الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
للصورة بعدان
حـُلـم وواقع
البحث عن ضحكة ضالة
مقامات العشق والجنون
بلاد الشمس
استراحة
قراءة في رسالة أحمد مسلّط إلى والده.... (1 - 2)
مجلس الشعر الشعبي العماني يعلن تفاصيل ولجان تحكيم مهرجانه الثاني
من خلال الدراسات العربية
صورة "ألف ليلة وليلة" في الأدب الفرنسي (5 ـ 7)






مبتدأ
لماذا؟

يقال بأن كلمة (لماذا) هي الكلمة التي يواجه بها الفلاسفة العالم في بحثهم عن حقائق الوجود وقضاياه الكبرى. وبالرغم من أنني لا أعتزم الدخول في مناقشةِ قضية فلسفية أو وجودية عويصة، إلا أنني أجد هذه الكلمة هي التي تواجهني بشراسة كلما فكرت في قضية القراءة في المجتمع العربي، ولا شك أنها تزداد إلحاحا كلما دار الحديث عن معرض الكتاب، الذي يفتح أبوابه اليوم في مسقط.
لقد كتب الكثير عن هذه القضية؟ كما نشرت العديد من الإحصائيات المخيفة والمذهلة حول عزوف الإنسان العربي عن القراءة من هيئات ومنظمات شتى، كلها تدق ناقوس الخطر على مستقبل العرب هوية وثقافة ومصيرا. إذ تشير هذه التقارير إلى أن معدل نشر الكتاب في العالم العربي لا يتجاوز ما نسبته 7%، وأن حصة كل مليون عربي من الكتب لا تزيد على ثلاثين كتاباً، في حين تبلغ حصة كل مليون أوروبي 584 كتابا، أما حصة الأميركي فتقدر بحوالي 212 لكل مليون شخص. وأن ما تستخدمه دار نشر غربية واحدة من الورق قد يزيد على ما تستخدمه الدول العربية جمعاء! هذا فضلا عن ضآلة التوزيع وأرقام مبيعات الكتب في العالم العربي، إذ إن أبرز كاتب عربي لا يطبع من كتابه أكثر من ثلاثة آلاف نسخة على أحسن تقدير، في حين يطبع نظراؤهم في الغرب أضعاف ذلك بعشرات المرات.
إن ما ذكرته ما هو إلا غيض من فيض، ولا يعبر مطلقا عن فداحة الحال، إذ إنني لا أهدف إلى سرد الدراسات وذكر الإحصائيات والأرقام، التي بات الجميع يعيها. إن السؤال الذي لم أجد له إجابة مقنعة هو: لماذا لا يقرأ الإنسان العربي؟ ما هي الأسباب الجوهرية التي تبعد هذا الإنسان عن الكتاب؟.
تأملت في كلام الكثير ممن كتبوا وألقوا محاضرات في هذا الشأن، وبالرغم من وجاهة بعض الاجتهادات، إلا أنني ما زلت مصرا على أن ثمة حقيقة ما زالت مفقودة في الأمر.
البعض ارتأى أن اللوم يعود على ثقافتنا الشفهية التي تكرس للمعرفة المنقولة والمروية بدلا من ثقافة البحث والقراءة. هذا الرأي يعبر عن اجتهاد واضح إلا أنه لا يقدم إجابة قاطعة للسؤال، وهو يتهافت أمام حقائق التاريخ، وليس هنا مقام الرد، إلا أن هذه الثقافة هي التي أنجبت عباقرة الفلاسفة واللغويين والشعراء وعلماء الطب والفلك والتصوف وغير ذلك من صنوف العلم التي ما زالت خالدة في ذاكرة التاريخ. أما البعض فقد ذهب إلى أن القضية مؤامرة سياسية يديرها الأعداء لإبعاد الإنسان العربي والمسلم عن زمام القيادة والريادة. وهذه التهم دائمة ما تكون لدى العقليات التي تؤمن بنظرية المؤامرة وتلقي باللوم على الآخر في كل نكساتها وإخفاقاتها. البعض الآخر أرجع السبب إلى عوامل الفقر وظروف المعيشة التي تلم بالإنسان العربي الذي تستهلكه الحياة وتطحنه في سبيل البحث عن لقمة العيش، فهو لا يكاد يؤمن الرغيف لأبنائه فضلا عن توفير قيمة الكتاب. هذا الرأي أيضا يعكس جانبا من معاناة المواطن العربي، ولكنه قطعا لا يجيب على السؤال. فليس كل العرب فقراء، كما أن الإنسان العربي ينفق على الكثير من مظاهر الترف والترفيه والأشياء غير الضرورية، ولنا أن نتخيل في هذا الصدد ما ينفقه العرب على حضور حفلات الغناء واللهو، وما يخسرونه بسخاء في الرسائل القصيرة على شاشات محطات الفن الهابط.
آراء كثيرة، واجتهادات مثيرة في البحث عن الإجابة الحاسمة، من وجهة نظري أن جميعها لم يصل إلى جوهر الحقيقة .. أعتقد أننا بحاجة لصياغة الإنسان العربي من جديد، حتى يعيد علاقته بالأشياء ومن ضمنها الكتاب .. وحتى ذلك الوقت يظل السؤال قائما: لماذا لا يقرأ الإنسان العربي؟

حسن المطروشي


أعلى




أغنية الحطاب


في مساء الجبال،
تــنام الصخور وتستيقظ الكائنات الخرافية،
البقر الطائر، الجن تركض فوق سهول الخديعة،
تخرج فاتنة من مغارة غيلان قريتنا الجبلية،
يحرسها الطبل دقاته،
والصبايا الجميلات يظفرن خصلاتها بالزهور الطرية.
في مساء الجبال،
تهيئ أمي لنا الشاي بالحطب اليابس،
الذئب يشرب أحلام عنزاتـنا الخائفات،
وأختي تدس الطماطم في الجمر، تحت رماد السكينة،
بابا سنذكره عند منتصف الليل كل مساء،
فقد قاتل الوحش ثم استوى ميتا
وقرأنا على قبره ما تيسر من ذكريات الجدود القدامى
كجذع الصنوبر في جهة الشمس.
في مساء الجبال، أغني وحيدا،
معي هسهسات الخطا وخشخشة الحطب اليابس،
لي الطرق الباردات، لي الملتوي مثل أفعى،
لي المنتهى وثغاء الشعاب المعطر بالزهر نيسانها،
لي النار في الكهف والكهف في النار،
لي عسل ذائب فوق صخر الغياب،
ولي شجن فوق صخر الحضور،
ولي ما لكم من طيور الصباح،
ولكنني مثل عنز الجبال أمير على خطواتي،
أتيه على الجبل المتسامق،
أسمع ضحكاته وأشد أصابعه ونسير ...
في مساء الجبال،

أراقب خيل الطبيعة تنزل بين الشعاب إلى فارس في الظنون،
أشم شذا شالها المتحفز، دقات طبل بعيد،
وأرجوحة تتدافع من قلق شاحب ..
في صباح الجبال،
أرى الخيل متعبة والنهار على بابها صاهل يحمل السوط،
والتبن تحت سنابكها يتضرع
والشمس تردي ...
في صباح الجبال،
تعود الخرافة نحو مغاراتها،
وتهيئ أمي خبز الظهيرة، تحكي الطبيعة للريح،
تحكي لي الريح سحر الفضائح ضاحكة وأنا عائد فوق ظهري جذوع،
وأغنية هي باب الطريق إلى قريتي ....

عياش يحياوي *
* وشاعر جزائري مقيم في الإمارات

أعلى






يتمتع بثقافة بصرية وينتصر للإبداع
المصور أحمد بن سالم الكندي لـ(أشرعة): ألتقط اللحظات بأدق تفاصليها وأقرأ طبائع الكائنات.

أشاهد الصور بالأبيض والأسود بمتعة أكبر خصوصا في تصوير وجوه كبار السن حيث تظهر التجاعيد ومشوار الحياة على جباههم.
التراث جزء أساسي من حياة الشعوب ومن خلال الصورة نستطيع الانتقال والسفر عبر الزمن.

حاوره ـ إيهاب مباشر:التصوير هو المجال الأرحب للإبداع الضوئي، حيث تخلد الصورة في الذاكرة، بلحظة يبدع فيها المصور بعدسة آلة التصوير، ويلتقط المصور تلك اللحظات المتميزة بأدق تفاصيلها وبتقنية عالية، لا نملك إلا أن نعيش بها ومعها حيث اللحظات تنتصر للإبداع الحقيقي والإبداع الآخر هو إبداع العماني في لحظاته الجميلة.. وفي هذا السياق نلتقي مصورا فوتوغرافيا، كان يخشى الكاميرا في صغره رغم إعجابه الشديد بها، وكان يتعجب من كثرة الأزرار والمفاتيح حولها، بدأ يتعلم كيف يصور في مراحله العمرية الأولى من أخيه الأكبر فكانت التجربة خير معلم له، وبدأ يشارك ببعض المسابقات، ولعشقه بالرحلات شارك بجماعة الرحلات ومنها إلى جماعة التصوير وهنا بدأ مرحلة جديدة وواصل حتى نقطة اعتبرها البداية الحقيقية، فكان انضمامه إلى جماعة التصوير بجامعة السلطان قابوس وكذلك العديد من الحلقات والمحاضرات والدورات، وقد استفاد كثيرا من تثقيف نفسه بصريا من خلال متابعة أعمال التصوير العالمية، بمجلات التصوير والمغامرات مثل مجلة ناشيونال جيوجرافيك والمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت ..إنه الفوتوغرافي أحمد بن سالم الكندي .. التقته (أشرعة) محدثا عن تجربته الإبداعية في مجال التصوير الضوئي .. فكان الحوار التالي ..
* حكايتك مع الكاميرا .. كيف تسردها ؟
** اقتنيت أول آلة تصويرSLR عام 1997م وكانت من نوع بنتاكس MZ-50 بعد أن تدربت جيدا على استعمال مثل هذه الكاميرات أحادية العدسة، وبدأت أجد نفسي في ميادين التصوير المختلفة، محاولا تفريغ ما يجول بداخل الذات من معان ولحظة النظر داخل كادر الصورة عبر الكاميرا من أمتع لحظاتي.
* أيهما أقرب لذائقتك في عالم التصوير .. الأبيض والأسود أم الصور الملونة ؟
** عند بداياتي كنت دائما ما أفضل الألوان لما تفرزه من فرحة وبهجة بالصور وفي المقابل لم أكن اهتم بتصوير الأبيض والأسود، ثم تغيرت نظرتي تماما وبت أشاهد الصور بالأبيض والأسود بمتعة أكبر وأفضلها أكثر من الملونة خصوصا في تصوير الوجوه لاسيما كبار السن، حيث تظهر التجاعيد ومشوار الحياة على جباههم وكان هذا التغيير بعد التحاقي بدورة خاصة بتصوير وطباعة الأبيض والأسود بجامعة السلطان قابوس، ومنها بدأت أوجد التوازن بين نوعي التصوير فكل منها له مجالاته.
وجوه وطبيعة وتراث
*.. وما أكثر ما يشدك في مشوارك مع الكاميرا ؟
** أكثر ما يشدني تصوير الوجوه ثم تأتي من بعده الطبيعة والتراث وربما أجد بتصوير الوجوه ما يشدني أكثر حيث تخاطب العيون وتقاطيع الوجه والتي منها اكتشف طبيعة الحياة التي يعيشها هذا الكائن خصوصا اذا ما أحسنت قراءتها بصورة متقنة وأفضل تصوير الوجوه بالأبيض والأسود، والتراث جزء أساسي من حياة الشعوب ويعبر عن روح الماضي ومن خلال الصورة نستطيع الانتقال والسفر عبر الزمن لنخوض وتخوض من بعدنا أجيال أخرى في بحر من التراث والحضارة في السلطنة، أما في تصوير الطبيعة فهناك المجال واسع جدا وأفضل فيه تصوير الماكرو حيث التقت صورا لكائنات صغيرة انتقل من خلالها إلى عوالم مجهولة.
* ما أصعب اللقطات التي تقابلك عندما تخطط لاقتناص صورك وكيف تتعامل معها؟
** تصوير الوجوه والأجسام المتحركة مثل سباقات الخيول والجمال تحتاج إلى صبر كبير وهي أصعب ما أجده عندما أخطط للتصوير وقبل أن أبدأ باستخدام آلة التصوير الرقمية كنت أفكر كثيرا قبل التقاط الصور حتى لا أستخدم المزيد من الأفلام أما الآن ومع التصوير الرقمي فذاكرة الكاميرا تتيح لي التصوير بعدد هائل من الصور ثم أعيد استخدامها مرة أخرى وأعتقد أن هذه فائدة أخرى للتصوير الرقمي ولكنها اقتصادية وليست فنية.
* بمن تأثرت في عالم التصوير في السلطنة وما المدارس العالمية التي استفدت منها وتركت علامة وأثرا في حياتك الفنية ؟
** هناك الكثير من المصورين المبدعين بالعالم والذين أصبحوا مدارس يشار إليها بمجال التصوير، وأبرز هذه المدارس التي استفدت منها المصور أنسل آدمز، أما على الصعيد المحلي فاستفدت كثيرا من المصور خميس المحاربي وإبراهيم البوسعيدي وعبدالرحمن الهنائي.
* برأيك .. هل التقنيات الحديثة خدمت مجال التصوير ؟
** التقنيات الحديثة، خدمت التصوير بشكل عام خصوصا في مجال الصحافة، أما في مجال التصوير الفني فقد سببت إزعاجا كبيرا للمصورين مع بداية التصوير الرقمي والثروة التي أحدثها ذلك لأنها غيرت مفاهيم وعادات بالتصوير التقليدي، فلم يعد هناك فرق بين الفيلم الأبيض والأسود والفيلم الملون واستبدل بذاكرة إلكترونية بالكاميرا، كما اختفت غرفة التحميض والطبع واستبدلت بأخرى إلكترونية وهي الحاسب الآلي. أما أنا شخصيا فلم أتقبل التقنية الحديثة بالبداية وراهنت على فشلها أمام التصوير التقليدي، ويبدو أنني خسرت الرهان مبكرا حين قررت خوض تجربة التصوير الصحفي. وبدأت أصنع قناعات مختلفة بين التصوير التقليدي والتصوير الرقمي الحديث، وببساطة فالتصوير الرقمي سهل عملية إنتاج الصورة كثيرا وشعرت أنني لابد أن أبدأ من حيث بدأت بتعلم التصوير الرقمي وكيفية التعامل مع برامج تحرير الصور، وأعتقد أنني أسير في الطريق الصحيح حتى الآن.
* وهل توج مشوارك الإبداعي في مجال التصوير الفوتوغرافي بجوائز عالمية أو عربية أو محلية ؟
** في المرحلة الجامعية حصلت على العديد من الجوائز، أهمها جائزة المركز الأول في التصوير ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الثالث لجامعات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام1999م، والذي احتضنته جامعة السلطان قابوس وجائزة المركز الأول بالمسابقة الخاصة (بين الحاضر والماضي) عام 2000م والتي نظمها وقتها معالي محمد بن الزبير مستشار جلالة السلطان للشؤون الاقتصادية ورئيس الجامعة في تلك الفترة، كما شاركت بالمسابقة الثقافية بين جامعة السلطان قابوس وجامعة الإمارات وحصدت عدة جوائز تنوعت بمختلف المجالات، ففي عام 2000م حصلت على المركز الأول في تصوير الوجوه وفي عام 1999م حصلت على المركز الثاني في تصوير الطبيعة. وفي العام الماضي حصلت على المركز الثالث في محور تصوير الانسان والعمل بمسابقة اتحاد المصورين العرب بأوروبا بجمهورية ألمانيا. أما على صعيد نادي التصوير الضوئي، فقد حصلت على المركز الثاني في المعرض السنوي الثامن والذي حمل عنوان (البيئة العمانية) وشاركت مع زملائي بالنادي بمسابقة الاتحاد الدولي للتصوير الفوتوغرافي مرتين، حصلت معهم في عام 2001م بإيطاليا على الميدالية الفضية وهذا العام حصلنا على المركز السادس وهي سابقة لأعضاء النادي بل لمصوري السلطنة جميعا أن تحرز دولة مراكز متقدمة في دورات متتالية، حيث حصل النادي في عام 2003م على الميدالية البرونزية وفي 2004م حصد النادي الميدالية الفضية أيضا .. ومؤخرا حصلت على المركز الثاني في محور تصوير المساجد العمانية في مسابقة معرض التصوير الفوتوغرافي السنوي الرابع عشر بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية .

* .. وكيف جاء فوزك بهذه المسابقة ؟
** هذا الفوز جاء بعد أن شاركت بمحوري المسابقة (تصوير المساجد والصورة الظلية) حيث كانت شروط هذا المحور ان تجسد الصورة روعة المساجد العمانية كرمز للعمارة الإسلامية وقد تميزت بروعة زخرفتها ونقوشها الجميلة عبر مختلف العصور الاسلامية وكان تركيز هذا المحور على قدرة وابداع المصورين على التوثيق المتفرد للمساجد في عمان قديما وحديثها وهيئتها الخارجية تفاصيلها الداخلية لتجسيد فن المعمار برؤية فوتوغرافية ومن هنا وقع اختياري على تصوير عدة مساجد قديمة منها جامع سعال بنزوى والذي فزت بصورة محرابه بالمركز وجامع منح والذي شاركت بصورة محرابه ايضا بالمعرض كما قمت بتصوير جامع الشواذنة بنزوى والذي يعتبر من اجمل الجوامع القديمة بالمنطقة الداخلية كما زرت عددا من المساجد الحديثة مثل الجامع الاكبر وجامع السيدة الجليلة ميزون وشاركت بصورة من هذا الجامع بمحور الصور الظلية وجامع السلطان قابوس ببهلا.
* المعارض .. هل لها من مردود أو فائدة تعود على تجربة المصور ؟
** لمثل هذه المعارض جوانب مختلفه منها الإيجابي والسلبي، فالإيجابي أننا نتعرف على نظرة الآخر لبلدنا والتي غالبا ما تتجسد بلوحاتهم وصورهم الفوتوغرافية بطريقة مختلفة عن تلك التي تخرج من بين يدي الفنان العماني كما أن الاحتكاك مطلوب للفنان العماني لما له من فائدة في تطوير مستواه والتعرف على ثقافات الآخرين، أما السلبي فمن وجهة نظري أن الكثير من تلك المعارض تطغى عليها صبغة المبالغة، والواقع أن هناك الكثير من اللوحات والصور لا تستحق النشر وللأسف غالبا ما تكون مدعومة من جهات حكومية وخاصة بشكل مبالغ فيه، بينما بالمقابل الفنان العماني لا يجد من يقف معه إذا ما أراد إقامة معرض.


أعلى






للصورة بعدان
المسرح في عمان واقع وتطلع

الحمدلله! المسرح في عمان بألف خير وعافية، وعلى المهتمين بالشأن المسرحيِّ عندنا، أن يفخروا بالمسيرة التي قطعها المسرح منذ تأسيس مسرح الشباب حتى الغد والقافلة ستسير، ولا عزاء لأحد!
كان للندوة التي أقامها المنتدى الأدبي الأسبوع الفائت بعنوان: "المسرح في عمان واقع وتطلع" التي حاضر فيها كل من المخرج المسرحيّ الدكتور (عبد الكريم جواد)، والأستاذة (عزة القصابي)، والدكتور (محمد الحبسي) في النادي الثقافي، ما يجعل المرء يتنفس الصعداء قليلا ويحدّث نفسه بخبث قائلا: "وأخيرا انتبهوا"!
لكنهم والحق يقال منتبهون منذ زمن لا بأس به. ولكن ما الجدة أو الإضافة في تكرار وظيفة فعل الانتباه؟!، لعلّ هذا التكرار يجيئ من باب تسجيل الموقف للتاريخ، وما أكثرها من مواقف سجلها التاريخ على أصعدة أخرى وكثيرة!
في واقع الأمر أننا إذا قبلنا بنظرية أنّ المسرح في عمان الحبيبة بخير وبعافية، من الإنصاف أنّ ننظر إلى البعد الآخر للصورة. ويبدو لي أنه من الممكن، أن أكون الشخص الوحيد الذي أرتكب حماقة الكتابة حول هذا الموضوع ـ لاعتبار أنّ شهادتي مجروحة، وأنّ ظني بأنني كاتبة مسرحية لا أكثر ولا أقل سيجعلني أتفوه بحكم مغاير للنظرية السابقة ـ وأقول بلغة تبسيطية وغير مخلة بالنقد: إنّ المسرح في عمان ليس بخير ولا بعافية، وعلى مسرحيينا أنّ يتحسسوا طرف أنوفهم بشدة. وسأفترض جدلا أنّ هذا الرأي لن يُغضب المسؤولين في وزارة التراث والثقافة، بحكم الشورى والشفافية والوطنية غير المدّعاة، والرأي، والرأي الآخر.
بقلم رصاص كتب (صموئيل بيكيت) "مسرحية في انتظار جودو" وبفلسفة الانتظار ومنظومة التأمل، يكتب المسرحيون في عمان أفكارهم ويسطرون همومهم حول تخوم الهم المسرحي الطويل الذي لن ينتهي أبدا.
إذا كان من أمر إيجابيّ أُثير في الندوة حسب تقديري الشخصي هو التفاف أهل المسرح حول المسرح نفسه، وهم يسألون عن النبأ العظيم: متى! وفي التفافهم وملاحظاتهم كان الحلم لا يفارقهم: متى سيعلن عن تأسيس جمعية المسرحيين العمانيين التي أُثير عنها الكلام منذ سنوات خلت؟ ـ آمل أن أكتب عنها في وقت لاحق ـ، وهم في التفافهم كانوا أيضا يأملون في توفر مكان مجهّز بتقنيات عالية لعروضهم المسرحية، وفيما عدا ذلك الالتفاف الحميم والمحموم في آن فلا شيء يستحق طرحه. ولا بأس من التوضيح حتى لا يؤخذ كلامي على عواهنه: بعد احترامي الشخصيّ لأوراق الأساتذة التي ألقيت في الندوة، فلا أظنها قد جاءت بجديد. الجديد عندي ليس الإتيان بساحر عظيم يبطل السحر ويعالج مشكلات المسرح عندنا. الجديد الذي أعنيه هو ما يتعلق بالنقد. فما الجديد الذي طرحته أوراق الباحثين، كل الكلام قد قيل وأسوأ ما فيه قد بات معروفا للجميع منذ قيل أول مرة قبل سنوات على هوامش ندوات وملتقيات كثيرة! وإذا استثنيا لغة التدبيج والمديح والفخر غير العلمية على الإطلاق والموشاة بالاطمئنان والتطمين الزائف، فلا نخرج إلاّ بقضية واحدة: الحاجة إلى المسرح المدرسي، وهو بالمناسبة، أمر يثار في كل فعالية أو ندوة!.
شخصيا لم أستفد شيئا من الندوة، فقد بدا الشرخ كبيرا بين الواقع والتطلع، بين أسئلة المنصة والممثل والنص، وإكراهات الواقع الاجتماعي والثقافي، واحتمالات الممكن! ويذكرني هذا الشرخ باستعارة ساقتها (فرجينيا وولف) في مقال لها تفترض: أنّ الرجل (س) ذهب إلى صانع أحذية لكي يسأله عن طريقة صنع الساعات! ولمتعتي الشخصية بهذا الضرب من الاستعارة سأرتجل صياغة تقابلها تقول: "في فصل الخريف في ظفار وحيث الرؤية ضبابية نحتاج إلى أحذية أكثر من حاجتنا إلى الساعات"! آمل أنني وفقتُ في التخريج والدلالة! وعليه يمكن النظر إلى تخوم المسرح الفارغة بضرب من الأسئلة الموجعة: كتأجيل مهرجان المسرح العماني المتنفس الوحيد للقائنا بالمسرحيين العرب والنقاد، ودفع تجارب الشباب خطوة نحو التغذية المعقولة، بعيدا عن العروض الموسمية المنتشرة هنا وهناك كيفما اتفق التي يصعب مشاهدتها لأسباب تافهة، هذا التأجيل عندي مثل إقفال باب الاجتهاد. وأنّ عدم توفر منصّة جديرة بالمهرجان حجّة ما عادت محتملة ولا مقبولة، في ظل ما تشهده عمان من انتعاش اقتصادي وتنمية واضحة، وأنّ عدم توفر نصوص مسرحية مطبوعة من أجل دراسة تطبيقية هدفها الوقوف على مشكلات كتابة النص المسرحي في عمان، أمر يشير لخلل في الاستراتيجية والرؤية التي تسير عليها الأمور، وهو خلل لا يقتصر على المسرح فحسب؛ وإنّما للفن عموما.
ولأنّ ساعة ترككم قد حانت، فسأختتم هذا الموضوع بسؤال غامض يصعب إيضاحه: يبدو أنّ الفكرة الجديرة بالمناقشة بعد ثلاثين سنة من التعاطي مع التنمية الثقافيّة، ليس في مدى حاجتنا لمسرح ونصّ وجمعية فحسب؛ وإنّما هل هناك أهمية خالدة لمناقشة هذا الموضوع؟ وكما ترون إنه سؤال يحتمل أوسع التأويلات المتاحة، بل وأوسع التأويلات غير الممكنة.
آمنة الربيع

أعلى



حـُلـم وواقع
البحث عن ضحكة ضالة

مازال الرجل العجوز يمشي في آخر الدرب، بخطواته الوئيدة، دون أن أرى وجهه وملامحه

الوديانُ تمخرُ حتى السماء بلونها الأغبر، وأنا عليَّ أن أعبر، وأن أشق طريقي جهة الكوخ الذي هناك

لا السعادة ولا التعاسة هو ما يشوقني، لا الترح ولا المرح هو ما أسعى إليه، لا الجزء ولا الكـُلّ، لا البرد ولا النار، لا العقل ولا الجنون، بل أبحث عن قهقهتي التي اختبأت عني في إحدى الزوايا المعتمة، في تقاطع الطرق المرير، في اللعنة المتيبسة التي أنبأتني بها البروق المدويـّة والرعود الصمـّاء... بقوة أتلهف أن أحتضن تلك الضحكة الضالة المشعشعة، ضحكتي المبللة بلعاب الذي أغوته الحياة وخاصره الموت، ضحكتي الصفيقة مثل رحمةٍ مجرمة، العذراء مثل رقصة فراشة في اللهب، العدوانية مثل حبّ متعال صعد إلى النجوم، الرشيقة مثل طفلة طار عنها قلبها...
عندما أحتضن تلك الضحكة المدوّية، تلك الضحكة اليتيمة المقرفصة، تلك الضحكة المارقة الشَـرود: سأعرف أنني حيّ، ومائل على مصيري، وأنني أمسك قبري في براثني وبين فـَكـّي، وأنني أتنزّلُ في أنيابي الدموية، وفي حيادي الماكر... حينها فقط، سأغنّي مثل أعمى في غابةٍ، يرشق الغيومَ بالمطر، هاذياً بالضحك والدموع، معلماً السماءَ سـِرّ الندف الناريّ المدفون في القلب...
حنين تخبئه الغيوم
مازال النهر ـ بعيداً أو قريباً ـ ينهمر ويتدفق، والشلال العارم يسكب مياه الأزل.. مازال النور يرفع وجوهنا إلى الشهوات، ومازالت الظلمات تخبئ أسرارنا الوقورة. مازال الرجل العجوز يمشي في آخر الدرب، بخطواته الوئيدة، دون أن أرى وجهه وملامحه. مازال يذهب جهة الشمس الغاربة كأنه هو الذي يصنع للشمس هيأتها وللنهار تلاشيه المتدرج الألوان. مازالت الحياة تتحرق إلى حياتها والموت يتلظى في ملكوته ومعانيه. مازال العمر بلا طول ولا قصر، والزمان بلا أول ولا آخر، والمسافة بلا بداية ولا نهاية، والألم بلا تباطؤ ولا تسارع، والحنين بلا بـُـعد ولا قـُـرب.
أرى أمامي طائراً بحرياً يمشي إلى جانب الضفة مـُـرَقـِّـصاً مؤخرته بخيلاء رغم صغر جرمه. أرى جذع نخلة متفحم، وأشلاء نخلة نائمة في قبر مفتوح يلفحه الهواء (لعلها أجمل الميتات أن لا تختنق بهواء الموتى!)، أرى في الظهيرة الغائمة من فبراير، في الجمعة النوّاحة، مسامير ملقاة في كل مكان، وشظايا زجاج، وخارطات مقطعة، وأخشاب قذف بها البحر والبرّ، وأنفاس حشود لا مرئية تغني أغان مفزعة مـُـلوّحة بالحنين. أشهد النوم لا ينام، والحصاة تنخرط في واحديتها وفردانيتها رغم التحامها بأخواتها وتضامها مع رفيقاتها في الأكداس والمماشي والتلال. أرى الغيم الذي يُذكـِّـر بلوعة مبهمة، يذكر بقميص بينيلوب، وقميص يوسف، يـُذكـِّرُ بكل الفصول والأساطير، يذكر بالزمن والتراب والتناسل والتلاشي، يذكـِّـرُ بالأبدية عارية ومشـّاءة، ذات ألوات ندفية، يذكـِّرُ بالخراب والعمران، بالكوخ والقصر، بالفيضان والطوفان، بالحمامة وبالغراب، بنوح وبالسفينة، بالوردة وبالسـِكـِّين، بالدبّ والغزالة.
العدوّ
الحقير، مازال يطاردني. مازال يتربـّص بي رغم أنني أحاولُ تناسيه. وهو كأنـّـه لا يقصدني، أو هكذا يبدو ظاهرياً، إلا أنه ـ دون شكّ ـ يسيل شبحية مجنونة ضدّي وسـُـعاراً خبيثاً غير مرئيّ. إنه يهاجمني دون أن يفعل شيئاً غير إغاظتي المريرة بمفاجآته، ويُشـْـهـِر في وجهي الشرّ، دونَ أن يبدو مسلحاً بغير المكيدة المتقافزة في غريزته. بل إنّ مجرّد حضوره ـ في الزوايا المعتمة، وفي الغرفة النائية في أحد جوانب البيت، حتى لو بدا ذلك البيتُ مُتوهـَّـماً أو مـُـتخيـَّـلا ـ يـُحجـِّرني من الرعب واللهاث والهذيان.
أجده أحياناً على حين غرة في الشرفة. في شرفة البيتِ الكبير الذي لم أعهد أن أقمتُ فيهِ أصلا. وربما كانَ هذا البيت مأهولاً بشكل لا يـُـطاق، مع أنني أدرِكُ أنني طلقتُ زوجتي، ولم يعد معي أطفال. لماذا يظهرُ حتى في الشرفة؟، بينما يمكنُ له في كثير من الأحيان أنْ يظهرَ في غرفة النوم، أو في غرفة أخرى خاوية من أيّ شيء عدا الظلام، أو حتى في المطبخ متسمـِّراً مثل كرسيّ أو طاولة. لا أعرفُ لماذا يشعرُ بأنّ البيتَ بيته أيضاً. أو بشكل أصح، يَـقدُمُ متى أرادتْ صفاقته وغريزته المتطاولة أن يأتي. لذلك لم أكنْ أملـِكُ سوى مهاجمته ودفعه إلى الخارج حتى لا يعود.. لكنْ أتـُراني استطعتُ ذلك؟؟
كثيراً ما حملتُ كامل نفسي في مواجهته، في خضمَّ ذلك الظلام، إلا أنني أجدني خائر القوى، لا أملك حتى أن أجرّ نفسي بعيداً عنه. أتحوّلُ إلى عار شائن، إلى نميمة تأكل نفسها، إلى رمح يطعن حاله. وحتـّى لو وجدتُ عصاً سامـّة أو حديدة تناسبُ ركضي وراءه، وتـُبـَشـِّرُ بالقضاء عليه، يبطلُ مفعولها؛ إمـّا لأنـّها تصبح طويلة جداً في يديّ، وبالتالي يصعبُ تحريكها في أرجاء المكان المعتم، أو لأنني ألبث في ذلك التحجـّر والنكوص الخارقين، حتى لا أستطيعُ أن أفعل شيئاً، غير التألمّ والانقباض الشبيهين بالموت. وكثيراً ما لمتُ نفسي ووبختـُها؛ لأني تركته هذه المرّة، وكان من الممكن بسهولة جداً أن أقضي عليه، أو أسحقه، حتى لا يظهر مرّة أخرى، في واقع لي، أو حـُلم، ذات مساء رطب، أو عتمةٍ مباغِتة.
عدوّ لا أكادُ أن أصدّق أنَّ أشهراً طويلة مرّت دون أن أراه، حتى يتنزّل بمفاجأته، ويظهر دون حسبان، في ليلةٍ مغرقة في الوحل والتشرذم والمكائد. ودون ريب، ودون أن أعرف لماذا، ألعن فرويد ويونغ، بل وحتى باشلار الذي أحبّ.
عدوّ هو لا يشبه الوطواط، وإن كان في أحسن حالاته، مـُحَرْفـَشاً بذاتِ الأغطيةِ الخفاشيةِ السوداءِ الكابية. هل يشبه ساحرةً شكسبيرية ممتقعة الملامح؟ أم جنياً شهرزادياً، غيرَ مـُصـَفـّد، مـُقتلـَعاً من بلدان الخزي والشرّ المـُقـَطـّر؟ أم يـُـشبه غصنَ شجرةٍ سوداء اخترقها شيطانُ العذاب والويل؟ أم غراباً ضخم الجثة يقفُ بقدمين معقوفين ويرتدي زيّ الخديعة والمؤامرة؟.
إنني أراه مقرفصاً هناك. هناك دائماً بوجه ضبع. بوجه بهلوان يمزح بأصابعه في الهواء، بينما عـُنقي يتشنج في دماء هزلية مسممة...
هل أستطيعُ مرّة أن أنشغلَ عنه بتصويره، رغم هول الموقف، وقسوة رؤيته، الذين لن يمكناني بالتأكيد من فعل ذلك؟. أم هل تـُراني فعلتُ ذلك حقاً بحدقتي، لا بأية آلة تصوير أو قلم، حين مرَّ شبحه الداعرُ من أمام النافذة؟. أفهل تراني فعلتُ شيئاً غير الحسرة والوقوف يابساً وأخرساً وفاقد الحيلة؟. إنّ الضربة القاصمة التي يسددها لي هذا العدو: هي أنه يـُوحـِّد لدي الحلم والواقع، فلا أعرف حتى الآن، ما إذا كنتُ خارجاً من واقع مـُرّ، وداخلاً في حلم مرير، أو ما إذا كنتُ طالعاً من حلم ذي رؤوس كثيفة وآيلاً إلى واقع كلبيّ ٍ مـُزنـّر بالتهلكة...
كان ذلك عـَدُوِّي في الحـُلم، دزن، أزعم ذلك على الأقل، لكنَّ هناكَ عَدْوّاً كان يتشكل في هيئة أخرى، في رحلة أخرى، ويدِبّ في واقعة عيانية: فكنتُ صغيراً جداً. وكان لا بدّ أن أقطع كلّ هذا الحجمَ من المياه الغزيرة التي جاءت بها الأمطار. إنّ الوديانُ تمخرُ حتى السماء بلونها الأغبر، وأنا عليَّ أن أعبر، وأن أشق طريقي جهة الكوخ الذي هناك، في تلك المزرعة، حيث أخي وزوجته. ها قد تجاوزتُ الكيلو مترات الخمسة الموحلة، ووقفتُ على المشارف. إلاّ أنّ تلك المشارف لم تكن غير عنق الزجاجة. لم تكن غير عصارة الرّعب ونقيع الافتراسات النهمة. كان هنالك امرأة ما لا تـُكادُ تـُرى. لا أستطيعُ تمييزها بسبب تلك البرودة التي يتلفعُ بها كلّ شيء حولي، وبسبب تلك الأطياف السرابية التي تلتمعُ في صـحائف الماء. امرأة مثل صخرة متناثرة إلى شظايا مـُرعبة. امرأة مثل نسر جوّال يفتـِكُ بطريدته الصغيرة. امرأة ذات عنق جَـمَلـِيّ يتطوّح في كلّ جهة. امرأة فارعة الطول، تحمـِلُ على رأسها حطباً مشتعـِلاً بينما رذاذ المطر لم يكفّ بعد عن التوقف. وها هي صرخة تندّ منها، وها هي تنهر طفولتي، وها هي تصلبني على صليبٍ جحيميٍّ تقشعرّ منه الأبدان، وها هي تقذفني بلهبها الحقود والحارق. لقد كان عليَّ إذن، أن أنكص على أعقابي، وأن أوليها ظهري، وأن أسبق الهواءَ والوحلَ وساقيّ النحيلتين. هل تـُراني وصلتُ إلى مكان آخر بعد عودتي الحزينة، سوى إلى ذلك الكوخ مرة أخرى، منتقماً في قلبي من ذلك الفزع المُدَوِّم الذي حلّ بي هناك بعيداً، ومن المرأة الحيزبون التي تتصبـّبُ عليها كل كلمات الاحتقار والبذاءة...

خيطٌ من القـُـبح

بإيماءةِ خيطٍ من القبح
المـُـغرِّدِ في وجنتيكِ

برذاذٍ من البـُـهتان
على أديم ِ وجهكِ

تصبحينَ الجميلة
المـُباغـِتة في أوارِها
ونـَحْـلاتـِها

البئرَ المجنونة
التي تــُسـْكـِرُ رؤوسَ الجبال

المشرّدة في الجَمَال
الذي لا تنبسُ شفاهـُـهُ بالمعجزة
ولا خصوره بالجحيم المـُدَوِّي

بخيطٍ من القـُـبحِ
تطلـُعين وحيدة
في الصحراء
وتتشرّبين بالعزلةِ كمأساةٍ
تنحـَتُ القوافل

تـُعـَمـِّقين
الزلزالَ الوديعَ في هـُدْب
وتحشـُدينَ هـِياجَ الزمان ِ
في التفاتة

بخيطِ من القـُبحِ المتواري
ترفعينَ القـُبلة إلى
ألماسـِها الكافر
وتـُطفـِئينَ الجنـّة
في النارِ
التي تـُسيـِّجُ القصائد
بالهالاتِ الشامخة

صالح العامري *
* كاتب عماني


أعلى


 

نظرة عامة على مهرجان مسقط السينمائي الخامس (1 _ 3)
تقريرية صينية، وواقعية تركية، وروحانية روسية

أفلام منخفضة التكلفة الإنتاجية، راقية فنيا وناضجة مضمونا أقيم مؤخرا مهرجان مسقط السينمائي الخامس خلال الفترة من 22 إلى 29 يناير 2008، بمشاركة نخبة من الأفلام من 18 بلدا عربيا وأجنبيا. تضمن المهرجان مسابقة رئيسة مخصصة للأفلام العربية شارك فيها 11 فيلما، أما الأفلام الأجنبية فقد كان لها مسابقة مستقلة شارك فيها 8 أفلام. فيما عرضت 8 أفلام أخرى خارج المسابقتين.
في هذه المادة بأجزائها الثلاثة، سنتعرف على عدد من الأفلام التي شاركت في المهرجان، بحيث سيتركز الجزء الأول من هذه المقالة على التعريف بعدد من الأفلام الأجنبية التي شاركت في المهرجان، فيما سيتطرق الجزءان الثاني والثالث إلى مجموعة من الأفلام يوجد بينها قاسم مشترك لافت للنظر ألا وهو تناولها لقضايا وهموم عربية وإسلامية كبرى، حيث يبدو من خلال هذه الأفلام أن هذه الهموم الكبرى أصبحت الشغل الشاغل ليس للعرب والمسلمين وحدهم، وإنما للعالم أجمع.
* * *
بلغ عدد الأفلام الأجنبية المشاركة في مسابقة "أفضل فيلم أجنبي" في المهرجان 8 أفلام، جاءت من كل من الدول التالية: إيران، باكستان، هولندا، روسيا، أسبانيا، ألمانيا، الصين، وتركيا. تنوعت موضوعات هذه الأفلام واختلفت أساليبها الفنية، لكنها اتفقت جميعا ـ باستثناء الفيلم الباكستاني "باسم الله" ـ في أنها ذات تكلفة إنتاجية متوسطة إلى منخفضة، بينما تمتع الفيلم الباكستاني البريطاني المشترك بتكلفة إنتاجية ضخمة.
من هذه الأفلام ما ركز جل اهتمامه على الموضوع المطروح كشأن أساسي، موليا عناية أقل ببقية العناصر السينمائية، وذلك مثل الفيلم الصيني "الأجنحة المختفية" الذي ركز على قدرة الفرد على تحدي الإعاقة والنجاح مهما واجهته من صعاب. وهناك أفلام وازنت بين قوة الموضوع المطروح وجماليات اللغة السينمائية، وعلى رأسها الفيلم الروسي "رؤية كاملة" الذي نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة. كما وقعت أفلام أخرى في فخاخ التكرار والتقليدية في بعض تفاصيلها، وهو ما أثّر على مستواها الفني ونَقَلها إلى مصاف الأفلام الصالحة للمشاهدة بتزكية محدودة، وهذا ينطبق على الفيلم التركي "العشق الأول" الذي صنع قصة ميللودرامية مكررة لا تصمت فيها الموسيقى التصويرية الخطابية دقيقة واحدة. عن هذه الأفلام الثلاثة: الصيني "الأجنحة المختفية"، والتركي "العشق الأول"، والروسي "رؤية كاملة"، ستتركز السطور التالية.

الأجنحة المختفية

"الأجنحة المختفية" فيلم للمخرج الصيني فِنْج زينزي Feng Zhenzhi . هو من نوعية الأفلام التي تترك أثرا عاطفيا قويا لدى المُشاهد، بسبب تركيزه على مسألة الإعاقة وهي جانب إنساني من السهل استمالة المتفرجين إليه ونيل تعاطفهم معه، إلا أن كل هذا لا يعني بالضرورة النجاحَ الفني للفيلم.
تدور القصة حول الفتاة "زيهوا"، وهي فتاة في الصفوف الدراسية الأخيرة بالمدرسة يصعقها تيار كهربائي ذو ضغط عالٍ، مما لا يجد معه الأطباء مفرا من بتر ذراعيها بالكامل. تقع الحادثة عندما كانت الفتاة تلعب بالطائرات الورقية الصينية التقليدية المصممة على هيئة تنين، وهي الطائرات التي يصنعها والدا الفتاة الفقيران ويكسبان منها قوتهما اليومي. يرينا فيلم "الأجنحة المختفية" عذابات الفتاة وأسرتها بعد قطع الذراعين، حيث يبدو للوهلة الأولى أنه لا مستقبل أمام الفتاة. يقلق والداها لأنهما يعلمان أنه بعد موتهما فستجوع طفلتهما الحبيبة حتى الموت، فمن سيعتني بـِ أو يوظِّف أو يتزوج فتاة بلا ذراعين؟!
لأجل ذلك تقرر الأسرة تعليم الفتاة الكتابة اعتمادا على قدميها بدلا من يديها، وبعد تدريب شاق تتمكن "زيهوا" من الكتابة بقدميها فتسمح لها المدرسة بالالتحاق بها للسنة الدراسية الأخيرة. تمضي "زيهوا" خلال الـ 93 دقيقة ـ وهي مدة الفيلم ـ في تعلم كل شيء ممكن أن تقوم به برجليها. إنها تستبدل يديها بالكامل إلى رجلين تقوم من خلالهما بغالبية ما يقوم به الناس بالأيدي.
يسرف الفيلم في تتبع شخصية "زيهوا" وهي تتعلم كل شيء برجليها. فلا يوجد مشهد واحد بالفيلم دون أن تكون "زيهوا" حاضرة فيه، ويتم توظيفها لدرجة المبالغة أحيانا، وهي مبالغة إن كانت مبررة أخلاقيا لأن هدف الفيلم هو تسليط الضوء على قصة نجاح معاقة وتحديها للإعاقة، إلا أنها فنيا تعتبر عنصر ضعف في الفيلم.
يشبه "الأجنحة المختفية" الأفلام الحزبية والأفلام الموجهة عموما، وهي الأفلام التي تنطلق من فكرة جاهزة ولا تفعل شيئا طوال الوقت سوى تدعيم هذه الفكرة. ينطلق "الأجنحة المختفية" من شعار: "أنا قادر على تحدي إعاقتي وسأنتصر". الفيلم إذن يعرف سلفا ما سيقوله، ولذا فإنه ليس رحلة بحث عن إجابات لأسئلة مضنية تؤرق المرء كما هو الحال في الأعمال الأدبية والفنية الخالدة، ولكنه خلافا لذلك إجابة جاهزة اختارت السينما كوسيلة للتعبير عوضا عن أن تختار المقالة أو فن الخطابة. لكن "الأجنحة المختفية" يُحمد له أنه سلط الضوء على عالم المعاقين بشكل بانورامي، مما يساهم في تعريف الناس بحاجات بشر آخرين لعلنا لا نلتقي بالكثير منهم في حياتنا اليومية.

العشق الأول

"العشق الأول" هو الفيلم التركي الذي شارك في مهرجان مسقط السينمائي الخامس 2008، وهو للمخرج نيهات دوراك Nihat Durak . قصة الفيلم تتناول عائلة تركية تعيش في قرية بحرية صغيرة. هو من نوعية الأفلام التي تحكي عن عدة أجيال تعيش في زمن واحد: فهناك الجد الأكبر والجد والابن والحفيد، وهناك بالطبع الجدة وزوجات الأبناء وأصدقاء الحفيد. عائلة ضخمة يبدأ معها تشتت المخرج أو كاتب السيناريو، فهو لا يعرف كيف يحكي قصته، مِن وجهة نظر مَن بالتحديد عليه أن يبدأ. يبدو أن المخرج يختار الحفيد ليكون الخيط الذي يجمع أحداث الفيلم المتشعبة، لا يبدو ذلك ناجحا كثيرا ومع ذلك علينا أن نتقبل الأمر بالطريقة التي تتكشف بها الأحداث أمامنا على الشاشة مشهدا مشهدا.
القصة تدور حول عائلة كان لها صيت فيما مضى، لكن دورة الزمان والتقدم التكنولوجي ذهبا بهذا الصيت، إذ كان مجد العائلة قائما على مصنع الزيت الذي تملكه. هذا المصنع الآن مهجور ولا ينتِج شيئا بسبب ـ على ما يبدو ـ عدم قدرته على مجاراة التقدم الصناعي. يرفض الجد الأكبر بيع المصنع حتى وإن كان ذلك سيدر ثروة على أبنائه وأحفاده، لكن بعد وفاته تتغير الأمور، وينشب نزاع بين بقية أفراد العائلة حول البيع أو عدمه. ما يقلب الأحداث في الفيلم ليس هو وفاة الجد الأكبر، وإنما هو عودة الجد ـ أي ابن الجد الأكبر ـ بعد غياب امتد 40 عاما كان الكل يظنه ميتا خلالها. يعود هذا العجوز إلى حبه الأول، الفتاة التي تركها ووقع أخوه في هواها، وذلك بعد اختفائه الطويل وظن الناس أنه ميت. ولأن هذه الثيمة تبدو مفتعلة ـ ونعني بها ثيمة نزاع عجوزين على قلب امرأة مسنة ـ، يُدخِلنا السيناريو في عالم الحفيد أو آخر العنقود في العائلة. وهو طفل في بدايات سن المراهقة يعيش قصة حبه الأول. اسم الفيلم "العشق الأول"، وفيه قصتان ترتبطان بالحب الأول: إحداهما قصة الفتى المراهق والثانية قصة الجد والجدة اللذين لم يلتئم شملهما طوال تلك السنوات. من غير الواضح بالضبط ماذا يريد الفيلم أن يقول. لعله مجرد تصوير لحياة عائلة تركية بسيطة، ولعله تفاؤل بأن الحب الذي لا يتحقق لجيل معين، يمكن أن يتحقق لجيل شاب قادم. أما أضعف عناصر الفيلم الفنية فهو إسرافه في الموسيقى التصويرية التي لم تصمت في أي مشهد من مشاهد الفيلم، إذ جاءت زائدة عن الحاجة وقتلت ما كانت الكاميرا تستطيع أن تقوله بمفردها.

رؤية كاملة

"رؤية كاملة" فيلم للمخرج الروسي فاليري بندراكوفسكي Valery Pendrakovsky . تدور أحداثه في الطبيعة الخلابة لقرية كريميا Crimea الروسية الواقعة على بحر الآزوف Azov Sea. يبدأ الفيلم بالشاب كوستيك متوجها في رحلة إلى كريميا قرية صباه الأول التي لم يزرها منذ سنوات طوال. برفقته رئيسته في العمل إرينا وهي في نفس الوقت حبيبته، وهي تكبره بعدة أعوام. يتوقع الاثنان أن يمضيا عطلة هادئة بعيدا عن صخب موسكو، لكن لقاء كوستيك بكاتيانا حبيبة صباه يقلب الأمور رأسا على عقب. فور لقيا كوستيك بحبيبة صباه تنهض مشاعره الدفينة ويخفق قلبه مجددا، الأمر الذي يشعل الغيرة في نفس حبيبته الحالية إرينا. تقرر إرينا مغادرة القرية لكي لا يخطف أحدٌ حبَ حياتها منها، لكن سيارتهم تتعرض لسرقة إطاراتها فيفشل مشروع الفرار من القرية.
على الضفة الأخرى هناك رجل مغرم بكاتيانا حبيبة صبا كوستيك، لكن كاتيانا لا تبادله سوى الكراهية والقسوة. يُحذّر هذا الحبيب إرينا عما يجري بين كوستيك وفتاة صباه، لكن إرينا تعتبره متطفلا متعجرفا.
تلعب قصة الفيلم على الفارق العمري بين الشخصيات والذي يجعل الحب شأنا معقدا. فإرينا تكبر كوستيك بعدة سنوات ليست بسيطة، وكذلك فإن الرجل المغرم بكاتيانا يكبرها بعدة أعوام. وفي الوقت الذي يسجل فيه كوستيك وحبيبة صباه كاتيانا تقاربا، فإن إرينا هي الأخرى تبدأ بتقبّل شخصية الرجل المولّه بكاتيانا بعد أن كرهته في لقاءاتهما الأولى واعتبرته وقحا، لكن لا يحدث بينهما أي انجذاب عاطفي وذلك خلافا لما يتوقعه المشاهد. إن ما يحدث هو تصاعد درامي ساخن للأحداث. فبعد الساعة الأولى ذات الإيقاع الهادئ، تصبح الساعة الثانية من الفيلم ساخنة وحابسة للأنفاس، وتتشابك العلاقات العاطفية لتصبح مؤلمة وتدميرية.
ما ذنب المرء إذا وقع في الحب مرتين في ذات الوقت وتفرق فؤاده بين شخصين؟ أهو مذنب؟ إن كان الأمر "نعم" فكيف يمكن مقاومة الحب؟ وهل ينبغي أصلا إغلاق الباب أمام الحب أم السعي إليه؟ أما إذا كان من يقع في هوى اثنتين لا يستطيع الاستغناء عن إحداهما ـ وتستبد به الحيرة ـ غير مذنب فيما حل به، فماذا عليه أن يفعل حين يكون الجمع بين حبيبين ضرب من الاستحالة؟! تلك بعض من الأسئلة الجوهرية التي يفجرها فيلم "رؤية كاملة". إن الفيلم لا يقدم إجابات، لكنه يرصد تصاعد الحيرة والتمزق الذي يودي بشخصياته البريئة إلى الهاوية. إن الحب صعب ومؤلم دائما، وليس نزهة أو عطلة هادئة في قرية ساحلية غافية. النبش في القلق الذي يطحن الكائن الآدمي هو سر قوة فيلم "رؤية كاملة". فالفيلم يفلح في رصد التعقيد الموجود في العلاقات الإنسانية والمشاعر، أما جماليات لغة الكاميرا وجودة انتقاء أماكن التصوير فتضفي على الفيلم بعدا روحيا وإنسانيا شفيفا تجعله جديرا كليا بالمشاهدة. إن "رؤية كاملة" هو امتداد أصيل للشفافية والروحانية التي تكاد تكون سمة روسية خالصة منذ تاركوفسكي ومن قبله ومن تلاه، ولذا يبدو واضحا استحقاق الفيلم لجائزة لجنة التحكيم الخاصة التي نالها في المهرجان. علما بأن مسقط هي ثاني عاصمة عربية يعرض فيها فيلم "رؤية كاملة"، وذلك بعد أن تم عرضه بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2007م وفازت فيه الممثلة تاتيانا ليوتاييفا التي قامت بدور إرينا بجائزة أحسن ممثلة في دور رئيسي، ولن يكون أبدا غريبا سماع نبأ فوز الفيلم بجوائز جديدة في مهرجانات سينمائية أخرى حول العالم.

عبدالله خميس *
* كاتب عماني

أعلى



مقامات العشق والجنون
مقـام الاختيار

الليل ساكن، صامت، حزين. دوما ليل بلدتنا حزين. لا يتحدث ولا يتكلم مع أنيس أو رفيق، لا يجيد سوى الإنصات. الصمت يسربل المكان بالغموض. وآه .. ياليل !!
نظر) الراوي) حواليه، أخذ يتفرس في وجوهنا البريئة التي يقفز منها الخوف. تنهد ـ الراوي ـ حزينا. زفر زفرة حارة.. الليل محيط بنا كالسياج الأسود الصلب. مجلسنا عادة في نهاية الساحة التي تقع أمام دكان الحاج حموده البقال. حانة صغيرة، حقيرة .. مقامة من الطوب اللبن. ضوء مصباح الكيروسين الشاحب الهزيل، يتراقص مع كل نسمة هواء، يلقي بظلاله على وجوهنا الصغيرة فتزداد شحوبا ورعبا. الهوام وحشرات مملكة الليل، تتطاير في نطاق الضوء. افترش الصمت مستطيل الضوء الشاحب المنبعث من باب دكانة البقال. طالت فترة الصمت ..
في الزمن البعيد، البعيد .. كانت ( جميلات ) كما هي عليه الآن، لها رائحة طيبة، ترتدي ثوبا يكشف عن جمال جسمها، من شباب وحيوية وفتنة.
قالوا إنها بنت (الجنّية) قذف بها رجل من ظهره في لحظات إرتعاشة مجنونة!! وعندما غضبت عليه قتلته، وقذفت بالطفلة فوق سطح الأرض. البعض قال إنها ابنة العم (سعفان) الصياد!!. هل تذكرونه يا أولاد الغجر .. يا أبناء العشق والجنون؟! قلنا لا .. استكمل قائلا : البعض الآخر قال إنها مقطوعة من شجرة!! لكن أي نوع من الأشجار قطعت .. جميلات؟ قلنا شجرة صفصافة حيرانة، مزروعة على حافة مجرى الماء، تتدلى بفروعها مع التيار .
هيه .. يا أبناء الدون. الصفصافة شجرة أسيانة حزينة. وتنهد وصمت. لا يود ـ راوينا ـ أن يستكمل حكايته. أن يحدثنا نحن الأبرياء عن هذه الشجرة الشيطانية التي تنبت بلا بذور في أرض خراب !!
أخذ يسرح بفكره وبصره في الظلام الجاثم على الديار. نظرنا إلى المكان الخلاء الذي مد إليه بصره. ربما رأى شيئا. لم نستطع نحن رؤيته .
من خلال هذا السواد، حاولت أن أتبين معالم البيوت المتلاصقة جنبا إلى جنب تساند بعضها البعض حتى لا تتداعى وتنهار. أحسست بشيء يمرق في الظلام كالظل عندما يمر على كومة من قش الأرز اليابس دون أن يحدث صوتا. تلفت حولي. الساحة الواسعة التي تمتد أمام دكان البقال ساكنة. هذا الراوي لابد وإنه رأى وسمع، ولم يتكلم!!.
هذا على الأقل ما وصل إلينا، هذه الليلة، ونحن بدورنا لا نود أن نقطع عليه تفكيره. احترمنا صمته. هل كان السبب وراء هذا الصمت .. جميلات ؟!. كيف يشاهدها وهي تمر كالطيف، ونحن لم نشاهدها، يسمعها دون أن نسمع. ربما سرح بخياله إلى عالم آخر. قال لنا ذات مساء : العوالم كثيرة ومجهولة، وكل إنسان منا عالم غامض، ولكننا ل اندري !! .
الليلة كنا نود أن ينطق. يلفظ بكلمة، لكنه آثر الصمت. تنحنح الرجل العجوزوابتلع ريقه، وواصل النظر بعيدا على جدار الليل الأسود المنتصب أمامه، ثم عاد ينظر في الوجوه ويحملق فيّ ـ أنا ـ بالذات، كأنما يخصني بحديثه الذي يدور في أعماقه، لكنه وضع راحة يده اليمنى على صدري، حيث يخفق القلب الأخضر، ثم باغتني بالسؤال :
ـ أتخاف ؟!
احترت .. ماذا أقول ؟! لماذا خصني أنا بالذات؟!. أجبت لأظهر له رجولتي القادمة من المجهول :
ـ لا ...
ابتسم بارتياح. عاد يقول بصوت عميق. كأنما الكلمات تخرج من باطن الأرض الحبلى بالأسرار، مشيرا نحوي بإصبعه السبابة :
ـ أنت ... وقع عليك الاختيار .
قلت في ذهول :
ـ أنا .. لم أفهم ما ...
قاطعني وهو يضع أصبعه عموديا على فمي :
ـ اصمت ..
ثم أردف مستكملا :
ـ إذا عرفت الحقيقة، فلا تبح بالسر !!
* * *
( أنت .. وقع عليك الاختيار !!)
هذا الرجل المجنون، ماذا يعني؟! لماذا أنا بالذات وقع عليّ الاختيار ؟! هذا السؤال طرق ذهني أثناء عودتي. وحتى اطمئن نفسي قلت هذا الرجل المخرف لا يدري شيئا. أرى الفراشات والهوام تحوم في الضوء الشاحب المنبعث من داخل دكان البقال. تخيلت نظرات العجوز وهو يحدثني. عيناه تقدحان بالضوء الأخضر الباهت. عندما مر علينا هذا الطيف دون أن يحدث صوتا. لماذا صمت الرجل وتوقف عن الحديث في سيرة ( جميلات ؟!). تذكرت بعضا مما قاله. وصدقت تلك الليلة ـ من حياتي ـ لأول مرة، حكايات جدتي عن الجنّية التي تسكن طريق المقابر وتخطف الأطفال الذين يبكون في الليل، وإن كنت أعرف إنها كانت ترهبنا حتى نأوي إلى الفراش مبكرا في صمت دون احتجاج، دون أن نطلب منها ( فتافيت السكر ) .
* * *
سرت وحيدا في الزقاق الضيق الذي يسوده الهدوء والانعزال، مسترشدا ببقايا ضوء دكان البقال الذي أخذ يتلاشى مع التواءات الزقاق وبروز الجدران. برق ضوء وتلاشى سريعا.عين قط تقدح بالضوء والشرر. يرتفع الضوء ويعلو. ليست عيني قط. ماذا؟!. الضوء يرتفع، يرتفع .. يعلو في الظلام، فوق أسطح البيوت والدور ويختفي. بدأ في الهبوط. يهبط قليلا بهدوء وبطء. يقترب من جباه الأبواب، ينخفض ويلامس الأرض. لابد أن شيئا من كائنات مملكة الليل يلاحقني. لماذا وقع عليّ الاختيار؟! وضع يده الدافئة على القلب الأخضر. لحظتها أحسست بالطمأنينة والدفء والأمان، وقلت : لا أخاف. . قلتها لأني كنت أحسها في تلك اللحظة. كنت أحس بقوة غريبة تتملكني ولا أدري ما هو مصدرها؟ هل اكتسبتها من راحة يد الرجل العجوز، من الجلد اليابس والعظم والعروق والدماء؟! لماذا وقع عليّ الاختيار ؟! لماذا ـ أناـ بالذات ؟! لماذا ؟! لماذا ...
الآن، يتملكني الخوف، ولكنني أسير بلا توقف .

عبدالسـتار خليف *
* قاص وروائي مصري

أعلى



تــراث

أعادها مرات

قال البحتري: دعاني علي بن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يخلي، وأعادها مراتٍ ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيتٍ نادرٍ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشيءٍ قيل أخلى. قال: وكان علي بن الجهم عالما بالشعر.

ــــــــــــــــــــــ

أعيت من يداويها

قال أبو كعب القاص في قصصه: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا، فقالوا له: فإن يوسف لم يأكله الذئب، قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.
وروى عن بعض القصاص أنه قال: يا معشر الناس، إن الشيطان إذا سمي على الطعام والشراب لم يقربه، فكلوا خبز الأرز المالح ولا تسموا، فيأكل معكم ثم اشربوا الماء وسموا حتى تقتلوه عطشاً!.
قال الشاعر:
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها

ــــــــــــــ

أفهمتك كما أفهمتني

دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب، فقال: امتع الله بك، إني أكلت من لحوم هذه الجوازم فطسئت طسأة فأصابني وجع من الوالبة إلى ذات العنق، فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الحلب والشراسيف فهل عندك دواء؟ قال: نعم خذ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك هذا، فقال: أفهمتك كما أفهمتني.

ـــــــــــ

الغواني

الأخطل
يمددنَ من هفواتهنَّ إلى الصبا
سبباً يصدنَ بهِ الغواة َ طُوالا
ما إن رأيتُ كمكرهنَّ، إذا جرى
فِينا، ولا كحبالهنَّ حِبالا
المهدياتُ لمنْ هوينَ مسبة ً
والمحسناتُ لمنُ قلينَ مقالا
يرعينَ عهدكَ، ما رأينكَ شاهدا
ًوإذا مَذِلْتَ يَصِرنَ عَنْكَ مِذالا
إن الغواني، إن رأينكَ طاوياً
بردَ الشبابِ طوينَ عنكَ وصالا
وإذا وعَدْنَكَ نائِلاً، أخلَفْنَهُ
ووَجدتَ عِنْد عِداتهِنَّ مِطالا
وإذا دعونكَ عمهنَّ، فإنهُ
نسبٌ يزيدكَ عندهنَّ خبالا

ــــــــــــــــــ

الفتى ذو شجن

قال أبو هفان: وخبرت أنّ أبا نواس مر على جارية بباب قصر واقفة مع صاحبة لها فتأوه أبو نواس. فقالت الجارية لصاحبتها: أظن الفتى ذا شجن. فأنشأ أبو نواس يقول:

منحت طرفي الأرض خوفا لأن
أجعل طرفي عرضة للمحـن
إذ كنت لا أنظر من حـيث مـا
أنظر إلا نحو وجـه حـسـن
يزرع في قلبي الهـوى ثـم لا
يحصل في كفي غير الحـزن
أفدي التي قال لأخـت لـهـا:
إني أرى هذا الفتى ذا شجـن
قلت: نعم ذو شجـن عـاشـق
قالت: لمن؟ قلت: لمن قال من
قال عـسـاه لـك إنـا كـمـا
أنت له، قلت: اتفـقـنـا إذن

ــــــــــــــ

إنا لنفعل ذلك

عن حنظلة الكاتب أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة والنار وكنا كأن رأينا رأي عين، فخرجت يوماً فأتيت أهلي فضحكت معهم فوقع في نفسي شيء، فلقيت أبا بكر فقلت: إني قد نافقت، قال: وما ذاك؟ قلت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الجنة والنار فكنا كأن رأينا رأي عين، فأتيت أهلي فضحكت معهم. فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق، يا حنظلة ساعة وساعة".

ــــــــــــــــــــ

حبس مع الـدجـاج

شرب حماد عجرد مع أبي دلامة يوماً، فسكرا من الخمر فطلبوهما، فأما أبو دلامة فهرب وأما حماد فأخذ فأُتي به المهدي فقال: استنكهوه. ففعلوا فشموا منه رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به، فقال: يا عدو الله أتشرب الخمر وتسكر؟ إني سأقيم عليك الحد ولا تأخذني في الله لومة لائم. وقال: احبسوه حتى يصحو. فمضي به إلى بيت فيه دجاج بعد أن وُجئ عنقه ومزق رداؤه، فكتب إلى المهدي:
أمير المؤمنين فدتك نفـسـي
علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغـير ذنـب
كأني بعض عمال الخـراجِ
ولو معهم حبست لهان وجدي
ولكني حبست مع الـدجـاج
أمن صهباء، ريح المسك منها
ترقرق في الإناء لدى المزاج
عُقارٌ مثل عين الديك صـرف
كأن شعاعها لهب الـسـراج
وقد طبخت بنار اللـه حـتـى
لقد صارت من النطف النضاج
وقد كانت تحدثني ظـنـونـي
بأني من عقابك غـير نـاج
على أني وإن لاقـيت شـراً
لخيرك بعد ذاك الشـر راج
فأخرجه ووصله، فلما ولي قال الربيع: أما فهمتَ قوله:
وقد طبخت بنار اللـه حـتـى
لقد صارت من النطف النضاج؟
قال: بلى، فما أراد؟ قال: إنما أراد الشمس، وقال المهدي: ردوه. فردوه فقال: ما أردت بقولك: وقد طبخت بنار الله... تعني بها الشمس؟ قال: لا، ولكن نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وهي على الربيع موصدة، فضحك منه وأمر بإطلاقه.

ــــــــــ

صاحبكم أشعر الناس

قدم عمارة بن عقيلٍ بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: ها هنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طراً، ويزعم غيرهم ضد ذلك، فقال: أنشدوني له، فأنشدوه:
غَدتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوىَ غدِ
وعادَ قتاداً عندَهَا كـلُّ مَـرْقَـدِ
وأنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ الـمـوتِ أَنَّـهُ
صُدُودُ فِراقٍ لا صُدُودُ تَـعَـمُّـدِ
فأَجْرَى لها الإِشْفَاقُ دَمْعاً مُـورَّداً
من الدَّمِ يَجْرِي فَوْقَ خَـدٍّ مُـوَرَّدِ
هيَ البدْرُ يُغنِيهاَ تَوَدُّدُ وَجْـهِـهـاَ
إلى كُلِّ من لاقَتْ وَإِنْ لـم تَـوَدَّدِ
ثم قطع المنشد، فقال عمارة: زدنا من هذا، فوصل وقال:
ولكنني لم أحْوِ وَفْراً مُجَمَّعاً
ففُزْتُ بِه إلاَّ بشَمْلٍ مُبَـدَّدِ
ولم تُعطِني الأيَّامُ نوماً مُسَكَّناً
أَلَذُّ بـه إلا بـنَـوْمٍ مُـشَـرَّدِ
فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحبب الاغتراب، هيه! فأنشده:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحَيِّ مُخْلِقٌ
لديباجَتَيْهِ فاغْـتَـرِبْ تَـتَـجـدَّدِ
فإنِّي رَأيتُ الشَّمسَ زيِدَتْ مَحَـبَّةً
إلَى النَّاسِ إذْ لَيْسَتْ عليهم بِسَرْمَدِ

فقال عمارة: كَمُل والله، إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام، فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري!.

ــــــــــــــــ

طالق ثلاثاً إذا ولدتْ مثلك

كان لمحمد بن الحسن ابن فقال له ذات يوم: إني قد قلت شعراً، قال: انشدنيه، قال: فإن أجدت تهب لي جاريةً أو غلاماً؟ قال: أجمعهما لك. فأنشده:
إن الـديار طـيفـا
هيجن حزناً قد عفا
أبكينني لشقـاوتـي
وجعلن رأسي كالقفا
فقال: يا بني، والله ما تستأهل جاريةً ولا غلاماً، ولكن أمك مني طالق ثلاثاً إذا ولدت مثلك.

ـــــــــــــ

كِلاَنَا يا بُثَيْنَ مريبُ

جميل بثينة
بثينة قالت: يا جميل، أربتني
فقلت: كِلاَنَا يا بُثَيْنَ مريبُ
وأريبنا من لا يُؤدِّي أمانةً
ولا يحفظ الأسرار حين يغيبُ
ألا تلك أَعْلاَمٌ لِبَثْنَةَ قد بدت
كأن ذراها عَمَّمَتْهُ سبيبُ
طَوَامِسُ لي من دُونِهِنَّ عداوةٌ
ولي من وراء الطامسات حبيبُ
بعيدٌ على من ليس يطلب حاجةً
وأما على ذي حاجةٍ فقريبُ


أعلى


بلاد الشمس
رحلة صمويل مايلز إلى الجبل الأخضر سنة 1876م ( 4 ـ 5 )
نظام الأفلاج يلائم البلاد وعاداتِ العرب وظروفَهم الاقتصادية بشكل رائع

كنا نعبر من شريط خصيب إلى آخر، ونخوض بطونا ضيقة من الغيْل في طريقِنا المُتَعَرِّجِ

ترجمة ـ هلال الحجري*
عَبْرَ واديي معيدن وتنوف، الوعرين الشديدي الانحدار، شق الفُرْسُ طريقهم في مواجهة العرب، الذين دافعوا عن الجبلِ بقذف الصخورِ، ورمي الحجارة، وتفويق السهام ضدّ أعدائهم المتلهّفين العَنيدين. خطوة فخطوة زحف الفُرْسُ، وخطوة فخطوة تراجع العربُ، مستبسلين في قتالهم لعدّة أيام. تم بلوغ القمة أخيرا، و كان على المعركة أن تأخذ آخر مراحلها في ميدان مفتوح. في هذه المعركةِ، التي حَدثتْ على سهل صغير يسمى "شريف"، فوق وادي بني خروص، يقال أن العرب بلغ عددهم 10،000 مقاتل، ولا يعرف عدد الفرس. كان الكفاح طويلا ومستميتا، لكن شجاعة العُمانيين اليائسة لم تَستطع أَنْ تتغلب على أسلحة خصومِهم المتفوقة
وتدريبهم العالي، حيث قهروهم تماما بعد مجزرة رهيبة. كأسُ العرب مُتـْرَعَة بالإذلال الآن، واحتلال أبي القاسم للأرضِ أصبح مُطلقا وكاملا. صار نساء العرب وأطفالهم، بالطبع، غنائمَ المنتصرين، والعديد مِنْ هؤلاء الديلم أَو الفُرْس، جذبتهم صحةُ الحياة في الجبل و خصوبة أرضه، فصمّموا على الاسْتِقْرار هناك، واختاروا لمسكنِهم الجديدِ قرية على موقعِ البلدةِ الحاليةِ للشريجة، التي بدلوا اسمها إلى "شيراز الصغيرة" بعد عاصمةِ فارس.
تركزت صناعتهم على الزراعةِ، والعمل المُتقَن للحدائق الجبلية، إنْ لمْ يُصمّموها أصلا، فقد تطورتْ على الأقل بأيديهم. ويَجِبُ أنْ لا يُنْسَى، أيضا، بأنّهم أسدوا خدمة للبلادِ بإدخالهم العديدَ مِنْ الفواكه النافعة، كالرمان، والعنب، والجوز، والخوخ، واللوز والتوت، حيث جلب أغلبها مِنْ بلاد فارس بعد غزو البويهيين في القرن العاشرِ الميلادي.
نظرا لعدم إعجابي بأهل الشريجة ووجوههم المُتجهِّمة، ولضيق الوقت، بَقيتُ يوما واحدا فقط هنا، وودعتهم مبكرا في صباحِ الخامس عشر.(13) بدأنا هبوط المنحدرِ مباشرة بعد تَرْك البلدةِ، و في الطريق مررنا ببضعة نباتات صبورة تتشبث بالحياة على حواف الوادي، حيث لا تستمد إلا غذاء ضئيلا، حتى وَصلنَا، بعد حوالي 1000 قدم، وادي ساروت، تحت الجبل مباشرة، وهو وادٍ يرتفع عموديا مِنْ قاع جارف إلى علو كبير. أخذنا هبوطا حادّا آخر إلى حوالي 2000 قدم أسفل قاع صخري قاس، غاصٍّ بالجلاميد و شظايا الصخور، قادنا إلى وادي معيدن، حيث تبعناه حتى أفضى بنا إلى قرية صغيرة تسمى "مصيرة"، وهي ذات بساتين صغيرة من النخيل، وقد اندهشنا من مشهد النخيل في هذا الارتفاع. بالرغم من أن هذا الطريق أقل انحدارا من عقبة الحجر، ولا يمكن مقارنتها به، فقد تَطلّبَ حجما مساويا تقريبا مِنْ العمل الهندسي القاسي، واقتضى بناء الدرج إبداعا وجهدا كبيرين. الركوب عبر هذا المنحدر لم يكن سهلا، لكن جوادي شَقَّ طريقه طوال هذا المسار الزلقِ بثباتٍ عظيم. كان هناك جدول صغير لكنه دائم يَتدفّقُ على طول وادي معيدن، تغذيه عيون تنبثق من شقوق الصخور. وهذه العيون أكثر وفرةً في الأجزاءِ الأعلى للجبلِ. عند وُصُولنا أسفل الطريق، لفحتنا ريحُ السَّموم الحارة، نافخة بقوة فوق الوادي مِنْ اتّجاهِ الصحراءِ. كانَ الهواء قابضا للصدر و خانقا، مع أن مقياس درجة الحرارة أشار فقط إلى 110 ° فهرنهايت.
تتكون ضفاف الوادي في هذا الجزءِ بصورة رئيسية من حجر جيري كثير العروق، داكن الزرقة؛ وحجر طيني هش، بلون صدأ الحديد. معيدن، حيث تَوقّفنَا لتناول القهوةِ، قريةٌ جميلة تحت منحدراتٍ عالية، وبها فلجٌ وافرُ المياه، وأشجارُ نخيلٍ، وليمونٍ، وفواكه أخرى. تغيرت ريحُ السموم الحارة هنا فجأة إلى تيار بارد ومنعش مِنْ الهواءِ الرطبِ، أعقبتْه عاصفة رعديّة بأمطارٍ غزيرة. في الساعة الواحدة بعد الظهر استأنفنا طريقا مُتمعِّجًا مرة أخرى أسفل الوادي، حيث أفضى بنا هذه المرة إلى انحدار ألطف نحو الجنوبِ. بعد ثلاثة أميال وصلنا "المسفاة"، قرية صغيرة، وهنا بدأتْ ضفافُ الوادي بالتقلص و الانخفاض، كما أن النباتات في نفس الوقت أصبحت أكثر وفرةً، حيث كانت الطرفاء، والسدر، والنخيل، والسمر تُزيّن قاع الوادي. واصلنا المسير لأكثر من ساعتين على طول الوادي الذي أخذ ينفرج تدريجيا حتى خرجنا من التلالِ، ووجدنَا أنفسنا على سهل واسع عَطِشٍ وجاف بسبب أشعة الشمس الصيفية الحارقة، وفي أفقٍ ممتدٍّ لا تقطعه سوى أجمات نخيل تلوح عن بعد. هنا غيّرنَا اتّجاهَنا فجأة واتّجهنَا إلى الشرقِ، ووصلنا بعد حين إلى حصن مبني بالحجارة، حيث طرقنا بوابته استئذانا في الدخول. هذا الحصن كان "بيت الرديدة"، مسكن السيد حمد بن هلال، ابن عم ثانٍ لصاحب السمو السيد تركي، وشابٌّ لطيفٌ وذكي في السادسة عشر من عمره، رحّبَ بي بكل الود و الكرم.
أسكنتُ بادئ الأمر، بعد المقابلةِ الترحيبية المعتادة وتناول القهوةِ، في مسجد صغير ضمن فناء الحصن، حتى أعدّتْ لي غرفة في الطابق العلوي، لأن وصولنا هنا كان غير متوقّع كليَّا. في غضون ذلك، انتهزتُ الفرصة لاكتشاف الحصن، الذي يماثل حجمُه وتصميمُه "بيت الفلج"، قرب مسقط. البيت بناء طويل مستطيل الشكل، مُسوّرٌ بحائطٍ خارجي يُشكّلُ الفناءَ، به طابقان محميّان بأبراج دفاعية في الزوايا، وساحة رباعية مفتوحة للهواء. داخل الفناءِ مساكن للحاميةِ، وفي الزاويةِ مسجد صغير. إذا أُحْسِنتْ حراسة الحصن، يُمْكِنُه أَنْ يُقاومَ قوة عربيةَ، غير مسلحة بمدافع؛ لَكنَّه في هذا الوقتِ الحرج بحاجة إلى الترميم.
بيت الرديدة قريب من بلدةِ "بركة الموز"، التي يفصلها عنه تَلّ مخروطي منخفض، عليه برج مراقبة، وُضِعَ هناك للإشراف على إمدادِ المياه. حول البلدةِ أيكة واسعة من النخيل مختلطة ببعض البساتين والمزروعات. يبلغ عدد السكان تقريبا 3000 نسمة، والبلدة منقسمةُ إلى ثلاث حُجَرٍ، أَو أقسام، يعود أحدها إلى السيد حمد، والآخران يعودان إلى قبيلتي بني ريام والعمير.
بعد الظهر تجولتُ مع السيد لتفقد أملاكه، ثم تجولنا في البلدةِ، التي تدِينُ بازدهارها و امتدادها لسعة عقل السيد هلال وعنايته الدؤوبة، حيث منحه إياها السيد سلطان بن أحمد بالإضافة إلى السويق، كقطعة من أملاكه، وكانت حينها مجرد قرية صغيرة. تُنتجُ الحقولُ هنا الأنواعَ العاديةَ من الذرةِ والخضارِ التي تنمو في عُمان، لكنها لم تكن محروثة ومنظمة بشكل جيد كما في معظم البلاد. المُنتَج الذي استحوذ على اهتمام السيد حمد كانَ قصبَ السكر، وقد حرص على أن أطلع على مزارعِه الفاخرةِ. يمتلك فيها طاحونة بدائية لاستخراج العصيرِ، وقد ألحَ في استفساراته مني حول أفضل الطرق لتصفية السُكّرِ. يتكاثر القصب هنا، كما في الهند، مِنْ الشتلات، ولَيسَ مِنْ البذور، ويُعْتَقَدُ بأنه موجود في عُمان منذ الأزل. إن الرّيَّ المُتكرّر والوافر ضروريُ للإنتاجِ الناجحِ لقصبِ السكر، وحقول السيد تُسقى بفلجٍ يتدفق مِنْ التلالِ. إن الفلج نوع مِنْ الأنهار الاصطناعية، وو واحد من أكثر الأنظمة الاجتماعية إبداعا، يمكن للمرء أن يتخيلها، في جَلْب الماءِ بتَحفيز يد الطبيعة المعطاء.
تزخر التلالُ بالينابيع، لكنّ التربةَ مسامية و عطشى، و شدةُ الحرارة تجعل الماء يتبخّر بسرعة، مما يجعل رَيّ الوديان والسهولِ بأيّة طريقة أخرى غاية في الصعوبة. و مع أن الأرضَ تبدو قاحلة وجرداء، فهي خصيبة في أغلب الأحيان بما فيه الكفاية، و يعوزها الماء فقط. أحْيِها بالرَيِّ، و سَتُنتجُ حصادا وفيرا. إنّ نظامَ الأفلاج يلائم البلاد و عاداتِ العرب و ظروفَهم الاقتصادية، بشكل رائع. بعد العملِ والكلفةِ الأوليةِ لإخراج الماء من الأرض، يحتاج إلى قليل من الاهتمام والترميم، ولا يتطلب الكدح، والنفقة المستمرة. إنّ بناءَ هذه القنوات المائية تحت الأرض قامت به بشكل عام الجماعاتُ القبلية في كُلّ بلدة أو قرية على طريقة قاعدةِ رأس المال المشتركِ، كُلُّ فردٍ يُساهمُ فيه بنصيب، إما بالمالِ أَو العملِ الشخصي. وتنتشر الأفلاج في كافة أنحاء عُمان، وقليل من القرى التي لا يوجد بها فلج واحد على الأقل. مِنْ نبعٍ في قاعدةِ جبل، قد تبعد بعض الأميال، يُجري القرويّون الماءَ إلى حقولِهم عبر نفق أَو قناة تَحتَ سطح الأرض على النحو الآتي. سلسلة من الأسطوانات العموديةِ(14)، يبلغ قطر كل منها 4 أو 5 أقدام، ويبعد كل منها عن الأخرى ما بين 100 إلى 150 قدما، تنحدر تدريجيا من النبع إلى القرية، وهذه الأسطوانات أَو الثـُّقـَب مرتبطة ببعضها بقناة تحت الأرض على نحو يجعل تيار الماء، مدفوعا بالجاذبيةِ، يَصِلُ سطح الأرض حين يَقتربُ مِنْ الزراعةِ. يبدأ الفلج دائما من قُرْب النبع، حيث تكون الأسطوانات أعمق، ثم يتدفق الماء إلى النقطة التي يتوزع منها في القرية.
إنّ هذه الطريقة، بالطبع، أكثر مشقة و كلفة مِنْ قناةِ رَيٍّ مفتوحة، لَكنَّ لها إيجابية عظيمة في هذه الأرضِ الجافّةِ العطشى، وهي تَفادي الخسارةِ الناجمة عن الامتصاصِ والتبخّرِ. في حالة الأفلاج الطويلة، تكون الأسطوانات العليا بعمق 30 أو 40 قَدَما في أغلب الأحيان، وفي بعض الحالات تكون القنوات المتصلة مغطاة بأبنيةٍ من الآجُرّ. ولكن هذا يَعتمدُ كثيرا على طبيعةِ التربةِ، ظرفٌ يُملي المسافةَ أيضا بين الأسطوانات. قُرْب القُرى، تكون الثـُّقـَبُ سهلة الوصول كثيرا بدَرَجٍ أو طريقٍ منحدِر؛ لتَمْكين النساءِ من جلب ماءٍ صافٍ وباردٍ للاستخدامات المنزلية. إنّ صفوفَ الرُّبى، التي شكلتْها هذه الثـُّقـَبُ، بارزةٌ وغريبة، ومع أنها قبيحة نوعا ما، تمثل ميزةً في منظر عُمان الطبيعي.
كَانتْ الغُرَفُ العُلويّة للحصن عالية وواسعة، لكنها مؤثثة بشكل متواضعٍ جدا، وقطعا غيرُ نظيفة. الطابق الأرضي مخصّصٌ للمطابخِ والمخازنِ. بَدا المكان، بشكل مُوحشٍ، عاريا و فارغا، مُهمَلا وغيرَ مُريح، له مظهرُ بيتٍ تولـّتْ عنه أيّامُ المجد. لقد كانَ ذات يوم غنيا بأصناف من الرفاهية، جَمعَها مؤسِّسُه في أيام ازدهارِه، لكن كُلُّ ذلك قد تلاشى.
حول الغرفةَ التي نزلتُ فيها يمتد رفٌّ خشبي واسع، حيث صُفّت عليه مجموعة متنوعة مِنْ المصابيحِ، والساعات، ولأواني الصينية، وزجاجات الأدوية، الخ. ، وبين هذه الأشياء الغريبة كانَت كومة مُغبرّة مِنْ المخطوطاتِ العربيةِ، أعددتُ لها قائمة دقيقة. هذا الأمير كانَ مُجرَّدا مِنْ الطموحِ السياسي. لم يتدخل أبدا، حين شبّ عن الطوق، في الدسائسِ الحسودة والنزاعاتِ الفئويةِ المتفشيِة جدا بين زعماءِ عُمان، و إنما عاش حياة بيتية هادئة، مستغرقا في قراءة الكتب و التمتع بالريف، حتى تقاعد إلى شرق أفريقيا، حيث ماتَ في سنِّ مبكرة. أبوه، السيد هلال بن محمد، الذي كتب ويليستد في رحلته شيئا عن نزوعه النبيل وروحه الكريمة، كانَ علما بارزا في عهده، وصديقا حميما للإنجليز. كان يشغل المرتبة الأولى بين أفراد العائلة الحاكمة، ويعتبر رجلا جديرا بقيادة مصير الأمة إذا ما اعتلى العرش. ظلت ذكراه عزيزة في البلادِ مدة طويلة، و قليلا ما حدث في عمان، حسب رأيي، أن شخصا رُثي بصدق كما رُثي السيد هلال.
تمكنا من تجهيز الجِمال وانطلقنا في السادسة من صباح اليوم التالي، مع أن مُضيفنا الشاب الدّمِث، السيد حمد، كانَ كارها لمغادرتنا، وأصرّ على مرافقتنا بفرسه مسافة من الطريق قبل أن يُودّعنا. امتد طريقنا عبر سهل منبسط، ينتشر فيه السمر وبعض الكلأ، وتقطعه جداول ضحلة، أهمها وادي الحجر، الذي أخذ اسمه من قرية بنفس الاسم. بعد ساعتين من الخَبَبِ البطيء، وصلنا إلى "إزكي"، بلدة كبيرة ومهمة على ضفاف وادي حلفين. خرج الوالي، الشّيخ محمد بن سنان، الذي كان يحتل الحصن في هذا الوقتِ نيابةً عَنْ السلطان، للقائنا، واستقبلني بمودة بالغة. بعد تناول القهوةِ في سبلة(15) كبيرة داخل الفناء، أراني الشيخ جميع أنحاء الحصن، وبعد أن أخذني إلى الغرفة العُليا، أخبرَني بأنّه يريد أن يقوم بحق الضيافة لمرافقي العرب. كُنْتُ مُتَلَهِّفا لاستئناف المسير وقطع مرحلة أخرى بعد الظهر قبل التوقف لليلة، لكنّ الشيخَ كَانَ جِديَّا ومُصِرّا في عرض الضيافة، مُصرِّحًا بأنَّه سيقل في نظر أتباعه لو سمح لنا بالمرور دون أن يُولم لنا، لذا اضطررتُ للرضوخ والإذعان لرغبته، رغم أني أعرف من تجاربي السابقة أن في مثل هذه المناسباتِ تكون إعدادات الطبخ بطيئة، مما يؤدي إلى إنهاء مسيرة اليوم.
يوجد بإزكي بَعْض مزارعِ النخيلِ الجميلة ومساحات شاسعة من الزراعة، كما أن موقع البلدة غاية في الروعة. يخترقها وادي حلفين، و بها من أغزر ينابيع المياه التي رأيتُها في عُمان. على الضفة اليسرى، الأرض منخفضةُ خصيبة، ومزروعة جيدا من قبل سكانها بني ريام. الضفة اليمنى أعلى بكثير، وعلى هذا الموقعِ المرتفعِ يقع الحصن، والحَيُّ المُسَوّرُ لبني رواحة. تقع خارج البلدة عِدّة أبراج مراقبة وقرى لقبيلة العمير و بعض القبائل أخرى. يبلغ عدد السكان تقريبا 8000، ويتكون بشكل رئيسي من القبيلتين المذكورتين، وإن كان بنو ريام الأقوى شوكة. تعرف هاتان القبيلتان محليا بـ"يمن" و"نزار".
إنّ الحصن بناء شاهق، مُحْكَمٌ و مُتماسك، له حيطان يبلغ سمكها 5 أقدام تقريبا. بالكاد مضى عليه قرن من الزمان، منذ أن شيده على أنقاض قلعة قديمة محمد الجابري، خال السيد سعيد بن سلطان، لكنّ مظهره يوحي بالقِدَمِ الشديد، لأن أحد أبراجه قد انهار كليا. في الخارج أمام الحصن نـُصِب مدفعان، قديمان، مُنـَخْرَبان، وخطران، لكنْ يمكنني تأكيدُ قدرتهما على إحداث ضوضاءَ هائلة، لأنهما أطلقا كتحيّةٍ لنا عند وصولِنا، وهذه خاصِّيّة لا تُقدّر بثمن في بلد لا يُعْرَف فيه استعمالُ المدافع البَتّة. إن الحصن لا يُرهب فقط البلدةَ بأكملها، لكنه، بموقعه مطلا على منبع وادي سمائل، يُهيمن و يُسيطر على واحد من أهم الشرايين الرئيسة و الطرق العامة في البلاد. و عليه فإن امتلاكه ظل دائما محورَ اهتمام الحكومة المركزية لأهميته العسكرية.
وادي حلفين غَيْلٌ دائم طوال السنة يجري مسافة مِنْ مصدرِه، ويَتدفّقُ إلى المنطقة الجنوبية الشرقيةِ، حتى يصبَّ في البحر عند غبّة حنيش. و في منتصف الطريق من جريانه يلتقي بوادي كلبوه، و وادي عندام، و يُشكّلُ مَهْدُه المعشوشب، الذي كثيرا ما يتردد عليه البدو لرِعاية قطعانِهم، الطريقَ الطبيعيَّ مِنْ "محوت" إلى "أدم". إنّ ارتفاعَ إزكي يبلغ قرابة 2000 قدم.
نفـّذ الوالي الشّيخ محمد وعدَه كما ينبغي بجمع رَوَاحلَ جديدة لنا، واستأنفنا طريقنا في فجر اليوم التالي. كُنْتُ عَلى وَشَكِ أَنْ أترَخّص منه، عندما أعلنَ نيتَه مُرَافَقَتنا جزءا من الطريقِ، ولهذا الإصرار لم أستطع أن أثنيه عن عزمه. امتطى جوادا عربيا أسودَ، وسيمًا ومُتـِّقدا، وعرض عليّ بلطف واحدا من أفراسه، لَكنّي آثرتُ أن أركب ناقة، لأن أمامنا مرحلة من الرحلة تقارب خمسين ميلا، والناقة أفضل من الحصانِ سُرعةً وراحةً في الرحلة الطويلة. بتوجهنا نحو الشمالِ، وَجدنَا أنفسنا نصعد مُرتقىً سهلا إلى قمةِ السلسلة الجبليةِ، على طول مَجْرىً مائيٍّ وَعْرٍ و صَخـْري، عن شمالنا برزت الجُروفُ المُتحدِّرة للجبل الأخضر، و صخورُه الهائلة، كـُتَلا مُظلمة، مُخَدَّدَةً بالشِّعابِ والشقوق العميقة، وعن يميننا، أخذتْ السلسلةُ الجبلية اتجاها بعيدا بين الشرق والشمال الشرقي. بعد ساعة من الرحلة وصلنا إلى النجد، أَو قمّة السلسلةِ، وهي أعلى من إزكي بـ 400 قدم. أعطاني الأشخاص الذين تحدثتُ إليهم أسماء مختلفة تطلق على هذا الشِّعب الجبلي، مثل "نجد بني رويحة"، و"نجد المجبرية"، و"نجد صحارمة"، لَكنَّهم كلهم أجمعوا على أن هذا النجد هو أخفض ممر عبر هذه السلسلة من التلال. مستجمع الأمطار في المنطقة المجاورة يوفر مصدرا لنهرين من أطول الأنهار في عُمان، يتدفقان في اتجاهين متقابلين، هما وادي حلفين، وقد سبق وصفه، ووادي بني رويحة، أو وادي سمائل. بعد أن اجتزنا سلسلة الجبال، هبطنا مسيلا حجريا يُؤدّي إلى المهد الرئيسي لوادي بني رويحة، و هنا رأيناه، ممتدا أمامنا إلى الساحلِ، أكبرَ الأودية، وأكثرَها قطينا، وأهمَّها سياسيا في عمان. هذا الوادي الرائع الغني الطويل، ممتدا بين سلسلتين جبليتين، يُشكّلُ إحدى قنواتِ الاتصال الرئيسيةِ بين الساحلِ والداخلِ، ورغم أنه قاحل في بعض الأماكن، فإنه مُرَصَّعٌ، على طول ضفتي غيله المتدفق أبدا، بسلسلةٍ من البلداتِ والقُرى، محفوفةٍ بالنخيلِ وحقولِ الذرة، والبساتين، والحدائق، وأنواع المزروعات. له مظهرٌ متنوع، حيث بدتْ لنا فيه أماكنُ غنية بالزراعة، وأحيانا مررنا على مناطق مقفرة من الرمل و الحصا، دون إشارةٍ لبيتٍ أو شجرة. سلسلة الجبال التي تُشكّلُ جوانب الوادي عبارة عن كتلٍ غير منتظمة في طولها، يبلغ ارتفاع بعض قممها الشاهقة عِدّة آلاف قدم.
في بعض النواحي تَقتربُ التلال وتُقلّصُ الوادي إلى ممر ضيق، وفي نواحٍ أخرى، تتراجع فيتسع الوادي. يتدفق وادي سمائل بشكل عام إلى الاتّجاه الشمالي الشرقي، تغذيه ينابيعُ وجداولُ لا تـُحصى، وبعد الأمطار يتعاظم بالروافد، وتصبُّ فيه السيولُ العابرة عن طريق الوهاد والأودية. حجم الماءِ الذي يَصِلُ البحرَ يَكُونُ، بالطبع، أكبرَ بكثير من الكميات التي يصرفها السكان في سِقاية حقولِهم. إنّ مصدرَ النهر في الجبل الأخضر، وتدفقه سريع بشكل جيد، لكن دون انحرافٍ مفاجئ إلى سمائل، حيث الانحدار يكون أقلَّ تدريجيا. إذا ما أخذنا في الحسبان المنحنيات والالتواءات، فإن المسافة الكلية للوادي بالكاد تصل 100 ميل.
كنا نعبر من شريط خصيب إلى آخر، ونخوض بطونا ضيقة من الغيْل في طريقِنا المُتَعَرِّجِ، حتى تعمّقنا أكثر في قلبِ الوادي، الذي أصبح أكثر قطينا وزراعة وفتنة، كلما تَقدّمنا. بعد خمس ساعاتٍ من السفر الشاق وَصلنَا إلى بلدة "وبال"، حيث تَركنا الشّيخ محمد. ألحّ علي لبَقاء ليلة هنا، و كنتُ شبهَ ميّالٍ لقَبُول الدعوةِ، حيث شعرتُ بالإرهاق الشديد، كما وددتُ اكتشاف المكان، لَكنّي عزمتُ على استئناف المسير، فودّعتُ الشيخ بعد أن تبادلتُ معه الهدايا الاعتيادية. تقع وبال على الضفة اليسرى، تحت تَلٍّ أبيضَ بارزٍ يعلوه برجُ مراقبة. خلفها باتجاه الغرب، تبرز سلسلة جبال نخل المهيبة، إحدى قممها تـُسمّى "عقبة القات"، من الممرات الجبلية الوعرة التي تؤدي إلى الرستاق، يُقدّرُ عُلوُّها بـ 7000 قدم.

أعلى



استراحة
قراءة في رسالة أحمد مسلّط إلى والده.... (1 - 2)

لقد مرَّت ساحتنا العُمانية بسنواتِ تشكّلٍ طويلة، تخلَّلها الكثير من العمل الجاد والتضحيات الكبيرة من شعراء حملوا على عاتقهم قضيّة الشعر العامي العماني الحديث، لم يكُن لديهم أي هاجس ٍ سوى كتابة القصيدة بفن ٍومتعة. فساهموا في تطوير القصيدة الحديثة وتطوّرها وتحديد ملامحها الحالية، فخلال تلك السنوات التاريخية كُتبت أجمل وأعظم القصائد العمانية، بموهبةِ ووعي شعراءَ كبار لا زالت مكانتهم كبيرة عند كل الشعراء ولهم التقدير والاحترام الكبير.
أحد هؤلاء النخبة، الشاعر: أحمد مسلط، الشاعر الفريد، المتمكّن من أدوات كتابته والمتفرّد بأسلوب شعري لا يضاهى، وما يميّزه بخلاف رصانته في سبك قصيدته: وضوح فكرته مع صعوبتها، كما أن صورهُ الشعرية متناسقة وصافية كماء النهر العذب. بعيد عن التكلّف، والحشو، يلامس الروح بشفافيّة مُدهشة، عميقٌ في طرح قضاياه الشعرية، يشهد المتتبعونَ بثراء تجربته الشعرية المنجزة.. في هذه المساحة سأحاول أخذكم في أعماق نصه الرائع: (رسالة إلى والدي)، والذي كتبه حينما كان في جمهورية الهند، بمدينة بونا، حيث كان وقتها طالبا يواصل تكملة دراساته العلياء. في الغربة كتب مسلط هذا النص، في لحظة توحّد وحنين وشوق جارف للأرض الطيبة، للوالد العزيز، للأبناء: ملائكته الصغار، للوطن بكل رموزه. كتب شاعرنا النص مشحونا بذاكرة ٍمن المشاهد ِالسينمائيةِ الحزينة، ماسكا بحزمة ٍ من العتب في يد وفي الأخرى حزمةً من السنين البيضاءَ ، حيث المشيب، وجلسة روحانية مع الذات، وكأنهُ الصوفيُّ الأخير..

بدون شك؛ كتب شاعرنا قصيدته في لحظة يأس وانكسار نفسي كبير، حتى أن الأبيات الثلاثة الأولى جاءت مشحونة بعاطفة حارقة تتوجّه إلى والده العزيز، الملجأ الآمن والملاذ الوحيد، والمستفِزّ الحقيقي لكتابة هذا النص وخروجه من رحم الذاكرة بهذه الصورة الرائعة. إن الوالد بحنانه وخوفه ورعايته لأبنه (الوحيد) كان مصدر الشرارة الأولى، الشرارة التي أشعلت ذهن شاعرنا حينما بدأ قرص الذاكرة يدور بهدوء مخيف. يبدو أننا سندلفُ في عالم ِ شاعر إنساني ٍصادق وحسّاس لأبعد مما نتصوّر، سندلف معه بهذه الافتتاحية المباشرة (سلام الله) والتي التزم فيها الشاعر بمبدأ الاحترام في حضور والده العزيز: وكأنه يبدأ قصيدته بالسلام التقليدي على والده العزيز، كما يفعل كل يوم حينما يلتقي بوالده في المنزل، فبكل بساطة وشفافيّة وتواضع يفتتح مسلط نصه بالسلام المباشر:

سلام الله من العشق القديم.. وقشة الغرقان

وهذا السلام قادمٌ من عاطفة قويّة؛ هي رابطة الأبوة القوية الصادقة، ومن حاجة الشاعر لها في هذا الوضع النفسي الصعب، وأيضا من مصدر آخر؛ وهو كما يذكره الشاعر: "قشة الغرقان"، لقد قفزَ الشاعر من الذاكرة الملتهبة إلى السبب الذي قذف به في هذا المكان القصي وهو الدراسة، فهو يتعلق بهذه القشة علّها تنقذه من الغرق، رغم سخريته الواضحة من الوضع الحالي ويقينه بأن هذه الدراسة ليست سوى وهم، وهمٌ ليس له أية جدوى، سوى خداع النفس والهروب من الواقع المأساوي. بعد الافتتاحية التي وضعتنا في قلب المشهد مباشرة ً نقلنا الشاعر بفطنةٍ شعرية ٍ للتعرُّف ِعلى العلاقة التي تجمعه بوالده، أو إلى مدى تعلُّق والده به، ويتضح أنّ هذا اللقاء كان يوميّا، وهنا تكمن صعوبة الوضع، فبعد أن تعوّد الوالد رؤية ولده الوحيد يوميّا أصبح لا يراه أبدا، أن هذا الترابط الذي أصبح روتينا يوميّا انقطع فجأة وأصبح فقدا موحشا وفقداناً مرعباً..

إلى اللي إن غبت عن عينه نهارٍ.. قال: وين أحمد..؟!

هذا السؤال المذهل، جعل شاعرنا يتذكّر والده بخوف، إن الشاعر هنا يرق لحال والده ويحزن لوضع الوالد الذي لم يتعوّد على هذا الغياب الشاق، إن الشاعر يقلِب الصورة والمشهد في أذهاننا، فرغم حنينه الكبير لوالده إلا أنّه يتعاطف مع حال الوالد أكثر، أي يتعاطف مع حنين والده له، وهنا يبدو الشاعر أكثر همّا وأكثر حزنا، فهو يحزن على والده المشتاق إليه ويحزن على حاله. بعد ذلك يقوم الشاعر بجرنا بهدوء خلف عدسات كاميراته المحترفة بطريقة (الفلاش باك)، إننا نشاهد شاعرنا وهو عائد إلى البيت والوالد ينتظر قدومه بربكةٍ واضحة، إلى أن يصل الولد، فيسمع الوالد صرير الباب وتصويته العذب، فيتشهّد فرحا، ويقيم حينها صلاة الفجر باطمئنان وسلام، وهي إشارة ترمز بدون شك إلى حِدّة الانتظار والترقّب والخوف حتى يصل الغائب، ويدُّل أيضا على تعلق الوالد بولده وحبه الكبير له.

إلى اللي يعرف إن النوم والأكره غدوا إخوان
متى ما صوَّت الباب برجوعي قام .. واتشهد
إلى اللي مايذوق الصبح إلا.. من فم الفنجان
ولايكسر مرار البن الا السكر الأســـــود

يواصل الشاعر تصوير فلمه السينمائي /قصيدته البكر، فيصوّر لنا مشهد والده كل صباح، حينما يرآه جالسا أمام دلة القهوة وإناء التمر وقد رمز للتمر بالسكر الأسود، فمرارة القهوة لا يُحَليِّها سوى التمر، ومن عادة أهلنا أن يكونَ التمر هو رفيق قهوتهم الدائم، في هذا البيت يكمل الشاعر بفن عالٍ أسلوبه الرائع في صياغة قصيدته، فنلاحظ اعتماده التام على الاستعارة المدهشة (صوّت الباب)، (ما يذوق الصبح إلا من فم الفنجان)، و(ولا يكسر مرار البن)، ونستطيع أن نخرج من كل بيت بصورٍ شعرية مليئة بالاستعارات والتشبيهات الجميلة وهذا ما يميّز أحمد مسلط، فصوره كما قلنا واضحة وسينمائية متحركة، أن الشاعر الحقيقي هو من يستطيع ان يجذبك من قلبك ويسمّرك في نفس المشهد الذي عاش كتابته، وهذا ما يفعله مسلط بنا في هذا النص، أن والده يصبح شخصيّة متحركة لها قوة الفعل وكأن القصيدة قصة يحكيها لنا الشاعر بمهارة القاص الخبير. وبعد الأبيات الثلاثة الأولى يعود شاعرنا إلى أصل القصيدة، ويتذكّر حزنه وهمّه فيعود بأسلوب فيه الكثير من الشجن:

وأما بعد ..ِِ...........والغربة غدت في داخلي أوطان
وأما قبل................والأرض الفسيحة كانت الأنكد

يواصل الشاعر كتابة رسالته إلى والده، وبأسلوب الرسائل المعروف: تحية طيبة وأما بعد، هكذا يتعمّد مسلط أن تكون رسالته، سهلة وواضحة وعاطفية، فهي إلى والده العزيز، وحتى نُشَرِّح هذا البيت ونَشْرَحه لابد أن نقابل ما بين: أما بعد، واما قبل، وما بين الفعل "غدت" أي اصبحت والمقابل له وهو "كانت"، أن الشاعر يكتب لوالده بتلقائية مثيرة، فيقول: أن الوضع لم يتغيّر كثيرا، سوى أن الأرض التي كنت فيها هي الأكثر غربة ومرارة ونكدا.. وكأنه يقول بأن غربة الوطن هي أقسى من وطن الغربة. لاشك أن الشاعر كان موفقا في مقابلته ما بين أما بعد المعروفة في كتابة الرسائل، وابتداعه بذكاء الموهوب المقابل لها وهي: وأما قبل، هنا يبدو مسلط الحقيقي متمكنا وواعيا بخفايا قصيدته، ان الكثير من الكلام يتوارى خلف قناع" أما قبل" المفاجئة بحضورها، لأنها غير متكررة من قبل؛ أي أنها من ابتكار شاعرنا (هذا هو الفرق ما بين التقليد والابتكار) وحتى توظيفها جاء في مكانه المناسب وله دلالة شعرية كبيرة أهمها التقابل مع لفظة "أما بعد" وفكرتها ألاحقة: (والغربة غدت في داخلي أوطان)، وهذا التقابل أكمل الصورة وكشف الفكرة التي تتشكل منها الصورة الفنية الكاملة لهذا البيت ..
حمد الخروصي *
*


أعلى




الأدب الشعــبي

بوح
بين مكتباتهم

وجدت في مكتبة الشعراء الذين يعرّف بهم إبداعهم عناوين مختلفة منها ( المحيط الأسود لأدونيس) و( شاعرية أحلام اليقظة لباشلار) و ( أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني ) و ( خريف الغضب لمحمد حسنين هيكل ) و ( سنّة الأولين لابن قرناس ) و ( تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوفكو ) و ( امبراطورية الرياح الموسومية لريتشارد هوول ) و( الخيميائي لبابلو كويلهو ) .. وغيرها الكثير التي لم تسعفني الذاكرة لتقصي أسمائها.
وهذه العناوين لو قلت لكم بأني وجدتها في مكتبة شاعر فلاني جديد ، لكذبتموني او لقلتم بأن هذه الشاعر أوجد هذه الكتب لتزيين المكتبة ، ولكن حتى مسألة اختيار مثل هذه النوعية من الكتب تحتاج لثقافة عالية هي الأخرى .. إذن فلن تجدها إلا مع الشعراء الذين تقرأ لهم القصيدة التي يستوطنها الإبداع والتي تعرج بك إلى أفق كاتبها بمضمونها الثقافي ليس بنص واحد فحسب إنما بمجمل تجربة ذاك الشاعر حتى وإن قلّت نصوصه ، وعلى العكس تقرأ في نصوص البعض انجرافا نحو مواضيع لا علاقة لها لا ببيئة الشاعر ولا بتجربته ، بل إنها تعكس صورة مغايرة عن الواقع وتعري الواقع الذي توهمه بعض النصوص أثناء قراءتها .
المقارنة بين محتويات مكتبة الشعراء الغنية بالثقافة والمعرفة وبين المكتبة غير الموجودة لدى شعراء آخرين ـ وإن وجدت فهي على قدر كبير من الضحالة ـ ، موضوع يستفزك بين اللحظة والأخرى ، فكان سابقا يملأني الاعتقاد بأن الشعراء الجدد رغم ابتعادهم عن القراءة في مختلف الأطياف الأدبية الا إنهم مطلعون بشكل نهِم على التجارب الشعرية الشعبية على أقل تقدير او ما تحتويه من كافة الجوانب ، ولكن في النهاية أدركت بأن هؤلاء الشعراء أنفسهم لا يقرأون إلا لأنفسهم فقط - للأسف - . وفكرة هذا الموضوع مكررة ولكنها على موعد قادم ليس ببعيد وهو يوم الغد الذي سيشهد افتتاح معرض مسقط الدولي للكتاب وانا متأكد بأن هذا الموعد لا يعني لمعظم الشعراء الشعبيين شيئا مهما الا للفئة التي تعرفك بنفسها من خلال نصوصها . ففي كل دورة من هذه التظاهرة تفرض المهنة التواجد المتواصل في المعرض وفي خيمته الثقافية ، ومن خلال تجربتي في هذا التواجد خلال الأعوام السابقة لا يوجد اثر مركز للشاعر الشعبي الجديد في هذا المعرض واقصد بالأثر هنا تواجده الفعلي إضافة لإدراكه لهدف ذلك التواجد ، فخلال العام الماضي مثلا بخلاف فئة من الشعراء لم أرَ سوى ثلاثة شعراء شعبيين فقط كان تواجدهم بدعوة من احد الشعراء للتوقيع على إصداره واستغلالها كفرصة للبحث عن مآرب أخرى كحال بعض الشباب دون العشرين عاما ، كما اني عهدت اثنين من الشعراء دائما ما أراهم يقفون امام الروايات الأدبية المترجمة والعناوين المتنوعة الأخرى وهي مرتهم الأولى التي قدموا لها بتحديد مبتغياتهم مسبقا ، وعودتهم الأخرى للحصول على عناوين أخرى نافدة ووعدتهم دور النشر بجلبها في وقت آخر ، وهذا ما ينتهجه الباحث الحقيقي للكتاب .
ما نعنيه ان التوجيه هو الوسيلة الوحيدة التي من خلالها تستطيع أن تقدم لعقلية الشاعر الشعبي شيئا مفيدا الا أن القراءة كما ذكرت سابقا هي الأساس وهذا التوجيه عادة يحتاج للقراءة هو الآخر فمثلا هذا الرأي في هذه الزاوية يحتاج للقراءة ، وأولئك لا يقرأون ! ، إذن ما الحل سوى رحمة من الله ! ، فندعوه سبحانه أن يشملنا برحمته ويمن علينا بفضله . فمن الواجب على الشاعر الشعبي أن يعي أهمية القراءة وأهمية الإطلاع على ثقافة الآخر في المجالات الثقافية والعلمية ليخدم نفسه قبل ان يخدم ساحته التي هي خدمة لوطنه .. وفقنا الله وتقبل دعاءنا.

ومضة ..

يا ابوي يبغوا يصادروا فكر ولـدك
وطيره حزين توخّزه أرض عشـه
اما يظل وكلْ أراضيه خُلـــــــــدك
واما يهاجر لأْ أي وكــرٍ يخشــــــه
يرضيك يوعد ؟/يخلفه يوم وعدك ؟
يرضيك طيره يهجر اليوم عشـــه !

فيصل العلوي *
*

ــــــــــــــــــ

وهج


ارفق..

ارفق بحال في الهوى مستذلي
سنتين واربع للكرى ما يذوقي
افضيت لك من وجد جاشي مثلي
قول غزير ع الغشيم الطفوقي
شعري وفيكم مفرداته زهلي
واهديه رغم اهل الحسد والحموقي
تمت عدد ما هب شرت مطلي
وارتاح له بال وليع خفوقي

فاتك بن فهر (نديم السويق)

ــــــــــــــــــ

رسالة إلى والدي

سلام الله من العشق القديم.. وقشة الغرقان
إلى اللي إن غبت عن عينه نهارٍ.. قال: وين أحمد..؟!
إلى اللي يعرف إن النوم والأكرة غدوا إخوان
متى ما صوَّت الباب برجوعي قام .. واتشهد
إلى اللي مايذوق الصبح إلا.. من فم الفنجان
ولايكسر مرار البن الا السكر الأسود
وأما بعد... والغربة غدت في داخلي أوطان
وأما قبل. والأرض الفسيحة كانت الأنكد
أببعث لك دفا شوقٍ ولاتحلم به الأحضان
واسير لك قوافل من شعر .. واسرج لك الأجود
يابوي.. ووالدي.. وحزامي إن خانوا بي الأقران
يا فلذة كبدي إن جاز الكلام أو رحت للأبعد
توصيني على ربعي وصاة القطن للقطان
توصيني على نفسي وصاة العين للمرود
واوصيك بعناقيد الفؤاد وزهرة الرمان
كلامٍ يوقف بفم الغريب ودمعةٍ تجمد
يابوي.... ومابي أكبر مالوله والشوق والتحنان
يا بوي ومابي أكثر ما لعتب إلا على (مسكد)
وهي (مسكد) يشيخ اسمنتها في حضرة الجدران
إذا مثالها جاه الظلام وخانه المبرد
معي ثمة كلامٍ في فمي ماجاوز الأسنان
واظن اللي قفوا بي قايضوا الإنسان بالأثمد
هنا كانت (مراكبهم.. خشبهم) وجهة الربان
وأظن ان الحكي ياوالدي ماينصف المشهد
بقيت ارمي من أصداف السواحل في فم الخلجان
وادور للعذر مرسى .. وادور للتعب مسند
إلين إبيضت الذمه .. بعد وابيضت الأذقان
يابوي وراحوا بدوني يابوي وماذكرني حد
عرفت ان امتداد البحر مايقرى سوى الشطآن
ولايكتب سوى بعض الفراق فإنحسار المد
يابوي .. وشيبتك لو جيت في ليلة شتا بردان
أبشعل لك شبابي .. ضحكتي واصير لك موقد
مثل ماانك تقول ( النخله ) أوفا من بني الإنسان
أقول ان الوفا غرسٍ غرسته بإبنك الأوحد
سلام الله من العشق القديم .. وقشة الغرقان
تحياتي ...من الشط المقابل إبنكم / أحمد

أحمد مسلط

ــــــــــــــــــ

أعلى


 

برعاية (لوطن) خلال 23 - 25 مارس المقبل
مجلس الشعر الشعبي العماني يعلن تفاصيل ولجان تحكيم مهرجانه الثاني

أعلن مجلس الشعر الشعبي العماني عن فعاليات مهرجانه الشعري الثاني برعاية (الوطن) والذي تقرر إقامته لمدة ثلاثة أيام من 23 - 25 مارس المقبل، حيث من المقرر إقامة حفل الافتتاح في مسرح الكلية التقينة العليا بالخوير بإقامة أمسية شعرية للشعراء اعضاء لجنة تحكيم مسابقة المجلس والمؤمل ان تتكون من مجموعة من الشعراء فمن السلطنة كل من سالم بن بخيت المعشني وعلي الحارثي ومن دولة الإمارات العربية المتحدة الشاعر سيف السعدي، كما من المقرر مشاركة الشاعر الكويتي ناصر السبيعي، ويشارك اللجنة من السعودية الشاعر نايف صقر. وسيقام في اليوم الثاني للمهرجان في المسرح نفسه أمسية شعرية للفنون التقليدية يديرها الشاعر سالم بن سلطان السعدي حيث تتضمن جلسة حوارية تعريفية عن فن شعري شعبي معين إضافة إلى تأديته من قبل بعض الشعراء الذين سيتم تحديد اسمائهم قريبا، وسيقام حفل الختام في فندق السوادي حيث سيشمل الحفل الإعلان عن نتائج مسابقة مجلس الشعر وإلقاء الشعراء الخمسة الأوائل لقصائدهم الفائزة، كما سيتم تكريم الفائزين إضافة إلى خمسة نصوص متميزة بحسب قرار لجنة التحكيم. الجدير بالذكر ان المجلس يقيم اليوم أمسية شعرية بمشاركة الشعراء سلطان العلوي وحميد الحجري وسعود المجعلي وزايد الشامسي في النادي الثقافي.


أعلى


 

من خلال الدراسات العربية
صورة "ألف ليلة وليلة" في الأدب الفرنسي (5 ـ 7)

"لو كنت ملكا" لـ "أدولف دينري" (1811- 1899): هذه المسرحية المقتبسة من "ألف ليلة وليلة"، وهي فانتازيا شعرية كتبها "أدولف دينري" عام 1852م ووضع موسيقاها "أدولف أدم" (1803- 1856) وقد عرف الغرب هذه القصة عن طريق ترجمة (جالان) الذي نشرها تحت عنوان "النائم اليقظان" والقصة في ألف ليلة وليلة بعنوان "أبو الحسن المغفل مع هارون الرشيد".
وملخص القصة العربية، هو أن أبا الحسن ورث عن أبيه مالا طائلا فقسمه شطرين، وقرر أن ينفق نصفا ويحتفظ بالآخر ليواجه به تقلبات الأيام، وما إن مر عام واحد حتى أضاع أبو الحسن نصف ماله من أقران كان يعتبرهم أصدقاء، فإذا بهم ينصرفون عنه عندما كف عن اللهو والإسراف، عندما قرر أبو الحسن ألا يصادق أحدا ولكنه كان في حاجة دائمة إلى نديم يؤنس وحشته، فكان يخرج إلى شاطئ دجلة، وينتظر إلى أن يجد عابر سبيل يتوسم فيه الخير، فيدعوه إلى داره ليتقاسمه عشاءه ولا يراه بعد ذلك مهما حدث؛ خشية أن يتعلق به وفي إحدى الأمسيات يتصادف أن يكون عابر السبيل الذي وقع عليه الاختيار هو هارون الرشيد نفسه فقد خرج متنكرا على عادته لاستطلاع أحوال الرعية، وراقت لهارون الرشيد صحبة أبي الحسن، فسأله عما إذا كانت له أمنية عزيزة يود تحقيقها فأجاب بأنه يود أن يصبح حاكما ليوم واحد كي يجلد الوالي الظالم وإمام الجامع الذي يأتيه كلما سمع الأغاني والموسيقى تنبعث من داره ويهدده بأن يشي به، ويضطره إلى دفع مبلغ من المال نظير صمته.
ويقرر هارون الرشيد أن يلبي أمل رفيقه، ويلقي في كأسه مادة مخدرة، ويأمر بحمله إلى قصر الخلافة، وعندما يفيق أبو الحسن من غفلته يعامله الجميع معامله السلطان، ويدعونه "أمير المؤمنين" فتصور أن أمله قد تحقق، وسرعان ما أمر بجلد الوالي وإمام المسجد، ومرة أخرى يضع هارون الرشيد المخدر في كأس أبي الحسن، ويأمر بإرجاعه إلى بيته.
وعندما يفيق يثور ويصر على كونه "أمير المؤمنين" وتعتقد الأسرة أن به مسا من الجنون، فتحمله إلى البيمارستان حيث يقيم عشرة أيام يستعيد خلالها هدوءه، فيعتقد أن الأمر كان مجرد حلم وبعد عودته إلى داره يعلم بما أصاب الوالي والإمام فتحدث له بلبلة ويرتاب مرة أخرى في أمر نفسه، غير أن هارون الرشيد يتدخل ويكرر التجربة نفسها ويُحمل أبو الحسن إلى قصر الخلافة، وعندما يفيق هذه المرة يشرح له أمير المؤمنين ما حدث له كي ينقذه من هواجسه ثم يجزيه على صدقه وكرمه بأن يزوجه من الجارية الخاصة بالسيدة (زبيدة) ويجعله من خاصته.
هذه هي القصة العربية، أما المسرحية الفرنسية فهي تعتمد على الموتيفات، ألا وهي رغبة إنسان من عامة الشعب في أن يصبح ملكا ليحقق أمنية عزيزة عليه، وتتحقق الأمنية بالطريقة نفسها، أي بفضل تدخل من الحاكم نفسه، ويمر البطلان بالتجربة نفسها، من حال إلى حال بين ليلة وضحاها.
ويؤدي الانتقال المفاجئ بكليهما إلى الجنون أو الذهول، ثم يتضح الأمر وينال البطل منتهى أمله، وبالرغم من هذا التشابه الأساسي تختلف المسرحية الفرنسية اختلافا بينا عن القصة العربية، فحوادثها تدور في جزيرة جاوه (وليس في بغداد) وبطلها صياد فقير يدعى (زيفوريس) أنقذ من الغرق عن طريق شابة جميلة، وقع في هواها من أول نظرة كما يحدث عادة في الأدب الشعبي، ولم يكن يعرف عنها شيئا، ولكنه احتفظ بخاتمها تذكارا لهذه الواقعة، وعندما يعلم أنها ليست سوى الأميرة (نيميا) وأنها من بنات عمومة الملك، تمنى لو علا شأنه فجأة كي يصبح أهلا لها.
ثم ينام الصياد على الشاطئ بعد أن كتب على الرمال "آه لو كنت ملكا" وأثناء رقاده يمر موكب الملك والأميرة (نيميا) معه، فيرى ما نقشه الصياد على الرمال، ويقرر أن يحقق أمنيته، ويأمر بتخديره وحمله إلى القصر (مثلما فعل هارون الرشيد). ولكن الأمير (قدور) الذي يحب الأميرة (نيميا) كان قد أمر (زيفوريس) بعدم إفشاء السر، نظرا لأن الأميرة كانت مصرة على الزواج بمن أنقذها، ولكنه يعرف من الصياد تفاصيل الحادث، ويأتي الملك ويطلب يدها وتقبل (نيميا) الاقتران به على مضض.
ويفيق بعد ذلك (زيفوريس) ويجد نفسه في القصر الملكي يعامل معاملة الملوك فيتصرف بشكل يتفق في بعض النواحي مع تصرفات أبي الحسن، ولكنه يختلف عنها في نواح أخرى مهمة، وهذا الاختلاف هو الذي يحدد نهاية المسرحية، ويأمر (زيفوريس) بجلد حارس الشاطئ الذي "يتجر في العدالة" ويستغل وظيفته في السطو على رزق الصيادين، وهو يأمره بأن يرد ما نهب من أموال إلى أصحابها. ومثلما فعل (أبو الحسن) لا يكتفي (زيفوريس) بالانتقام من أعدائه، بل يكافئ - أيضا - أحباءه فهو يرسل مائة قطعة ذهبية إلى أخته التي كانت مخطوبة لصديقه الصياد (بيفيار) ولا تجد مهرا، كما يوزع بعض الأموال على الصيادين، فيحصل كل منهم على عشر قطع ذهبية.
وإلى هنا نجد أن النص الفرنسي لا يبتعد كثيرا عن النص العربي، لكن الجزء التالي يتضمن تعديلات جوهرية ترتبط بالتيارات الأدبية، أو بالأحداث التاريخية والاجتماعية المعاصرة لهذه الرواية، ويأمر (زيفوريس) بعقد مجلس الوزراء، ويستمع إلى تقاريرهم فتتأكد لديه شكوك كانت تساوره بشأن الأمير (قدور)؛ ذلك أنه- أثناء عمله كصياد - كان يرى سفينة تقترب من الحدود. وكان (قدور) يرسل الصياد (بيفيار) خلسة لملاقاة هذه السفينة وتبادل الرسائل مع ربانها. وعندها يتيقن (زيفوريس) من خيانة (قدور) ويجد أنه ليس أجدر منه بالأميرة (نيميا) فيصرح لها بحبه ويأمر في الوقت نفسه بحشد القوات للدفاع عن الوطن، وإقامة العرس للاقتران بالأميرة (نيميا) لكن الملك يتدخل في هذه اللحظة فيعطي الصياد شرابا مخدرا، ويأمر بإعادته إلى كوخه .
ويستيقظ (زيفوريس) في مسكنه المتواضع فتلتبس عليه الأمور، وتحاول أخته أن تهدئه وتقنعه بأن ما حدث كان مجرد "حلم" ويعتقد الصيادون انه فقد عقله، ولكن جنون (زيفوريس) كان من النوع الهادئ، وقد أنقذه منه مجيء الأميرة (نيميا) التي سعت إليه بنفسها لتشرح له ما حدث، بعد أن تأكدت أنه منقذها الحقيقي. وهي تفصح له عن حبها وتفضيلها له. ويقترب العدو من البلاد في هذه الأثناء، فيجد الجيش على أهبة الاستعداد بفضل أوامر (زيفوريس) الذي أماط اللثام عن المؤامرة التي كان (قدور) يدبرها للاستيلاء على العرش. ويشترك (زيفوريس) في المعركة؛ ويخرج منها مكلّلا بالغبار، ويندحر العدو، فيكافئه الملك على بسالته بتزويجه من الأميرة (نيميا).
لقد ظل النصف الأول من القرن التاسع عشر حافلا بالصراع بين الملكية والنبلاء من جهة، والسلطة الحاكمة الجديدة والبرجوازية وعامة الشعب من جهة أخرى، وحيث إن الأدب مرآة للمجتمع، فقد صور الأدباء هذا الصراع، ونادوا بتحطيم الحواجز الوهمية الواهية بين الطبقات، ونددوا بخيانة (نبلاء) لا يتورعون عن التآمر مع العدو الأجنبي لحماية مراكزهم أو استرداد مكانة لا يستحقونها... وهكذا نسمع (أدولف دنيري) في ختام مسرحيته يقول بلسان الملك موجها حديثه إلى الأميرة (نيميا): إني آتيك بزوج جعله انتصاره ورضائي عنه جديرا بك .
د. حمود الدغيشي*
* كاتب عماني

أعلى


 

على عتبة تظاهرة فكرية.. معرض الكتاب

يعيش الكثير من القراء هاجس حسن اختيار الكتاب واستثمار الأموال فيما يعود على الوعي والفكر بالنفع
القراءة فريضة دينية وحضارية والمستقبل كما يقول فولتير هو لمن يعرف كيف يؤديها

معرض مسقط الدولي للكتاب لا يعبر عن تظاهرة ثقافية تعيشها مسقط بداية كل عام وحسب بل هو يعبر أيضاً عن توجه حضاري نحو بناء مجتمع القراءة والعلم والتجدد الثقافي. كل أمة اتجهت نحو الصعود الحضاري انطلقت من وعي أن الجمود المعرفي يؤدي إلى التقادم والتزمت تلك الأمم شعار "تجدد معرفياً أو تبدد".
ومع ذلك يعيش الكثير من القراء هاجس حسن اختيار الكتاب واستثمار الأموال فيما يعود على الوعي والفكر بالنفع والدفع نحو آفاق المعرفة الرحبة، ومن هنا ينشأ قلق اقتصاد ـ نفسي تزيد حدته تلك الجاذبية والبريق التي تصنعها العناوين الرنانة والأغلفة الملونة والمزخرفة. وكم من القراء من أغراه عنوان أو بريق ألوان وإذا بالكتاب لا يستحق أن تصرف في قراءته ثوان من وقتك الثمين الذي تتنازعه المشاغل في عالم السرعة الإلكترونية والاتصالات الفضائية، فقيمة الكتب تتفاوت، فهناك كتاب لا تكاد تسيغه حتى تلفظه، وهناك كتاب تتصفحه سريعاً منتقلاً إلى غيره، وهناك كتب تستوقفك كل كلمة فيها، تأخذك عباراتها وتعبيراتها إلى عوالم أخرى من الإبداع وفضاءات أرحب من الإمتاع، هذا هو الكتاب الذي يخلق بنا أن نقرأه بل وأن نعيد قراءته لنلتقط درره وننظمها فكراً وثقافة قادرة على تغير وجه الأرض.
قليلة هي الكتب التي تساوي في قيمتها ملايين الكتب، إنها الكتب التي تغير الإنسان، لا ليس الإنسان وحسب، بل تغير الأرض والأكوان، وقد تبقى هذه الكتب حبيسة الأرفف وقد يغطيها الغبار، إلا أنها يوماً سيكتشفها الباحث عن المعرفة الصانع للثورة الثقافية.
وما أرومه في هذه العجالة هو التطرق إلى نماذج من هذه الكتب التي تستحق أن تحمل لقب "الكتاب" فكم من كتاب لا يساوي خاطرة في جريدة عابرة.
من أهم الكتب التي أعادت بناء تكويني الثقافي كتاب "العودة إلى الذات" للفيلسوف وعالم الاجتماع الإيراني علي شريعتي، هذا الكتاب اعتبره النافذة التي أطللت منها على فضاء المعرفة القائمة على النقد والموضوعية في التحليل، كتابا صاغ فيه الشهيد شريعتي حوارا بين أسس الأفكار المتصارعة في السبيعينيات، في هذا الكتاب يكشف شريعتي للقارئ أهمية البعد التاريخي للفكرة وتطورها، يعيد شريعتي في كتابه الفذ هذا الاعتبار إلى الذات التي ضاعت وسط زحام السذاجة في فهم الدين وما يسميه بـ "الاستحمار" في تقليد الآخر الغربي المنتصر، لقد أكدّ شريعتي في كتابه الرائع هذا على أهمية "علم الاجتماع" في دراسة الأفكار ونشوئها وارتقائها في المجتمع وانتقالها من مجتمع إلى آخر. هذا الكتاب فتح شهيتي على مائدة الشهيد شريعتي التي تتألف من مجموعة واسعة من المؤلفات والتي شدني منها كثيراً كتاب "مسؤولية المثقف"، و"النباهة والاستحمار"، و"معرفة الإسلام"، و"التشيع العلوي والتشيع الصفوي".
كتاب "السلطة في الإسلام" للمستشار عبدالجواد ياسين اعتبره الجسر الذي انتقل بي من ضيق الجمود على التراث إلى فسحة ممارسة علوم التشريح على النص التراثي، لقد أوضح عبدالجواد في كتابه هذا أن السلطة في الإسلام ليست لأي شيء آخر سوى "النص"، وهو يقصد هنا بالتحديد النص "الروائي" الذي زاحم النص القرآني حتى أزاحه!، وقد نشأ النص الروائي على أعين السلطة وسمعها، فكانت تغذيه بما تشاء حتى يدر لها الخضوع والتسليم من قبل الأتباع، ناقش عبدالجواد تطور حجية الرواية وكيف تمت صياغة مناهج الأمة من قبل السلطة الروائية، حتى انسدت آفاق الحرية الفكرية، وتم تقليص دائرة الإباحة التشريعية، وتمت تربية الأمة على النظرة الجزئية المفتتة والمشظية والمكرسة للفرقة والاختلاف والخضوع والتسليم لكل من تقلد كرسي السلطة باسم الرواية.
كتاب "الطريق إلى المستقبل" لفهمي جدعان يعتبر من أهم منجزات الفكر العربي في آواخر القرن العشرين، يلح جدعان فيه على ضرورة التعامل مع الإنسان لا باعتباره عقلاً محضاً كما يتوهم العلمانيون ولا عاطفة محضة كما يتوهم المتدينيون، ولا باعتباره تركيباً بيولوجياً محضا كما يتوهم آخرون، بل الإنسان عبارة عن مزيج من مكونات الثقافة الموروثة، ومكوّن الإرادة، والمكوّن السيكولوجي بأطيافه المتعددة "الشعورية" والعاطفية والوجدانية والانفعالية الغنية، والمكوّن اللاعقلاني أو اللاشعوري بما ينطوي عليه من رغبات ودوافع ومناشط سوية أو غير سوية، والمكوّن البيولوجي بمورّثاته الصارمة أو الشاردة التي تذهب كل مذهب في ضبط أو دفع نشاطنا الحيوي وأخلاقنا وطباعنا وأفعالنا وجملة مصيرنا. ثم يتحدث جدعان عن ظاهرة الأقنعة "النفاق" التي أضحت الصفة الأبرز في تعاملاتنا، ويثني على دور المثقف وعلى تاريخ الحداثة العربية وعلى العلاقة بين التراث والحداثة والتباسها حين يكون الوحي أحد عناصرها، ومن ثم يستعرض مفهوم الحضارة ومكوناتها الثقافية، ويدرس العلاقة التواصلية والتدافعية بين الحضارات فيناقش برنارد لويس وهنتجتون في مقالتهم عن "صراع الحضارات"، وغير ذلك الكثير الكثير مما حواه هذا الكتاب الفذ لمؤلفه المتميز.
محمد عابد الجابري اسم لا يمكن تجاوزه في ساحة الفكر العربي ومؤلفاته رباعية "نقد العقل العربي" و كتاب "نحن والتراث" و"المشروع النهضوي العربي" و"في نقد الحاجة إلى الإصلاح" تعتبر من أهم المؤلفات التي تثير القلق الفكري بصورته الحميدة وغيرها ـ أحياناً ـ كل بحسب الخلفية المعرفية التي يقرأ بها الجابري الذي امتازت كتاباته بسبك فكري ولفظي راقٍ، ولا تقلّ سلسة جورج طرابيشي "نقد نقد العقل العربي" في الأهمية عن كتب الجابري ومؤلفاته حيث ترسخ مؤلفاتهما حقيقة القصور في الجهد البشري وضرورة ممارسة النقد حتى على النقد ذاته.
كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد يعد تحفة علمية جب ما قبله وما بعده من مؤلفات حول ظاهرة "الاستشراق" أصولها وفصولها وتطورها وارتباطها بالتوجه الكلونيالي الأوربي قديما والأميركي حديثاً، ويفضح الكتاب البعد الديني للأصولية المسيحية في تمويل حركة الاستشراق ودعمها وتجنيد الكثير من العرب والشرقيين لخدمة مآرب الكنيسة والدول الاستعمارية.
من الكتب التي تمثل بالنسبة إلي محفزاً نحو إعادة صياغة المنهج في التفكير الفقهي كتاب "السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث" وكتاب "كيف نتعامل مع القرآن" للشيخ محمد الغزالي وهذه الكتب اعتبرها خلاصة تجربة الغزالي في الدعوة والبناء الاجتماعي، يلخص الغزالي في الكتابين أزمة الأمة في ابتعادها عن تدبر كتاب الله وانحرافها عن فهم السنة والخلط بينها وبين الرواية، وللغزالي تجربته الفريدة في مجال الدعوة انتقل فيها من طبق إلى طبق، ومن طور إلى آخر مع الجماعات الإسلامية، وهو كثيراً ما يعرّي الصور غير الحميدة التي التصقت بالكثير ممن يحتكرون المعرفة الدينية ويتبنون لا شعوريا خطاباً أقرب إلى الشعار الكنسي في القرون الوسطى "احمل صليبَك واتبعني".
كتاب "التوارة جاءت من جزيرة العرب" لكمال الصليبي، هو أروع بحث تاريخي تمتزج فيه الأنثروبولوجيا بعلم الاجتماع والألسنية فيما يتعلق بتاريخ بني اسرائيل وارتباطه بالجزيرة العربية وانقطاع صلاتهم التاريخية بالشام عموماً وفلسطين تحديداً، الكتاب مارس عملية مخض للكثير مما كنا نعده مسلمات فإذا بها فقاعات جوفاء تتبخر حين يطرقها البحث العلمي، لقد أعاد هذا الكتاب ترتيب أوراقي المعرفية فيما يتصل بتاريخ بني إسرائيل الأمر الذي فتح لي آفاقا أوسع في فهم وتدبر آيات القرآن المتعلقة بهذه المجموعة البشرية التي أقلقت التاريخ وأقضت مضجعه وما تزال.
كتاب "الفتنة" لهشام جعيط هو نموذج للدراسة التاريخية التي يمتنزج فيها الفكر والفلسفة بالصرامة التاريخية، وقد استفدت من منهج جعيط كثيراً في كتابي "الصراع الأبدي".
من الكتب الرائعة أيضاً كتاب "الاجتهاد والتقليد والنظر" وكتاب "القطيعة بين المثقف والفقيه" ليحيى محمد، ففي هذين الكتابين يؤكد المؤلف على ضرورة اقتحام المثقف لحضيرة الفقه وأنه ربما يكون الأجدر من الفقيه التقليدي في تعاطي الأمور المستجدة على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وأخيراً لا يسعني وأنا أنوه بالكتب التي تصنع التفكير وتخلق الوعي بالمادة الفكرية وتحرض على اقتحام أسوار النقد والتدبر والانتاج الثقافي والحضاري أن أغفل عن الكتاب العماني، فهناك حقاً الكثير من الكتب التراثية والمعاصرة تستحق القراءة ففيها الكثير من أدوات البناء الفكري والمنهجي، فمن كتب التراث الحقيقة بالقراءة كتاب "الجامع" لابن بركة، وآثار ناصر بن جاعد الخروصي المبثوثة في كتاب "قاموس الشريعة" لجميل بن خميس السعدي، ومن الكتب المعاصرة الثرية بالمعرفة والبناء المنهجي كتاب "أشراط الساعة.. النص والتاريخ" لخالد الوهيبي، وكتاب "الإيمان بين الغيب والخرافة" لخميس العدوي وخالد الوهيبي، وكتاب "الخوارج والحقيقة الغائبة" لناصر السابعي.
بالتأكيد ليست هذه الكتب وحدها تحمل صبغة إعادة بناء العقل والتفكير، بيد أني أزعم أنها الأهم على الأقل فيما يتعلق ببناء المنهجية والفكر الذي أسير عليهما، أنا لا أزعم أني أتيت على كل ما في المكتبة العربية، فهناك الكثير مما لم يسعفني الوقت ولا المال ـ أحياناً ـ على اقتنائه ومطالعته، وأحياناً عدم وفرة الكتاب بسبب توقف طباعته أو امتناع بعض دور النشر من الحضور إلى معرض مسقط الدولي للكتاب، ربما تكون من ضمن الأسباب التي حرمتني وغيري من فرصة الاطلاع على إبداعات مفكري الأمة ومثقفيها.
إن القراءة فريضة دينية وحضارية والمستقبل كما يقول فولتير هو لمن يعرف كيف يؤديها، وقد حاولت فيما مضى أن أقدم خلاصة تجربتي الشخصية في محراب القراءة، متمنياً في الختام اختياراً موفقا للقارئ يرتقي به من القراءة المجردة إلى القراءة الإبداعية الخلاقة التي تستيطع أن تبني فكراً يستطيع أن يغير وجه الأرض إلى الأجمل، ويعيد صياغة الأمة إلى الأفضل.

د. زكريا المحرمي*
* كاتب عماني

أعلى


 

قـهـوةٌ مُـرة

الشقة في الطابق الرابع. في الباب ملصقات إرشادية عن: الاقتصاد في استهلاك المياه/ ضرورة التقيد بحزام الأمان/ التعاون مع موظف التعداد..
في الغرفة المطلة على الشارع كان الشاب واقفا عند النافذة واضعا يده على عارضة السرير حيث تجلس جدته على حافته تداعب مسبحتها الخضراء ناقصة الخرزات، مدلية رجليها وتؤرجحهما قليلا أحيانا. كان الشاب حزينا بعض الشيء (كان حزينا طوال الوقت). أراد أن يفكر في أشياء مفرحة وتبعث على الأمان: طفلة في روضة تشرب حليبا مع فطيرة بالعسل/ تعليق وردة حمراء على مقود الدراجة/ إطعام صيصان الدجاجة/ مرافقة ابن عمه في سيارته الموستانج السوداء..
نزلت العجوز من السرير وجلست على الكرسي الموضوع بجانب المنضدة في وسط الغرفة. وضعت يدها الخفيفة على ذراع الكرسي وقالت كلمات قليلة بصوت خافت. كانت جائعة وتشعر بالبرد لأنها لا تلبس جواربها القطنية السميكة. كانت تشتهي حساء الذرة الآن، لكنها خجلت أن تطلب من حفيدها.
تركتْ المسبحة الخضراء على المنضدة وتحركتْ غير بعيد عن هالات الضوء المتأرجحة خلف الكرسي لتلمس إطار النافذة لغير ما سبب. نظرت من النافذة إلى الشارع ثم عادت وجلست على الكرسي (أثناء عودتها إلى الكرسي تحركت شفتاها بكلمة خافتة جدا لم يتمكن الشاب من فهمها، لم تكن واضحة تماما، فكر الشاب في أنها ربما كانت مجرد تنهيدة إعياء، أو ربما كانت زفرة مرارة تعبيرا عن الهم، لكنه رجح الأولى لئلا يصيبه كدر الحزن).
كان الشاب لا يزال يفكر في الأشياء المفرحة لكي يزيل من حنجرته التهابات الحزن. فكر في المعطف البني القديم، أفرحه أن يتذكر بأن عنده معطفا بنيا غير ممزق عند الإبط معلقا في دولاب الملابس. رغب أن يلمس ثنيات الستارة، لكنه خشي أن يغافله الحزن فيتسلل إلى حنجرته متخفيا بغبار القماش السميك للستارة.
تكلمت العجوز مرة أخرى وبصوت غير خافت هذه المرة ولكن بسكينة أيضا. تكلمت عن عدة أشياء في آن واحد، عن غلاء الأسعار في سوق الخضار، وضآلة راتب الشؤون، وأصوات السيارات المزعجة تحت النافذة بعد المغرب، وعن موسم القيظ الماضي وجني الرطب. وعند ذكر الرطب تذكرت شح الأمطار ويباس النخيل، فتحدثت عن هذا طويلا حتى نامت على كرسيها دون حساء الذرة أو أي حساء آخر.
نظر الشاب من النافذة فشاهد فتاة تمشي في الطريق المحاذي. تذكر فتاة رآها في مكان ما فأحبها، وتذكر أن أول ما أسر روحه حين لمحها هي تلك الألوان في ثوبها. ألوان في منتهى البهوت والخفة، أشكال ساذجة لزهرات مرسومة ببساطة تكاد تكون ركيكة، وكان يخيل إليه أن ثمة عيبا في الصنعة لفرط السهولة التي رسمت بها تلك الزهرات الجميلة المزرية بألوانها الكئيبة، والخيوط الميتة هشاشةً وخفةً على نهايات الثوب. أحب تلك الفتاة حين رآها في تلك اللحظة، ولكنها ذهبت فلم يرها بعد ذلك، وشعر بالحزن لأنه لم يقو على نسيانها.
ابتسم بكآبة حين أدرك أن الحزن خادعه فتسلل إلى حنجرته بحيلة ماكرة.
كان الخشب في الغرفة صامتا، الخشب الأملس واللامع بلونه البني العتيق كان صامتا، خشب السرير وخشب الكرسي وخشب المنضدة، حتى خشب النعش، لحظة وضع جسد العجوز الخفيف عليه، كان صامتا.


عبدالحكيم عبدالله *
* قاص عماني

 

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept