الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان

نبذة عن الوطن
About Us
اكتشف عمان
اتصل بنا
مواقع تهمك

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


قضايا

 


انتحار جنود أميركا في العراق.. واقع مؤلم وحلول عبثية

أسامة نور الدين*
أزمة كبيرة تواجه الإدارة الأميركية بسبب تزايد معدلات الانتحار في صفوف جنودها العاملين في العراق، إذ من شأن استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه، أن يؤثر ليس فقط على الوجود الأميركي في العراق، والذي بات مهدداً بالفعل بسبب تصاعد عمليات المقاومة العراقية، وعدم قدرة الجيش الأميركي وإدارته المحافظة على وقفها، بالرغم من المساعي والضغوط المستمرة على كافة الأطراف الداخلية والخارجية، بهدف إشراكها في تحمل كلفة الوجود المادية والبشرية، وإنما ـ أيضاً ـ على الشعب الأميركي العاجز على ما يبدو عن استرداد أبنائه من العراق، بعدما دفعت بهم الإدارة الحالية لأتون حرب مشتعلة غير عابئة بما يحدث لهم هناك، مما جعله (الشعب الأميركي) يعاني آلاماً مبرحة مثله مثل الشعب العراقي، ليس هذا فحسب، بل وعلى الأمن والاستقرار الأميركي كذلك، حيث تنتشر عمليات القتل من قبل الجنود العائدين من العراق، بسب ما يعانونه من آلام نفسية وبدنية، جعلتهم كقنابل موقوتة توشك على الانفجار في أي لحظة وأي مكان، وبذلك تكون الإدارة الأميركية قد فشلت في استراتيجيتها الخاصة بمكافحة الإرهاب، بل على العكس جلبت الإرهاب إلى عقر دارها دون أن تدري، فهل تنجح أميركا في علاج الأزمة المتصاعدة قبل أن تتحول إلى كارثة حقيقة تهدد الوجود والأمن الأميركي في العراق والمنطقة والعالم، وتعمل على سحب جنودها من العراق وأفغانستان، أم ستظل مستمرة في غطرستها ورغبتها في الهيمنة إلى أن تحدث كارثة حقيقية تهدد الأمن والسلم الدوليين؟

أرقام قياسية

كشفت إحصائية أعدها الجيش الأميركي مؤخراً أن أعداد جنوده الذين أقدموا على الانتحار أو تسببوا لأنفسهم بإصابات بليغة قفزت بصورة قياسية منذ شنت الولايات المتحدة الحرب على العراق في العام 2003 والتي أدت حتى الآن إلى مقتل 3941 من جنودها.
حيث شهد العام الماضي فقط ما يقرب من 2100 حادث قام خلاله جنود من الجيش بالانتحار أو إيذاء أنفسهم وذلك مقارنة بالعام 2006، والتي بلغت فيه نسبة الانتحار 102 من الجندود، وذلك مقابل 87 جندياً عام 2005، أي 17.5 لكل مئة ألف مقابل 12.8 لكل مئة ألف عام 2005. بينما سجل العام 2003، والذي شهد انطلاقة الحرب، انتحار 79 جندياً، أي بمعدل 12.4 لكل مئة ألف.
وحسب بيانات البنتاجون، فقد سجلت السنوات الخمس الأخيرة، والتي شهدت عمليات عسكرية واسعة للجيش الأميركي في كل من العراق وأفغانستان، ارتفاعاً "غير مسبوق" في حالات انتحار الجنود الذين ما زالوا بالخدمة.
وليت الأمر قد اقتصر على ذلك، وإنما تعداه إلى الجنود العائدين من مناطق القتال، إذ تشير إحدى الدراسات الصادرة عن مراكز البحوث الأميركية إلى أن 6200 جندي ومجندة أميركية وضعوا حداً لحياتهم عام 2005, بعد عودتهم من ساحات القتال في العراق وأفغانستان حيث عانى غالبيتهم من أمراض نفسية جراء مناظر الحرب وويلاتها.
وبالإضافة إلى ذلك كشف مصدر مسئول في وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون" عن وجود العديد من حالات الاغتصاب والاعتداء الجنسي بين الجنود الأميركيين الموجودين في العراق والكويت، موضحاً أن معظم هذه الحالات يقع من قبل مجندين ضد مجندات.
وأعلنت وزارة الدفاع أن الجيش الأميركي تلقى في العام الأخير تقارير بوقوع 88 حادث سوء سلوك جنسي في منطقة القيادة المركزية التي تشمل العراق والكويت فضلا عن القرن الإفريقي ومنطقة الخليج وآسيا الوسطى بما في ذلك أفغانستان، الأمر الذي يعني وجود آثار وخيمة مترتبة على الوجود الأميركي في العراق، بعضها يحدث الآن في صورة انتحار واغتصاب وقتل، وبعضها يتوقع له أن يحدث في المستقبل، سواء بعد عودة الأميركان من العراق، أو بسبب فشل مشاريعهم في المنطقة.

أمراض مزمنة

وفي الواقع صاحب عمليات الانتحار والاغتصاب المنتشرة في صفوف الجيش الأميركي في العراق، معاناة آلاف الجنود من حالات الاختلال العصبي، والذي يؤدي في غالبية الأحيان إلى عمليات قتل وتدمير للمنشآت، ففي دراسة قادها باحثون من البنتاجون تمت الإشارة إلى ان نحو 9% من أفراد القوات الأميركية الذين قاموا بمهام قتالية في العراق وأفغانستان عانوا من حالات الاختلال العصبي الذي يلي الصدمات.
وقد رصدت الدراسة التي نشرت في مجلة بريتيش ميديكال الطبية المرض بين 50 ألف جندي أميركي، بعضهم أصيبوا بالمرض بعد صدمات تعرضوا لها في الحرب مثل إصابة بجروح أو مشاهدة إصابة غيرهم.
وقد وجد الباحثون أن 8.7% من الذين نشروا في مهام قتالية والذين لم يعانوا من قبل من الاضطرابات العصبية التالية للصدمة رصدت لديهم أعراض المرض أو شخصوا بأنهم يعانون منه. وذلك بالمقارنة مع 2.1% من القوات التي تم نشرها لكنها لم تشهد قتالا وثلاثة بالمئة من الذين لم يتم نشرهم.
ولم تكن الاضطرابات العصبية هي الوحيدة التي يعاني منها الجنود، وإنما يضاف إلى ذلك الإصابات البدنية التي يتعرض لها هؤلاء الجنود، والتي تحولهم في الغالب إلى عجزة، ففي دراسة لصحيفة "يو إس إيه توداي" الأميركية تبين ان أكثر من ألف ومئة محارب بالعراق وأفغانستان, 13% منهم يعانون إصابات خطيرة, وسيخضعون لعمليات جراحية في العيون، وقالت إن تلك النسبة هي الأعلى بالنسبة لاصابات العين في أي صراع كبير منذ الحرب العالمية الأولى.
وأضافت أن تلك الارقام تعكس حقيقة أن اصابات العيون باتت أكثر العواقب خطورة لحرب شاع فيها استخدام القنابل المزروعة على جانب الطريق وقنابل الهاون ضد الجنود الأميركيين, مشيرةً الى أن الامراض العقلية وبتر الاوصال كانت هي الاكثر شيوعا ولكن الجيش أقر الاسابيع الاخيرة بأن إصابات العيون الخطيرة زادت ضعفي معدل الإصابات التي تتطلب البتر.
والمثير في هذا الأمر حسب التقرير الذي أعدته منظمة طبية أميركية تدعى "أطباء من أجل مسئولية اجتماعية" بعنوان "الصدمة والرعب يضربان الوطن", أن إجمالي تكلفة علاج الجنود الأميركيين الذين شاركوا في حرب العراق بعد عودتهم سوف تفوق قيمة الإنفاق على العمليات الحربية بالعراق.

تداعيات مؤلمة

وبالإضافة إلى تلك المآسي التي يتعرض لها الأميركان العاملون في العراق، تؤكد الدراسات البحثية، أن هؤلاء الجنود بعد عودتهم إلى الديار يتحولون إلى قتلة، ففي المسح الذي أجرته صحيفة نيويورك تايمز للسجلات العامة تبين أن 121 على الاقل من قدامى المحاربين الأميركيين في العراق وأفغانستان ارتكبوا جريمة قتل او وجهت لهم اتهامات بارتكاب جريمة قتل بعد عودتهم الى الوطن.
وأضافت الصحيفة ان هذه الأعداد تشير إلى زيادة نسبتها 90 في المئة في جرائم القتل التي يتورط فيها عسكريون مازالوا في الخدمة او انهوا حديثا خدمة في الجيش الأميركي.
ووجدت الصحيفة التي قالت ان من المرجح ان بحثها لم يكشف النقاب إلا عن الحد الأدنى من مثل هذه القضايا، ان ثلاثة أرباع قدامى المحاربين الذين وجهت لهم اتهامات كانوا ما زالوا في الخدمة العسكرية وقت وقوع جرائم القتل تلك والتي استخدمت أسلحة نارية في اكثر من نصفها.
كما أكدت المقابلات التي جرت مع عائلات قدامى المحاربين على فكرة عامة هي انهم عادوا مختلفين من الحرب.

أسباب الأزمة

بالرغم من أن غالبية الوقائع تشير إلى أن عمليات المقاومة التي تكبد الجيش الأميركي خسائر فادحة، هي السبب الرئيس فيما يحدث للجنود الأميركيين، إلى أن الجيش الأميركي نفسه يحاول أن يوحي للكثيرين بأن سبب تلك الأزمات إنما يعود لأسباب عاطفية ومشكلات قانونية، ففي تقرير للجيش الأميركي تم التأكيد على أن قائمة الاسباب الدافعة للانتحار بين الجنود تراوحت بين العلاقات العاطفية الفاشلة والمشكلات القانونية والمالية الى جانب أمور تتعلق بالوظيفة والعمليات.
الا أن خبراء في الطب النفسي أشاروا إلى أن فترات الخدمة الطويلة وهموم العودة الى الوطن تقف خلف الكثير من المشكلات التي تقود إلى فشل العلاقات وظهور المصاعب المالية والقانونية معيدين الكرة من جديد الى ملعب العمليات العسكرية.
وقد أرجع آخرون سبب ارتفاع معدلات الانتحار هذه الى الهزيمة النفسية والفكرية والعقائدية بين الجنود وتأثير الضربات الموجعة للمقاومة العراقية التي الهبت الارض تحت اقدامهم وجعلتها جحيماً، ووقوعهم في مستنقع الحرب القذرة، واهدافها الكاذبة ومخططاتها الخبيثة، وهذا ما صرح به الجنود الأميركيون أنفسهم بقولهم "نحن محبطون وعناصر المقاومة العراقية ارهقونا، فهم يتبخرون كالريح".
وبالرغم من تلك التصريحات، إلا أن قادة الجيش الأميركي ما زالوا يصرون على رفض أن تكون العمليات القتالية الدائرة في العراق منذ قرابة خمسة أعوام هي العامل المحوري وراء تضاعف الظاهرة "اللعنة" - كما وصفتها الأبحاث - والتي رهنتها كذلك بضغوط اجتماعية واقتصادية، وفق الناطق باسم الجيش الأميركي، العقيد جوزيف كرتين.

كلاب لعلاج الجنود

الملفت في الأزمة التي بين أيدينا، أنه بدلاً من إعادة الحقوق إلى أصحابها، والأمر بسحب الجنود الأميركيين من العراق، نجد أنهم يلجأون إلى أساليب غريبة لعلاج الجنود، منها أنهم يرسلون إليهم بكلاب وأدوية من اجل تهدئتهم وحثهم على الاستمرار في مهامهم غير المبررة في العراق.
فقد قالت منظمة "فيت دوجس" قولها : "إنها سلمت كلبين من نوع لابرادور اسمهما بو وبادج الى الوحدة الطبية الخامسة والثمانين للجيش ليتم ارسالهما في نهاية الشهر الجاري الى الجنود الاميركيين في العراق"، وأكدت المنظمة أن السبب في إرسال الكلبين يتمثل في التخفيف من حدة انفعالات الجنود.
وفي تصريح لوكالة "قدس برس" أشارت مصادر في الشرطة العراقية إلى أن دوريات أميركية اقتحمت عشرين صيدلية في بغداد بحثاً عن حبوب مهدئة.
يعني ما سبق أن أزمة حقيقية يعاني منها الجنود الأميركيون في العراق، وبالتالي تعاني منها الإدارة الأميركية العاجزة عن إيجاد حال ناجز لتلك المعضلة الكبيرة، التي من شأن استمرارها أن تضر بالمشروع الأميركي الخاص بالهيمنة والسيطرة على المنطقة انطلاقا من العراق، الأمر الذي يلقي بظلال كثيفة على الوجود الأميركي في العراق، فهل يكون الحل في الانسحاب، أم ستضرب الإدارة الحالية والمستقبلية بجنودها في العراق وأفغانستان عرض الحائط، ما دام ذلك في خدمة المشروع الأميركي؟؟

* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة


مأساة غزة ... وملهاة صراع الانقسام اللاهوتي!

د.فايز رشيد*
يكرر التاريخ نفسه مرتين، في الاولى على شكل مأساة، والثانية على شكل مهزلة وبين هذه وتلك عاشت غزة محرقةً كبيرة وحصاراً خانقاً ما زالت تعانيه، وهي مهددة بمجازر ومحارق اخرى وفي ظل استمرار الانقسام يعيش المشروع الوطني الفلسطيني برمته تراجعاً كبيراً، فبدلا من توجيه دائرة الاهتمام نحو جوهر القضية والحقوق الوطنية، تجري المطالبة بقضايا اخرى، ولعل ابرزها: الخروج من شرنقة الإنقسام الى الحالة الاخرى النقيضة وهي تحقيق الوحدة الوطنية ليس باعتبارها شعاراً نظرياً فقط، وإنما مستلزماً أساسياً من شروط الانتصار ما دامت قضيتنا الفلسطينية تعيش مرحلة التحرر الوطني، ولم تنتقل الى الاخرى التالية لها من مرحلة للبناء الوطني الديموقراطي، وهذا لا يعني بأي شكل من الاشكال تجاوز الديموقراطية كمبدأ وتطبيق عملي في كلتا المرحلتين، فبها وبأسسها وفي إطارها يمكن الوصول إلى محور لزومي آخر وهو: برنامج الإجماع الوطني باعتباره قاسماً مشتركاً بين كافة الوان الطيف السياسي الفصائلي، ليس برنامجاً لأحد يفرضه على الآخرين، بل هو مطلب فصائلي يتماهى مع الاستحقاق الجماهيري أولاً واخيراً، وهو المعبر ايضا عن حقوقها الوطنية الاساسية، غير الخاضعة للمساومة او الاستبدال، والتي لا تنتفي بالتقادم، بل تتأصل كحقوق جذرية وأسس عميقة قامت من أجلها الثورة الفلسطينية.
ولعلّ ما يقرّب الوصول إلى الصيغة الجمعية الفلسطينية، أو ما يسمى الاجماع الوطني الفلسطيني، قضايا كثيرة، من أبرزها: ان طبيعة العدو لم تتغير رغم ستينيته، بل ازداد شراسةً وعنفاً واعتداءً بشكل تطوري ملحوظ، يشي بشكل رئيسي عن ثوابته الاستراتيجية، التي يجري التعبير عنها بممارسات تزداد فاشيةً، يوما بعد يوم، وذلك بحكم التطور التكنولوجي لآلة القمع العسكرية المهيأة له ذاتياً وما يوفره له حليفه الرئيسي من أدوات متطورة بشكل مستمر، لهذا القمع.
هذان المظهران للعدو يعنيان بشكل رئيسي: استمرار تمسكه بمنطلقاته الصهيونية، تزايد ثوابته البنيوية كشرائح اجتماعية مختلفة، وكفسيفساء مجتمعي يتفق على العداء للفلسطينيين والعرب ولكل ما هو إنساني بطبعه، تزايد النظرة اليمينية الفاشية بين أوساطه سنةً بعد أخرى، المعبر عنها في زيادة مقاعد اليمين للكنيست الاسرائيلي، وعلو تدخله المتعاظم في الحياة السياسية، الامر الذي يضع بنيته الفوقية وهرمه السياسي في وضع المحكوم لتوجهاته ومطالبه، بما يضيق على القيادتين السياسية والعسكرية في اسرائيل مجالهما الحيوي للمناورة وممارسة التكتيك السياسي، الذي جاء لاعتبارات سياسية دولية أولاً، وثانيا: لمراعاة الوضع في المنطقتين العربية والاقليمية ثانيا ولحسابات تتعلق برؤية مستقبلية للصراع، والتأثير الديموغرافي كعامل رئيسي من عوامله والأسس الذي ستتحكم فيه ثالثاً، بما ينفي الخروج باستنتاجات خاطئة لمدى البعض، مفادها: أن تغييراً حقيقياً قد طرأ إن في الاستراتيجية الاسرائيلية لرؤيتها لذاتها وللآخر ولعموم الآخرين من جيرانها، او في طبيعة توجهاتها المستقبلية.
قد يقول قائل: ان لا الوضع الاسرائيلي، ولا الآخر العربي ولا الوضع الدولي، تسمح باستمرار التمسك بشعار ارض اسرائيل الكبرى. يساعد على هذا الفهم: طبيعة مبدأ المفاوضات التي وافقت عليه اسرائيل مع الفلسطينيين والعرب، والاتفاقيات التي وقعتها معهم بإشراف دولي، وخطة الانطواء التي طبقتها اسرائيل من جانب واحد في غزة، وقبولها بمبدأ إقامة دولة فلسطينية وربما غير ذلك من العوامل ... الخ.
وفي الرد على هذا الفهم المتسرع والخاطئ نقول: صحيح ان اسرائيل طوت ملف تحقيق شعار اسرائيل الكبرى نظريا، ولكن بالمعنى العملي: نقلت شكل السيطرة من الاستعمار المباشر إلى محاولة الهيمنتين الاقتصادية والعسكرية على المنطقة، ففعلياً لا تستطيع (ضمن المنظار والعوامل القائمة حاليا) تعبئة الاشراف العسكري على مناطق محتلة جديدة بشكل مباشر، كما أن الوضعين: العربي والدولي لا يسمحان لها بذلك، غير ان هذا الامر لا يعني إسقاطه نهائيا من على الأجندة الاسرائيلية، فمثلاً لو افترضنا ان اليمين واليمين الفاشي والاحزاب الدينية، والدينية المتطرفة استطاعت الاتفاق على ائتلاف حكومي ووصلت فعلياً الى هذه الامكانية: فهل سيظل شعار اسرائيل الكبرى منسيا والحالة هذه؟
هذا هو الاساس النظري لما يبدو تناقضا بين (محاضرات) القادة الاسرائيليين عن السلام وسلوك اسرائيل اليومي المناقض له، ان في استمرار الاستيطان ومخالفة ما وافقوا عليه في مؤتمر انابوليس، او في استمرار التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية بوضع الخطوط الحمراء الاستراتيجية لانكار هذه الحقوق، وفي التصور الاسرائيلي ان الحقوق الفلسطينية تترجم الى حكم ذاتي منزوع السيادة والصلاحيات (أسُمّي شكل هذه الحقوق بدولة ام بإمبراطورية؟ لا فرق!) كما استطاعت اسرائيل انتزاع رسالة ضمانات استراتيجية اميركية بالموافقة على خطوطها الحمراء، لن تستطيع الفكاك منها أية ادارة اميركية قادمة في المستقبلين: القريب والبعيد. هذا هو الاساس النظري للرفض الاسرائيلي للمبادرة العربية، فلا عوامل ضاغطة على اسرائيل (وبخاصة في موازين القوى العسكرية) للقبول بها، وهي تدرك ان الاعتراف بوجودها كواقع قائم وكأحد مكونات المنطقة قد تم من غالبية النظام الرسمي العربي بما في ذلك بعض الفلسطيني.
بالتالي، فإنه لا شكل السلطة القائمة في الضفة الغربية ولا الاخرى في غزة تمثلان سلطتين فعليتين، وذلك باعتراف جهات عديدة من بينها الامم المتحدة وكافة المنظمات التابعة لها، وكل منظمات حقوق الانسان واخرى غيرها. لذا يبرز التساؤل: على أيّ شكل للسلطة يتم التنازع؟ فما زال المشوار طويلاً لنيل الحقوق الوطنية من القضايا المقرّبة لإنجاز الصيغة الجماعية الوطنية الواحدة، ايضا المطلب الجماهيري الفلسطيني، فاستمرار الانقسام سوف يؤدي إلى شرخ شعبي، هذا الامر سيؤدي الى كارثة وطنية فلسطينية حقيقية، فالاحتلال والمعاناة والتضحيات هي عوامل مشتركة يجب أن تعمّق الوحدة الوطنية الفلسطينية، بدلاً من تكريس الانقسام نتيجة لوجود ما يسمى مجازاً بـ (السلطتين).
عوامل موحدّة اخرى كثيرة ذاتية وموضوعية: طبيعة معركة المواجهة تقتضي وحدة وطنية، تحقيق المعادلة اللزومية الاخرى للانتصار في الربط بين الوطني والقومي والانساني تستوجب ايضاً العودة الى صيغة العمل الجماعي، كذلك هو المطلب الشعبي العربي، والآخر الرسمي والقضايا الحياتية اليومية للجماهير الفلسطينية تحتّم هذه الوحدة، والتعامل السياسي الفسطيني عربياً، واقليمياً ودولياً كقيادة سياسية تمثل شعباً واحداً في معاناته ومطالبته بحقوقه الوطنية.. وقضايا أخرى كثيرة غيرهما.
لابد من القول ايضا:
ان الفريقين الفلسطينيين المتنازعين، يطالبان بالوحدة ويعيان مخاطر استمرار حالة الانقسام! ماذا يعني ذلك؟
ذلك يعني: ان الطرفين (يؤمنان) بإعادة الوحدة الى الصف الفلسطيني كقضية جوهرية. واذا كان مثل هذا الايمان قائم كتحصيل حاصل، فمعنى ذلك: ان الاختلاف يتعلق بالتفاصيل .. فقط ولكن لأن الشيطان والحالة هذه لا يجب ان يكمن في التفاصيل، فإنه لو توفرّت النوايا لأخضعت هذه الى المساومات، او إحالتها الى لجان وطنية فلسطينية من الفصائل الاخرى لتضع حلولاً لها يبقى القول: ان إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها وفقاً للمتغيرات الجديدة، والتمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني الذي يضمن حقوق الشعب الوطنية، ضمن صيغة جامعة وممثلة لكافة الاطراف الفلسطينية، بعيدا عن مظاهر الاستئثار والهيمنة والتفرد.. وبذلك يجري التخلص من حالة الانقسام، غير الطبيعية ولا الموضوعية والتي ان استمرت.. ستتحول الى حالة لاهوتية، بعيدة عن مستلزمات وضرورات وشروط الانتصار، وبعيدة عن المطالب الجماهيرية وعموم الحقوق الوطنية وتضع التاريخ في اتجاه معاكس للمشروع الوطني الفلسطيني، وبذلك فعلا تتعمق حالتا المأساة والملهاة في تكرار التاريخ لنفسه.. وهذا مالا نتمناه!
* كاتب فلسطيني


قضايا
القمة الإسلامية.. والبحث عن "القوة المفقودة" لأكثر من مليار مسلم!


عبدالمالك سالمان*
مع انتهاء أعمال القمة الإسلامية في العاصمة السنغالية داكار يومي 13 و14 مارس لعام 2008م، وصدور قراراتها وبيانها الختامي، لم أستطع ان أخفي شعوري بالصدمة مما آلت إليه قرارات تلك القمة الإسلامية لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم في عضويتها 57 دولة، وتعد ثاني أكبر منظمة عالمية بعد الأمم المتحدة. وتساءلت بحرقة: هل هذه القرارات تمثل إرادة "أمة المليار" أو بمعنى أدق أمة المليار وحوالي نصف المليار مسلم؟! حيث يبلغ تعداد العالم الإسلامي حاليا نحو 1,3 مليار مسلم ومسلمة، يشكلون خمس سكان الكرة الأرضية. في واقع الأمر، لم أقتنع أبداً بأن قمة كبرى كهذه يمكن أن تتمخض عن قرارات محدودة للغاية في مواجهة تحديات واستفزازات كبرى ربما لم تواجهها الأمة الإسلامية في تاريخها المعاصر من قبل. ورغم بيانات التهليل والاحتفال بالإنجاز الكبير لقمة داكار وهو إقرار ميثاق جديد لمنظمة المؤتمر الإسلامي يحاول تجاوز سلبيات الميثاق القديم الذي تم إقراره عام 1972، إلا أن الحقيقة الواضحة أمامنا،
أن حجم هذا الإنجاز لا يتجاوز عمليا بعض المسائل الإجرائية التي لا يتوقع لها موضوعيا ان تكون ذات أثر كبير على فاعلية أداء منظمة المؤتمر الإسلامي، مثل إقرار صيغة الغالبية أو الأكثرية بدلا من الاجماع في اتخاذ القرارات، فالتساؤل المطروح عمليا: هل هناك قرارات مؤثرة أولا يمكن التعويل عليها حقاً قبل الحديث عن حل إشكالية آلية اتخاذ هذه القرارات؟ وهناك أيضاً التوصل الى حلول بشأن مسائل ظلت خلافية لبعض الوقت بين عدد من الدول الأعضاء حول معايير قبول عضوية الدول الجديدة الراغبة في الانضمام الى منظمة المؤتمر الإسلامي، من حيث نسبة عدد السكان المسلمين فيها أو تمتع الدول العضو بعضوية الأمم المتحدة أولا أم لا؟، وهكذا... ولهذا، كان الشعور بالصدمة كبيراً، لأن منظمة المؤتمر الإسلامي التي يفترض أن تعبر عن إرادة أكثر من مليار مسلم مازالت تدور في مسائل العموميات وتحاول الإمساك بالصياغات الفضفاضة من أجل ضمان عدم حدوث خلافات بين الدول الأعضاء، ولا أعرف تحديدا هل تضمن الميثاق الجديد إجراءات عقابية محددة بشأن الدول التي لا تلتزم بالقرارات التي تصدر عن القمم الإسلامية، أم ان الأمر سيظل متروكا للإرادة السياسية أو السيادية لكل دولة على حدة؟ وبالتالي فإن التساؤل الكبير هو حول مدى القوة الإلزامية لقرارات المنظمة بعد تعديل الميثاق، وإلا فإن الأمور لن تختلف كثيرا سواء أصدرت القرارات بالإجماع أم بالأغلبية، إذا لم تكن هناك منظومة للردع والحزم تجاه الدول التي تغرد خارج السرب وتحاول ان تخرق القرارات التي تعبر عن اجماع إرادة الأمة الإسلامية. وفي تقديرنا، أنه بعد انتهاء أعمال القمة الإسلامية الأخيرة في داكار، وبعد مرور نحو 40 عاما على نشأة منظمة المؤتمر الإسلامي حيث ستبلغ العام القادم عامها الأربعين (1969 ــ 2009)، فلابد من وقفة مصارحة من أجل تفعيل العمل الإسلامي المشترك، ليعكس بصدق وفاعلية روح أمة "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"، وبما يترجم واقعيا وفعليا المفهوم الحقيقي للتضامن الإسلامي الذي تجسده أسمى رابطة روحية وإيمانية وهي رابطة العقيدة الدينية للإسلام، على نحو يعطي المعاني الحية والملموسة لقيمة أمة عظمى هي خير أمة أخرجت للناس اذا اشتكى منها عضو تداعت له كل أعضائها تضامناً وتوحدا واندماجا وتفاعلا بالحمى والسهر. إن أزمة الأمة الإسلامية تكمن في غياب السياسات الواقعية التي يتبعها المسلمون بل وتناقضها في أحايين كثيرة مع منظومة القيم والمبادئ والمثل العليا التي يدعو إليها الدين الإسلامي الحنيف، وهناك ضرورة ماسة للعمل جديا وبكل الإخلاص الإيماني من أجل نيل رضا الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء لتجسير الفجوة وسد الخلل بين مقومات القوة الإيمانية للإسلام وبين معطيات القوة العملية والسلوكيات الميدانية لأمة المليار مسلم. فنحن أمة بحاجة ملحة لاستنهاض الهمم والعزائم ولالتماس الصدق والإخلاص في القول والفعل حتى يمكن لها أن تستعيد نموذجها الحضاري المشع نورا على العالمين، والذي يمكن ان يفرض احترام الأمم الأخرى لها، ويستعيد هيبتها المستحقة في النظام العالمي. في ضوء هذه المعطيات، وانطلاقا من مبدأ المصارحة والمكاشفة فلا بد من طرح القضايا الجوهرية الملحة التالية:
القضية الأولى: والتي يمكن اعتبارها قضية الساعة في الاهتمام الإسلامي وهي قضية الإساءة الى نبي الإسلام العظيم محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه، وهي القضية المعروفة بالرسوم الكاريكاتورية الدنماركية المسيئة.
ونستطيع القول، بلا موارة، أن ما اتخذته القمة الإسلامية في داكار بهذا الشأن لم يرق أبدا الى طموحات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. فقبل أكثر من عام عندما تفجرت هذه القضية للمرة الأولى، تعالت الأصوات تطالب بالعقلانية والروية وعدم اتخاذ مواقف حادة على حادثة فردية، لكن الطريقة التي اتبعتها الدول الإسلامية في التعامل مع هذه الجريمة، هي التي قادت الى تفاقم هذه المشكلة الآن عندما عاودت معظم الصحف الدنماركية نشر الرسوم المسيئة تحت ذريعة تعرض الرسام المجدف لتهديدات بقتله، فما كان من هذه الصحف إلا أن استفزت عموم أمة المسلمين من دون أن تكترث بردود فعل أمة المليار على الإساءة مجددا إلى نبيهم ورسولهم ومقامه الرفيع الشريف. فلقد أوحت ردود فعل الدول الإسلامية المترددة والمتخاذلة لهذه الصحف بالتمادي في إساءاتها، ومن أسف أن دوائر منظمة المؤتمر الإسلامي تحدثت عن أنه كانت هناك وعود من الدول الأوروبية من أجل وقف تلك الحملة غير المفهومة في الإساءة للإسلام ونبي الإسلام المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن للأسف لم يتم الالتزام بذلك. والسؤال المطروح: ماذا كان رد فعل دول منظمة المؤتمر الإسلامي بعد معاودة الاستفزاز والإساءة، هل هو فقط الإعراب عن الأسف، أم أن الأمر كان يقتضي رد فعل يرتقي الى مستوى هذا الحدث ــ الجريمة؟ لماذا لم يصدر قرار جماعي بمقاطعة البضائع الدنماركية؟.. لماذا لم يتم تشكيل وفد من منظمة المؤتمر الإسلامي يتوجه الى بروكسيل للقاء ممثلي الاتحاد الأوروبي، والتعبير عن أشد مشاعر الغضب تجاه تلك الجريمة الدنماركية؟، ومطالبة الدنمارك باتخاذ إجراءات للتكفير عن هذه الإهانة الموجهة لأكثر من مليار مسلم ، بدلا من التذرع بالحجة المتهافتة ، عن حرية التعبير ، وبدلا من هذه المناشدة الهزيلة التي حملها البيان الختامي للقمة الإسلامية في داكار التي تطالب الحكومة الدنماركية "بالقيام بعمل اللازم ضد من شارك في هذه العملية وفقا للقوانين الوطنية والوثائق الداخلية التي تحظر الإساءة للمعتقدات الدينية للآخرين".. أهذا هو كل ما جاءت به جعبة القمة الإسلامية في داكار للتعامل مع هذه الجريمة النكراء؟ أهذا هو كل ما تستطيع أمة المليار مسلم ان تفعله للتعبير عن الغضب لإهانة رسولها الأشرف ونبيها الأكرم؟ أهذا هو كل ما يستطيع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ان يفعلوه للرد على هذا التجريح وتلك الإهانة لعقيدتهم ولإسلامهم؟! بالطبع لا.. ومن هنا نقول أن قمة داكار الإسلامية قد فشلت في الرد على هذا التحدي الإيماني الكبير ولم تستطع ان تعبر عن إرادة أمة المليار ولا غضبها لكرامتها ولدينها ولعقيدتها ولمكانة رسولها الأعظم. وفي تقديرنا أن مثل هذه الردود الباهتة والقرارات الهزيلة هو ما يجعل بغات الأرض يواصلون جرأتهم على الإسلام ونبي الإسلام، والاستهانة بردود فعل المسلمين، كما أنه يبرهن مجددا على ضعف وهزال فاعلية منظمة المؤتمر الإسلامي.
ولهذ فإننا نأمل ان يتدارك أعضاء المنظمة الإسلامية عما قريب خطورة الخطأ الفادح الذي وقعت فيه قمة داكار التي يبدو أنها كانت منهمكة في إقرار الميثاق الجديد أكثر من أي شيء آخر، وتدعو عما قريب لاجتماع عاجل لوزراء خارجية الدول الإسلامية لمناقشة كيفية الرد على الرسوم الدنماركية المسيئة قبل ان يتسع نطاق الاستهانة بالإسلام والمسلمين على نحو أوسع انتشارا. والقضية الثانية: هي قضية شديدة الارتباط بالقضية الأولى وهي تتعلق بالدفاع عن الإسلام في وجه الحملة الغربية الشرسة الرامية الى تشويهه وإلصاق تهم الإرهاب والتطرف به، وهي حملة تزداد أواراً منذ أحداث 11 سبتمبر. ومن اللافت للنظر ان قمة داكار الإسلامية قد اعترفت بالملامح الخطيرة لظاهرة العداء للإسلام في الغرب، عبر ما كشفه تقرير المرصد الإسلامي من استفحال ظاهرة ما يسمى "الإسلاموفوبيا" أو "كراهية الإسلام والخوف منه في الغرب"، وحذر التقرير من عواقب ذلك على مكانة الإسلام والمسلمين وخاصة في العالم الغربي. والسؤال المطروح هنا هو: هل مهمة منظمة المؤتمر الإسلامي أو القمة الإسلامية هي التعليق على هذا التقرير الخطير بالإعراب عن القلق والتحذير من المخاطر عبر عدة فقرات في البيان الختامي؟ أين هي السياسة الحركية، وأين هي استراتيجية المواجهة؟ وأين هو العمل الإيجابي؟ لماذا لم يصدر قرار بتشكيل لجنة وزارية على أعلى مستوى للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة؟ لماذا لم تتم المبادرة لفتح حوار مع الغرب على مستوى وزراء الخارجية للتصدي لظاهرة الإساءة للإسلام في الغرب، وهو حوار يمكن فتحه مع الدائرة الأطلسية التي تضم في عضويتها دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا وكندا؟ نقول ذلك لأن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" سواء في الدوائر البحثية والأكاديمية أم في الصحافة ووسائل الإعلام في الغرب تتم تحت رعاية وتشجيع دوائر سياسية واستراتيجية غربية، بل وكثيرا ما يسهم سياسيون غربيون كبار في الإيعاز بها أو توجيهها والمشاركة شخصيا فيها عبر تصريحات متطرفة هنا وهناك بين الحين والآخر. ولذلك فهناك حاجة ماسة لحوار سياسي بشأن ظاهرة العداء للإسلام في الغرب ، لكي يمكن لجهود تصحيح المفاهيم وسوء الفهم بين الإسلام والغرب واحتواء مخاطر التطرف والإرهاب ان تؤتي ثمارا، بدلا من ان يظل العمل الوحيد الذي يتم القيام به هو إصدار البيانات والمناشدات. والقضية الثالثة: تتعلق بالقضية المحورية التي قامت من أجلها منظمة المؤتمر الإسلامي وهي الدفاع عن المسجد الأقصى وعروبة القدس في أعقاب الجريمة الصهيونية بحرق المسجد الأقصى عام 1969م، حيث دعا العاهل السعودي الراحل الملك فيصل رحمه الله الى عقد مؤتمر خاص لتجميع جهود الدول الإسلامية للدفاع عن المقدسات الإسلامية في المسجد الأقصى والقدس الشريف، وعقد المؤتمر الأول للمنظمة الذي شهد تأسيسها في 25 سبتمبر عام 1969، ثم دشن ميثاق المنظمة إعطاء الأولوية لقضية القدس عبر اعتبار مدينة القدس هي المقر الدائم لمنظمة المؤتمر الإسلامي بعد زوال الاحتلال الاسرائيلي واتخاذ مدينة جدة السعودية مقرا مؤقتا، كما جاء في قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي تشكيل لجنة القدس على ان يترأسها العاهل المغربي واستمر الملك الحسن الثاني في ترؤسها حتى وفاته ثم تولى رئاستها من بعد رحيله الملك محمد السادس حاليا، لإظهار الأهمية الفائقة لقضية القدس في أهداف منظمة المؤتمر الإسلامي. وفي العام القادم 2009 سوف يمر على تأسيس المنظمة أربعون عاما والسؤال الكبير هو ماذا أعدت المنظمة الإسلامية للدفاع عن هوية القدس والتصدي للمخاطر التي تهدد هويتها العربية والإسلامية عبر مخططات التهويد، والحفريات الخطيرة التي تهدد بتدمير المسجد الأقصى؟
ولعل من عوامل الشعور بالصدمة ان قمة إسلامية تنعقد على مقربة من مرور 40 عاما على الهبّة الإسلامية للدفاع عن المسجد الأقصى، لا تتخذ أي قرارات حازمة أو إجراءات مؤثرة للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى في وقت تزايدت فيه المحاولات الاسرائيلية لتهويد القدس، وكثرت فيه التحذيرات من المخاطر التي تتهدد مصير المسجد الأقصى من جراء الحفريات الاسرائيلية الخطيرة والمتسارعة تحت المسجد الأقصى. وفي هذا السياق يكفي ان نشير الى ما أعلنه غداة انعقاد القمة الإسلامية في داكار الدكتور حسن خاطر الأمين العام للجبهة الإسلامية - المسيحية للدفاع عن القدس والمقدسات والتي حذر فيها من أن سلطات الاحتلال الاسرائيلي قد قطعت شوطا كبيرا في الإعداد لأخطر وأكبر مشروع يستهدف تهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس. وجاء في التصريح الخطير للدكتور حسن خاطر ما يلي: "إن سلطات الاحتلال انتهت من وضع أدق التفاصيل لتهويد ما يمكن تسميته بـ "المربع الأول والأهم" في القدس والذي يضم إضافة الى البلدة القديمة، المنطقة الممتدة من حائط البراق الى باب الساهرة وجبل الزيتون والطور، وصولا الى فندق الأقواس السبعة، ومن الثوري الى عين سلوان التي يزعمون أنها "مدينة داود" ويدخل ضمن هذا المربع أيضا المسجد الأقصى المبارك والكنائس والحديقة والأراضي التابعة لها في منطقة الصوانة والجثمانية ومنطقة الطور، وباب الأسباط والمقبرة الإسلامية، وكذلك باب المغاربة وأراضي الأوقاف وساحة باب المغاربة، وكل المساحة الممتدة الى عين سلوان، وحتى باب الساهرة في محيط أسوار المدينة المقدسة". وقد أعلنت اسرائيل مؤخرا عن هذا المشروع الخطير بهدف تغيير معالم الهوية الثقافية والحضارية والدينية للمدينة المقدسة، حيث تستهدف رأس القدس وقلبها، وتسعى الى تحويل الأقصى والقيامة ومعالم القدس الدينية الأخرى الى مكونات صغيرة في لوحة دينية مزيفة تطغى فيها الصورة اليهودية على الصورة الإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، وقد أنهت وضع المخططات تحت مسمى "واجهة القدس"، وهي تباشر حاليا إستكمال الجوانب الفنية وتأمين الاحتياجات المالية. وقال د.حسن خاطر: "إننا في الجبهة الإسلامية المسيحية نحذر من الاستهانة بهذا المشروع أو المرور عنه مرورا عابرا وسنعمل على وضع الأمة بكل قادتها وشعوبها وكذلك المؤسسات الدولية والإنسانية وأطراف العملية السلمية في صورة هذا المخطط الخطير ليرى العالم كله ان سلطات الاحتلال تتقن الحديث عن السلام في المؤتمرات واللقاءات ولكنها على الأرض لا تعرف إلا الاستيطان والعمل على تهويد المدينة المقدسة". والسؤال المطروح هنا: أين دور منظمة المؤتمر الإسلامي والقمة الإسلامية في داكار في التصدي لهذا المخطط الصهيوني الخطير لتهويد القدس؟.. ولماذا لم تبادر الى جعل العام الأخير قبل حلول الذكرى الأربعين لتأسيس المنظمة الإسلامية عام الدفاع عن القدس وفضح المخططات الاسرائيلية للتهويد، ودعم أهالي القدس للتصدي لهذه الهجمة الضارية للتهويد التي تستهدف القضاء على الهوية العربية والإسلامية للقدس وتثبيت ذلك كأمر واقع في مفاوضات الوضع النهائي للتسوية اذا قدر لهذه المفاوضات ان ترى النور أو للتسوية ان تجد طريقا للوصول الى نهاية لمشوار المراوغات الاسرائيلية. ومن هنا نقول ان الصدمة كانت كبيرة فيما انتهت إليه قمة داكار، لأنها تعاملت مع مثل هذه القضايا الحساسة والفاصلة بطريقة روتينية لم ترتق أبدا الى مستوى طموحات وتطلعات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. والقضية الرابعة: هي غياب الجدية وضعف المصداقية في السعي المخلص لتجاوز واقع التخلف الحضاري الذي تعاني منه الأمة الإسلامية، والذي جعلها في حالة تبعية مستدامة للغرب الاستعماري، فرغم التخلص من الهيمنة الاستعمارية المباشرة ونيل الاستقلال لبلدان العالم الإسلامي، إلا أن معظم هذه الدول مازالت تدور في فلك الغرب ولم تستطع ان تترجم على أرض الواقع المعاني الحقيقية لمفهوم الاستقلال، بل انها تعطي الأولوية لعلاقتها مع الغرب على حساب علاقاتها مع شقيقاتها من الدول الإسلامية. ويرتبط بذلك ضعف الهمة والعزائم للتصدي للمشكلات التي أضعفت العالم الإسلامي وجعلت أمة المليار لا تمتلك مقومات القوة الفعلية لفرض إرادتها وإجبار العالم على احترامها.
ويكمن ذلك في تفشي مشكلات الفقر والأمية وضعف مستوى التعليم وهزال الاهتمام بالبحث العلمي، والتخلف التكنولوجي وتدني مساعي اللحاق بمعطيات الثورات العلمية والمعلوماتية والتكنولوجية التي توفر مقومات التقدم والمنعة والقوة للدول والأمم المعاصرة. وعندما اعتمدت القمة الإسلامية الاستثنائية في مكة المكرمة عام 2005 خطة عشرية أي لمدة عشر سنوات لتجاوز واقع التخلف والجهل والتقدم في مسيرة التنمية عبر تعزيز تعاون البلدان الإسلامية في نقل التكنولوجيا الحديثة، ومكافحة الفقر، وتم تأسيس صندوق اسلامي لمكافحة الفقر يكون رأسماله 10 مليارات دولار، تباطأت وتخاذلت الدول الإسلامية في دعم هذا الصندوق، وحتى انعقاد قمة داكار تم تجميع 5،2 مليار دولار فقط لمشروع مكافحة الفقر في العالم الإسلامي، رغم ان هناك بلدنا عربية وإسلامية تمتلك ثروات طائلة وخاصة بعد الطفرة العالمية في زيادة أسعار النفط. وهو أمر يدعو الى الأسف حقاً، فأين معاني التضامن والتكافل الإسلامي؟ وأين الحرص على تجاوز واقع التخلف واللحاق بالتطور الحضاري العصري والسعي لتحطيم قيود التبعية للغرب، وامتلاك الإرادة السياسية الحرة؟! إن أداء منظمة المؤتمر الإسلامي لم يرتق أبدا الى مستوى طموحات الشعوب الإسلامية، ولا يكفي الاستمرار في ترديد اسطوانة يكفي وجود هذه الرابطة للتعبير عن التضامن الإسلامي، لقد حان الوقت لأن يرتقي العمل الإسلامي المشترك الى مستوى التحديات والطموحات لإرادة أكثر من مليار مسلم، بدلا من الدوران في دائرة الكلام الإنشائي والبيانات الرتيبة، والقرارات الروتينية المتكررة، وإلا فإن هذه المنظمة ستفقد مصداقيتها نهائيا ولن يهتم أحد بما تفعله سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه خلال السنوات القادمة.
* كاتب وباحث في الشؤون السياسية


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر مارس 2008 م

 

 




.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept