ان الأحلام الكبرى للأمم لا يمكن ان تذوي
طالما ظلت هناك أجيال تؤمن بها وتحمل المشاعل المبشرة بها وتسلم
راياتها الى الأجيال التالية، ورغم صعوبات الواقع العربي الراهن
الذي باتت فيه وحدة الدول العربية القطرية نفسها مهددة في ظل مخططات
التفتيت الطائفي والعرقي ومحاولات تقسيم الأوطان على هذه الأسس في
ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير على نحو بات يهدد دولة كالعراق بالتقسيم
الى ثلاث كيانات وفق مبدأ "تقسيم المقسم وتجزيئ المجزأ"
وفق تعبير المفكر الفلسطيني منير شفيق، الا اننا واثقون من حيوية
هذه الأمة وقدرتها على الصمود، وانها قادرة على النهوض مجددا، وان
الجماهير العربية لن تفقد الامل أبدا في تحقيق حلمها التاريخي في
بلوغ الوحدة الشاملة مهما طال الزمن وأدلهمت التحديات.
* النص في الأصل جزء من محاضرة موسعة ألقاها الكاتب في التجمع القومي
الديمقراطي بالبحرين في ذكرى الوحدة.
قضايا
مواقف مرشحي الرئاسة الأميركية تجاه فلسطين..
محبطة ومنحازة
أسامة نور الدين* :بالرغم من بعض الآمال التي
عقدتها الشعوب العربية والإسلامية عموماً والشعب الفلسطيني الذي
أرهقه الحصار والدمار الإسرائيلي خصوصاً، على انتخابات الرئاسة الأميركية،
عسى أن تأتي لهم برئيس غير منحاز للكيان الاسرائيلي، يساعدهم في
الحصول على حقوقهم المشروعة، ويعمل على فك الحصار اللا إنساني المفروض
على قطاع غزة، إلا أن تلك الآمال قد تحطمت على صخرة التصريحات المحبطة
لمرشحي الرئاسة، إذ تبين بصورة جلية أن تلك الانتخابات لن تأتي بجديد
فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا على صعيد القول ولا الممارسة،
وذلك بعد أن ثبت أن الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الجميع هو دعم اسرائيل،
بل ولقد وصل الأمر لدرجة تباري المرشحين في إظهار الولاء والدعم
لاسرائيل، حتى ولو كان ذلك على حساب القيم والمعايير الأميركية.
أوهام أوباما
على عكس ما كان يتوقع البعض من باراك أوباما
أحد المرشحين لانتخابات الرئاسة الأميركية، ذوي الجذور الإسلامية،
والذي يتقدم بفارق كبير عن منافسته هيلاري كلينتون، في منافسات الحزب
الديموقراطي الأميركي لاختيار ممثله في تلك الانتخابات، عكست التصريحات
الصادرة عن باراك أنه لا يقل تأييداً ودعماً لاسرائيل عن منافسيه،
إن لم يكن أكثر منهم في هذا الشأن، إذ سبق له وأن صرح بأن الولايات
المتحدة لن تعترف بفوز مرشحي حماس قبل أن تعلن الحركة عن تغيير بند
تدمير "الكيان الصهيوني" من ميثاقها، وذلك بالرغم من فوز
أعضاء حركة حماس في انتخابات ديموقراطية شهدت بنزاهتها المنظمات
الإقليمية والدولية التي تولت مراقبة الانتخابات التشريعية الأخيرة.
بل ولقد ذهب البعض إلى أن باراك أكثر نفعاً لاسرائيل من نظرائه حتى
ولو كانوا أكثر ولاءً للكيان الاسرائيلي، مشيرين إلى أن من شأن تولي
مرشح أسود لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، أن يساعد اسرائيل
في تحسين صورتها أمام الرأي العام الأميركي والدولي، حيث يحظى، بتأييد
واسع بين تلك القطاعات من الرأي العام الأميركي والدولي المعادية
لـ "إسرائيل"، سواء بصورة علنية أو خلف الأبواب المغلقة،
حيث إنه بالنسبة لهم، هو وسيط الوحي الجديد.
وفي هذا الصدد لوحظ تأييد عدد كبير من الصحف الأميركية الموالية
لليهود لباراك أوباما، إذ أعلن "مارتين بيريتز"، رئيس
تحرير مجلة "نيو ريبابليك" البارزة، دعمه الكامل لـ "باراك
أوباما" كمرشح للحزب الديموقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية.
كما عبرت مطبوعة "نيو ريبابليك" التي تعرف بتأييدها الجارف
لوجهات النظر السياسية "الصهيونية" المتشددة وصراعها الصريح
والسافر ضد الإسلام السياسي، عن تأييدها المطلق لأوباما في الفوز
برئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
ليس هذا فحسب، بل وحصل أوباما على دعم صحيفة "نيويورك صن"
شديدة المحافظة، التي طالما عبرت عن مواقف الليكود التقليدية، حيث
منحت تلك الصحيفة المباركة اليهودية لحملة أوباما الانتخابية.
وذلك التأييد ـ على ما يبدو ـ يعود إلى نجاح أوباما في طمأنة اليهود
الأميركيين وكسب تأييدهم، وذلك بعد أن صرح بأن اسرائيل لها الحق
في الوجود إلى الأبد كدولة يهودية، ومن ثم يجب على الفلسطينيين نسيان
حق العودة.
ليس هذا فحسب، بل وتأكيده في أكثر من مناسبة على أن اسرائيل هي أقوى
حليف للولايات المتحدة الأميركية، وأنها الدولة الديموقراطية الوحيدة
في المنطقة، وأنها الوحيدة التي تشارك واشنطن العديد من القيم الديمقراطية
والحرية السياسية والاقتصادية وكذلك حرية المرأة، الأمر الذي يحتم
على أي إدارة أميركية جديدة أن تلتزم بالدفاع عن اسرائيل، عن طريق
توفير التمويل الكامل لدعم مشروعها العسكري، حتى تتمكن من ردع أية
هجمات صاروخية قد تتعرض لها من قبل طهران.
كما سبق لأوباما وأن أدان قيام حزب الله اللبناني بالدخول في حرب
ضد اسرائيل، متهماً إياه بأنه خرق السيادة الاسرائيلية، وعرض الأمن
والاستقرار الإسرائيلي للخطر، متناسياً، بل ومتجاهلاً، الممارسات
الاسرائيلية اللا أخلاقية في حق الشعب الفلسطيني، المحاصر منذ أكثر
من سبعة أشهر، والذي يتعرض لأشد أنواع الابتلاءات التي يمكن أن يتحملها
بشر، بسبب الانتهاكات الاسرائيلية المستمرة للأفراد والمنشآت الفلسطينية.
وفيما يتعلق بدور الولايات المتحدة الأميركية بعملية السلام بمنطقة
الشرق الأوسط، ولا سيما بين الفلسطينيين والاسرائيليين، يرى أوباما
أن الحرب الأميركية في العراق (مارس 2003) التي رفضها منذ بداياتها
قوضت من فاعلية الدور الأميركي في عملية السلام.
وان على واشنطن من أجل أن تستعيد دورها عالمياً وفي منطقة الشرق
الأوسط، التخلص من العبء العراقي الذي يثقل كاهلها، باعتبار أن من
شأن ذلك أن يسهم بصورة كبيرة في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة،
ومن ثم تسهيل عملية الوصول إلى سلام فعال بين الفلسطينيين والاسرائيليين،
ولكن بشرط أن تنطلق تلك العملية من الحفاظ على الأمن الاسرائيلي.
كما يرى أن التحديات المحدقة بإسرائيل، تبدأ من التهديد الإيراني
المحتمل، المتمثل في تصريحات رئيسها "محمود أحمدي نجاد"
بمحو الكيان الاسرائيلي من على الخريطة، والتشكيك في المحرقة اليهودية،
بالإضافة إلى تنامي نفوذ تنظيم القاعدة في منطقة الشرق الأوسط ورغبته
في تقديم الدعم للفصائل الفلسطينية، وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة
والذي أصبح منطقة لإطلاق صواريخ حماس على المدن والمستوطنات الإسرائيلية.
وانه لكي تتم مواجهة تلك التحديات، فإن الأمر ـ حسب تصريحات أوباما
ـ يتطلب التعاون بين واشنطن وتل أبيب، عسكرياً وأمنياً حتى تصبح
الحكومة الصهيونية قادرة على مواجهة أي تهديد لأمنها الداخلي (حماس
وجماعات المقاومة)، أو الخارجي (إيران وسوريا).
وليت الأمر قد توقف عند ذلك، بل لقد سارع بمطالبة حكومة الولايات
المتحدة الأميركية بعدم تأييد أي قرار لمجلس الأمن فيما يتعلق بالحصار
المفروض من قبل الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إذا لم يتضمن إدانة
للهجمات الصاروخية التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على اسرائيل.
ويعني ذلك أن أوباما لم يختلف في دعمه لاسرائيل عما يفعله بوش الآن،
الأمر الذي يجعلنا لا نعول كثيراً على أوباما في حال فوزه بانتخابات
الرئاسة الأميركية، فيما يتعلق بإمكانية حدوث تغيير في السياسة الأميركية
تجاه الشرق الأوسط عموماً والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
رؤى متشابهة
ومن جانبها لم تختلف "هيلاري كلينتون"
كثيراً فيما يتعلق بدعم اسرائيل عن منافسها باراك أوباما، إذ حرصت
هي الأخري على إعلان تأييدها لاسرائيل، وذلك بزعم أن الولايات المتحدة
والكيان الاسرائيلي يشتركان في العديد من القيم، ولا سيما الديمقراطية
وكذلك محاربة الإرهاب.
حيث ترى كلينتون مثلها مثل أوباما أن سيطرة حماس على قطاع غزة تشكل
تهديداً للأمن الاسرائيلي؛ حيث تصبح المدن والمستوطنات الاسرائيلية
أكثر عرضة لصواريخ حركات المقاومة الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص حركة
حماس.
بل ولقد حاولت هيلاري أن تتفوق على أوباما في إظهار الدعم لاسرائيل،
عن طريق مطالبتها بزيادة المعونات العسكرية لها، انطلاقاً من الالتزام
الأميركي بالتفوق النوعي العسكري والتقني لاسرائيل في مواجهة المخاطر
التي تتهدده من قبل إيران وسوريا حسب زعمها، الأمر الذي يحتم على
الولايات المتحدة أن تصون أمن اسرائيل، وذلك من منطلق أن أمن وحرية
اسرائيل يجب أن يكون من صميم التحرك الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط.
وقد سبق لهيلاري وأن صوتت بالموافقة على المعونات العسكرية للكيان
الاسرائيلي، التي تصل إلى 2.4 مليار دولار كمساعدات عسكرية و40 مليون
دولار لمساعدة تل أبيب لاستيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق،
حسب مشروع قرار المساعدات الأميركية الذي وافقت علية لجنة الاعتمادات
بمجلس الشيوخ الأميركي في يونيو 2007. وكعضو في اللجنة العسكرية
التابعة لمجلس الشيوخ دعمت هيلاري التعاون العسكري والتقني بين البلدين،
كما أنها اجتمعت بالعديد من المسئولين الإسرائيليين؛ لمناقشة التحديات
والمصالح المشتركة.
وفيما يتعلق بدور واشنطن في عملية السلام، اتفقت مع أوباما في أن
المأزق الأميركي في العراق، أثر بالسلب على الدور الأميركي في عملية
السلام. ولإعادة تفعيل هذا الدور ترى أنه يجب على القيادة الأميركية
القادمة تقديم حل عملي وواقعي للمأزق الأميركي في العراق، والذي
سيمكن واشنطن من لعب دور بناء في إعادة تفعيل عملية السلام بين اسرائيل
والفلسطينيين، والذي يعني في نهاية الأمر الحفاظ على الأمن الاسرائيلي.
جون ماكين
منذ أن بدأ صراعه للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري،
وهو يركز على إدانة حركة المقاومة الإسلامية حماس، حيث يرى جون ماكين
المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية أن حركة المقاومة الإسلامية
(حماس) تمثل أكبر تهديداً للأمن الاسرائيلي؛ من خلال سيطرتها على
قطاع غزة، وتبنيها العنف والعمليات المسلحة ضد الاسرائيليين (المدنيين
والعسكريين).
ويضيف أن حماس لا تسعي وراء إقامة دولة فلسطينية، بقدر ما تسعي لإزالة
اسرائيل، وأنها وإيران لا تريدان عملية السلام بمنطقة الشرق الأوسط،
بل تريدان تدمير اسرائيل وإزالته من على الخريطة؛ فلذلك يرى أن واشنطن
لا بد أن تعمل على عزل حماس دوليا، وتدعيم الحق الشرعي القانوني
لدفاع تل أبيب عن أمنها ضد صواريخ حزب الله وحماس، والضغط على دمشق
وطهران؛ لوقف دعمهما لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله
والجماعات التي ترى فيها واشنطن وتل أبيب أنها جماعات إرهابية.
واتساقاً مع باقي المرشحين، يدعو ماكين لتدعيم الكيان بكافة الأسلحة
والتقنيات العسكرية المتقدمة، تدعيما للتفوق الاسرائيلي النوعي على
كافة الدول العربية الساعية إلى تدعيم قوتها العسكرية بالاعتماد
على قوى دولية مناوئة للولايات المتحدة ولا سيما موسكو، وذلك من
أجل الحفاظ على أمن واستقرار اسرائيل.
يعني ذلك أن مرشحي الرئاسة الأميركية بالرغم من اختلافهم حول أمور
عديدة، إلا أنهم قد اتفقوا حول شيء واحد ألا وهو دعم وتأييد اسرائيل،
وجعل أمنه في مقدمة اهتمام الإدارة الأميركية القادمة، مما يحتم
علينا ألا نعول كثيراً على الإدارة الأميركية القادمة في حدوث تغيير
جوهري أو حتى طفيف فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي، كما يحتم
علينا أن نعمل من الآن جاهدين من أجل أن يصبح للمسلمين المتواجدين
في الولايات المتحدة الأميركية نفس الوزن الذي لليهود هناك، ذلك
الوزن الذي يجعل لهم كل هذا التأثير على مرشحي الرئاسة الأميركية،
للدرجة التي تدفعهم لأن يتباروا من أجل الحصول على تأييد وتعاطف
الأميركيين، وكأن ذلك هو جواز مرورهم إلى البيت الأبيض، خاصة وأننا
نملك الكفاءات البشرية والموارد المادية التي تتيح لنا تحقيق آمالنا
في هذا الصدد، ولكن يبقى السؤال متى نبدأ التخطيط والتحرك الجاد
وصولاً لذلك الهدف السامي؟!!
* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة
أعلى